الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / البنيوية: الانسان خارج منظومة الحياة

البنيوية: الانسان خارج منظومة الحياة

علي محمد اليوسف

نيتشة والبداية

لم يكن نيتشة على حذر كاف مسؤول حين أطلق عبارته الاستفزازية موت الاله, ولم يكن على تقديرتنبؤي صادق مع نفسه لما ستجّر اليه تلك المقولة من عواقب تدميرية خارج حساباته الفلسفية على صعيد وجود ملتبس انساني لم تحسم فيه العديد من علامات الاستفهام.. لم يستهدف ثيولوجيا الدين تحديدا كما أراد نيتشة في موت الاله, ولم يدرك مدى تبعات مقولته السائبة تلك على تداعيات فكرية معرفية ستطال الانسان والعقل والسرديات الكبرى في الفلسفة والعقل والتاريخ ومختلف علوم الانسانيات من بعده التي أستنفدت حقيقتها الجوهرية بالاجترار وعمقت التصّحر الثقافي الساذج المتطرف في تبني الجدب الخوائي للوجود الانساني وفي تقويض وجوده كائنا محوريا واستبعاده – المعرفي خارج منظومة الحياة الفكرية اللغوية وأعتباره موجودا متشيئا لا قيمة أستثنائية له يعلو بها على مكونات وأشياء الطبيعة غيره.  

لم يكن نيتشة في مقولته تلك سوى نزوة أستفزايزية لتقويض ثيولوجيا الدين ممثلة بسلطة الكنيسة المطلقة فقط تحديدا وزعزعة الايمان القطعي الدوغمائي في التسليم لما يجب هدمه وتقويضه من كهنوت وضعي زائف طاريء جرى تجييره لزيادة عذابات الانسان في جحيم الحياة..موت الاله نيتشويا كان الفخ الذي نصبه نيتشة في غابة مليئة بخرافات وقهر وأستلاب القيم الانسانية في العصور الوسطى الاوربية على صعيد تغوّل أنحرافات لاهوت الدين عن مساره الطبيعي كمنقذ للانسان في الحياة, ولم يكن نيتشة يدرك أن موت الاله سيتبعه موت الانسان كقيمة عليا في رأسمال الحياة والا ما كان وضع الانسان الذي أراد أنقاذه من ورطته الكهنوتية الوضعية في وهدة سقوطه بورطة أكبر أن يكون فيما تلا عصر نيتشة أنسانا متشيئا لا قيمة أنسانية حقيقية يحملها ولا قيمة روحية سامية يدافع عنها جديرة بالاهتمام المعرفي الفلسفي…

الفخ المربك الذي نصبه نيتشة ولم يحاول غيره تقليده بل التمسك الخاطيء به لم يكن في وارد فلسفة نيتشة أن يكون الانسان بعد موت الاله أسعد حالا منه العيش في ظل الاله الذي الحي الذي لم يمته نيتشة ولن يموت..وهنا خطأ نيتشة بحق الانسان كمخلوق ميتافيزيقي ديني بالفطرة وليس مخلوقا تصنيعيا ملحدا بالفكرالعبثي في تقويض كل متبنياته التي أكتسبها عبر العصور في الفلسفات التي أعقبت موت نيتشة بداية القرن العشرين ..الحقيقة التي يجري التغافل عنها أن نيتشة في مقولته التي أصبحت الكتاب المقدس الزائف للملحدين أنه لم يقتل الله بقدر أغتياله الانسان كموجود ديني ميتافيزيقي كان ولا يزال جحيمه في الحياة أكبر من جحيمه الموعود به في السماء..ولم يكن موت الاله ولا بقائه الحي  سببا بذلك..الخلل كان ولا زال ليس في الايمان بالله من عدمه بل الخلل في الكهنوت الوضعي ولاهوت الاديان والخرافات المليئة بها الكتب التي توصف بالمقدسة وتدعي محتوياتها الزائفة أنها من وحي الاله الخالق..وليس أبتداعات خرافية تهويلية لأناس أشتروا ثراءهم الدنيوي بأسم التضليل الديني التعبوي في نشر وتعميم الجهل والتخلف والخرافة..

البنيوية ونهاية الانسان

التيه العدمي الذي وضع نيتشة الانسان فيه منذ نهايات القرن التاسع عشرفي مقولته الاستفزازية الملغمّة موت الاله أستقبلته البنيوية في أعتمادها مرتكزين الاول أن الانسان كوجود مأزوم قلق ليس من المتاح أنقاذه في المدى المنظور بل ولا أهمية تسترعي الاهتمام به كبؤرة مركزية تدور في فلكها الفلسفة والعلم والمعرفة والحياة , والمرتكز الثاني هو علم اللغة كمفهوم مستحدث خارج منظومة الحياة مستقل لا علاقة تربطه بما أصطلح تسميته السرديات اليقينية الكبرى من ضمنها الدين… كلاهما الانسان كوجود ومنظومة اللغة في انفصالها عن الانسان والواقع جرى أقصائهما العمد على لسان دي سوسير مخترع لعبة اللغة القائمة على أزدواجية المفهوم وليس أزدواجية المعنى التي كانت مفتتح تجربة جديدة في أستقبال الايديولوجيا الفلسفية المستمدة من نيتشة في توظيف اللغة كأداة هدم وتقويض زادت عليه البنيوية تطرف أسلوب (القوة الناعمة) بالفلسفة اللغوية والتاويل وهو مصطلح نحته لاول مرة بضوء هذا الترسيم الفلسفي التي أرادته البنيوية عسى أن يحظى بمطابقة الاحالة الصحيحة في التقويض البنيوي- التفكيكي لعالم الانسان من دون الانسان بالحياة..

وبهذا الترسيم العدمي البعيد جدا عن أعتماد ايديولوجيا السياسة التي أستهلكت نفسها على هامش نقد الفلسفة الفضفاض أذ لم تعد أيديولوجيا السرديات الكبرى وسيلة هدم وبناء كما هو المرجو فأستأثرت الفلسفتان البنيوية – التفكيكية تحديدا ملء فراغ الهدم والتقويض دونما البناء في أعتمادهما أسلوب قوة اللغة الناعمة في تنفيذها المطلوب,وسرعان ما تبنّى أقطاب البنيوية كلا من بارت وفوكو ولاكان والى حد ما على صعيد ما نقصده منطلقات فلسفة اللغة الناعمة في المراجعة والتقويض أنضمام كلا من شتراوس في الانثروبوجيا(اثنولوجيا الاقوام البدائية) والتوسير في أستهدافه السردية الماركسية الكبرى الشاخصة في كتاب رأس المال..وبارت على صعيد الادب في موت المؤلف, ولاكان في علم النفس , وفوكو في أستدافه كل شيء يطاله بدءا من الانسان والعقل وليس انتهاءا بالجنسانية والجنون وسلطة القمع والمنع والسجون..

اذا ما سمحنا لانفسنا تجاوز المسار الفلسفي المعقد المتشعب لاقطاب البنيوية سنجد أنفسنا نتوقف أمام تداخلاتهم مع أبرز أمتداد فلسفي لتطويرمفهوم علم اللغة واللسانيات في مشروع بول ريكور في فلسفة التاويل الذي يقوم بالاساس الاشتغال على تطويره منحى التاويل البنيوي الذي جاء تتويجه (حيث وجد ريكور مشروعه التاويلي اللغوي يستثمر أتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة جميعا, البنيوية,الوجودية,التاويلية,الماركسية ,ونظرية الثقافة والتفكيك, والتحليل اللغوي ونظريات اللغة, وأخيرا انثروبولوجيا الدين )1  وقد أفاد ريكور في منهجه البنيوي التأويلي أيضا من ميراث فلاسفة التاويل غادمير, وشلاير ماخر, وأخيرا دلتاي..

الانفصامية المرضية فلسفيا التي وضعت الانسان كوجود مركزي طارد في مأزق الاحتضار السريري التي كانت البنيوية أضطلعت بالمهمة الكبرى تنفيذه في حقنها ذلك المريض المحتضر(الانسان بالحياة) الذي خرج من محنة الحداثة وما بعدها في تقويضهما كل مكتسباته التي حققها له عصر النهضة والانوار والحداثة, نقول عمدت البنيوية الى تشييئه الالغائي كوجود محوري تدور في فلكه كل ماسمي بالمعارف والعلوم والسرديات الكبرى على ما شابها من قصور لم يكن الانسان مرتكز ذلك القصور كسبب ولكن كان المساهم الاكبر الوحيد الذي ناء بحمله عواقب ذلك القصور لزمن طويل الى اليوم…

هذا الانفصام المرضي الفلسفي الذي تبنته البنيوية بضراوة كان في أعتمادها مفهوم الاكتفاء الذاتي في منظومة اللغة الانفصال التام عن الواقع الانساني بغية الوصول الى معرفة حقيقية للعالم على وفق قراءة لغوية بنيوية نسقية جديدة تنقذ اللغة من أحتكار علاقتها بالواقع وأستئثارها التعبير عنه وحدها.. ..ولم تعد اللغة مرتهنة وظيفيا وسيليا في تجسير فهم الواقع بتعبير اللغة السطحي المعتاد على حد سوق ذرائع البنيوية كفلسفة حضور لمفاهيم ما بعد الحداثة..وهذا (الانفصام جعل من الانظمة اللغوية في البنيوية وتأويلية بول ريكور أنظمة مغلقة مكتفية ذاتيا تنطوي ضمنا على جميع العلاقات الممكنة بداخلها, وبالتالي لا يبقى من علاقة ضرورية تجمع اللغة بالعالم الخارجي في تمثّلات اللغة له)2

واضح المقصود بالخارج اللغوي هو العالم الواقعي الخارجي للانسان بما هو الحياة في تمثّلات اللغة التعبيرية عنه تداوليا كلام تحاوري مجتمعي.. وليس بالمعنى الفلسفي الذي عبر عنه دي سوسير أن اللغة تمتلك نظامها الداخلي الخاص بها ولا حاجة للواقع الخارجي التعريف بها ,وكذا الحال معكوسا أن الواقع بكل منظوماته التكوينية له يحقق الكفاية الذاتية به بمعزل عن أهمية اللغة الاسهام بهذا التوضيح..

وعندما تبطل وسيلية توظيف اللغة ويجري انسحابها من ميدانها ألمألوف في مهمة التمثلات الواقعية للعالم الخارجي فهي تكون أنساقا لغوية خاصة بما هي منظومة علائقية تجريدية قائمة داخليا بعالمها الخاص بها خارج مهمتها التعبير عن الواقع ما يرتّب على ذلك أن الواقع الانساني الحيوي يكون التعبير عنه بالكلام الشفاهي وليس باللغة المكتوبة التي تكون لوحدها خطابا يبحث في العلاقات النسقية للاشياء بما هي صيرورات متداخلة متنوعة داخل بناها اللغوية وليس في عالمها الخارجي المرتبط بالانسان الذي أصبح لا يمتلك سوى اللغة في توكيد وجوده الانساني..

هذه الواقعة المعتمدة بنيويا بموجبها تعتبر نفسها فلسفة نمطية نسقية كليّة من التفكير الجوّاني الذي يعتمل ويتكوّن داخل الصيرورة اللغوية بما هي نسق معرفي يهتم بعوالمه المخترعة لغويا ولا قيمة للواقع والانسان في علاقة الربط بينهما وبين اللغة…هذا النمط النسقي اللغوي ( يكون تفكيرا يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية, حينها لم تعد اللغة وسيطا بين العقول والاشياء) 3 فقد تم أغتيال الواقع الحياتي ملاذ الانسان الاخيربأستعداء اللغة عليه وركنه جانبا خارج أهتمامات الفلسفة..بعيدا عن كل أشتراط منهجي عقلي مخالف لهذا التوجه المنحرف..

البنيوية وفنجشتين

هناك حقيقة متداولة عمرها عشرات القرون هي أن اللغة تفكير العقل المدرك في معرفة الاشياء والتعريف بها, واللغة هي الوسيط بين العقل والاشياء في تعالقهما معرفيا.. هذا الفهم أعتبرته البنيوية ومن بعدها التفكيكية في أعتمادهما منظومة علوم اللغة واللسانيات والتاويل والتحليل والاحالة والارجاء مرتكزا فلسفيا في فهم العالم والانسان في عالمه الخارجي لم يعد له تلك القيمة المطلقة التسليم بصحتها وحقيقة الانسان خارج المنظومة اللغوية لاشيء كما هي اللغة من دون الانسان لا معنى لها حتى فلسفيا.. هذا التوجه (أخراج الانسان من الحياة والتاريخ) قاد مأزق الانسان الوجودي بالحياة الى أكبر منه , فاللغة هي تجريد علاماتي خطابي في فهم الانسان وعالمه الخارجي, فكيف باللغة عندما تكون في الفلسفة البنيوية والتفكيكية تجريدا مضافا لتفسير تجريد سابق عليه في الانفصال التام التعبير عن الواقع الانساني بالحياة؟

فنجشتين فيلسوف اللغة المعروف أراد أخراج اللغة من عنق الزجاجة كما يقال الذي هو النفق الذي أدخلته البنيوية ومن بعدها التفكيكية فيه حين أعتبرتا النظام اللغوي المكتفي بصنع عوالمه الذاتية يسير في توازيه مع الواقع المعيش هو منظومة اللغة أو الخطاب الواجب الاهتمام به… وليس من مهمة هذا الخطاب اللغوي المنعزل تفسير العالم الخارجي ومركزية الانسان فيه الذي بشرت به الحداثة لأكثر من قرن…ولا أهمية يمتلكها انسان ما بعد الحداثة ليحتكر محورية التفكير بالحياة والوجود والتاريخ فلسفيا وعلميا وسياسيا ايضا….

أمام هذا الفهم الفلسفي البنيوي التهميشي الذي زرع بذرته الاولى فينجشتين في كتيبه(رسالة منطقية فلسفية) عن قصور فهم وليس عن خطأ متعمد مقصود حاول تصحيحه لاحقا لكن تلك الاخطاء التي تضمنتها المخطوطة مهدت لبروز ظاهرة التطرف اللغوي في البنيوية والتفكيكية من بعده, وأستثمرته البنيوية والتفكيكية والعدمية بعد وفاة فينجشتين أستثمارا سلبيا بشعا حتى بعد طرح فينجشتين في كتيبه الاخير(تحقيقات فلسفية) الذي حاول فيه تصحيح أخطائه في رسالته المنطقية… ويبدو بفضل نقودات عديدة وجهت لمخطوطته الفلسفية الاولى في الرسالة المنطقية تراجع فينجشتين وأراد التصحيح في كتابه التالي تحقيقات فلسفية قائلا بما معناه أن تمثّلات اللغة للواقع هو تلك الحيوية الخلاقة التي تبعثها اللغة في جسد ذلك الواقع المعيش في الوقت نفسه التي تكتسب هي- اللغة – حيويتها الحضورية في تطوير نظامها اللغوي بتاثير من الواقع الذي تحكمه الصيرورة أيضا كما تحكم الواقع بذات الحين..وفي حال العجز من تحقيق هذه المهمة فسوف لن يكون للغة معنى يمكن حضوره وعليه يكون صمت اللغة في العجز أجدى وأكثر حيوية من التعبير عن اللامعنى في التشبث بنحو وشكلانية اللغة من حيث هي لغة فقط على حساب الغاء المضمون الفلسفي المرجو تحقيقه في حل اشكاليات مفاهيم الفلسفة بوسيلية تعبير اللغة الالتباسي وليس حل مشاكل نحو اللغة بما هي تجنيس في الادب على حساب تنحية مفاهيم الفلسفة عن طريق ماسمي التحول اللغوي ..

هذا التحذير الذي نادى فينجشتين به أن اللغة لا تستمد فعاليتها القصوى الا في صيرورة الحياة وجريانها المتدفق والانسان جزء هام في هذه المنظومة التي هي مصنع الحيوية البشرية للحياة والوجود..والذي تبنته الفلسفة التحليلية الانجليزية عّبر  رفضها والتقاطع مع رائد فلسفة التاويل اللغوي بول ريكورالذي هو أمتداد وتطوير منطلقات البنيوية في اللغة قوله ( لم تعد اللغة بوصفها صورة الحياة كما أراد لها فينجشتين , بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به ) 4 . وكان سبق لاقطاب البنيوية أن أخرجو اللغة بوصفها خطابا لا تتحدد مقاصده في تعابير المفردات اللغوية المنفصلة التي لا ينتظمها سياق الجملة وموقعها في بنية النسق الخطابي داخليا..وعبر عن هذا المعنى دي سوسير(أرجحية الكلام على اللغة بأعتبار الكلام فردي تعاقبي وعارض, واللغة أو اللسان هو الاجتماعي والتزامني والنسقي لذا يكون الخطاب بدلا من الكلام)5

منطق دي سوسير هو تنحية الكلام عن مهمته واسطة التعامل مع الواقع الحياتي, في أزاحته التنافسية عن طريق فهم اللغة أنها منظومة خطاب متكامل مكتف ذاتيا في تصنيعه عولمه اللغوية, ويرى سوسيرالكلام فرديا تعاقبيا عارضا, أي أنه محاورة مجتمعية من الكلام الشفاهي , تسمه فردية المتكلم, والتعاقب الحواري في تنوع المصدر الفرد المتكلم وما يحمله من محمولات الحديث العابر, وهو أي الكلام أخيرا عارض لانتهاء دوره الاستعمالي التوظيفي في التواصل الحواري التخاطبي التداولي مع انتهاء وتفرق المتحادثين المشاركين في أنتاجية وأستهلاك الكلام الجماعي في التحاور.

بينما تكون اللغة حسب فهمنا عن دي سوسير خطابا تدوينيا ثابتا مكتوبا في الغالب حين يكون نصّا.. يحكم ذلك الخطاب نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة الفهم والقيمة على المدى البعيد على خلاف الكلام الذي يستهلك نفسه في الشفاهية التحاورية في وقتية زمنية زائلة يطالها التزامن العرضي..

 نعود الآن الى مبتدءات فهمنا معنى الكلمة أو المفردة هو أنها لفظ صوتي مسموع دال وصوري مكتوب خال من المعنى ما لم يكن متضمنا دلالته المحمولة بمعناه القصدي سلفا,وفي هذا تجد البنيوية تبسيطا مخّلا عندما لا يكون معنى المفردة مستمدا من سياقها المنتظم في جملة نسقية تشي عن عبارة تحمل معنى متكاملا ونجد تعبير ريكور بهذا المعنى (الجملة وحدة الخطاب الاساسية التي تشمل وحدات أكثر تعقيدا, وتعاقب الكلمات بالجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات المنفردة التي هي الجملة )6,..

هيدجر والتماهي مع البنيوية

هذه المفارقة التي حاولت البنيوية تكريسها أنما وجدت ضالتها في التماهي الهيدجري معها الذي أيّد منطلق أن تكون اللغة أصبحت حقيقتها مكفولة في أنفصالها عن الواقع وتمّثلاته ويؤثر هيدجر ويفضّل (الشاعر – ويقصد به شاعره الاثير هولدرين الذي يمتلك نفس الحفاوة لدى فوكو – يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة)  هنا الوجود الاصيل الذي يقصده هيدجر هو الذي ينفرد التعبير عنه بمكنة لغة الشاعر التعبير عن (اللاوجود), أي بمعنى الوجود القائم على تصورات التهويم الخيالي في تفكيك نسق اللغة التداولي الذي يقصي سلطة العقل تماما في رقابة اللغة الشاعرية, فيكون بهذا تعبيرالشاعر الشعري عن الوجود الاصيل أنما هو تداعيات الخيال في اللاشعور الذي تتفكك اللغة فيه وتخرج عن نظامها الدلالي المألوف الى حد طغيان اللاشعورفي محاولة الوصول تخوم العبث اللغوي في التعبير.. هذا يشبه أحياء نسخة سريالية مستهلكة كان أندريه بريتون رائدها الاول في قول الشعر معتبرا القصيدة الشعرية هي حطام العقل الذي مصدره غياب الشعوروالكتابة الشعرية بنمط من تفكيك اللغة المطلق تماما وابعادها عن رقابة العقل  وأستلهم بيان بريتون سلفادور دالي واقطاب السريالية وما تبقى من اقطاب الدادائية والبرناسية في الشعر وفي التشكيل الفني الجمالي ورسم اللوحة التي كانت بحق تحطيما للعقل وقول القصيدة الغاءا له.

هذه الميزة المتفردة التي خلعها هيدجر على الشاعر أنه الوحيد القادر ومعه المجنون لدى فوكو التعبير عن الوجود الاصيل الذي هو اللاوجود في حقيقته جعلت حمى وطيس التجاوب لدى فوكو الاستجابة المتماهية مع هيدجر في أعلى مستوياتها, وذهب أبعد منه في أهمية أنفصال اللغة تمثلاتها الواقع العياني فوجد هو الآخر في لغة الشاعر التهويمية المفككة المتقافزة في وصاية تداعيات اللاشعور عليها.. وأضافة فوكو المتطرفة الجديدة أنما جاءت على صعيد وشم الثقافة الغربية المعاصرة في لقاء(الشعر والجنون) والجنون هنا لا يأتي( بمعنى المرض العقلي وأنما هو تجربة جديدة في اللغة والاشياء )7.ويؤكد فوكو تطرفه في أعتباره (الانسان ليس أكثر من تمزّق في نظام الاشياء وتشكيلا مستحدثا رسمه الوضع الجديد في الثقافة الغربية)8.

لا جدوى التعليق أن اللغة كنظام تعبير دلالي معرفي في تفسير وفهم الواقع يمكنه الخروج على هذه المواضعات التي تكون اللغة فيه نظاما توليديا متطورا في مواكبته الحياة الانسانية في جريانها..ولا غرابة اذا ما وجدنا أن لغة الشعر التي تلتقي بهذاءات الجنون حسب رغبة فوكوفي التعبير عن حقيقة الوجود الاصيل تخرج عن تلك المواضعات تماما..بأعتبار لغة الشاعر وهذاءات المجنون رغم التباين والاختلاف الشاسع (لغتان) من نوع خاص يتحكم بهما اللاشعور في تغييب رقابة العقل الذي تتصف اللغة عندهما بميزات التداعي والتفكك وعدم الانتظام وأبهام المعنى وغيرها.. والجملة بالمنظور البنيوي هي خروج على المألوف وسمة التجديد فيها أنها تلغي دلالة المفردة من المعنى من جهة وخروج الجملة أو العبارة المألوفة قدرتها التعبير عن الواقع بل في وجوب الانفصال عنه..

أما أن يكون التفكيك والتحليل والتقويض هو أستجابة محاكية للتماثل مع تمزّقات الانسان كونه شيئا طارئا في وجوده بين نظام الاشياء في الوجود الاصيل الذي ينشده ويبتغيه هيدجر خارج وجود الانسان الزائف الذي يعيشه, وأن لغة التعبير الحقيقية عن الوجود الاصيل معقودة على الشاعر وهذاءات المجنون فهي تفلسف يحمل أكثر من علامة أستفهام عديدة متروكة النهايات بلا أجابات مقنعة الا بمنطق العبث والعدمية في التفلسف البنيوي – التفكيكي المزدوج..

أختم بملاحظة أن كلامي في أدانتي لغة الشاعرالسريالية في تفكيك النسق اللغوي التي لا تعبر عن حقيقة الواقع  في تفكيك النسق اللغوي المألوف,  ناقشت أدانته ب بهذه المقالة من منطلق بنيوي فلسفي تفكيكي تحليلي, وهذا يختلف عن تناول خروج لغة الشاعر عن المألوف لغويا في قول الشعر والنقد الادبي الذي يدرس تفكيك خطاب اللغة الشعرية (جماليا) وليس تعبيرا (فلسفيا)..مما يبيح للشاعر الخروج عن النظام النسقي المالوف للغة في كتابة الشعر كتعبير أدبي وليس كتعبير فلسفي..

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش

1.بول ريكور , نظرية التاويل.. الخطاب وفائض المعنى ..ترجمة سعيد الغانمي ص8

2. المصدر اعلاه ص 11

3. المصدر اعلاه نفس الصفحة

4. المصدر اعلاه نفس الصفحة

5. المصدر اعلاه ص 12

6. المصدر اعلاه ص 14

7.د. محمد المزوغي, فوكو والاشياء , موقع كوة الالكتروني, شباط 2020

8. المصدر اعلاه

شاهد أيضاً

رامين جاهانبيليو؛ الوباء والسياسة

ترجمة: مرسلي لعرج قسم علوم الإعلام والاتصال جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر فيروس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *