الرئيسية / Non classé / ميشيل فوكو : التفريد و التجميع: في نقد العقل السياسي

ميشيل فوكو : التفريد و التجميع: في نقد العقل السياسي

ترجمة : محمد ازويتة

نشر المقال   في مجلة ( مناظرة ) نوفمبر 1986 . العدد 44  . وقد استندت هنا الى   (   أقوال و  كتابات) الجزء الثاني ” 1976 / 1988 . من  ص 953 إلى ص 980  . غاليمار طبعة  2001

تقديم

أورد محمد عابد الجابري في مقدمة ”  العقل السياسي العربي ”  بعضا من منجزات الفكر الغربي الحديث ، و التي  مكنته ، متخذا موقف المجتهد لا المقلد، من النظر الى موضوعه بمنظور جديد يتجاوز ما هو مطروح في الساحة الفكرية العربية المعاصرة ( خطــــــــاب ” علماء ” السياسة و الباحثين الاجتماعيين العرب ) .

و هكذا عرض بتفصيل ، من جهة ، أهم المفاهيم و التصورات التي أطرت رؤيته للعقل السياسي العربي  ، و هي :  اللاشعور السياسي و المخيال الاجتماعي ( كمحددين للعقل السياسي  ، يغذيان تجلياته ) ، و المجال السياسي ( ككيفية في ممارسة السلطة ) . كما عرض ،  من جهة أخرى ،  الأطروحات المجتهدة التي استهدفت الخروج من الانغلاق الأحادي المقيد الذي قدمته المادية التاريخية ، و المقصود بذلك أعمال جورج لوكاتش و موريس كودولييه و ميشيل فوكو .

و حتى تكتمل لدينا الخلفية المرجعية لأطروحة الجابري مستندا الى فوكو ، فإنني أقترح ترجمة كاملة للمقال الذي استند إليه ، مما يمكن القارئ العربي ، و بشكل مزدوج ، من النظر إلى  أطروحة فوكو في نقد العقل السياسي الغربي ، و أطروحة  الجابري في نقد العقل العربي  .

يبدو العنوان رنانا ، أعلم ذلك ، غير أن لذلك  عذره  . منذ القرن التاسع عشر لم يتوقف الفكر الغربي أبدا عن نقد دور العقل ــ أو غيابه ـ  داخل البنيات السياسية . إنه بالتالي تحول شامل في الاندفاع مرة أخرى نحو مشروع جد واسع . إن تعدد المحاولات السابقة هي مع ذلك الضامن على أن كل بحث جديد سيكون متوجا بالنجاح بالمقارنة مع ما سبق   .  ها أنا  ، منذ ذلك الحين، داخل متاهة من  ليس له سوى تصاميم وخطوط أولية غير مكتملة للعرض . منذ زمن طويل كانت الفلسفة قد تخلت عن محاولة تعويض عدم قدرة العقل العلمي  . إحدى أهداف الأنوار كانت هي مضاعفة السلطات السياسية للعقل . غير أن الناس في القرن التاسع عشر سيذهبون إلى التساؤل فيما إذا لم يكن العقل في وضع سيصبح فيه أكثر هيمنة داخل مجتمعاتنا . فقد بدؤوا يقلقون من العلاقة التي يتنبؤون بها بغموض بين مجتمع ينزع نحو العقلانية وبعض التهديدات المؤثرة على الفرد وعلى حرياته ، على النوع وبقائه .                                         بعبارة أخرى ، لقد كانت مهمة الفلسفة منذ كانط هي منع العقل من تجاوز حدود ما هو معطى داخل التجربة . غير أنه منذ تلك الفترة ،  مع تطور المجتمعات المعاصرة والتنظيم السياسي للمجتمع ، ستكون مهمة الفلسفة أيضا هي مراقبة شطط  سلطة العقلانية السياسية ، وهو ما أعطاها معدل حياة جد واعد  .        إن الصلة بين العقلانية والشطط في السلطة السياسية هي واضحة بحيث إنه لا أحد في حاجة إلى انتظار البيروقراطية أو معسكرات الاعتقال لمعرفة وجود تلك العلاقات . غير أن المشكلة هي معرفة ماذا نفعل بمعطى جد واضح .             هل نقيم   (اتهاما)  ضد العقل ؟ . لا شيء ، برأيي ، سيكون أكثر عقما . بداية ،  فالأمر لا يتعلق ، داخل هذا المجال ، لا بالاتهام ولا بالبراءة . ثم إنه من العبث أن نتمسك بالعقل ونستند إليه كوحدة مضادة للاعقل .و أخيرا لأن اتهاما ما سيوقعنا في الخطأ  بفرضه  أن نلعب الدور الاعتباطي والمزعج للعقلاني وغير العقلاني .                             لنعمل إذن على تفحص هذا النوع من العقلانية الذي يبدو خاصا بثقافتنا المعاصرة والذي يعود إلى الأنوار . أعتقد بأننا  سنقف هنا على الحل الذي اختاره بعض أعضاء مدرسة فرانكفورت . ليس مقصدي هو أن أفتح نقاشا حول مؤلفاتهم ، علما أنها الأنفس و الأكثر أهمية . سأقترح من جهتي طريقة أخرى لدراسة العلاقات بين العقلنة والسلطة :      1/ بدون شك فإنه من الحكمة ألا تتم معالجة عقلنة المجتمع أو الثقافة كما لو أن الأمر يتعلق بكل ، ولكن بتحليل السيرورات داخل مجالات متعددة ، ذلك أن كل واحدة منهن تترسخ داخل تجربة أساسية : الجنون ،  المرض ، الموت ،الجريمة ، الجنسانية  الخ .       

   2/ إنني أتعامل مع كلمة عقلنة بنوع من الحذر . عندما يحاول بعضهم عقلنة شيء ما ، فالمشكلة الأساسية ليست هي البحث فيما إذا كانت هناك مطابقة أم لا مع مبادئ العقلانية ، ولكن بأن نكتشف أي نوع من العقلانية تم اللجوء إليه .    

  3/ رغم أن الأنوار مثلت مرحلة مهمة من تاريخنا ، ومن تطور التكنولوجيا السياسية ، فأنا اعتقد بأنه من الضروري أن نرجع إلى سيرورات أكثر ارتدادا إلى الوراء ، إذا أردنا أن نفهم كيف سمحنا لأنفسنا أن نسقط في الفخ داخل تاريخنا الخاص .                                                                  

    كان ذلك هو( نهجي ) داخل عملي السابق : تحليل العلاقات بين التجارب كالجنون والموت والجريمة أو الجنسانية وتكنولوجيات مختلفة للسلطة .  أما الآن ، فهو  يستند إلى مشكلة الفردانية ، أو بالأحرى مشكلة الهوية في علاقتها بمشكلة ( السلطة التفريدية ).

 كل واحد يعلم بأن السلطة السياسية في المجتمعات الأوروبية قد تطورت نحو أشكال هي أكثر فأكثر متمركزة . لقد درس المؤرخون هذا التنظيم للدولة ، بإدارته وبيروقراطيته ، منذ عشرات السنين .     أريد أن أقترح هنا إمكانية تحليل شكل آخر من التحول مس علاقات السلطة . هذا التحليل هو ربما معروف بدرجة أقل . غير أنني لا أعتقد بأنه بدون جدوى ، خاصة بالنسبة للمجتمعات المعاصرة . ظاهريا  فإن هذا التطور هو مقابل ومعارض للتطور نحو دولة متمركزة . أفكر فعلا في تطور تقنيات السلطة المتمحورة حول الأفراد وموجهة نحو تسييرهم وقيادتهم بطــــريقة مستمرة ودائمة .  إذا كانت الدولة  هي الشكل السياسي لسلطة  مركزة ومتمركزة ، فلنسمي الرعوية بالسلطة التفريدية .

   مقصديتي هنا هي أن أقدم  ، في خطوط عريضة  ، مصدر هذا الشكل الرعوي للسلطة ، أو على الأقل بعض مظاهر تاريخها القديم . وفي محاضرة ثانية سأحاول توضيح كيف أن هذه الرعوية ستـــــــجد نفسها  مرتبطة بنقيضها وهو الدولة .

                                ***                                                                              

    إن فكرة الإله أو الملك أو الرئيس باعتباره راعيا  يتبعه قطيع من الشياه  لم تكن شائعة عند الإغريق والرومان . أعلم بأن هناك استثناءات في الأدب الهوميري ثم في بعض نصوص الامبراطورية البيزنطية ، والتي سأعود إليها لاحقا .     إجمالا،  يمكن القول بأن استعارة القطيع هي غائبة في النصوص السياسية الكبرى الإغريقية والرومانية .                                                             

لم يكن نفس الوضع في المجتمعات الشرقية القديمة في مصر كما في آشور و يهودا . فالفرعون المصري كان راعيا . وفعلا ففي يوم تتويجه تلقى ، على نحو شعائري ، عصا الراعي .  كما أن الملك البابلي كان يسمى ، من بين مسميات أخرى ، ب( راعي الناس ) . غير أن الله كان أيضا راعيا يقود الناس نحو مرعاهم وموفرا لهم القوت . هناك نشيد مصري به تضرع إلى الإله ( رع ) بالصيغة  التالية : ( آه . رع . أنت الذي تسهر عندما ينام كل الناس . أنت الذي تبحث عن كل ما هو جيد بالنسبة لماشيتك ….) . إن الربط بين الملك والإله يتم بشكل طبيعي مادام الاثنان يلعبان نفس الدور : القطيع الذي يسهران عليه هو نفسه ، الراعي الملكي في حراسة كائنات الراعي الإلهي الأكبر . ( مأثورة رفيق المرعى ، أنت الذي تعتني بأرضك وترعاها ، راعي كل الرخاء والغنى .)(1)                             

    غير أن العبرانيين ، كما نعلم ، هم من طوروا  ووسعوا  موضوعة الرعوية ، إلا أن هناك خاصية جد  فريدة : الإله ، والإله فقط ، هو راعي شعبه .  ليس هناك  سوى اسثتناء ايجابي وحيد : في قدرته على تأسيس مملكته ، فإن داوود (  David  )هو من تتم مناداته تحت اسم الراعي(2). لقد أوكل الله إليه مهمة تجميع القطيع .                                                                              

غير أن هناك اسثتناءات سلبية : الملوك السيئين يقارنون برعاة سيئين ، إنهما على نمط واحد . يشتتون القطيع ، يعرضونه للموت بسبب العطش ،  ولا يجزونه  إلا لمنفعتهم . يحي yahve هو الراعي الحقيقي الوحيد و الفريد . إنه يقود شعبه شخصيا ، بمساعدة معاونيه فقط .( انك قدت  شعبك مثل قطيع ، بمساعدة موسى وهارون .) يقول النبي داوود (3). لا يمكنني أن أعالج بطبيعة الحال ، لا المشاكل التاريخية التي تمس أصل هذه المقارنة و لا تطورها داخل الفكر اليهودي . أتمنى فقط التطرق لبعض الموضوعات النموذجية للسلطة الرعوية . أود أن أوضح التعارض مع الفكر الفلسفي الإغريقي ، و أن أوضح القيمة التي ستأخذها هذه الموضوعات داخل الفكر المسيحي وداخل المؤسسات .                                                

1/ يمارس الراعي السلطة على القطيع بدلا من الأرض . على الأرجح فالأمر أكثر تعقيدا من ذلك ، غير أنه وبصفة عامة فان العلاقة بين الإله والأرض والناس هي مختلفة عما نجده عند الإغريق . فقد كانت آلهتهم تمتلك الأرض ، وهذا الامتلاك الأصلي يحدد العلاقات بين الناس والآلهة . والحالة هذه ، وعلى العكس من ذلك ، فان علاقة الإله ــ الراعي مع قطيعه ، هي الأصلية و الأساسية .  فالإله يعطي أو يعد  بأرض لقطيعه .

2/ الراعي يجمع ويوجه ويقود قطيعه . إن الفكرة المرتبطة بالرئيس السياسي  والتي مفادها إخماد نار فتنة الأعداء لصالح الدولة والعمل على تغليب الوحدة على الصراعات والتمزقات ، هي من دون شك حاضرة في الفكر الإغريقي . غير أن من يعمل الراعي على جمعه هم الأفراد المشتتون ، حيث  يتم جمعهم بفضل صوته : ( أصفر فيجتمعون ) .وعلى العكس من ذلك فانه يكفي غياب الراعي لكي يتشتت القطيع . بعبارة أخرى فان القطيع موجود من خلال الحضور و الفعل المباشرين للراعي . ما أن يسوي المشرع الإغريقي الناجح صراعاته ، مثل سولون  Solon ، حتى يترك وراءه دولة قوية بقوانين تسمح لها بالديمومة بدونه .                                                                                              

  3/ إن دور الراعي هو تأمين خلاص قطيعه .الإغريق أيضا يقولون بأن الإله يحمي الدولة ، كما أنهم لا يتوقفون أبدا عن مقارنة الرئيس الجيد بربان بحري يصون  سفينته و يحافظ عليها بعيدا عن الصخور . غير أن الكيفية التي يحمي بها الراعي قطيعه هي جد مختلفة .لا يتعلق الأمر فقط بحمايتهم جميعا ، جميعا مجتمعين عندما يقترب منهم الخطر ، وإنما بأن يوليهم العناية الدائمة  ، بشكل فردي ونهائي . العناية الدائمة لأن الراعي يسهر على إطعام قطيعه ، إنه يزودهم يوميا بما يطفئ ظمأهم ويشبع نهمهم . أما الإله الإغريقي فكان مطلوبا منه توفير أرض خصبة وغلة وفيرة . لن نطلب منه المحافظة على القطيع يوما بيوم . ثم بعطف متفرد أيضا ، ذلك أن الراعي يسهر على كل القطيع  وبدون استثناء لكي تكون محمية وشبعانة . فيما بعد ستشدد النصوص العبرانية ، بشكل خاص ، على هذه السلطة التفريدية النافعة : هناك تأويل حاخامي حول (الخروج ) يوضح لماذا جعل يحي من موسى راعي شعبه : عليه أن يغادر قطيعه لكي يذهب في البحث عن شاة وحيدة ضائعة .                                                               

   وأخيرا وليس آخرا ، فالأمر يتعلق بعناية  نهائية . فالراعي له مسار واضح  بالنسبة لقطيعه . عليه أن يسير به نحو مرعى جيد أو إرجاعه إلى الحظيرة .                                                         

  4 / هناك أيضا فرق آخر مرتبط بممارسة السلطة باعتبارها ( واجبا ) . فعلى الرئيس طبيعيا أن يأخذ قراراته  لصالح الجميع ، وإذا ما فضل مصلحته الشخصية فسيكون رئيسا سيئا . غير أن هذا الواجب سيكون  مجيدا : اذ حتى ولو ضحى بحياته خلال الحرب ، فان تلك التضحية ستعوض بثواب جد سام : الخلود . لن ينسى أبدا . بالمقابل فان العناية الرعوية هي قريبة من ( الإخلاص )  . ذلك أن كل ما يقوم به الراعي هو من أجل مصلحة قطيعه ، انه اهتمامه الدائم ، اذ عندما ينام القطيع يسهر هو ليحرسه .                                                                                                      

  موضوعة السهر هذه جد مهمة . إنها تبرز مظهرين مـــــن مظاهر إخلاص الراعي .  في البداية  يتصرف ويعمل بالنسبة لمن يطعمها بينما هي نائمة . في المرحلة الثانية يحرسها ويسهر عليها بعينه التي لا تنام . إنه يولي رعايته للجميع دون أن يزيح نظره عن أية واحدة . ولذلك فهو محتاج إلى معرفة كل شيء عن قطيعه في مجموعه وفي تفرده . عليه ألا يعرف فقط مكان توافر المراعي الجيدة و قوانين الفصول و نظام الأشياء ولكن أيضا حاجيات كل واحدة بشكل خالص . مرة أخرى ، نجد تأويلا لأحد الأحبار  ( الخروج )  يصف المزايا الرعوية لموسى من خلال العبارات التالية : انه يدفع بكل شاة للمرعى بالمناوبة  ، في البداية هناك الصغار جدا لكي تجتر العشب الناعم  ، ثم الأكبر منهم سنا ، وأخيرا المسنة  والقادرة على اجترار العشب اليابس جدا  . السلطة الرعوية تقتضي عناية فردية لكل عنصر من القطيع .                                                                                            

    ليست هذه سوى موضوعات  تربطها النصوص العبرانية باستعارات الإله ــ الراعي وبشعبه ـ  القطيع . لا أدعي بأي حال  بأن السلطة السياسية تمت ممارستها فعلا هكذا في المجتمع اليهودي قبل سقوط القدس ( في يد الرومان ) . كما لا أدعي أيضا بأن هذا المفهوم للسلطة السياسية هو بمثابة كل منسجم .     ليست هذه سوى موضوعات متعارضة بل ومتناقضة. غير أن المسيحية ستعمل على إعطائها أهمية متميزة سواء في العصور الوسطى أو في العصور الحديثة . من بين كل مجتمعات التاريخ ، فإن مجتمعاتنا ، أقصد تلك التي ظهرت مع نهاية العصور القديمة حول النسخة الغربية للقارة الأوروبية ، هي ربما الأكثر عنفا وغزوا ، إنها قادرة على ممارسة العنف الأكثر إدهاشا وإذهالا ضد نفسها مثلما ضد الآخرين . لقد أبدعوا عددا كبيرا من الأشكال السياسية المختلفة . في مرات متعددة  يعملون على تغيير بنياتهم القانونية بعمق . يجب ألا ننسى بأنهم الوحيدون الذين طوروا تكنولوجيا غريبة للسلطة  تعامل الأغلبية الساحقة من الناس بوصفهم قطيعا يقوده رهط من الرعاة . وهكذا عملت على إقامة  سلسلة من العلاقات المعقدة الدائمة والمتعارضة بين الناس .                                            

  بالتأكيد فانه شيء فريد في مسار التاريخ . لقد قلب تطور ( التكنولوجيا الرعوية )  داخل توجيه الناس  ، رأسا على عقب ، بنيات المجتمع القديم .

*

  أيضا ، وبهدف أن أوضح أهمية هذه القطيعة ، أريد العودة وبشكل مختصر إلى ما قلته عن اليونان . أتخيل الاعتراضات التي يمكن أن توجه لي .                                                                  

  إحدى هذه الاعتراضات هي أن الأشعار الهوميرية تستعمل الاستعارة الرعوية لكي تشير إلى الملوك . في ” الإلياذة و الأوديسا ” فان العبارة ( Poimên  Laôn) تتكرر مرات متعددة . إنها تشير إلى الرؤساء وتشدد على عظمة سلطتهم . فضلا عن ذلك ، فالأمر يتعلق بلقب تقليدي ، نصادفه أيضا في الأدب  الهندو ـ أوروبي المتأخر .                                                                                                       

    في (  Beowulf )  فان الملك يتم اعتباره أيضا راعيا (4)  .غير أننا  إذ نجد نفس اللقب  في الأشعار الملحمية البدائية ، كما في النصوص الآشورية ، فليس  في ذلك ما يدعو إلى الدهشة .                      

    بالمقابل فان المشكلة تطرح بالنسبة للفكر الإغريقي . هناك على الأقل نوعا من النصوص التي تتضمن إحالات إلى  نماذج رعوية :  إنها النصـــــوص الفيثاغورية . إن استعارة الراعي تظهر في (شذرات   Archytas  ) والتي أوردها ( Stobée ) (5)  . كما أن عبارة ( القانون ) مرتبطة بكلمة ( الراعي ) : الراعي يقسم ويجزئ والقانون يعين ويخصص . هكذا تتم المناداة على(  زيوس  Zeus )  لأنه يسهر على إطعام ماشيته . وأخيرا ، فإن علي القاضي أن يكون ( Philanthrôpos) ، بمعنى مجردا من الأنانية . عليه أن يظهر نفسه مليئا بالحيوية و العناية مثل الراعي .                                                                                            بالنسبة ل(Gruppe  (، الناشر الألماني ل( شذرات ) Archytas  ،  فيؤكد بأن ذلك يشوه تأثيرا عبرانيا وحيدا داخل الأدب الإغريقي . بعض المعلقين الآخرين ، على غرار Delatte ، يؤكدون على أن التشابه بين الآلهة والقضاة والرعاة كان مألوفا في اليونان (6)، وبالتالي من غير النافع الإلحاح على ذلك.                                                                                                                 سأعتمد على الأدب السياسي ، نتائج البحث واضحة : لا تظهر الاستعارة السياسية للراعي سواء مع ايزوقراط  Isocrate   أو ديموستين Démosthène   أو أرسطو Aristote . وانه لمن المدهش حقا عندما نفكر بأن إيزوقراط يلح  في  Aréopagitique  ، على واجبات القضاة : فهو يؤكد بقوة بأن عليهم أن يظهروا أنفسهم مخلصين وأن يهتموا بالشباب (7). ومع ذلك فلا نجد أي تلميح إلى الرعوية .                                                                           بالمقابل يتحدث أفلاطون غالبا عن الراعي ـ  القاضي . يستحضر الفكرة فـــــــي      ( كريسياس)  وفي ( الجمهورية ) (8) ، وفي ( القوانين ) ، ثم يناقشها بعمق في  ( السياسي ) . في الكتاب الأول نجد أن موضوعة الراعي هي ثانوية .   نجد أحيانا في (كريسياس ) بعض الاستحضارات لتلك الأيام الجميلة حيث كانت الإنسانية محكومة مباشرة بالآلهة مع توفرها على مراعي وفيرة  . أحيانا أيضا يلح أفلاطون على الفضيلة الضرورية للقاضي في تعارض مع آفة ( Trasimaque) ( الجمهورية ) . وأخيرا ،  فإن المشكلة أحيانا هي تحديد الدور الثانوي للقضاة : في الحقيقة ، كما هو الأمر بالنسبة لكلاب الحراسة ، ليس عليهم إلا الطاعة ( إلى الذين يجدون أنفسهم في أعلى الدرجات .) ( القوانين ).(9)                                                                                  غير أنه في (السياسي ) (10)   فإن السلطة الرعوية هي المشكلة المركزية  ، كما ستشكل موضوعا لتطورات طويلة . هل يمكننا أن نحدد مقرر المدينة ، القائد كنوع من الراعي ؟.  تحليل أفلاطون هو جد معروف . لكي يجيب على هذا السؤال فإنه يعمل من خلال التقسيمات التالية  : فهو يقيم فرقا بين الإنسان الذي يوجه أوامره إلى أشياء جامدة ( المهندس المعماري ) ، والإنسان الذي يعطي أوامر إلى الحيوانات ، ثم  بين الإنسان الذي يعطي الأوامر للحيوانات المعزولة ( مربط الأبقار مثلا ) ومن يقود  قطيعا . و أخيرا بين من يقود قطيعا من الحيوانات ومن يقود قطيعا من الــــــــــــناس . وهنا نجد الرئيس السياسي :  راعي الناس .                                                                                                   غير أن هذا التقسيم الأولي يبدو غير مرض . الأجدر ، هـــــو أن ندفع به إلى الأمام . إن معارضة الناس بكل الحيوانات الأخرى ليست طريقة جيدة . وإذن فعلى الحوار أن ينطلق من الصفر ليقترح سلسلة جديدة من التقسيمات : بين الحيوانات المفترسة والحيوانات الأليفة ، بين تلك التي تعيش في الماء والتي تعيش على سطح الأرض ، تلك التي لها قرون والتي ليست لها ، تلك التي قرن رجلها مشقوق وتلك التي تحمل جزءا صغيرا فقط ، تلك التي تتكاثر عبر التزاوج وتلك التي لا تستطيع ذلك .ثم يتيه الحوار في تقسيماته اللامتناهية .                                                                                                      ما الذي يظهره هذا التطور الأصلي للحوار وفشله اللاحق ؟. هو أن عملية التقسيم لا يمكن أن تبرهن  على شيء إذا لم تطبق بطريقة صحيحة . هذا يبين أيضا بأن فكرة تحليل السلطة السياسية كعلاقة بين  الراعي وحيواناته هي على الأرجح متجادل بشأنها في تلك الفترة . وعلى كل حال فإنها الفرضية الأولى التي تتبادر إلى ذهن القراء عندما يبحثون عن مصدر السياسي . هل يتعلق الأمر بشيء مشترك ؟. أم أن أفلاطون يناقش بدلا عن ذلك موضوعة فيثاغورية ؟ يبدو غياب الاستعارة الرعوية في النصوص الأخرى السياسية المعاصرة شهادة  لصالح الفرضية الثانية . غير أننا نستطيع على الأرجح ترك النقاش مفتوحا .                                                                                                            يستند  بحثي الشخصي  إلى الطريقة التي هاجم بها أفلاطون هذه الموضوعة في باقي حواره .  قام بها أولا بواسطة حجج منهجية ، ثم باستدعاء الأسطورة الشهيرة للعالم الذي يدور حول مداره .                                           الحجج المنهجية هي جد مهمة . ليس بإقرار ما هي الأنواع التي يمكنها أن تشكل قطيعا ، و إنما بتحليل ما يقوم به الراعي يمكن أن  نقول ما إذا كان الملك نوعا من الراعي أم لا .                                                                         ما  الذي يميز عمله ومهمته ؟. أولا ، الراعي هو الوحيد على رأس قطيعه . ثانيا ، أن مهمته هي السهر على إطعامها ومعالجتها إذا ما مرضت ، وأن يعزف الموسيقى لتجميعها وتوجيهها ، وأن ينظم تزاوجها لكي يحصل مستقبلا على سلالة جيدة . وهكذا نجد تقريبا الموضوعات النموذجية للاستعارة الرعوية حاضرة في النصوص الشرقية .                                                                       وما هي مهمة الملك إزاء كل ذلك ؟. مثل الراعي ، إنه الوحيد على رأس المدينة . ولكن ، بالنسبة للباقي ، من الذي يزود البشر بالطعام ؟. الملك ؟. لا . إنه الفلاح و الخباز. ومن الذي يعتني بالناس في حالة مرضهم ؟. الملك ؟. لا . إنه الطبيب . ومن الذي يرشدهم نحو الموسيقى ؟. إنه معلم الرياضة وليس الملك  ، وهكذا فالمواطنون يمكنهم ، بكل عدل ، أن يطمحوا إلى لقب ( راعي البشر ) . السياسي ، مثل  راعي القطيع الإنساني ، يعتمد على عدد من منافسيه . وإذن  ، فإذا أردنا أن نتعرف بالتدقيق عمن هو السياسي حقيقة وجوهريا ، فإنه من الضروري أن نزيح عنه ( كل ما يحيط به من مد ) ، وعلى أساس ذلك نبرهن عما يجعله ليس راعيا .                                                                               يلجأ أفلاطون إذن إلى أسطورة الأرض تدور حول مدارها .  في حركتين متعاقبتين وفي الاتجاه  المعاكس .                                                                                                           في الزمن الأول ، كان كل نوع حيواني ينتمي إلى قطيع يقوده راع  ماهر . أما القطيع الإنساني فيقوده الإله شخصيا . يمكنه أن يدبر بوفرة خيرات الأرض . لم يكن في حاجة إلى ملجأ  ، وبعد الموت ، يعود الناس إلى الحياة . جملة رئيسية تضيف : ( كانت الألوهية راعيا لهم ، لم يكونوا في حاجة إلى قانون سياسي ) .(11)                                                                                                   في مرحلة ثانية  تدور الأرض في الاتجاه المعاكس . لم تعد الآلهة رعاة للبشر . ذلك أنهم تسلموا النار ( المشعل )  . ما الذي إذن سيكون عليه دور السياسي ؟. هل سيصبح راعيا في مكان الإله ؟. أبدا . ستكون مهمته منذ اللحظة هي نسج قماش متين لصالح المدينة . أن تكون رجل السياسة فهذا لا يعني إطعام ومعالجة وتربية الذرية  ، وإنما التوحيد والضم : ضم فضائل مختلفة ، ضم أمزجة متعارضة ( مندفعة أو متمالكة لنفسها  ) ، بالاستعانة  ب ( مسار ) الرأي العام . ينبني الفن الملكي للحكم على توحيد الأحياء ( داخل جماعة مبنية على الأمن والصداقة ) . وأن تنسج أيضا ( الأكثر بهاء من بين كل الأقمشة ) . كل السكان ( عبيد وأحرار ملتفين داخل ثنياته ).(12)                                                                                                    يبدو ( السياسي ) إذن ، في الفترة القديمة الكلاسيكية ، كتفكير أكثر تنظيما حول السلطة الرعوية ، والتي اتخذت أهمية كبرى في الغرب المسيحي . يبدو أن طرحنا لهذا الموضوع ، ذو الأصل الشرقي ، يدل على أنه تمتع في الماضي مع أفلاطون بأهمية كبرى لكي يستحق المناقشة ، غير أنه يجب ألا ننسى بأنه كان موضع نزاع .                                                                                                         ومع ذلك فليس الأمر كليا ، ذلك  أن أفلاطون قد اعترف ، في الواقع ، للطبيب ، للفلاح ، لمعلم الرياضة وللمربي بصفة الرعاة . في المقابل ، رفض تعاطيهم لنشاطات سياسية  . وهو يقول ذلك بوضوح : كيف للسياسي أن يجد دائما وأبدا الوقت الكافي لزيارة كل فرد على حدة ، أن يقدم له الطعام ويوفر له الراحة وأن يعالجه في حالة المرض .  إله من العصر الذهبي هو الوحيد الذي يمكنه أن يتصرف على نفس الطراز، أو أن يقوم بذلك طبيب أو مرب يكون مسؤولا عن حياة وتطور عدد قليل من الأفراد . غير أنه ، بتموقعه بين الاثنين ( الآلهة والرعاة ) ، فان البشر الذين يمتلكون السلطة السياسية ليسوا برعاة . لا يرتكز هدفهم على المحافظة على حياة جماعة من الأفراد . وإنما على تشكيل وتأمين حياة المدينة . وباختصار ، فان المشكلة السياسية هي مشكلة العلاقة بين الواحد والكثرة  داخل إطار المدينة ومواطنـــــــــــيها . المشكلة الرعوية تهم حياة الأفراد .                                                                                  كل ذلك يبدو ربما جد بعيد . إذا كنت قد ألححت  على النصوص القديمة ، فذلك لأنها توضح لنا مشكلة ، أو بالأحرى سلسلة من المشاكل ،  طرحت  في وقت سابق . إنها مشاكل  تغطي التاريخ الغربي في كليته ، علما أنها مازالت تحظى بالأهمية الكبيرة في المجتمع المعاصر . كما أن لها ثأثير في العلاقات بين السلطة السياسية الموظفة لصالح الدولة باعتبارها إطارا قانونيا للوحدة وبين السلطة التي يمكن أن نسميها ب( الرعوية ) ، والتي ترتبط وظيفتها بالسهر الدائم على حياة الجميع وعلى حياة كل فرد بمساعدتهم وتحسين مصيرهم .                                                                                   إن العبارة الشهيرة (مشكلة دولة العناية ) لا تظهر بوضح فقط الحاجيات أو التقنيات الجديدة للحكم في العالم الحاضر .عليها أن تعترف به على حقيقته :  إعادة ظهور إحدى الأشكال المتعددة  وفق تطابق تام بين السلطة السياسية الممارسة على الذوات المدنية   والسلطة الرعوية التي تمارس على الأفراد الأحياء .

بالطبع ليست لدي أدنى نية في أن أعيد رسم تطور السلطة الرعوية من خلال المسيحية . إن المشاكل الكبرى التي تطرحها تتركنا ببساطة نتخيل : مشاكل مذهبية مثل لقب ( الراعي الجيد ) التي منحت للمسيح ، مشاكل مؤسساتية مثل التنظيم الرعوي ، أو اقتسام مسؤوليات السلطة الرعوية بين الأساقفة      والقساوسة .                                                                                                       مقصدي الوحيد هو أن أوضح مظهرين أو ثلاثة والتي اعتبرها أساسية في تطور الرعوية داخل تكنولوجيا السلطة .                                                                                                 لكي نبدأ ، سنفحص البناء النظري لهذه الموضوعة داخل الأدب المسيحي للقرون الأولى : شريسوستوم  Chrysostome ، سيبريان Cyprien ، أمبرواز Ambroise ، جيروم Jérôme  . وبالنسبة للحياة الرهبانية كاسيين Cassien أو بينوا Benoît. ستجد الموضوعات العبرية نفسها متغيرة بكثرة حول أربع مستويات على الأقل :                                                                  1/ أولا فيما يخص المسؤولية . لقد رأينا بأن على الراعي أن يتحمل مسؤولية مصير القطيع في كليته ومصير كل شاة على حدة .  في المفهوم المسيحي ، على الراعي أن يتأكد بنفسه ليس فقط  من كل شاة في القطيع ، وإنما من كل أفعالها وحركاتها ، من كل ما يمكن أن تقوم به من خير أو شر ، ومن كل ما يمكن أن يحصل لها .                                                                                                    فضلا عن ذلك ، فان المسيحية تتصور  أن بين كل شاة وراعيها  تبادلا وتداولا معقدا من الخطايا والاستحقاقات .  خطيئة الشاة معزوة إلى الراعي ،  عليه أن يجيب عنها يوم الحساب الأخير . وعلى العكس فهو بمساعدته لقطيعه لكي يجد الخلاص ، فان الراعي سيجد هو نفسه خلاصه . غير أنه بانقاده لماشيته ، بمجازفته  بألا يصيبها التلف والتيه ، فإنه يجازف أيـــــضا بإمكانية ضياعه هو نفسه . عليه بالضرورة أن يبعد خطر ضياعه بالنسبة للآخرين . ذلك أنه اذا تم ذلك فان القطيع هو الذي سيكون معرضا لأخطار كبرى .

ولكن لنترك هذه المفارقات جانبا . هدفي الوحيد كان هو التأكيد على قوة وتعقد الروابط الأخلاقية التي تجمع الراعي بكل عنصر من القطيع . كما أود التذكير بشكل خاص وبقوة ، بأن تلك الروابط لا تهم فقط حياة الأفراد ولكن أيضا أفعالهم  في تفاصيلها الأكثر دقة .                                                                                                                    2/ التغير الثاني المهم مرتبط بمشكلة الطاعة أو الخضوع . في التصور العبراني فإن  الإله هو بمثابة  راع ، على القطيع الذي يتبعه أن يخضـــــع لإرادته ولقانونه .                                                                         المسيحية من جهتها تتصور العلاقة بين الراعي وماشيته كعلاقة إخضاع فردي وشامل . إنها بالتأكيد إحدى النقط التي تختلف فيها الرعوية المسيحية جذريا عن الفكر الإغريقي . إذا كان لإغريقي أن يخضع فهو يفعل ذلك لأن هناك قانون أو إرادة المدينة . وإذا حدث أن أصبح تابعا لإرادة فرد بشكل خاص ( طبيب ، خطيب أو مربي ) ، فالسبب هو أن ذلك الشخص قد  أقــــنعه  منطقيا بذلك . على أن يتم ذلك من أجل هدف جد محدد : أن يعالج نفسه ، أن يمتلك القدرة  ، أن يقوم  بالاختيار الأحسن والأنسب .                                                         في المسيحية فان العلاقة مع الراعي هي علاقة فردية ، علاقة خضوع شخصي . إرادته تنجز ليس لأنها مطابقة للقانون ، ولكن لأن تلك هي إرادته . في كتابه ( المؤسسات الرهبانية ) لCassien ، نجد عددا من النوادر تبعث على التقوى وتبين أين يجد الناسك خلاصه بتنفيذه لمجموعة من الأوامر السخيفة التي يصدرها من هو أعلى منه (13) . الطاعة فضيلة . وهذا يعني بأنها ليست ، كما هو الحال عند الإغريق ، وسيلة مؤقتة بهدف الوصول الى غاية ما  وإنما هي غاية في ذاتها . انها وضعية دائمة ، على القطيع  أن تخضع بشكل دائم لرعاتها : (SubditiI) كما يقول القديس Benoît  ، فالنساك لا يعيشون بحسب حرية اختياراتهم . أمنيتهم هي الخضوع  لسلطة القس ( Ambulantes alieno judicho et imperio ) (14) . تسمي المسيحية الإغريقية وضعية الخضوع هذه ب   ( Apatheia). إن تطور معنى هذه الكلمة هو دال . في الفلسفة الإغريقية فان كلمة (Apatheia) تشير إلى السلطة التي يمارسها الفرد على تابعيه بفضل التمرين العقلي . في الفكر المسيحي فان Pathos le   هو الإرادة الممارسة على الذات ومن أجل الذات . (Apatheia ) هي التي تخلصنا من كل تصلب عنيد .                                                

3/ تفترض الرعوية المسيحية شكلا من المعرفة الخاصة بين الراعي وكل شاة من القطيع . إنها معرفة خاصة  . فهي تفرد  . لا تكفي معرفة الوضعية التي يوجد عليها القطيع ، وإنما يلزم أيضا معرفة وضعية كل شاة على حدة . لقد وجدت هذه الموضوعة قبل الرعوية المسيحية غير أنه تم توسيعها بشكل كبير وفق ثلاثة معان مختلفة : على الراعي أن يتم إخباره بالحاجيات المادية لكل عنصر من القطيع وأن يدبر لها ذلك كلما دعت الضرورة . عليه أن يعلم ما يحدث ، كل ما تقوم به كل واحدة على حدة ـ خطاياها العامة . وأخيرا وليس آخرا عليه أن يعرف ما يحدث داخل روح كل واحدة منها ، خطاياها المستورة ، تدرجها على درب الطهارة .                                   

 تمتلك  المسيحية ، لكي تتأكد من هذه المعرفة الفردية ،  وسيلتين أساسيتين توظفهما داخل العالم الهيلينيستي : محاسبة الضمير  و توجيه الضمير . لقد استعادتهما ولكن ليس بدون أن تحرفهما وبشكل كبير .                                                                                                            بالنسبة لمحاسبة الضمير  ، وكما نعلم ، فقد كان منتشرا بين الفيتاغوريين والرواقيين والأبيقوريين الذين رأوا فيه وسيلة للقيام بالمحاسبة اليومية للخير أو الشر المنجز بالقياس إلى الواجبات . وهكذا يمكن أن نقيس تطوره على درب الكمال ، والمرتبط بالقدرة على التحكم في الذات و السيطرة على الأهواء  الخاصة . بالنسبة لتوجيه الضمير  فقد كان أيضا سائدا داخل عدد من الأوساط    المثقفة ، غير أنه أخد شكل حكم ونصائح ،أحيانا مؤدى عنها ، يحتاجها المرء في الظروف الخاصة والصعبة : في الأحزان والآلام ، أو عندما يعاني الإنسان من سيئات الثروة وهواجسها .                                                           لقد جمعت الرعوية المسيحية  هاتين الممارستين .  شكل توجيه الضمير رابطا دائما : لا تترك الشاة ذاتها تنقاد إلى  هدف واحد هو عبور العقبات الصعبة بنجاح ، وإنما تلزم مراقبتها كل لحظة . كان توجيهها حالة ، بحيث ستضيع حتما إذا ما حاولت الهروب . الذي لا يقبل بالنصيحة سيذبل ويتساقط كالوردة الميتة ، تقول الأغنية الأبدية . أما بخصوص محاسبة الضمير فان مقصديته لم تكن هي تكريس محاسبة الذات وإنما السماح لها بالانفتاح كليا على رئيسها ، بأن تبوح له بأعماق الروح .                                                                                                       توجد العديد من النصوص الزهدية و الرهبانية للقرن الأول تدور حول الربط بين التسيير وامتحان الضمير ، و ذاك بين إلى أي درجة كانت تلك التقنيات أساسية بالنسبة للمسيحية ، وكيف أنها كانت على درجة من التعقيد .  ما أود الإشارة إليه هو أنها تترجم ظهور أحد الظواهر الغريبة في الحضارة الإغريق ـ  رومانية بمعنى  تنظيم  و إقامة نوع من الربط بين الخضوع التام ، معرفة الذات والاعتراف لشخص آخر .                                                                                                     4/ هناك تحول آخر جد مهم ربما . إن كل تلك التقنيات المسيحية للتمرين و للاعتراف والتوجيه وللانقياد كان لها هدف واحد وهو  : قيادة الأفراد للعمل على ( إماتة ) ذواتهم داخل هذا العالم  . ليست الإماتة ، بطبيعة الحال ، هي الموت  وإنما هي التخلي عن هذا العالم و عن  الذات  : نوعا من الموت اليومي . الموت الذي من المفترض أن يمنح الحياة داخل عالم آخر . ليست هذه هي المرة الأولى التي نصادف فيها موضوعة الرعوية مرتبطة بالموت ، غير أنها تفيد شيئا آخر مختلفا عن الفكرة الإغريقية للسلطة السياسية . لا يتعلق الأمر بتضحية من أجل المدينة ، الإماتة المسيحية هي شكل من العلاقة من الذات إلى الذات . إنها عنصر أو جزء مكمل للهوية المسيحية .                                                      يمكن القول بأن الرعوية المسيحية قد أدخلت لعبة لم يتم تخيلها لا من قبل الإغريق ولا من قبل العبرانيين .  لعبة غريبة حيث عناصرها هي : الحياة ، الموت ، الحقيقة ، الطاعة ، الأفراد والهوية ….لعبة يبدو بأن ليس لها أية علاقة مع لعبة المدينة التي تعيش من خلال تضحية مواطنيها . بالنجاح في التوفيق بين اللعبتين ، لعبة المدينة والمواطن ولعبة الراعي والقطيع  داخل ما نسميه بالدول المعاصرة ، تكون مجتمعاتنا قد كشفت فعلا عن وجهها الحـــــقيقي البشع والشيطاني .                                                                                         كما يمكن أن تلاحظوا ، فقد حاولت هنا ليس حل مشكلة ولكن اقتراح مقاربة معينة للمشكلة. إنها على نفس الشاكلة من القضايا التي اشتغلت عليها منذ كتابي الأول حول الجنون والمرض العقلي . وكما قلت سابقا ، فان لها صلة بالعلاقات بين التجارب ( مثل الجنون ، المرض ، خرق القوانين ، الجنسانية ، الهوية ) ، والمعارف ( مثل طب الأمراض العقلية  ، الطب ، علم الإجرام ، علم الجنس ، علم النفس ) والسلطة ( مثل السلطة التي تمارس داخل مؤسسات طب الأمراض النفسية و العقابية ، وأيضا داخل كل المؤسسات الأخرى التي تعالج وتهتم بالمراقبة الفردية ) .                                                                                      لقد طورت حضارتنا نظام المعرفة الأكثر تعقيدا ، وبنيات السلطة الأكثر اتقانا و مهارة  : ما الذي جعل منا هذا الشكل من المعرفة ، وهذا النوع من السلطة ؟. بأية طريقة تم الربط بين هذه التجارب الأساسية للجنون ، للمعاناة ، للموت ، للجريمة والرغبة والفردانية ، رغم عدم وعينا بذلك ، بالمعرفة وبالسلطة ؟. أنا متأكد بأننا لن نجد الحل أبدا غير أن هذا لا يعني بأنه يلزمنا أن نتخلى عن طرح السؤال .

II 

 لقد حاولت بيان كيف أن المسيحية البدائية قد أعطت شكلا لفكرة الأثر الرعوي ممارسا بلا انقطاع على الأفراد من خلال إظهار حقيقتهم الخاصة . كما حاولت بيان إلى أي مدى كانت فكرة السلطة الرعوية هذه غريبة عن الفكر الإغريقي بالنظر إلى عدد معين من السمات مثل امتحان الضمير  وتوجيه الضمير .

 أريد الآن ، بالقفز على قرون عديدة ، وصف مرحلة أخرى اكتست في ذاتها أهمية خاصة داخل تاريخ هذا الشكل من حكم الأفراد مــــــــــــن خلال حقيقتهم الخاصة .

  يستند هذا المثال إلى تشكل الدولة بالمعنى المعاصر للكلمة . إذا كنت قد أقمت هذه المقاربة التاريخية ، فليس المقصود ، بطبيعة الحال ، هو أن المظهر الرعوي للسلطة قد اختفى طيلة القرون العشرة الكبرى لأوروبا المسيحية، الكاثوليكية والرومانية ، غير أنه يبدو لي ، على غير ما كان يتوقع ، بأن هذه المرحلة لم تكن هي نفسها للرعوية الظافرة . وذلك لأسباب متعددة : بعضها ذو طبيعة اقتصادية ، فالتوجيه الرعوي للأرواح هو تجربة حضرية خالصة  ، من الصعب توافقها مع الفقر والاقتصاد الرعوي المنتشر مع بدايات القرون الوسطى . أسباب أخرى ذات طبيعة ثقافية : الرعوية هي تقنية معقدة تتطلب نوعا من الثقافة من الراعي كما هو الأمر بالنسبة للقطيع . أسباب أخرى لها ارتباط بالبنية الاجتماعية والسياسية . لقد طورت الفيودالية بين الأفراد نسيجا من الروابط الشخصية ذو طبيعة جد مختلفة عن الرعوية .                                                         لا أدعي أن فكرة الحكم الرعوي للأفــــــــراد قد اختفى كليا داخل الكنيسة الوسطوية .  في الحقيقة لقد ترسخ ، و يمـــكن القول بأنها أظهر حيوية كبيرة . سلسلتان من الأحداث تؤكدان ذلك . قبل كل شيء ، هناك الإصلاحات التي أنجزت لصالح الكنيسة ، وبخاصة داخل الأوامر الرهبانية ــ مختلف الأشكال التي أجريت بالتتابع داخل الأديرة الموجودة  ـ والتي كان هدفها هو رد النظام الرعوي إلى صرامته بين النساك . أما بالنسبة للأوامر التي خلقت جديدا ، الدومنيكان والفرنسيسكان ، فقد حددت لنفسها ، قبل كل شيء ، نشر عمل رعوي بين المؤمنين .  حاولت الكنيسة ، طيلة هذه الأزمات المتتالية وبلا ملل ، بأن تسترد وظائفها الرعوية . غير أن هناك ما هو أكثر .  فداخل السكان أنفسهم سنعاين ، طيلة العصر الوسيط ، تطور سلسلة طويلة من الصراعات التي كان رهانها هو السلطة الرعوية . لقد رفض منافسوا الكنيسة ، الذين لم يحترموا أوامرها ، بنيتها التراتبية  و رحلوا للبحث عن أشكال  تقريبا عفوية لجماعة ،  حيث يمكن من خلالها للقطيع أن يجد الراعي الذي هو في حاجة إليه . لقد لبس هذا البحث عن ملمح رعوي مظاهر متعددة : أحيانا ، مثلما هو حالة ( Vaudois des)  أتاحت الفرصة لصراعات جد عنيفة ، في مناسبات أخرى ، كما هو الحال في مجموعة إخوة الحياة ، فان هذا البحث يكون هادئا . و أحيانا أخرى يثير حركات ذات أهمية كبيرة مثلما هو الحال مع  Hussites   ، أحيانا أخرى تقتصر على جماعات محدودة كما هو الحال مع أصدقاء الله ل ( Oberland) . يتعلق الأمر أحيانا أخرى بحركات قريبة من الهرطقة ، ومن الجماعة الدينية  (  Béghards ) ، أحيانا حركات أورثودوكسية مضطربة مثبتة داخل حصن الكنيسة ( الخطباء الايطاليون في القرن الرابع عشر ) .                                                     

 لقد استحضرت كل ذلك بطريقة جد تلميحية ، بهدف وحيد هو الإشارة إلى أن الرعوية في العصر الوسيط ، إذا لم تؤسس كحكومة فعلية وممارسة على الأفراد ، فإنها مثلت قلقا تابتا ورهانا لصراعات دائمة . طيلة هذه المرحلة تجلت رغبة متأججة لإقامة علاقات رعوية بين الأفراد ، و سيصيب هذا التسامي أيضا التيار الصوفي كما الأحلام الألفية الكبرى  .  

*                                                                                                                       الأكيد أنني لا أود هنا معالجة مشكلة تشكل الدول . كما لا أود مطلقا  تفحص مختلف  السيرورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي صدرت عنها . وأخيرا فأنا لا أهدف أبدا إلى تحليل مختلف الميكانيزمات والمؤسسات التي جهزت بها الدول ، بهدف تأمين حياتها . أود فقط إعطاء بعض الإشارات المقطعية حول شيء وجد نفسه في منتصف الطريق بين الدولة ، كنوع من التنظيم السياسي ، وميكانيزماتها ، أقصد بذلك  نوع العقلانية التي وظفت داخل ممارسة سلطة الدولة .                                                                 لقد استعدتها في محاضرتي الأولى . وهو أنه بدلا من أن نتساءل فيما إذا كانت انحرافات سلطة الدولة قد ارتبطت بشطط في العقلانية أو اللاعقلانية ،  سيكون من الأجدر الاهتمام بنوع محدد من العقلانية السياسية أنتجتها الدولة .                                                                                 وعلى كل حال ، وفي هذا الصدد على الأقل ، فان الممارسات السياسية تشتبه مع العلمية : ليس ( العقل بشكل عام ) هو ما نمارس ، ولكن دائما نوعا جد خاص من العقلانية .                                                                         إن ما يثير الدهشة هو أن العقلانية السياسية للدولة قد تم التفكير فيها كما أنها واعية بخصوصياتها ، لم تكن أبدا مغلقة داخل ممارسات عفوية وغامضة ، كما أن الأمر لا يرتبط بتحليل استبطاني هو الذي أبان عنه .                                                                                                               لقد تمت صياغة تلك العقلانية ، بشكل خاص ، داخل جزأين من النظريات : عقلانية الدولة ونظرية الشرطة . أعلم بأن هاتين العبارتين ستكتسبان فيما بعد معان ضيقة وحقيرة. غير أنه ، خلال المائة وخمسين سنة أو مائتي سنة التي استغرقها تكون الدول المعاصرة ، فقد حافظتا على معناهما الواسع بالمقارنة مع ما هي عليه اليوم .                                                                                 لقد حاولت نظرية الدولة أن تحدد في ما  تختلف فيه مبادئ وطرائق الحكم المرتبطة بالدولة مثلا ، عن الطريقة التي يحكم بها الله العالم أو الأب داخل أسرته أو الرئيس داخل جماعته .                                                             أما بالنسبة لنظرية الشرطة  ، فهي تحدد طبيعة الفعل العقلاني للدولة ، كما تحدد الأهداف التي تسعى إليها والشكل العام للوسائل التي تستعملها .                                                                    إن هذا الشكل من العقلانية هو الذي أود الحديث عنه الآن  . غير أنه يلزم أن نبدأ بتمهيدين :                                                                                                          1/ لقد نشرMeinecke)) كتابا جد هام حول عقلانية الدولة (15)  . وسأتحدث أساسا عن نظرية الشرطة  .                                                                                                       2/ لقد اصطدمت كل من ألمانيا وإيطاليا بصعوبات جمة لكي تتشكل كدول ، وهما البلدان اللذان أنتجا أكبر عدد من التأملات حول عقلانية الدولة والشرطة . وعليه فسأحيل غالبا إلى النصوص الإيطالية والألمانية.

**                                                                                     

لنبدأ بعقلانية الدولة والتي أقدم بشأنها بعض التعاريف : Botero (معرفة جيدة بالوسائل التي من خلالها تتشكل الدول  ، تتقوى  ، تدوم وتتطور ) (16) . Palazzo ( خطاب حول الحكومة وحقيقة عقلانية الدولة 1606 ) : )طريقة أو فن يسمح لنا باكتشاف كيف ننشر النظام والأمن لصالح الجمهورية ( )17 )        

 Chemnitz ( عقلانية الدولة 1647) : ( بعض الاعتبارات العامة الضرورية بالنسبة للقضايا العامة ، التوجيهات والمشاريع التي يكون هدفها الوحيد هو المحافظة على الدولة وتوسيعها وتأكيد رفاهيتها بتوظيف الوسائل الأكثر نجاعة و ملائمة .)(18)                                                                             لنتوقف عند بعض السمات المشتركة في هذه التعريفات  :                                                        1/ لقد تم اعتبار عقلانية الدولة ( كفن ) ، بمعنى تقنية معينة مطابقة لعدد معين من القواعد .  لا تهم هذه القواعد فقط العادات والتقاليد ولكن أيضا نوعا من المعرفة العقلانية . في أيامنا هذه فإن عبارة عقلانية الدولة تحيل إلى ( التعسف) أو ( العنف ).  أما  في الفترة الماضية فقد كان يقصد بها عقلانية خاصة بفن حكم الدول .                                                                                               

2/ من أين يستمد فن الحكم هذا سبب وجوده ؟. الجواب عن هذا السؤال يثير الجدل داخل الفكر السياسي الناشئ .ومع ذلك ، فإنه من السهل القول ما يلي : فن الحكم هو عقلاني إذا كان التفكير يقود إلى ملاحظة طبيعة ما يحكم ــ  الدولة .                                                             

غير أن القول بهذه البداهة ، معناه القطع  في آن واحد مع تقليدين : مسيحي و قانوني ، تقليد يقتضي من الحكومة  ، أن تكون في غاية الإنصاف . أن تحترم نظاما من القوانين : القوانين الإنسانية ، القانون الطبيعي ، القانون الإلهي .                                                                                       نجد في هذا الصدد نصا موحيا لسان توماس   Saint thomas الذي يذكر بأن : ( على الفن ، في مجاله ،  أن يحاكي الطبيعة المحققة في مجالنا ) . إنه غير معقول و منطقي  إلا بهذا الشرط . على الملك ، في حكم مملكته ، أن يحاكي حكم الله في الطبيعة ، أو أيضا حكم الروح للجسد .على الملك أن يبني مدنا ،  تماما كما خلق الله العالم أو كما تعطي الروح للجسد شكلا .على الملك أيضا أن يسعى بالإنسان نحو غايته كما يفعل الله مع الكائنات الطبيعية أو كما تفعل الروح حين توجه الجسد . وما هي غاية الإنسان يا ترى ؟. هل ما هو مهم بالنسبة للجسد ؟.لا  ، إذ لو كانت غاية الإنسان هي الصحة الجسدية لتطلب ذلك طبيبا فقط وليس ملكا .  الثروة ؟. مطلقا . فوكيل أعمال يكفي . الحقيقة ؟. حتى هذه ، لا . لأجل ذلك ، فالمعلم هو الوحيد القادر على ذلك .  الإنسان في حاجة إلى شخص يكون قادرا على فتح الطريق إلى المباركة الإلهية بأن يطابق مــــــا هو أرضي بما هو سماوي .                                                                               كما يمكن أن نلاحظ ، فإن  فن الحكم يأخذ نموذجا له الإله الذي يفرض قوانينه على مخلوقاته . إن نموذج الحكم العقلاني المقدم مع سان توماس ليس سياسيا ، بينما ما تمت تسميته ب( عقلانية الدولة ) ،  القرنين السادس عشر والسابع عشر ، كان يهدف إلى البحث عن مبادئ قادرة على توجيه حكومة  فعلية .إنهما لا يهتمان لا بالطبيعة ولا بالقوانين بصفة عامة ، وإنما بماهية الدولة وبمقتضياتها .                         هكذا يمكن أن نفهم الجدل الديني الذي أثير مع هذا النوع من البحث. وهذا يفسر لماذا عقلانية الدولة تم تشبيهها بالإلحاد . لقد ظهرت هذه العبارة في فرنسا ، بالتحديد ، وفي سياق سياسي تم اعتباره بشكل عام ( ملحدا ).                                                                                                            3 / نجد عقلانية الدولة أيضا معارضة لتقليد آخر : مشكلة ميكيافيل  Machiavel  في كتابه ( الأمير ) هي معرفة كيف يستطيع الأمير الحماية والمحافظة ، ضد خصوم الداخل والخارج ، على مقاطعة أو أرض تمت حيازتها عن طريق التوارث أو الغزو(20) . كل تحليل ميكيافيل منصب على تحديد ما يوطد الصلة بين الأمير والدولة ، هذا بينما المشكلة المطروحة مع عقلانية الدولة هي وجود وطبيعة هذا الكيان ذاته الذي هو الدولة . وهذا ما يفسر كيف أن منظري عقلانية الدولة كانوا يجتهدون لكي يبقوا بعيدين أكثر ما يمكن عن ميكيافيل الذي كان يتمتع بسمعة سيئة في تلك المرحلة . لقد كانت مشكلتهم بعيدة جدا عما طرحه . في المقابل ، حاول  خصوم عقلانية الدولة  أن يلوثوا هذا الفن الجديد للحكم بأن يفضحوا ما فيه من إرث ميكيافيلي . هذا وبالرغم من كل الخصومات الغامضة التي تطورت بعد قرن من تحرير ( الأمير) ، فان عقلانية الدولة قد سجلت ، مع ذلك ، ظهور نوع من العقلانية جد مختلف عما خلفه ميكيافيل .        

 إن تدبير فن الحكم هذا لا يستهدف ، بالتحديد ، تقوية السلطة التي يمكن لأمير ما أن يمارسها  في مجاله . وإنما يكون الهدف هو تقوية الدولة نفسها .  تلك هي إحدى السمات الأكثر تمظهرا داخل كل التعريفات المقدمة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. يتلخص الحكم العقلاني كالآتي : اعتبارا لطبيعة الدولة و التي يمكن أن تنال من أعدائها في أجل غير محدد ، فإن ذلك لن يتأتى لها إلا بتعزيز قواها الخاصة ، كما أن هاجسها الوحيد هو ألا تتعرض لخسارات كبرى . تتجلى الأهمية الكبرى لهذه الفكرة في بعدها التاريخي الجديد  . إنها تفترض فعلا بأن الدول هي حقائق عليها ، بكل إلزام ، أن تقاوم طيلة فترة تاريخية لزمن غير محدد داخل فضاء جغرافي موضوع نزاع .                                        

 4 / وأخيرا ، يمكن أن نلاحظ بأن عقلانية الدولة ، بمعنى حكومة عقلانية قادرة على تقوية قوى الدولة في توافق مع ذاتها ، تمر عبر التكوين المسبق لنوع معين من المعرفة . فالحكومة غير ممكنة إلا إذا كانت قوى الدولة معروفة ، إذ بهذه الطريقة يمكن أن تصان . كما يلزم على  قدرة الدولة ووسائل تطويرها أن تكون معروفة ، ونفس الأمر بالنسبة لقوى وقدرات الدول الأخرى . على دولة الحكم فعلا أن تصمد وتقاوم ضد الآخرين . على الحكومة ألا تقتصر فقط على تطبيق المبادئ العامة للعقل والحكمة والاحتراس . المعرفة ضرورية : معرفة ملموسة ودقيقة ومحددة تكون مطابقة لقوى الدولة . إن فن الحكم ، المميز لعقلانية الدولة ، هو بعمق مرتبط بما يمكن أن نسميه بالإحصاء أو علم الحساب السياسي ــ  بمعنى معرفة القوى الخاصة بمختلف الدول . لقد كانت  تلك المعرفة ضرورية بالنسبة لحكومة   جيدة .                                                                                                            لكي نلخص ذلك نقول ، إن عقلانية الدولة ليست فنا للحكم يقلد القوانين الإلهية ، الطبيعية والإنسانية . ليس على الحكومة أن تحترم النظام العام للعالم .  يتعلق الأمر بحكومة تتوافق مع قوة الدولة ، بحيث يكون هدفها هو تقوية هذه القوة داخل إطار موسع وتنافسي .

*  *

 إن ما قصده كتاب القرن السابع عشر والثامن عشر ب( الشرطة ) هو جد مختلف عــــما نعنيه بها  اليوم .  لست أدري لماذا أغلب من درس هذه المسألة هم الكتاب الايطاليون والألمان ، ولكن ، لا يهم . إنهم لا يقصدون ( بالشرطة ) مؤسسة أو ميكانيزما يشتغل لصالح الدولة ، ولكن تقنية في الحكم خاصة بالدولة ، حيث يتعلق الأمر بمجالات وتقنيات وأهداف تستدعي تدخل الدولة .                                  

 لكي أكون واضحا وبسيطا ، سأوضح مقصدي من خلال نص يحمل في نفس الوقت الطوباوية والمشروع .إنها إحدى البرامج ــ الطوباويات الأولى للدولة البوليسية .  لقد صاغها وقدمها تيركي دي ماييرن  Turquet  de Mayerne في 1611 لحكومات هولندا . في كتاب ( العلم والعقلانية في حكومة لويس السادس عشر ) نبهنا J  king   إلى أهمية هذا المؤلف المدهش الذي يدل من خلال عنوانه (الملكية الأرست ـ ديمقراطية ) علـــى ما يشغل نظر المؤلف : يتعلق الأمر بدرجة أقل بالاختيار بين مختلف أنواع الدستور بدلا من ملاءمتها  لصالح هدف حيوي : الدولة . يسميها ”  تيركي”  أيضا بالمدينة والجمهورية أو أيضا الشرطة .     

هذا هو التنظيم الذي اقترحه   Turquet .أربعة موظفين كبار يساعدون الملك .الأول مسؤول عن العدل ، الثاني على الجيش ، الثالث على المالية بمعنى الضرائب وثروات الملك ، الرابع بالشرطة .  يبدو أن دور هؤلاء المؤتمنين الكبار هو أساسا أخلاقي . بحسب تيركي فعليهم أن يرسخوا في السكان (  التواضع ، الإحسان ، الأمانة ، المواظبة ، التعاون الودي والاستقامة ) . نتعرف هنا على فكرة قديمة هي : فضيلة الإنسان هي الدليل على حسن المملكة  . لكن عندما ندخل في التفاصيل ، فان المنظور سيكون  شيئا ما مختلف.                                                                                                             يقترح ”  تيركيه ”  خلق ، داخل كــــــل مقاطعة ، أربعة مســـــــــتشارين للجيش مهمتهم الحفاظ على النظام العام .اثنان يسهران على الأشخاص والآخرين على الممتلكات . على المستشار الأول أن يسهر على المظاهر الايجابية ، الفعالة والمنتجة للحياة . وبعبارة أخرى أن يهتم بالتربية وأن يحدد أذواق وكفاءات كل فرد ، مع الاهتمام بالمهن المفيدة : كل شخص سنه أكثر من خمسة وعشرين سنة ، عليه أن يقيد في سجل يوضح مهنته . أما الآخرون الذين لم يتم توظيفهم فيتم اعتبارهم كرعاع للمجتمع .                                                            على المستشار الثاني أن يهتم بالمظاهر السلبية للحياة : الفقراء ( الأرامل ،الأيتام والشيوخ ) الذين هم في حاجة إلى المساعدة ، الأشخاص العاطلون ، بأولئك الذين تقتضي نشاطاتهم مساعدة مالية ( أولئك الذين لا نطلب منهم أية مصلحة )  ولكن أيضا بالصحة العامة ، أمراض و أوبئة ، وبالحوادث مثل الحرائق والفيضانات .                                                                                          

 أحد المستشارين المسؤولين عن الممتلكات عليه أن يختص في السلع والمنتجات الصناعية .عليه أن يحدد ما يلزم إنتاجه وكيف السبيل إليه ، ولكن أيضا مراقبة السوق والتجارة . المستشار الرابع ، يسهر على ( المجال ) ، على الإقليم والفضاء ، مراقبا الممتلكات الخاصة والوصايا والهبات والبيوعات ، دون أن ينسى القوانين السيادية وأن يهتم أيضا بالطرق والأنهار والمآثر العمومية والغابات .                                                                           وفي هذا الصدد يمكن القول بأن هذا النص ينتمي إلى الطوباويات السياسية المتعددة في تلك المرحلة . غير أنه معاصر أيضا للنقاشات النظرية الكبيرة حول عقلانية الدولة والتنظيم الإداري للملكيات . إنه يمثل بوضوح تام  ، ما يلزم أن تكون عليه ، داخل روح العصر ، أهداف دولة تحكم بحسب التقليد .               على ماذا يدلل هذا النص ؟.                                                                                      1/ تتقدم ( الشرطة ) كإدارة تدير الدولة بالتنافس مع العدل والجيش والمالية .هذا صحيح ، إذ أنها فعلا تحتضن كل شيء . وكما يفسر ” تيركيه ”  فإنها توسع من فعالياتها إزاء  كل الوضعيات ، إلى كل ما يقوم به الناس ويباشرونه . مجال الشرطة يضم إذن العدل والمالية والجيش .                                          2/ الجيش يشمل الكل .  ولكن من وجهة نظر جد خاصة . يتفقد الأشخاص والأشياء في علاقاتهم : تواجد الناس داخل إقليم معين ، علاقاتهم من حيث الملكية ، ما ينتجونه ، ما يتداولونه في السوق . تهتم الشرطة أيضا بالطريقة التي يعيش بها الناس ، بأمراضهم وبالحوادث التي يمكن أن تعترضهم . إن ما تسهر عليه الشرطة هو إنسان حي فاعل ومنتج . يستعمل ” تيركيه ” عبارة جديرة بالملاحظة ، كما يؤكدها باختصار وهي : الإنســــــان هو الموضوع الحقيقي للشرطة .                                                   

 3/ إن تدخلا في كل فعاليات الإنسان يمكن أن يوصف بكونه شموليا . ما هي الأهداف المواظب عليها ؟. إنها مشتقة  من صنفين . في البداية فان الشرطة منشغلة بكل ما يهم شكل المدينة بتزيينها والاهتمام برونقها. لا يرتبط هذا الأخير فقط بجمالية دولة منظمة بشكل دقيق، ولكن أيضا بقوتها وبأسها . وهكذا فالشرطة تضمن قوة الدولة بوضعها كإحدى أولوياتها . في المرتبة الثانية نجد الهدف الآخر للشرطة هو تطوير علاقات العمل والتجارة بين الناس ، إضافة إلى المساعدة التأمينية . هنا أيضا فإن الكلمة التي يستعملها ” تيركيه ”  هــــــــــي جد مهمة : على السياسة أن تؤمن ( التواصل ) بين الناس ، بالمعنى الواسع للكلمة . بدون ذلك فالناس لا يمكنهم أن يعيشوا أو أن حياتهم  ستصبح بئيسة ومهددة بشكل دائم .                                                                                                               يمكن أن نتعرف هنا ، فيما أعتقد ، على فكرة مهمة .  إن دور الشرطة ، كشكل من التدخل العقلاني الممارس للسلطة السياسية على الناس ، هو أن يمنح إضافة صغيرة إلى الحياة ، وهو بذلك الفعل ، يمنح الدولة شيئا من القوة .  يتم ذلك من خلال مراقبة ( التواصل ) بمعنى النشاطات المشتركة للأفراد ( العمل ،الإنتاج ، التبادل ، الرفاهية ) .                                                                                   ستعترضون بالقول : ولكن ذلك ليس سوى حلم  لبعض الكتاب في الظل . لا يمكنكم مطلقا أن تستخلصوا منه أية  نتيجة ذات معنى . من جهتي ، فأنا أعلن بأن مؤلف ” تيركيه ” هذا ، ليس سوى مثال لأدب كبير وواسع كان رائجا  داخل أغلبية الدول الأوروبية في تلك المرحلة . أن يكون بسيطا و واضحا ومع ذلك جد مفصل ، فهذا يوضح بصدق أن هذه الصفات يمكن أن نجدها في كل مكان . قبل ذلك ، أقول بأن هذه الأفكار لم تولد ميتة  . لقد انتشرت طيلة القرن السابع عشر والثامن عشر سواء بصيغة السياسات الملموسة ( الكاميرالية أو الميريكانتالية ) أو كمادة تدرس ( علم الشرطة الألماني ). لا ننسى بأنه تحت هذا العنوان تم تدريس علم الإدارة في ألمانيا .                                                         

 هناك منظوران  لا أود دراستهما ، ولكن على الأقل اقتراحهما .  سأبدأ بالإحالة إلى الملخص الإداري الفرنسي ثم إلى الموجز الألماني .                                                                              

 1/ كل مؤرخ يعرف ملخص DE Lamare . لقد باشر هذا الإداري ، في بداية القرن الثامن عشر ، تجميع قواعد الشرطة لكل المملكة . انه معين لا ينضب  من المعلومات ذات الأهمية القصوى . مقصدي الآن هو بيان المفهوم العام للشرطة لما يمكن أن يقدمه إداري ك DE Lamare    من قواعد وتنظيمات .                يوضح DE Lamare  بأن هناك أحد عشر فصلا تسهر عليها الشرطة داخل المدينة : 1/ الدين . 2/ الأخلاق . 3/ الصحة . 4/ التموينات .5/ الطرق والقناطر والسدود والمآثر العامة .6/ الأمن العام .7/ الفنون الحرة ( بصفة عامة الفنون والعلوم ).8/ التجارة .9/ المصانع .10/ المساكن والمحكوم عليهم .11/ الفقراء .                                                                                                    

 نفس التصنيف يميز أغلبية المختصرات الخاصة بالشرطة . وكما هو الحال في البرنامج الطوباوي  ل” تيركيه ” ، باستثناء الجيش والعدل بحصر المعنى والضرائب غير المباشرة ، فالشرطة تسهر ظاهرا على كل شيء . يمكن أن نقول نفس الشيء بطريقة مختلفة : لقد تقوت السلطة الملكية ضد الفيودالية بمساعدة قوى الجيش ، بالإضافة إلى تطوير نظام قانوني وإقامة نظام ضريبي .هكذا إذن تمت ممارسة السلطة الملكية في القديم . أما ( الشرطة ) فالمقصود بها مجموع المجال الجديد الذي يمكن للسلطة السياسية والإدارية أن تتدخل فيه .                                                                                         ولكن ما هو المنطق الذي يعمل وراء التدخل في العادات الثقافية وتقنيات الإنتاج بمقاييس صغرى ،  وفي الحياة الثقافية وشبكة الطرق ؟.                                                                                   يبدو جواب ”  دي لامار”  غريبا بعض الشيء .أحيانا يحدد بدقة كيف أن ( الشرطة تسهر على كل ما يهم الناس ). بعد ذلك يضيف : الشرطة تسهر على كل ما ينظم المجتمع ( العلاقات الاجتماعية ) التي تسود بين الناس . أخيرا يؤكد على أن الشرطة تسهر على الحي . سأتوقف عند هذا التعريف . إنه الأكثر أصالة كما أنه يوضح الأخريين ، والحاصل أن ”  دي لامار”   يلح هو نفسه على هذا التعريف .   هذه هي ملاحظاته على الموضوعات الأحد عشر الخاصة بالشرطة . تهتم الشرطة بالدين ، ليس بطبيعة الحال من وجهة نظر الحقيقة الدوغمائية ولكن بنوعية أخلاق الحياة . بأن تسهر الشرطة على الصحة والتموينات فهي بذلك تنكب على المحافظة على الحياة ، وسواء تعلق الأمر بالتجارة أو الصناعة ، بالعمال أو الفقراء أو بالنظام العام ، فإنها تهتم برفاهيات الحياة .كما أنها بسهرها على المسرح والأدب وأشكال الفرجة ، فإن موضوعها ليس شيئا آخر غير ملذات الحياة . وباختصار فان الحياة هي موضوع الشرطة : الضروري ،  النفعي والذي لا فائدة منه .   فالشرطة هي التي تسمح للناس بالمحافظة على الحياة ، بأن يعيشوا وأن يعملوا أكثر أيضا .                                                                            هكذا نتعرف على التحديدات الأخرى التي اقترحها ” دي لامار ” : الغاية الوحيدة للشرطة هي أن تقود الناس إلى أكبر سعادة يمكنه الاستمتاع  بها في هذه الحياة . أو أيضا ، الشرطة تهتم برفاهية الروح ( بفضل الدين والأخلاق ) ، وبرفاهية الجسد (التغذية  ، الصحة ، الملبس والمسكن ) ، وبالثروة ( الصناعة ، التجارة واليد العاملة )، أو أخيرا ، الشرطة تسهر على الايجابيات التي لا يمكن أن نستخلصها إلا من الحياة في المجتمع .                                                                                               2/ لنلق الآن نظرة على المؤلفات الألمانية . كان عليها أن توظف فيما بعد لتدريس علم الإدارة . لقد توزع هذا التعليم على جامعات مختلفة وبخاصة في gottingen، واكتسب مهمة كبرى بالنسبة لأوروبا القارية . إذ هنا تم تكوين الموظفين البروسيين والنمساويين والروس ، أولئك الذين سينجزون إصلاحات جوزيف الثاني وكاترين الكبرى . بعض الفرنسيين ، داخل محيط نابليون بالخصوص ، يعرفون جيدا نظريات ( علم الشرطة ).                                                                                        ماذا نجد في هذه المؤلفات ؟.                                                                                    يميز Hohenthal في مؤلفه liber de politia    ( كتاب الشرطة ) بين العناوين التالية : عدد المواطنين ، الدين والأخلاق، الصحة ، التغدية ، أمن السكان والممتلكات ( وخاصة إزاء الحرائق والفيضانات )، الإدارة والعدل، متع وملذات المواطنين ( كيف نحصل عليها وكيف نعتدل فيها )، ثم تتبع ذلك سلسلة من الفصول حول الأنهار والغابات والمناجم والسكن ، وأخيرا ، عددا من الفصول حول الوسائل المختلفة للحصول على المنافع بالفلاحة والصــــــــــناعة أو بتجارة كبيرة .

  يعالج Willebrandt في مؤلـــــــــفه ( مختصر الشرطة ) على التوالي : الأخلاق والفنون والمهن ، الصحة ، الأمن ، وفي الأخير المآثر العامة وتنظيم المدن  . بخصوص الذوات ، فليس هناك على كل حال اختلاف كبير مع قائمة  ” دي لامار ” .                                                                                                          غير أن كتاب JUSTI ( عناصر الشرطة ) يبقى الأكثر أهمية من بين كل تلك النصوص .  يبقى الموضوع النوعي للشرطة محددا كما الحياة في مجتمع من الأفراد الأحياء .  ينظم ”  جيستي ”  مؤلفه على الأقل بطريقة مختلفة بعض الشيء . يبدأ بدراسة ما يسميه ب( ملكيات الدولة ) بمعنى الإقليم ، الذي يتناوله من خلال مظهرين : كيف هو مسكون ( المدن والبوادي ) ، ثم من هم سكانه ( العدد ، النمو الديموغرافي ، الصحة ، الأخلاق ، الهجرة ) ، ثم يحلل ” جيستي ” ( الملكيات والتأثيرات ) . البضائع ، المنتجات الصناعية ، بالإضافة إلى رواج كل ذلك والذي يخلق مجموعة من المشاكل تمــــس كلفتها ، كما تمس القروض والعملة .  و أخيرا الجزء الأخير من دراسته المخصصة  لسلوك الأفراد : أخلاقياتهم ، وضعياتهم المهنية ، كرامتهم ومدى احترامهم للقانون .                                                      

 في نظري ، فان مؤلف” جيستي ”  هو بمثابة برهنة جد مفصلة عن تطور مشكلة الشرطة بالمقارنة مع مقدمة   ” دي لامار ”  في مختصره التنظيمي . هناك أربعة أسباب لذلك .  بداية ، ف ” جيستي ”  يحدد بكل دقة ووضوح المفارقة المركزية للشرطة . الشرطة هي ما يسمح للدولة بتقوية سلطتها وأن تمارسها في كل شساعتها . أضف إلى ذلك انه يجب على الشرطة أن ترعى سعادة الناس ـ  السعادة مفهومة كنجاة ، الحياة وحياة صالحة  . كما يحدد بوضوح ما يعتبره هدفا للفن المعاصر للحكم ، أو لعقلانية الدولة : تنمية هذه العناصر المكونة لحياة الأفراد على اعتبار أن نموها يقوي أيضا قوة  الدولة   ثم يقيم  ” جيستي ”  تمييزا ، على غرار معاصريه ، بين الشرطة والسياسة . السياسة لها مهمة سلبية ، فهي تكمن ، بالنسبة للدولة ، في محاربة أعدائها في الداخل كما في الخارج . وعلى العكس من ذلك فإن للشرطة مهمة ايجابية : فهي ترتكز على تطوير ، في الوقت نفسه ، حياة المواطنين وقوة الدولة .  نلامس هنا نقطة مهمة : يلح ” جيستي ”  ، أكثر من  ” دي لامار”  ،على مفهوم سيعرف تطورا مهما طيلة القرن الثامن عشر وهو مفهوم السكان .لقد تم تحديد السكان كمجموعة أفراد أحياء . مميزاتهم هي نفس مميزات كل الأفراد المنتمين إلى نفس النوع ، يعيشون جنبا إلى جنب . ( المميزين بنسبة الوفيات والخصوبة ، كانوا هدفا للأوبئة ولظواهر الاكتظاظ السكاني ، كما يشكلون نوعا من التوزيع الترابي ) . صحيح أن ” دي لامار  ” يستعمل كلمة ( حياة ) لكي يحدد موضوع الشرطة غير أنه لا يلح على ذلك . طيلة القرن الثامن عشر ، وخاصة في ألمانيا ، فان السكان ، باعتبارهم  مجموعة أفراد أحياء داخل فضاء ما ، هم ما يحددون  موضوعة الشرطة .                                                                           

  أخيرا ، يكفي أن نقرأ كتاب ” جيستي ”  لكي ندرك بأن الأمر لا يتعلق فقط بحلم  ، كما هو الأمر مع تيركيه ، وليس بمختصر تنظيمي نسقي مفهرس . ذلك أن ” جيستي ”  يطمح إلى إعداد ( علم للشرطة )  .لا يمثل كتابه لائحة بسيطة من الأنظمة ، إنه أيضا شبكة  ، يمكن من خلالها أن نلاحظ الدولة بمعنى إقليمها ، مصادرها ، سكانها ومدنها الخ . يجمع  ” جيستي ”  بين ( الإحصاء )( وصف الدول ) وفن الحكم . إن علم الشرطة   ( هو في نفس الوقت فن للحكم وطريقة لتحليل سكان يعيشون في إقليم معين )  .     

  لن أذهب بعيدا أكثر من Hermann  Hesse الذي يؤكد بأن الشيء الوحيد الخصب والمنتج هو ( الإحالة الثابتة إلى التاريخ ، إلى الماضي والى الفترات القديمة ) . غير أن التجربة علمتني بأن تاريخ مختلف أشكال العقلانية ينجح أحيانا أكثر ، من نقد مجرد ، في زعزعة قناعاتنا ودوغمائياتنا . طيلة قرون ، لم نكن نتحمل الدين من غير معرفة بتاريخه .  حاليا فان مدارس عقلانيتنا لا يعجبها أن نكتب تاريخها مطلقا ، الأمر الذي هو بدون شك دال .                                                                               

إن ما أردت توضيحه هو توجيه للبحث. ليست هذه سوى عناصر لدراسة أشتغل عليها منذ سنتين . يتعلق الأمر بالتحليل التاريخي لما سنسميه ، بعبارة مهجورة ، فن الحكم . ترتكز هذه الدراسة على عدد من المسلمات الأساسية ، التي سألخصها على الطريقة التالية :                                                                        

  1/ ليست السلطة  جوهرا .  كما أنها ليست صفة رمزية لشيء غامض يلزم البحث عن أصوله . ليست السلطة سوى نوع معين من العلاقات بين الأفراد . هذه العلاقات هي جد مميزة :  بعبارة أخرى فهي لا علاقة لها بالتبادل والإنتاج والتواصل حتى وإن اقترنت بهم . السمة المميزة للسلطة هو أن بعض الناس يمكنهم تقريبا أن يحددوا كليا سلوك أناس آخرين ، ولكن ليس بطريقة شاملة أو قهرية . إن الرجل المكبل والمعرض للضرب هو خاضع للقوة التي تمارس عليه وليس للسلطة. ولكن إذا استدرجناه إلى الكلام ، عندما يكون ملاذه الأخير هو أن يلزم الصمت مفضلا الموت ، فإننا بذلك نكون قد دفعناه إلى التصرف بطريقة معينة . حريته كانت خاضعة للسلطة . كانت خاضعة للتوجيه .  إذا أمكن لفرد أن يظل حرا ، أكثر تقييدا لما يمكن أن تكون عليه حريته  ، يمكن للسلطة أن تخضعه للتوجيه والحكم . لا  سلطة له بدون رفض أو ثورة بالقوة .                                                                                                         

  2/ بخصوص العلاقات بين الناس ، فهناك عوامل متعددة تحدد السلطة ، ومع ذلك فان العقلنة لا تتوقف عن متابعة مهمتها ، متخدة أشكالا مميزة .انها تختلف عن العقلنة الخاصة بالسيرورات الاقتصادية أو بتقنيات الانتاج والتواصل ، كما تختلف أيضا عن الخطاب العلمي . إن حكم الناس للناس _ـ  سواء تعلق الأمر بتكوين جماعات متواضعة أو مهمة ، أو تعلق الأمر بسلطة الرجال على النساء ، راشدين على الأطفال ، طبقة على أخرى أو ببيروقراطية على السكان _ــ   يقتضي شكلا معينا من العقلانية وليس عنفا أداتيا .                                                                                                             

3/ وعليه ، فان الذين يقاومون أو ينتفضون ضد شكل معين من السلطة لا يكتفون برفض العنف أو نقد مؤسسة ما . إنه لا يكفي إصدار الاتهام ضد العقل بشكل عام .  بل إن ما يلزم أن نضعه موضع مساءلة هو شكل العقلانية _ .

إن نقد السلطة الممارسة على المرضى العقليين أو المجانين لا يمكن أن تقتصر على مؤسسات الأمراض العقلية أو النفسية ، وبالمثل فان الذين يرفضون سلطة العقاب لا يكتفون برفض السجون كمؤسسات شاملة . السؤال هو : كيف تمت عقلنة السلطة ؟. إن طرح هذا السؤال هو الطريقة الوحيدة لتجنب مؤسسات أخرى يمكن أن تأخذ موقعها بنفس الأهداف ونفس المفعولات .                                                                                                           4 / طيلة قرون ، شكلت الدولة أحد أشكال الحكم الإنساني الجدير بالملاحظة ، والأكثر إرعابا أيضا.                                                                

 أن يعمل النقد السياسي على معارضة الدولة ، باعتبارها عامل تفريد ومبدءا شموليا ، فهو بذلك يلعب دور الكاشف . يكفي ملاحظة عقلانية الدولة الناشئة وملاحظة ما يكون عليها مشروعها الأول للشرطة ، لكي ننتبه منذ البداية بأن الدولة هي في نفس الوقت تفريدية و تجميعية . أن تتم معارضتها بالفرد ومصالحه هو أيضا مجازفة بدلا من معارضتها بالجماعة ومتطلباتها .                                   

  لقد تطورت العقلانية السياسية كما فرضت على مر تاريخ المجتمعات الغربية . لقد تجدرت في البداية مع مفهوم السلطة الرعوية ثم مع عقلانية الدولة . التفريد والتجميع هي مفعولات لا يمكن تجنبها . لا يمكن للتحرر أن يأتي من خلال مواجهة هذا أو ذاك من مفعولاته  ، ولكن بالهجوم على جذور العقلانية السياسية  ذاتها .

العنوان الاصلي باللغة الفرنسية  هو :

“omnes et singulatim”      : vers une critique  de la raison politique

الهوامش

1- hymne à Amon-Ré ( le Caire vers 1430 avant Jésus-Christ).Dumas(F) , hymne et prières de l’Egypte ancienne n 69 Paris .éd du Cerf, 1980 p : 198

2-Psaume in ancien testament traduction œcuménique de la bible Paris 1975 p 1358

3- op.sit p 1358

4-Beowulf : roi des Gètes , connu par le poème écrit en dialecte anglo-saxon : Beowulf ; épopée anglo-saxonne( première traduction française par L.Botkine) , havre , le pelletier, 1877

5- Archytas de tarente ,fragments ( cités pas jean stobée, Florilegium, 43 , 120, Leipzig B.G.tuner , 1856 p 138) in chaignet( A.E) pythagore et la philosophie pythagoricienne, contenant les fragments de Philolaos et d’Archytas , Paris , dider , 1874.

6- Gruppe ( O.F ) ueber die fragmente des archytas und der alterne Pythagore, Berlin, G.Eichler , 1840

7- Délatte ( A.) مقالات حول السياسة عند الفيتاغوريين , Paris , honoré champion , 1922.

8-Isocrate, aéropagitique, in discours, t.III ( trad. G.Mathieu),paris, les belles lettres , « سلسلة الجامعات الفرنسية  »,1942 ; 36 ; p :72 ; 55. P : 77 ; 58,p :78.

9-Platon كريسياس ( trad. .A.Rivaud) Paris ,les belles lettres ; « collection des universités de France »1925,109 b , p.257-258 ; 111 c-d pp. 260-261. الجمهورية  ( trad .  Chambray),paris , les belles lettres « سلسلة الجامعات الفرنسية  »  , 1947 , livre I , 343 b, p :29 et 345 c-d, p.32

10- Platon,القوانين ; le livre X ; 906 b ( tard . E . des places ),Paris, les belles lettres, «  سلسلة الجامعات الفرنسية  », 1951 , t.XI ;1er partie, p.177.

11-Platon,السياسي,261 b-262 a ( trad. .À. Dies), Paris, les belles lettres, « سلسلة الجامعات الفرنسية » , 1950 , pp.8-9.

12-lbid.,271 e , p.25

13-lbid.,311 c ,p.88

14-Cassien ( J.),المؤسسات الرهبانية  ( trad.-C Guy) ,Paris, Ed. du cerf,coll. «  sources chretiennes »,n 109 ,1965.

15-régula sancti bénédictin ( la règle de saint benoit, trad.A.de vogue , paris, Éd. du cerf, coll. «  مصادر مسيحية » , n 181 , 1972 , chap. : « حول طاعة المريدين»,pp.465-469 )

16-Meinecke ( F.),die idée des staastrason in der neuuren geschichte , berlin,oldenbourg,1924 ( فكرة عقلانية الدولة داخل الأزمنة الحديثة  , ترجمة.M. Chevallier ,Genève , Droz,1973)

17-Botero ( G.), della ragione di stato dieci libri , rome , V.pellagallo,1590 ( raison et gouvernement d’etat en dix livres,trad.G.Chappuys,paris,guillaume chaudiere , 1599,livre I : « ماهي عقلانية الدولة ؟ »,p.4)

18- Pallazo ( G.A),discorso del governo e della ragione vera di stato , venise , G.de Franceschi , 1606 ( خطاب الحكومة والخطاب الحقيقي للدولة   , trad .A.de vallieres , douay,baltazar bellere,1611 , 1er partie : « أسباب وجزئيات الحكم » , chap.III : « عقلانية الدولة  » , p.14 )

19-chemnitz ( B.P.von), بحث في عقلانية الدولة في الإمبراطورية الرومانـية الجرمانية ( pamphlet publié sous le pseudonym d’hippolithus a lapide , paris, 1647 ; مصالح الأمراء الألمان , حيث نجد ما معنى هذه الأمبراطورية و كيف يجب على عقلانية الدولة أن تحكمها, , trad. Bourgeois du chastenet , Paris,1712,t.I : consi. اعتبارات عامة حول عقلانية الدولة , 2,p.12)

20-Saint Thomas d’aquin , de regimine principium ad regem cypri ( 1266) ,utrecht,N.Ketealer et G.de Leempt ,1473 ( الحكومة الملكية, trad.C.Roguet,paris,Ed.de la gazette française,coll. « معلمو السياسة المسيحية » , 1926,pp.96-98.)

21- Machiavel  ( N.),iL principe , rome, blado,1532 ( الأمير , trad.R.Naves,متبوعا بضد ميكيافيل , de Frederic II , paris,garnier,1960).

22-Mayerne ( L.Turquet de ) , الملكية الأرستوديمقراطية, أو الحكومة المكونة من الأشكال الثلاثة للشرعية العامة , Paris,J.Berjon,1611.

23-King(J.),العلم و العقلانية في حكومة لويس الرابع عشر , Baltimore,the johns Hopkins press,1949.

24-Mayerne ( L.Tuerquet de),op.cit.,الكتاب الثالث , P.208.

25-Lamare ( N.de), مقالة في الشرطة, paris , jean cor, 1705,2 vol.

26-نفس المصدر.,الكتاب الأول , الفصل.i,p.2

27- نفس المصدر., p.4.

28-willebrandt(J.P),مختصر الشرطة ,متبوعا بتأملات حول تطور المدن ,hambourg,estienne,1765.

29-justi(J.H . Gottlobs von),A.Van den Hoecks,1756 (العناصر العامة للشرطة ,ترجمة.M.einous,Paris,Rozer,1769).

30-نفس المصدر: « المبادئ العامة للشرطة » , 2-3 , p :18

شاهد أيضاً

اسم الفيلسوف عند العرب بين «أعلى العليّين» و«أسفل السَّافلين»

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين أوديسَّا الفلسفة في تاريخ البشر محفوفة بالمزالق والمهالك؛ فهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *