الرئيسية / منشورات / جرائد / الفلسفة والالتزام السياسي

الفلسفة والالتزام السياسي

رشيد العلوي – الدار البيضاء

سيكون من قبيل المجازفة إقامة حد فاصل بين الفلسفة والسياسة la politique، غير أن الصلات بينهما تطرح استفهامات عدة، من جهة أن الفلسفة السياسية ليست هي فلسفة السياسة وليست هي علم السياسة، ومن جهة أن السياسة ليست هي السياسات les politiques ولا السياسي le politique.

لا يوجد أي تطابق كلي بين الفلسفة والسياسة ولا أي انفصال بينهما، ففي الوقت الذي تتجه فيه السياسة – بتعبير سلافوي جيجيك S, Zizik – نحو الاهتمام بقضايا الشأن العام، نحو إيجاد أجوبة عمليّة وملموسة لمشكلات الناس، تتجه الفلسفة نحو إثارة المشكلات التي تعترض الناس في وجوده الملموس. وبهذا المعنى لا يمكن للفلسفة أن تلعب أدواراً سيّاسيّة كتلك التي تلعبها الأحزاب والجماعات الضاغطة وتنظيمات المجتمع المدني، كما لا يمكن للسياسة أن تقوم مقام الفلسفة.

صحيح أن الفلاسفة لعبوا أدوارا سيّاسيّة في الدفاع والتنظير والتشريع لأنماط سيّاسيّة معينة ضد أخرى، غير أنهم لم يفعلوا ذلك باسم الفلسفة بقدر ما فعلوا ذلك كمواطنين في مجالهم وشأنهم العام.

كثيرة هي الخطابات التي روجها الفلاسفة حول إصلاح الفلسفة وحول مستقبل الفلسفة كما فعل لودفيغ فيورباخ L, Feuerbach، وحول نهاية الفلسفة وضرورة تحولها إلى حارس ايديولوجيا البروليتاريا كما فعل كارل ماركس K, Marx، أو مماهاتها مع النظام العقلي – الواقِعي لحال ألمانيا مع جوروج وليام فريديريك هيجل G, W, F, Hegel، وحول صياغتها للدّستور كما فعل أرسطو Aristote وإيمانويل كانط E , Kant وهابرماس. وفي المقآبل كثيرةٌ هي الخطابَات التي روَّجها الفلاسفة حول هدم القيَّم كما فعل فريديريك نيتشه F, Nietzsche، وحول نقد الدِّين ورفض رؤى للعالم بعينها، وحول حاجتها إلى الانخراط في عبثيَّة الوجود…

انطلق هنا من التمييز بين الالتزام والانخراط، فقد طالب فلاسفة كثر بأهمية الالتزام الفلسفي بقضايا الانسان عامة والشأن العمومي الذي يدخل ضمن مجال السياسة بشكل خاص، بل وخاض العديد منهم معارك السياسة كتعديل الدستور أو اقتراح دساتير في مراحل تاريخية مختلفة وفي حضارات عدة: أرسطو، كانط، هيجل، هابرماس… كما انخرط العديد منهم في المعارضة السياسية: هوبز، سبينوزا، فوكو، دولوز، جيجيك، لوك فيري… يجد مفهوم الالتزام (ليس بالمعنى الذي يمكن أن يفهم منه كجذرية أو رديكالية معتادة والتي وجدت أساسها في مفاهيم من قبيل: فلسفة الفعل، فلسفة الالتزام، فلسفة الممارسة / البراكسيس، فلسفة البروليتاريا، بؤس الفلسفة…) أساسه من الكسموبوليتية (الكونية السياسية) التي يعطيها  الالتزام الأولوية حيث ينطلق من الكوني نحو الخصوصي، في حين أن الانخراط يضمن الربط بين الخصوصي والكوني منطلقا من المحلي نحو العالمي عبر القومي ويغرق أغلب الأحيان في التافه وذي غير القيمة ولكنه يهتم بشكل مباشر بالشأن العام ولا يتجاوز سقفه حيازة السلطة المحلية l’autorité locale أو الوطنية le pouvoir.

يهتجس الملتزم بقضايا الكونية والإنسانية عموما من جهة ان الفرد غير متعين يهم الجميع ولا يهم أحدا في الآن ذاته، في حين يهتجس المنخرط بالقضايا المحلية وينطلق منها نحو الإنسانية عموما.

الغرض من هذا التمييز هو إعطاء مفاهيم معينة قيمتها الراهنة وأقصد طبعا: السياسة، الحزب، التنظيم، وهي مفاهيم يصعب تعيين الحدود بينها بدقة، فالتنظيم هو الأساس الذي يرتكز عليه السعي وراء السلطة le pouvoir أو المشاركة السياسية، في حين أن الحزب يقيم التوازنات بين المنخرطين والمنظمين لاعطاء معنى للبرنامج السياسي، فاكراهات السياسة والحسابات السياسية قد تعصف بالقوة التنظيمية أغلب الظن لمصالح فردية ضيقة، فكيف يمكن أن نعطي للسياسة بعدها الكوني والمحلي في الآن ذاته أي ردم الهوة بين الالتزام والانخراط؟

في الوقت الذي تتجه فيه السلطة نحو التدويل صارت السياسة ضيقة أكثر فأكثر حسب تعبير سلافوي جيجيك، وهو الأمر الذي يمكن تبريره بأمرين:

  • عوز الإمكانات: فالسلطة تحوز دوما الموارد والإمكانات الأكثر تطورا وفعالية في تدبير الشأن العام.
  • التفاوت في توظيف الأدمغة: فالسلطة تستفيد من الخبرات العالية الكفاءة عكس السياسة التي تبخس أغلب الظن من قيمة النخب التي تحوز سلطة الامكانية، وقد يفيدنا كثيرا هنا هابرماس وماكس فيبر في الميز بين السياسي والتقنوي.

تحتاج السياسة في المقام الأول إلى سياسات ناجعة ومتلائمة مع الحاجيات المستقبلية للإنسان المعاصر وليس حاجاته الراهنة، وهو ما يستوجب معرفة كيفية سبق الزمن، غير أن هذا الأمر يستدعي بدوره تجنيد الموارد والكفاءات الأكثر فعالية وغير الملوثة بالفساد وثقافة الريع وانتهاز الفرص التي تزكيها بعض النخب السياسية المرتبطة بقوى الضغط وجزء من البيروقراطية التي تتحكم في دواليب السلطة والسياسة معا. وتحتاج السياسة في المقام الثاني إلى سياسي أو سياسيين متناسبين مع وفرة الإمكانات وفعالية الكفاءات. أما في المقام الثالث والأخير فتحتاج السياسة من حيث هي التزام وانخراط إلى برنامج سياسي متناغم ناتج عن فكرة سياسية مدروسة بدقة وتستجيب لطموحات المستقبل.

انطلقت قبل عرض هذا التحليل المفصل من أن الفلسفة لا تتعارض من جهة كونها فعلا تأمليا وممارسة فعلية، لأنها حاملة للحقيقة وتبحث دوما عن إضفاء المعاني على دلالة الأشياء كما هي مستمدة من الواقع، فإنتاج المفهوم لا يأتي من فراغ وإنما من الالتصاق بالواقع اليومي للإنسان.

بناء عليه فالفلسفة تسعى دوما إلى الإعلان العمومي للحقيقة دون حاجة الى مصطلحات جذرية وغامضة ولكن: اين؟ ومتى؟ ومن؟ وكيف؟ يتم الإعلان عموما عن الحقيقة في مختلف لحظات الوجود البشري ولكنه محكوم بما أسميه: الان – هنا.

دور الفلسفة الآن – هنا هو الكشف عن العيوب وتقويم الاعوجاجات والانذار بالمخاطر أو الاستشفاء منها، لأن الفلسفة محايثة دوما للديمقراطية، تتدخل فيها وترتبط برهاناتها أغلب الأحيان. أما الممارسة الديمقراطية فنسبية وتتطور أو تنتكس بسبب عدم فهم اللبس بين ممارستها وتأملها من الخارجي لذلك يحتاج حامل المشروع الديمقراطي إلى الاسترشاد بالميتا ديمقراطية والتوقف بين الفينة والأخرى للنظر بعيدا عن هواجس الانخراط نحو هواجس الالتزام، أي أنه بلغة بسيطة يحتاج الفلسفة.

نشر في جريدة الطريق عدد فبراير 2020.

شاهد أيضاً

من الدولة الاستبدادية إلى الدولة الواهنة: ثقل التاريخ السياسي وأزمات الانتقال نحو الديمقراطية

محمد العربي العياري محمد العربي العياري / تونس بين المقاربة الأيديولوجية وبين التوصيف السياسي، يفرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *