الرئيسية / ترجمة / دانييل لورانزيني: الجنس كفن

دانييل لورانزيني: الجنس كفن

ترجمة: محمد ازويتة

لماذا نترجم فوكو ؟
الغاية من نقل نصوص فوكو الى اللغة العربية ، و نشرها على موقع كووة الثقافي ، هي : أولا ، تعريف أكبر عدد ممكن من القراء باهتمامات الفكر الفلسفي الغربي في ما يخص القضايا و الاشكاليات التي يطرحها في ثقافته ، ثانيا ، استيعاب و تملك ما هو مطروح من طرق و مناهج في التحليل ، ثالثا ، و هذا هو المهم ، أن نتخذ مسافة إزاءها ، بأن نفكر جميعا ، من موقعنا ، في ما يمكن أن تثيره فينا من أسئلة تهم ثقافتنا العربية .
محمد ازويتة

في درس 1980 ـ 1981 درس فوكو الانتقال من الايتيك ” الوثني ” الى الأخلاق المسيحية . في ما وراء هذا السؤال الفلسفي ـ التاريخي ، فإن المطروح هو جينيالوجيا أخلاقنا الجنسانية .

الدرس الذي ألقاه فوكو في كوليج دو فرانس ما بين 7 يناير و 1 ابريل 1981 ، ” الذاتية و الحقيقة ” ، هو الثاني عشر الذي رأى النور بفضل المجهود الكبير الذي قدمه فريديريك غرو . لم يبق سوى واحد ، و هو المتعلق ب 1971 ـ 1972 ، ” نظريات و مؤسسات عقابية ” ( الذي من المنتظر أن يرى النور 2015 ) ، لكي تكون كل دروس فوكو بكوليج دو فرانس في المتناول . يكمل هذا الدرس ، الذي تم نشره بمناسبة مرور ثلاثين سنة على وفاة فوكو ، سلسلة دروس سنوات الثمانينات ، المميزة بما أسماه فوكو نفسه بسفره باتجاه الرحلة اليونانية اللاتينية (1) ، و التي وصفها الكثير من المؤولين ( رغم ما في هذا النظر من اختزال ) بالمرحلة ” الايتيكية ” .
مثل الدرس السابق ” في حكم الأحياء ” داخل مسار فوكو ، نوعا من القطيعة ، و من الاستئناف : في هذا الدرس ، و كذا في محاضرات ” أصل تأويلية الذات ” (2) ، سيدشن فوكو بوضوح مشروع كتابة جينيالوجيا الذات المعاصرة تحت شكل خاص ” لاركيولوجيا المعرفة ” ، أي لدراسة ” العلاقات التي تربط تمظهرات الحقيقة مع إجراءاتها و الذوات التي هي فاعلوها ، شهودها و احتمالا موضوعاتها ” (3) . تندرج دروس ” الذاتية و الحقيقة ” ، داخل هذا المشروع ، و مع ذلك ، من جهة ، فإن السياق التاريخي الذي وظف فيه فوكو تلك العلاقات ليس هو مسيحية القرون الأولى و لكن الفترة الإغريق رومانية ، و من جهة أخرى ، فإن أفق كتابة تاريخ للجنسانية ، الذي تمت صياغته بداية في 1976 (4) ، هو الذي صار من جديد مركزيا ، و بذلك شكلت دروس 80 / 81 حقلا أوليا لإعداد موضوعات ستتم معالجتها في الجزأين الأخيرين من تاريخ الجنسانية ، و اللذان سيظهران ثلاثة سنوات في ما بعد . (5)

تحول الافروديسيا و ظهور الرغبة


في درس ” الذاتية و الحقيقة ” ، استهدف فوكو إعادة رسم جينيالوجية أخلاقنا الجنسانية ، سؤال تاريخي شاسع ” مميز ” : ما الذي حدث في القرن الأول من تاريخنا ، في منعطف ما نسميه بالايتيك الوثني و الأخلاق المسيحية .؟
جواب فوكو هو شيئا ما مفاجئ : الكثير من العناصر لما سمي بالأخلاق المسيحية قد تم إعدادها و بناؤها داخل سياق آخر مختلف ، و المقصود السمات الفلسفية ( و بخاصة الرواقية ) عن ” فنون الحياة ” في فترة الامبراطورية الرومانية . و مع ذلك فالاشياء تظهر أكثر تعقيدا مما يعتقد . قبل ذلك من الملائم الاشارة الى أن أغلبية الدرس هو موجه الى إعادة بناء دقيق ” لنظام ” الافروديسيا ـ أعمال أفروديت ــ في اليونان القديمة و الهلستينية ، في الوصف التفصيلي لللتحولات الأكثر دلالة التي عرفها النظام داخل سياق روما الامبراطورية . لقد تم تنظيم نظام الافروديسيا ، حسب فوكو ، انطلاقا من مبدأين أساسيين تم استخلاصهما من ” مفتاح الأحلام ” لارتيمودور :
من جهة ، هناك مبدأ الفعالية ، أي منح قيمة خاصة للايلاج داخل العملية الجنسية : ” الادراك الايتيكي للأفروديسيا هو كليا موجه من وجهة نظر الفرد الفاعل ” ، و الايلاج ، كتعارض كما يمكن أن يظهر ، ” ليس سيرورة تحدث بين شخصين ” ، و لكن ” فعالية لذات و فعالية من ذات ” . و بما أن الأمر كذلك ، فإن الايلاج يشكل ” النواة المركزية و الطبيعية لكل الافعال الجنسية ( لكل الافردويسيا ) . و بالتالي ، ففوكو يؤكد بأن الايتيك الجنساني الاغريقي هو مميز بضرورة التحديد الذاتي الدقيق ، ليس بسبب احترام من أجل الشريك الجنسي ، و لكت لأن الافروديسيا كانت موجهة بمبدأ الفعالية غير العلائقية ، لهذه الفعالية للذكر ، ” يمكنها و يلزمها أن تفرض على نفسها القواعد الأخلاقية ، القواعد الاتيكية ، كتلك التي تفرض على كل فعالية . و هكذا ، داخل نشاطه الجنسي كما داخل كل نشاط ، يلزم على الفرد أن يلتزم بالقياس الصحيح ، يلزم أن يمارس ” تحكما و سيادة تامة على ذاته ، حتى لا يترك ” للذة ” الميل نحو خطورة غير محددة ، التي هي مميزة للمرأة أو الصبي المنحرف . لذة الرجل الفاعل هي بالعكس ” مجرد نظير ” لفعاليته ــ لذة مقاسة و التي ستبقى مدرجة داخل نشاط مقيس .
من جهة أخرى ، هناك مبدأ التشابه السوسيو جنسي ، الذي يقوم على اعتبار الافعال الجنسية في العمق من نفس طبيعة و شكل العلاقات الاجتماعية التي تستند إليها أو ترتبط بها . و بعبارات أخرى ، من أجل تقييمها ، على الفعل الجنسي أن يحترم التراتبيات الاجتماعية الموجودة بين الشريكين . و بالتالي نفهم لماذا كان من الشرعي أن تكون للرجل المتزوج علاقات جنسية ( فاعلية ) مع خادمته أو عبده : باعتباره سيدا لهما ، فإنه لم يعمل سوى على توظيف ، داخل الفعل الجنسي ، نفس نوع العلاقات الاجتماعية الموجودة بينهما داخل الواقع الاجتماعي . بهذا المعنى فهو ليس زنا . في المقابل سيكون محرما على فرد متزوج أن يقيم علاقة جنسية مع زوجة جاره ، سيكون هذا الفعل متعارضا مع العلاقات الاجتماعية : سيتعدى على حقوق الآخر، و يقيم سلطة على ” ممتلكاته ” .
هذان المبدءان ، المترابطان بشكل مختلف ، يحددان ، حسب فوكو ، معايير تقويم الايتيك الجنساني داخل الاغريق القديمة و الهلستينية ـ ايتيك لا يخضع لشكل القانون ، كما لا ينبني على المحرمات و الممنوعات المرتبطة بقواعد محددة .
و مع ذلك ، و بالاستناد إلى أعمال بول فاين (6) ، فإن فوكو أكد على أن النظام الاغريقي للافروديسيا قد عرف تحولا عميقا في المرحلة الرومانية عندما ارتكز الايتيك الجنساني أكثر فأكثر على رابط الزواج : أكد فوكو بالفعل بأن ما شكل مشكلة داخل النظام الاغريقي للأفروديسيا ، ليس هو الزواج ( شكل من العلاقة الاجتماعية المؤسسة ، المتشاكل كليا مع العلاقات الجنسانية التي انتظمت داخله ) ، و لكن علاقة الرجل الراشد ـ الصبي ، على اعتبار أن هذه العلاقة يلزم أن تتضمن مبدأ تشاكل سوسيو ـ جنسي ـ الصبي يتحمل دورا سلبيا ـ علما أنها مؤسسة على علاقة تربوية و التي هدفها هو تحويل الصبي الى ذات فاعلة
. غير أنه إزاء هذين المبدأين ، باعتبارهما متعارضين ، فإن علاقة الرجل البالغ ـ الصبي ، التي رغم قبولها ، طرحت مشكلة بالنسبة للاغريق . و على عكس ذلك ، فإن مبدأ التشاكل الجنسي ، في المرحلة الرومانية الامبراطورية ، سيعرف تحولا جذريا من خلال منح ” قيمة كبرى للزواج ” : داخل هذا السياق الجديد ستنحصر العلاقة الجنسية في الزواج باعتباره علاقة شرعية . و بعبارات أخرى ، فالزواج هو الذي يحدد قانون تقييم العلاقة الجنسية داخل العلاقات المادية التي كانت تجري : مبدأ ” الربط الحصري للعلاقة الجنسية داخل الزواج ” . و هكذا ، سيجد المبدءان الرئيسيان اللذان ميزا الافروديسيا الاغريقية تحولا و تغيرا : من جهة ، ستمنح قيمة مهمة غير مسبوقة للسلبية ( التي كانت محصورة في المرأة و الصبي ) ، من خلال الأهمية التي ستمنح لتبادل المشاعر ، للتوافق المعبر عنه من خلال الشريكين و بناء حياة مشتركة ، و من جهة أخرى ، تكسير ” المنتظم السوسيو ـ الجنسي ، إذ بدءا من ذلك ، سيتم اعتبار الشريكين المتزوجين كحقيقة واقعية ، مختلفة ، لا يمكن اختزالها الى العلاقات الاجتماعية الأخرى . و في نفس الوقت ، حسب فوكو ، سيتم بدءا من ذلك اعتبار اللذة ( حتى بالنسبة للذات الفاعلة ) كعلامة لسلبية خطيرة : يتعلق الأمر بتجاوز ، بفصل الفعل الجنسي عن كل لذة كيفما كانت .
لذلك ستظهر الرغبة أول مرة كمفهوم مستقل ، بثمن التحييد النسبي للفعل و اللذة ، للجسد و اللذة . صار مبدأ ، مقولة الالتزام و الوفاء الجديد ، الذي يلزم على الرجل المتزوج أن يحترمه ، تجبره على إجراء داخله فصلا بين ذكورته الاجتماعية ، و ذكورته الجنسانية : و نتيجة لذلك ، سيتم نزع الطابع الجنسي عن العلاقات الاجتماعية ، و سيكون الزوج ملزما ببنينة بطريقة متناسبة العلاقة التي له مع زوجته ، مزيحا كل شكل للهيمنة . يلزمه أن يمارس على ذاته مراقبة دقيقة ” من أجل تحييد ، إضعاف كل رغبة غير ملائمة . بهذا المعنى ، تتشكل الرغبة ، المتعالي التاريخي الذي يمكن انطلاقا منه أن نفكر في ” تاريخ الجنسانية ” ، كمبدأ للتذويت / و التوضيع للأفعال الجنسانية ــ تتقدم الجنسانية كبعد دائم و أساسي للذاتية .

حقيقة الذات versusمعارضة لفن الحياة


في ” الذاتية و الحقيقة ” تساءل فوكو بخصوص أطروحة الفصل بين الاتيك الوثني و الأخلاق المسيحية ، التي تم التفكير فيها غالبا تحت شكل خطاطة مزدوجة التي تقابل الحرية بالتزمت ، الشهوة و المتع بالتخلي و الامتناع ، اللذة بالشبقية . بعيدا عن أن تشكل إبداعات جديدة نموذجية للمسيحية ، حصر العلاقات الجنسية في الزواج ، الإلزام بالوفاء في العلاقات الزوجية ، الحط من كل أشكال اللذة و ظهور الرغبة ، فإنه من الممكن رصدها قبلا ، حسب فوكو ، داخل المعالجات الفلسفية التي اهتمت بفن الحياة التـــــــي ازدهرت في المرحلة الامبراطورية الرومانية .
و مع ذلك ، فإن فوكو لا يدعم أطروحة الاستمرارية التامة بين الفترة ” الوثنية ” القديمة و المسيحية . لكتابة تاريخ الأخلاق ، يمكن أن نؤكد على ” قواعد السلوك ” التي تحدد ما هو مسموح و ما هو ممنوع و محرم ( من وجهة النظر هذه يظهر نوع من الاستمرارية الأكيدة ، فقد حدث انتقال قوي لسلسلة من العناصر من القواعد المقننة و السلوكات الجنسية منذ نصوص أنتيباتروس ، موزينوس ريفيس ، سينيك ، ابيكتيت ، بلوتارك ، ، داخل المسيحية ) ، و لكن يمكن أن نركز أيضا على ” أشكال التذويت ” (7) . بالاستناد الى المنظور الثاني سيصير ممكنا فهم ليس فقط النظام الاغريقي للأفروديسيا هو مختلف كليا عما تم بناؤه في سياق الامبراطورية الرومانية ، فبالأحرى الأخلاق الجنسية المسيحية ، و لكن التأكيد على أن الايتيك الجنساني الروماني قد تميز هو أيضا ببنينة للعلاقات بين الذاتية و الحقيقة متعارض كلــــيا مع ما تم بناؤه مع المسيحية .
في الواقع ، إذا كان صحيحا أن الأخلاق الجنسانية المركزة على ” رابط الزواج ” مع الافروديسيا لا ينتمي الى جوهر المسيحية ( ذلك أنه تشكل قبلها ) ، فإن المسيحية مع ذلك ، هي التي استعادته ، بولادة ، انطلاقا من القرن الرابع ـ الخامس ، ” تجربة الشهوة الجسدية ” . هذا الشكل الجديد للتجربة ، هذه الطريقة الجديدة لبنينة العلاقات بين الذات ، الحقيقة و الجنس ، سجلت ، حسب فوكو ، قطيعة جد هامة ، ليس فقط إزاء التجربة الاغريقية للأفروديسيا ، و لكن أيضا إزاء الايتيك الروماني : في النظام المسيحي للشهوة الجسدية ، فإنه من الضروري ، لكي تصل الى الحقيقة ، أن تتطهر من كل ما يمكن أن يلامس الفعل الجنسي ( و هو ما كان أيضا حقيقي بالنسبة للإغريق و الرومان ) ، يتطلب هذا التطهير، ” بأن يقيم كل فرد مع ذاته نوعا من العلاقة مع ذاته تسمح له باكتشاف داخله كل ما يمكن أن يخدع الحضور الخفي للرغبة الجنسية ” . مفروض على الذات ، داخل المسيحية ، بأن تقيم علاقة خاصة بحقيقة من تكون : يلزمها أن تعترف ، يلزمها أن ” تقول الحقيقة ” عن نفسها ، و أن تكشف عن الحقيقة المختفية أو المحتجبة في عمق روحها ــ خلق أساسي أدخلته المسيحية داخل تاريخ العلاقات بين الذاتية و الحقيقة . ” كشف الحقيقة في ذاتي ، إظهار الحقيقة التي أجريها على ذاتي ، من أجل ذاتي و داخلها ، هذا ما سيسمح لي بتحرير نفسي من هذا الرابط إلى الرغبة الجنسية الذي منعني من الوصول الى الحقيقة ” .
لذلك ، إذا لم تكن المسيحية هي التي حولت اللذة أو المتعة الجنسية إلى جانب النجاسة أو الخطيئة ، إذا لم تكن المسيحية هي التي أثبتت عدم توافق أو تعارض النشاط الجنسي والوصول إلى الحقيقة ، فإنها ، وفقا لفوكو ، أدخلت مسألة حقيقة الرغبة الفردية باعتبارها سؤالا سابقا عن كل وصول إلى الحقيقة ذاتها . و بعبارات أخرى ، كما كتب في مخطوطه الإعدادي لدرسه الأخير ” الذاتية و الحقيقة ” ، رغم أن مشكلة ” ذات الرغبة ” قد ظهرت قبل المسيحية ، فإن هذه الأخيرة فقط هي التي طرحت المشكلة ـ المميزة ” لكل حضارتنا و لكل طريقتنا في التفكير ـ ذات الرغبة ” كموضوع للمعرفة ” . من وجهة النظر هذه ، فإن المسافة بين التجربة المسيحية للشهوة الجسدية و النظام الاغريق ـ روماني للأفروديسيا هو كبير : في الثقافة الاغريق ـ رومانية ، فإن الفعالية الجنسانية لم يتم التفكير فيها أبدا كموضوع للمعرفة ، لم تكن الافروديسيا لا خاصية للطبيعة ، و لا بعدا للذاتية ، و لكن نوعا من الأفعال المميزة بشكلها و بالمخاطرة التي يتعرضون لها بخصوص فقدان السيطرة . تشكل هذه الأفعال موضوعا ” لفن الحياة ” ـ طريقة مفروض على الفرد أن يصنعها و يبنيها ، أن ” يؤسلبها ” من خلال مجموعة من ” تقنيات الذات ” .
ليست إذن العلاقة فقط بين الذاتية و الحقيقة هي التي تظهر مختلفة ، إذا اعتبرنا من جهة ، الفترة الإغريق رومانية ، و من جهة أخرى ، الرهبنة المسيحية . بالعكس ، في ” الذاتية و الحقيقة ” ، أوضح فوكو بشكل جيد بأن كل واحد من ” قطبي ” هذه العلاقة قد عرف تحولا جذريا ، خلال انتقاله من الايتيك ” الوثني ” إلى الأخلاق المسيحية . من جهة ، أكد فوكو بأن ” الذاتية ” الإغريقية هي الحياة bios ، أي ” شكل العلاقة الذي نقرر امتلاكه نحن مع الأشياء ” و ” الطريقة التي يدمج بها حريته الخاصة ، غاياته الخاصة ، مشروعه الخاص داخل تلك الأشياء نفسها ” . لذلك ، فإن تقنيات الذات الإغريقية الرومانية هي في الواقع تقنيات للحياة ( des tekhnai peri ton bion ) : تمارس على الحياة من أجل صنعها ، بنائها و تحويلها وفقا لسلسلة من الأهداف التي يقترح الوصول إليها ( سكينة الروح ، الطهارة ، السعادة الخ …. ) . لا علاقة لذلك مع الذاتية المسيحية ، التي تشكلت من خلال وجود عالم آخر الذي يلزم أن يستقطب وجودنا ، بضرورة أن نتملص مما نحن عليه لكي نرتد و نتوجه نحو ما هو أساسي و جوهري ، و بإمكانية ” أن نكتشف في ذواتنا ما نحن عليه أصلا ” . من جهة أخرى ، أظهر فوكو بأن الحقيقة المرتبطة بتقنيات الذات القديمة هي غير محددة لا بتطابق مع الواقع ، و لا بعلاقة مع سر دفين يلزم كشفه و تفسيره داخل سريرتنا الروحية أو السيكولوجية للذات : بالعكس ، فقد أنتجت و تمظهرت على سطح الحياة ” كقوة ” معتبرة أو مفروض فيها تأمين الانتقال من الخطاب الى الفعل ، و من اللوغوس logos إلى الايتوس l’êthos . (8)
إن هذه الثورة المفاهيمية المزدوجة التي قدمها فوكو في ” الذاتية و الحقيقة ” ، بعيدا عن إرجاعها الى البعض النظري الخالص ، فهي تهدف بشكل واضح الى جعلنا ندرك الحاجة المستعجلة لغاية فعلية ممارسة ـ غاية حددها فوكو أحيانا ، في أعماله لسنوات الثمانينات ، ” كسياسة لذواتنا ” ، أحيانا ” كإيتيك للذات ” ، و أحيانا أخرى ” كجمالية للوجود ” . يتعلق الأمر بفهم بأن شكل ذاتيتنا هو أصلا تاريخي و عارض ، بأن ” نظام الحقيقة ” الذي تم تشكل هذا الشكل داخله ، هو ليس ضروري و لا طبيعي ، و أن نعي إمكانية تغيير مظاهر علاقتنا مع ذواتنا ، مع الآخرين و مع العالم التي نعتبرها مرفوضة ــ و بالتالي ، العمل على تحويل الذاتية التي فرضت علينا ، و رفض نظام الحقيقة الذي يعطي الوهم بأن تلك الهيمنة أو الاخضاع هي ضرورية . إن العمل التاريخ فلسفي الدقيق الذي قاده فوكو بخصوص النصوص القديمة يظهر مترابطا مع الغاية الايتيك سياسية الحالية : المسائلة الدائمة لما نحن عليه و إدراك ، ليس فقط الجنس ، و لكن العلاقة مع ذواتنا ليس كقدر ، و لكن ” كإمكانية للوصول الى حياة خلاقة و مبدعة ” .(9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامش :

1) فوكو “شجاعة الحقيقة ” دروس كوليج دو فرانس 1984 / غاليمار 2009 ص 3 .
2) فوكو ” أصل تأويلية الذات ” محاضرات بيركلي 1980 / vrin 2013 .
3) فوو ” في حكم الأحياء ” دروس كوليج دو فرانس 1979 ـ 1980 غاليمار 2012 ص 97 ـ 98 .
4) فوكو ” إرادة المعرفة ” ( الريخ الجنسانية ج 1 ) 1976غاليمار .
5) فوكو ” استخدام اللذات ” ( تاريخ الجنسانية ج2 ) 1984 غاليمار.
6) بول فاين ” الأسرة و الحب في ظل الأمبراطورية الرومانية 1978 ص 35 ـ 36 .
7) فوكة ” استخدام اللذات ” مرجع سابق ص 41 .
8) فوكو ” أصل تأويلية الذات ” ص 48 .
9) فوكو حوار بعنوان ” الجنس ، السلطة و سياسة الهوية ” كتابات و أقوال ” ج2 1976 ـ 1988 غاليمار 2001 ص 1554 .

شاهد أيضاً

من السلطة الحيوية إلى الأمن الإنساني: التفكير في دور الدولة في عصر “الحداثة” ومع بعدها

بقلم: ادريس شرود تقديم     ترافق صعود الرأسمالية مع ميلاد الدولة الحديثة  وتطور عقلانية سياسية جديدة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *