الرئيسية / Non classé / مارك هينيادي: من الاعتراف الى الحرية

مارك هينيادي: من الاعتراف الى الحرية

هل مازال أكسيل هونيث Axel Honneth منتميا إلى مدرسة فرانكفورت ؟.

مارك هينياديMark Hunyadi (1)

ترجمة : محمد ازويتة

تقديم

يهدف هذا المقال إلى بيان أمرين :                                    

 ــ  الأول ، هو التحول المعرفي الذي طرأ على النظرية النقدية في ألمانيا . فبعد أن كان التمييز يتم بين مرحلتين  ــ الأولى مثلها كل من ” بولوك ” و هوركهايمر ووجدت امتداداتها مع أدورنو و ماركوز ، و الثانية مثلها هابرماس بشكل أساسي ــ  فإنه صار ممكنا الحديث عن آفاق بحثية جديدة اتسمت بالمراجعة أو التحليل قدمها أكسيل هونيث . و هكذا ، و بعد أن كان التساؤل عن هامشية الفرد و عن إمكانية إنقاذه أساسيا في المرحلة الأولى ، و بعد أن صار البحث منصبا على إمكانية إخضاع ما يشكل لا عقلانية النظام لقوانين العقل الإنساني و ذلك من خلال فهم جديد للحداثة و ممارسة جديدة للعقلنة ضمن نظرية ما أسماه هابرماس ” بنظرية الفاعلية التواصلية ” ، صار الحديث عن نظرية للاعتراف لآن هوية الأفراد لا يمكن أن تتشكل إلا داخل علاقات الاعتراف .                                                     

ــ  الثاني ، هو اعتماد الجامعات الغربية على تقليد مزدوج : من جهة ، الاحتفاء بمفكر قدم إضافة معرفية جديدة ، و من جهة أخرى المتابعة المستمرة للمشاريع النقدية المطروحة بالبحث فيها ، توسيعها ، مراجعتها  و نقدها …  

يسرنا ويشرفنا أن نرحب اليوم ، في إطار لقائنا بالمعهد العالي للفلسفة ( كرسي الكاردينال ميرسيي Mercier )   ، بالأستاذ أكسيل هونيث Axel Honneth من جامعة ج ، وولف غوته ( Johann Wolfgang Goethe  بفرانكفورت . فهذا الانتماء الجامعي يمثل حقيقة برنامجا فلسفيا ممتدا ، و لا غرابة في ذلك ، فأكسيل ، باعتباره  مساعدا ، ثم وريثا لهابرماس ، الذي كان بدوره مساعدا لأدورنو قبل أن يخلف هوركهايمر ، ينتمي  ،  و كما يعرف الجميع ، إلى توجه النظرية النقدية . سأذكر ، بسرعة ، بهذا الرابط الذي يجمع نظرية الاعتراف لأكسيل هونيث بالنظرية النقدية ، و في وقت آخر ، سأدافع عن الأطروحة التي بحسبها ،  ليس هذا الانتماء للنظرية النقدية هو الذي منح المفتاح الأفضل للدخول إلى الجزء الثاني من عمله ، الممثل بكتابه الأخير ( الذي لم يترجم بعد إلى الفرنسية ) ، الذي سيكون الخيط الرابط لدروسه ألاثني عشر بالمعهد الذي نفتتحه اليوم .       

في الحقيقة فإن النظرية النقدية ، كما تطورت بدء من سنوات 1930 ، لم تصبح نقدية حقيقة إلا مع عمل  هابرماس ، كما تم إعدادها خلال سنوات 1960 ، و حتى نشرها  بشكل منظم في كتابه ” نظرية الفاعلية التواصلية ” الذي ظـــــــــــــــــهر في سنوات 1980  . أقصد ” بنقدية حقيقة ” بأن عمل هابرماس داخل ذلك التقليد ، قد مثل أول عمل جعل من البحث في الأسس المعيارية لنظرية نقدية للمجتمع رهانا كبيرا لمشروعه الفلسفي . كما نعلم فإن هابرماس قد وجد ذاك الأساس داخل خصائص اللغة باعتبارها موجهة نحو التفاهم المتبادل . في الواقع ، فان كل عمل هابرماس يدور حول تفسير و استغلال الطاقة المعيارية الموجودة داخل الفعل التواصلي . مع هابرماس  ارتبط النقد ، إذن ، بهذا المصدر الذي لا يمكن الاستغناء عنه ، بمعنى بدون معادل وظيفي ، الذي هو فعل التواصل الإنساني ـــ ” نقد لغوي ”  طبع عمله في كل الأبعاد التي  تناولها إلى اليوم . (2)

الأكيد أن أكسيل هونيث  قد ارتبط بهذا الإرث العام الذي ميز المقصد النقدي لمدرسة فرانكفورت ـ القدرة على نقد المجتمع و الممارسات الاجتماعية انطلاقا من معايير مؤسسة فلسفيا ، غير انه اختار لنفسه لأجل ذلك  وسائل أخرى غير مصادر التواصل اللغوي . لقد أراد أكسيل هونيث ، في تجاوزه للأساس اللغوي كمصدر وحيد للنظرية النقدية مع هابرماس ، توسيع نموذج التواصل نحو شيء  يشمله و يؤسسه ، و المقصود نظرية للهوية ، و التي أخدت معه سريعا شكل نظرية للاعتراف لآن هوية الأفراد لا يمكن أن تتشكل إلا داخل علاقات الاعتراف ــ ذاك هو حدس الذاتية المشتركة الأساسي الذي استندت عليه كل الفلسفة الأولى  لأكسيل هونيث  . فقد وجد هناك كما استثمر ووظف  ، كما يعلم كل القراء ،  حدسا لهيغل الشاب ، غير أنه سيدافع عنه و يطوره في اطار ما بعد ميتافزيقي كليا ، يهم من جهة  نظرية للتنشئة الاجتماعية ، و من جهة أخرى للنزاعات الاجتماعية . الفكرة الأساسية التي توجهه هي أن الهوية الممارسة للذات هي مرتبطة اساسا بكيفيات معينة للاعتراف من قبل الآخرين ، و بالتالي فإن الصراعات و النزاعات التي نشهدها بين الأفراد هي قبل كل شيء نزاعات تهم الاعتراف ، و الذي أراد إعادة بناء محتواه المعياري . لا يتعلق الأمر أبدا ، في النزاع بين الأفراد او النزاع الاجتماعي ، بتأكيد للذات ـ بقدر ما يتعلق باعتراف من قبل الآخرين . لذلك فان الإطار المرجعي لنظريته النقدية ليس مشكلا من قبل افتراضات معيارية مشتقة من التواصل اللغوي ، و لكن من خلال افتراضات معيارية لعلاقات الاعتراف التي تضمن الهوية .          و نتيجة لذلك ، فإن خاصية الظاهرة الأخلاقية قد غيرت في طبيعتها : لم يعد الاهتمام يركز ، كما هو الحال مع هابرماس ، على  انحرافات أو اختلالات  التواصل التي يلزم تجاوزها من أجل إقامة شروط حوار حقيقي  ، و لكن على انحرافات  الاعتراف التي يلزم مقاومتها من أجل أن تنفتح هويتنا . سيتم توسيع أساس هذه الظاهرة الأخلاقية لأنه لم يعد يقوم على افتراضات العقلانية التواصلية ، و لكن عـــــــــــــلى افتراضات هوية الأفراد .

لقد احتوى  هذا الانتقال من التواصل إلى الاعتراف على ربح أكيد في شكل معقولية وصفية ، ذلك لأنه سمح برصد ،  بشكل ملموس و شامل ، تجربتنا الأخلاقية بدلا من النموذج الذي بني على التواصل اللغوي وحده . و لكنه احتوى أيضا رهانا آخر ، هو بدون شك  أقل وضوحا ، لكنه ليس أقل أهمية . يتعلق الأمر برهان منهجي ــ و هنا أيضا يظهر التعارض مـــــع هابرماس خصبا . في الواقع ، فإن الاستناد إلى نموذج الاعتراف لا يمثل فقط توسيعا للأساس الأنثروبولوجي للظاهرة الأخلاقية ، إنه بالتحديد ربط للنظرية الأخلاقية بالتجربة الأخلاقية للفاعلين كما عاشوها . فمحور النظرية الأخلاقية هنا مرتبط بالتجربة المعاشة للفاعلين . ذاك هو السبب الذي من أجله أراد  أكسيل هونيث وضع في مركز نظريته مفهوم الهوية . فالمعاناة التي ارتبطت باختلالات  الاعتراف شكلت فعلا جرحا هوياتيا : إن هوية الأفراد أنفسهم ، عندما لا يتم منحهم الاعتراف الذي يستحقونه ،  هي التي صارت مهددة  . فوجهة نظر الفيلسوف لا تعمل سوى على تفسير المعيش القبل نظري للفاعل ، بحيث إنه طيلة مساره النظري ، فإن الفيلسوف مدعو إلى ألا يفقد مطلقا ارتباطه مع الأرضية الأصلية لتجربة الفاعلين . يقوم الإعداد النظري للفيلسوف على حجة قبل نظرية تم استخلاصها من تجربة الفاعلين .

 ليس الأمر نفسه في نموذج هابرماس اللغوي ، حيث لا تتطابق وجهة النظر الأخلاقية ، التي طورها الفيلسوف في شكل وضعية  مثالية للتواصل ، مع التجربة الأخلاقية للفاعلين أنفسهم . في الواقع ، فإن الفاعلين لا يعيشون بالضرورة الظلم الذي هم ضحاياه كاختلال للتواصل و لكن كظلم على وجه التحديد . مع هابرماس ، فإن وجهة النظر المثالية للفيلسوف تجد نفسها إذن في الأخير منفصلة عن التجربة المعاشة للفاعلين . نجد هنا فجوة منهجية بين المنظر الذي يقيم وجهة نظر أخلاقية بغايات نقدية ، و الفاعل الذي يعيش التجربة الأخلاقية . غير أن هذا الفجوة بالتحديد هي التي يهدف نموذج الاعتراف إلغاءها موظفا وجهة نظر أخلاقية بخصوص ما تتطلبه الهوية المنجزة للفاعلين .  

و هكذا فنموذج الاعتراف كما تمت صياغته في سنوات 1990 ، قد تجلى من خلال إخصابه الذي تجاوز بكثير إطاره الفلسفي الأصلي ، فصار نموذجا حقيقيا داخل العلوم الاجتماعية ، في منافسة على سبيل المثال مع نموذج القدرات الذي قدمه Amartya Sen  . بإظهاره الطبيعة الأخلاقية للنزاعات ، التي تحولت إلى صراعات تحريضية ، و بالضبط من خلال إنكار الاعتراف المطلوب ، أراد هونيث أن يتفوق على التقاليد الهوبزية الطويلة التي لا ترى في النزاعات سوى صراع من أجل تأكيد الذات و الدفاع عن مصالحها . بتحويل منظوره النقدي نحو ما ظهر له دائما النواة الأخلاقية للنزاعات ، فإن هونيث قد وضع حقا ، في ما وراء نظرية للنزاعات ، قواعد للتحرر ، و التي هدفها هو الوصول أخيرا إلى علاقة منسجمة و منفتحة على الذات و الآخرين داخل علاقات للاعتراف قابلة للتوافق  و المصالحة .

II   

لقد كنا مجتمعين هنا تقريبا عندما صدر ، أشهرا قليلة ، كتابك ” الحق قي الحرية ” . صحيح أنه كان قبل ذلك بقليل كتاب ” أمراض الحرية ” الذي ، من خلال قراءتك لفلسفة الحق لهيغل ، فتح مسارات جديدة باتجاه ما أسميتموه ب ” مؤسسات الاعتراف ” . لكي أبسط ، أقول بأنك مع الصراع من أجل الاعتراف ،  قدمت أساس  فلسفتك النقدية ، و المقصود القاعدة الانثربولوجية  التي يجب أن تستند عليها معاييرك المعيارية . الأمر الذي أدى في آن واحد ، كما رأينا ، إلى محافظتكم على الرؤية النقدية العامة لمدرسة فرانكفورت كهدف للنظرية ، و إلى سد الفجوة بين هاذين القطبين مع ” أمراض الحرية ” ، من خلال انخراطكم في مسار نظرية العدالة التي يلزمها ، في ما وراء النماذج المعاصرة للعدالة التوزيعية ،  أن تأخذ شكلا طموحا لنظرية للمجتمع حيث يبحث الأفراد عن انفتاحهم الحر ضمن علاقاتهم مع الآخر.

غير أن هذا الهدف سيحققه فعلا كتاب ” الحق في الحرية ” ، عارضا بشكل نسقي المؤسسات التي يلزمها أن تسمح ، داخل مجتمعاتنا الديمقراطية ، بانجاز فعلي يمكن من التحقيق الفعلي للذات . لا أود بذلك أن أستبق هنا ، بأي شكل من الأشكال ، الأطروحات التي ستكون موضوع هذه الدروس . ومع ذلك ، أود الإشارة إلى نقطة عامة تتعلق بالتأويل الشامل لمؤلف أكسل هونيث . فالقارئ المألوف ” لهونيث الاعتراف ” لا يمكن أن يفوته الاندهاش من التحول الموضوعاتي الذي حدث بين ” الصراع من أجل الاعتراف ” و ” الحق في الحرية ” ، لأن محور الكتاب الأخير لم يكن تشكله من خلال موضوعة الاعتراف ، و لكن بالضبط من خلال الحرية .   يسير هذا جنبا إلى جنب مع تحول في الاهتمام من هيجل الشباب إلى هيجل النضج ، و المقصود  ” فلسفة الحق ”  . غير أن كل ذلك يظل ثانويا بالمقارنة مع تحول آخر أكثر خفية و الذي لهذا السبب يحدد ، يبدو لي ، مجموع المسار .

لقد أشرت قبل قليل إلى الأهمية المنهجية المرتبطة بربط وجهة النظر النظرية للفيلسوف بالتجربة المعاشة للفاعلين أنفسهم . بخصوص فلسفة الاعتراف فإن المعاناة الناجمة عن اختلالات الاعتراف هي التي تشكل القاعدة التجريبية غير النظرية  ، و التي  تضمن للفيلسوف بألا يفقد أبدا ارتباطه بالتـــــجربة الأخلاقية للفاعلين . وصف أكسيل هونيث هذا الإرث قبل النظري للنظرية كعلامة مميزة صنعته مدرسة فرانكفورت ، كما ميزها عن كل النظريات النقدية الأخرى . 

و لكن ما الذي نراه أو نكتشفه من خلال الصفحات الأولى لكتاب ” الحق في الحرية ” ؟. نرى بأن الفيلسوف أكسيل ، ملاحظا تطور المجتمعات الغربية لمدة مائتين و خمسين عاما ، قد انتهى من خلال رؤيته الثاقبة ، إلى أن القيمة العليا لتلك المجتمعات كانت بدون شك الحرية الفردية ، و أنه بالنظر إليها يلزم إعادة بناء معياري إذا أردنا أن نضمــــن للأفراد الإمكانية المؤسساتية لانفتاح حر للذات . من وجهة نظر هونيث الأول ، هونيث الاعتراف ، فإن القطيعة تبدو شاملة : ذلك أن نقطة الانطلاق ، هذه المرة ، لم تعد قاعدة قبل نظرية ـ بالنظر إلى أن المعاناة كانت مرتبطة باختلال الاعتراف ــ و لكن بتأكيد فلسفي مشتق من تأويل للحضارة يهم القيمة العليا التي تحكم مجتمعاتنا . و نتيجة لذلك ، فإن صلة النظرية بالتطبيق  ، الهامة جدا داخل تراث مدرسة فرانكفورت ، قد تغيرت كليا : لم تعد تلك الصلة مضمونة من خلال تجربة الفاعلين كما عاشوها بشكل فردي و لكن من خلال التماسك أو الانسجام المفترض للنظرية مع الوصف الذي يقدمه المنظر عن المجتمع . لم يعد المعيش القبل نظري للفاعلين هو الذي يضمن الترابط مع النظرية ، ولكن وصفا  نظريا مسبقا ـ أي أن القيمة العليا لمجتمعاتنا هي الحرية ـ و التي يلزم على النظرية المعيارية  أن تتوافق معها فيما بعد . لقد انمحت تلك الخاصية القبل نظرية ، التي مثلت علامة مميزة لمدرسة فرانكفورت ، لصالح وصف ثقافي للمجتمع بعبارات الحرية .

إذا كان وصف الانتقال من هونيث الأول إلى هونيث الثاني صحيح ، إذا كانت هناك حقا قطيعة منهجية بين هونيث الاعتراف و هونيث الحرية ، و إذا كانت هذه القطيعة هي تلك التي وصفتها فعلا ، فإنه يبدو لي بأن أكسيل هونيث لم يعد أبدا فيلسوفا فرانكفورتيا ـ غير أن هذا لا يعني بأنه لم يعد فيلسوفا يبحث على تأويل العالم ، بحسب العبارة الشهيرة لماركس . غير أن هذا يعني بأنه إذا أراد أن يظل وفيا لوعد أو ميثاق مدرسة فرانكفورت في إمكانية تغيير العالم ، فإنه يلزم القيام بذلك من خلال وسائل أخرى غير تلك التي أوصت بها مدرسة فرانكفورت .

غير أن ذاك هو ما ظهر لي فعلا من خلال القراءة المتأنية ” للحق في الحرية ” . إذا أردنا استعادة معنى و حمولة المقصد النقدي في  كل أهميته و الذي أثاره هونيث في كتابه ، و إذا أردنا أن نفهم الرابط الحقيقي الذي مازال يجمع  ، في ما وراء القطيعة التي أشرت إليها ، فلسفة هونيث للاعتراف و فلسفته للحرية ، فإنه يلزم التوجه نحو تراث فلسفي آخر ، الذي هو أيضا ، أكثر خفية و لكن بطريقة ليست بأقل رسوخا ، وريثه .

بماذا يتعلق الأمر فعلا في ” الحق في الحرية ” ؟. يتعلق الأمر أساسا بإعادة بناء بأناة كل الممارسات المتعلقة بالذاتية المشتركة ، المرسخة اجتماعيا ،  باعتبارها مجسدة ،  في كل مرة ، لأمكنة لانفتاح الحرية الفردية . أسمى هونيث تلك الممارسات بالمؤسسات ، مانحا معنى جد موسع لتلك الكلمة ، لأنه يغطي مجموع العلاقات الدالة على ذاتية مشتركة ، التي تذهب من العلاقة الزوجية أو الصداقة إلى مؤسسات الدولة الاجتماعية و الديمقراطية ، مرورا بالعلاقات الأسرية و نظام السوق الرأسمالي . في كل مرة ، يتعلق الأمر بإظهار بأنه في ما وراء الفهم الذي يمتلكه الفاعلون أنفسهم ، فإن كل واحدة من الممارسات تقتضي في الواقع شبكة كاملة من القواعد الضمنية أو المضمرة التي يمتلكها الفاعلون من دون أن يمتلكوا وعيا بها بالضرورة . و هكذا على سبيل المثال ، داخل العلاقات التفاعلية بين الأشخاص المرتبطة بالصداقة ،  لدينا الانطباع بأنها تندرج أكثر من غيرها داخل مجال فوق ـ اجتماعي ، كل  واحد من المشاركين في المقابل مفترض فيه امتلاك ضمنيا مجموعة من القواعد المشتركة التي  من خلالها تتبنين ثقتهم المتبادلة ، القواعد التي تشكل من أجل ذلك  مؤسسة .  بشكل عام ، فإن ما أبرزه هونيث هو أنه داخل كل واحد من مجالات العمل التي تم النظر فيها ، بما في ذلك مجال السوق حيث يبدو أن القاعدة الوحيدة للسوق هي الربح الفردي ، فإن هونيث كشف عن الأسس المدفونة للقواعد المشتركة المعترف بها ضمنا ، و التي هي الشرط الأساسي لاشتغال النظام . فالسوق بالضبط لا تشتغل إذا لم تكن العلاقات التعاقدية التي تميزها مرتبطة و مسبوقة بشبكة من القواعد غير التعاقدية التي تجعلها  ببساطة ممكنة .

بهذا النوع من التحليلات  ينضم هونيث ، في الواقع ، إلى تراث فلسفي قوي ، الذي منحه بلا شك مظهرا جديدا  . أقصد بذلك كل الحركات الفكرية التي امتزجت بتقاليد  فلسفية متنوعة ،  ذات أصول مختلفة ، و التي أبرزت بأناة  ، مع بداية القرن الأخير ،  كل واحدة  بطريقتها الخاصة المضمون الدفين  لخلفية الممارسات غير المتبصرة التي اقتضتها أعمالنا الأقل ألفة .  يمتد هذا على سبيل المثال من البراغماتية الأمريكية إلى فينومونولوجية  هوسرل ، ثم من شوتز الى تأويلية  غادامير ، مرورا  بفلسفة الروح لفيتجنشتاين الثاني ، لتمتد و تتوسع  في ما بعد مع مفكرين مختلفين مثل حايك أو سورل .

 بالنسبة لكل هؤلاء المؤلفين الذين تجاهلوا بعضهم البعض ، كان الأمر ، في كل مرة ، يتعلق بتسليط الضوء على هذا الفعل الفلسفي الأساسي حيث  تتجذر كل واحدة من أنشطتنا المتبصرة داخل طبقة من المعرفة القبل تأملية التي يمتلكها كل واحد منا حدسيا . أقل عملياتنا المعرفية ، أقل أحكامنا و أقل أفعالنا تقتضي ، كشرط ضروري لها ، ممارسة عدد من القواعد التي نجهلها و التي مع ذلك هي حاضرة في العقل . لقد كانت في الواقع أحد الإنجازات الفلسفية العظيمة في القرن العشرين اكتشاف هذه الجزيرة المتخيلة ،  التي ما تزال مصادرها غير مستغلة بالكامل إلى اليوم  .

و مع ذلك  فمن هذا التراث في رأيي يشارك كتاب ” الحق في الحرية ” كأولوية  . مع ،  بالمقابل ، وجود اختلاف جوهري ، الذي يبرز كل أصالة مسار أكسيل هونيث :  و المقصود أن الأمر  لا يتعلق هنا ببناء مضمرات عملياتنا العقلية أو المعرفية  ، ولكن ببناء افتراضات عملية وأخلاقية التي هي ضرورية لممارسة حقيقية لحريتنا . ولكن ، ما الذي يلزم ، في ما وراء ما يدركه الأفراد ، لكي تتمكن الذوات حقيقة من ممارسة حريتها الفردية  ــ ذاك هو السؤال الذي يخترق من جهة إلى أخرى كتاب هونيث الأخير . والإجابة هي : يلزم في كل مرة ، أي في كل مجال من مجالات العمل التي تم النظر فيها ، وجود علاقات اعتراف متبادلة  ، مجسدة في ممارسات لها مرجعية تم دائما قبولها من قبل المشاركين في التفاعل ، لكنهم ليسوا على وعي بها . فالحرية الفردية في ممارستها الفعلية كانت دائما مشروطة بعلاقات الاعتراف المتبادل الـــــتي تجعلها فقط ممكنة  .                   وهذا ما يفسر الوضع الجديد للاعتراف في هذا الجزء الثاني من عمل هونيث ، كما سيبرز علاقته بفلسفة الحرية : لم يعد الاعتراف أبدا هو المرحلة القبل نظرية  التي تعمل كرافعة لتطوير النظرية النقدية ، و لكن الخلفية الأخلاقية المدفونة التي تحدد ، بلا علم الفاعلين ، ممارسة حريتهم الفردية ، بما في ذلك  المجال الأكثر خصوصية لحميميتهم . بهذا المعنى شارك كتاب ” الحق في الحرية ” أساسا بهذه الفلسفة المرجعية التي وسمت تطورا كبيرا في فلسفة القرن الأخير ، و أن هونيث قد تابعها  أمامنا داخل معنى غير معرفي و لكن أخلاقي ـ و هنا كل الأهمية للفلسفة الاجتماعية ، و التي مع  كتاب ” الحق في الحرية ”  منحتنا القيمة المثلى  . 

نستطيع القول ، لكي نلخص هذا المسار الفلسفي ، بأنه يمكن قراءة عمل أكسيل هونيث تحت علامة انفصال مزدوج : أولا ، انفصال إزاء مشروع هابرماس ، محاولا توسيع ” قاعدة  ” النظرية الأخلاقية باتجاه انثربولوجية الاعتراف بدلا من حصرها في تداولية التواصل . ثانيا ، انفصال إزاء مدرسة فرانكفورت نفسها ، مستبدلا التجربة القبل نظرية للفاعلين الاجتماعيين بإعادة بناء نظرية للمتطلبات المعيارية للخلفية المطلوبة من قبل وعود  الحرية المسجلة في فاتحة كل ديمقراطياتنا الغربية المعاصرة .

 أخيرا و بغض النظر عن فرضيات القراءة ، فإنني و باسم الجميع أشكر السيد أكسيل هونيث على حضوره معنا داخل هذا المجال الفرانكفوني الذي هو أقل ألفة بالنسبة له مقارنة مع المجال الانجلو ساكسوني  ــ و لذلك فنحن أكثر امتنانا و عرفانا لكم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهامش

(1) مارك هينيداي ” الجامعة الكاثوليكية بلوفان ببلجيكا . المعهد العالي للفلسفة و مركز البحوث بأوروبا ” .                        (2) ” فعملية التحديث مثلا  تفترض العقلنة و هذه تستدعي معقولية تستند إلى معايير . ففوضى الزمن الحديث و انحرافات العقل و العلاقات و تعويم المجال العمومي ، كل هذا يشترط عند هابرماس ، أخلاقا تواصلية تعتمد على ما أسماه بالتداوليات الكلية حيث التبادل المتكافئ و مواجهة الحجة بالحجة و القدرة على تبرير أي ادعاء للصلاحية لأجل خلق سياق تواصلي يتيح فرص التفاهم ” .

شاهد أيضاً

الطبيعة وقانون كوفيد 19

محمد أمين شنقيطي محمد أمين شنقيطي باحث في تاريخ المغرب الطبيعة لا تكره ولا تنتقم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *