الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / قيود الرأى قبل حريته

قيود الرأى قبل حريته

هناء السعيد

بقلم / هناء السعيد … ( مصر )

من المسائل التى لا يمكن أن يُنظر إليها فى كل عصر بنفس المنظور ، ( حرية الكلمة ) هل هى حق مطلق للفرد إيمانًا بفردانيته واستحقاقه أن يعبر عن دواخله ورؤيته للعالم، أم هى حرية لا تعرف الإنطلاق ، حرية لا تتحرك دون رباط فى عنقها يشدها إلى الواجب والمفترض، يشدها إلى الإجماع ورضا الأغلبية ؟!!
قبل كل شيء سنضع الأطر والسياقات التى نتعامل فيها مع هذه الحرية ، التعامل الواعى مع كل شيء هو الإطار الذى يقينا عبثية المواقف التى لا يلزم أن تكون واحدة جامدة محفوظة ثابتة مقدسة لا تناقش ولا تنقض .
الكلام .. كل كلام سواء مكتوب ، يتغنى به ، يكون ضمن أداء تمثيلى على الشاشات لابد أن يخضع للرقابة الذاتية أولا ثم المجتمعية ثم القانونية إن لزم الأمر .
فبعد ما مرت به مجتمعاتنا من إضرابات وتغييرات هزتها كليا ، اصبح من الضرورى إعادة النظر لفعالية الكلمة والرأى الآن فى عصر الإنترنت ، حيث رخص النشر ، وسرعته وخطورة ذلك التى لا يمكن تغافلها .
بحسب تعريف ” ووربيرتن” فإن تعريف حرية الكلام هى حرية التعبير عن إرادتك فى الأوقات والأماكن المناسبة ، لا حرية الحديث فى أى وقت تريد ، لابد من وضع قيود تضبط الآراء .
فى غيباب قيد ، أنت حر ، أنت حر ما لم تضر بحسب مبدأ الضرر الذى وضعه جون ستيوارت مل ، فليس هناك حد لمرادك ، خط النهاية فى الحرية هو ضرر الغير ، تصرفا ولفظا وإيحاءا وتحريضا على العنف ضدهم .
قيود حرية الكلمة تقف عند.. القذف ، التشهير ، التنمر ، السخرية من المعتقدات وليس النقد العلمى والبحث ، تهديد آمن الدول بالشائعات والأكاذيب ، التعدى على الملكيات الفكرية بأى طريقة ، خطاب الكراهية وإضطهاد أصحاب الديانات والطوائف المختلفة ، استخدام الألفاظ الغير لائقة فى المجال العام .. هذا على سبيل المثال لا الحصر ، المعيار الضرر حيث كان وهو شيء لا تخطئه الأعين ولا يخرج عن ثوابت الخلق والقيم المجتمعية التى تحفظ تماسك المجتمعات .
فلا يحق باسم حرية الكلام والرأى أن تصنف ما يحض على القتل والعنف والكره والعنصرية ، أو تطلق فتاوى التكفير والتفسيق ثم ترتكب الفظائع جراء ذلك وتكون حرا !!
الحرية مسؤولية أوًلا ، أن تكون مسؤولا ، لا طائشًا مجنونًا .
هذه القيود ستخلق مساحة صخية لتداول الآراء والقناعات دون أدلجة ، مما يسهم فى أن ينقح الكل فكره ، يتغير بوعى ، لا يبرمج ويشحذ بحدة دون وعى .
نؤمن حينها أن كل رأى مهم ، كل رأى هو جزء من الصورة ، نؤمن بالتعددية التى تسع الجميع دون تمييز ، نؤمن بمراعاة ظروف الدول التى تختلف فى السلم عن الحرب ، نتذوق قبل أن نلفظ ما لا يستسيغ أحد طعمه ، التوقيت والصيغة والمكان ..لا يمكن تغافل ذلك .
وهذا إقرار بحق الجميع فى التعبير ، وإن كنت لا توافقهم ، كما قال فولتير ( أكره ما تقول ، لكننى سأدافع حتى الموت عن حقك فى أن تقوله ) .
بما أننا مختلفون ، فلا يمكن إدارة ذلك بهذه البساطة ، فما تراه عيب يراه غيرك شيء عادى ومثير ، وغليه فهو أمر مرده للتربية لا التلقين فى المحاضرات ، فمن تربى على أن يكون شخص مسؤول ، سيكون إدارته لكلماته جزء من مسؤوليته ، الفوضوضى ستنسحب فوضويته على لسانه ويده وجسده وعقله وروحه .
أعرف نفسك ، وحينها ستدرك أن الحرية لا يمكن منحها للجميع ، لا يستحقها الجميع .
مبدأ الضرر عند “مل” ، هو ذاته حفظ النفس والعقل والنسل والدين والمال فى مقصد الشريعة ، المسؤولية هى مناط التكليف ، أنت مسؤول عن الأرض أن تجعلها عامرة ، التخريب والفساد ضد دورك ، لكن قضى الخالق أن يكون هناك خير وشر كموضوعات لاختبارنا هنا ، والحرية تقف حائرة بين الخير والشر ، لذا فهى دومًا تخضع لقانون الراهن واللحظة إلى الأبد .
عدم الإجتهاد فى الدين ضرر :
بما أن الحرية حدها الضرر ، فهذا يعنى أن رفع الضرر يدخل ضمن الحرية ، فإن حالتنا الدينية تحتاج الكثير من المراجعات والتى أغلق أمام معالجة ذلك باب الاجتهاد من قرون ، ابداء رأى وفهم فى الدين حق مشروع، ويمنع سطوة إتجاه واحد على العقول والنفوس ، والحرية هنا أيضا حدها الضرر ، وإثبات يقينى للشطط ، لا مجرد تحيزات للموروث أو تشكيك فى باطن كل من يفكر .
حرية الكلام حق للجميع عدا .. المتنمرين ، المتأسلمين، الطائفيين، المتطرفين ، المتحزبين .
هذه مسألة خلاف ، والكلام فيها لا ينتهى ، وليس فيه حق أكيد ، لكن النقاش يفتح الأفاق لمزيد من الفهم وهو المطلوب ، لا تبنى المواقف الذي بات من السنن الهالكة المهلكة .

شاهد أيضاً

هيغل والحضارة الشرقية القديمة؛ الصين أنموذجا

بقلم عبد الكريم لمباركي لقد عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *