الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / موت سقراط: هكذا يتكلَّم الفنُّ

موت سقراط: هكذا يتكلَّم الفنُّ

سامي عبد العال

سامي عبد العال

       تعدُّ لوحة “موت سقراط” للرسام الفرنسي جاك لويس دافيد Jacques David [1]  توثيقاً لهذه الحادثة بصيغة فلسفية فنيَّة متأخرة. تترك الألوان والشخوص تقول تشكيلياً ماذا جرى. ليس يجدي التذكر ولا اعادة القراءة حول تناول فيلسوف اليونان لجرعات السم، لأن الكلام الصامت، جدل العلامات، الحوار الآسر، هي أشياء تحكي همساً وصراخاً كما لو لم تحكِ لوحةٌ فنيةٌ من قبل.

     ذلك أنَّ الفنَّ لا يَقُول شيئاً عن الواقعَ كما هو ولن يفعل. كذلك لن يترك أيَّ توقِيْع طارئ emergent signature بالألوان دون أساسٍ. لأنَّ أثر الفن( كتقنيةٍtechné  ) ليس وسيلةً لتمثيل معطى خارجيٍّ ولا عملاً مكرّراً، لكنه يبرز دلالة الوجود الإنساني كتجلٍّ لماهيةٍ تأخذ صورها باستثناءٍ خاصٍ، حيث يتَّوحد الفني- التقني بما هو جوهري في حيواتنا الإنسانية. ورغم تنوع الحياة إلا أن ثمة علاقة مشتركة ما كنوع من الأصالةِ، إذن الوحدة بالنسبة إليهما(الفني والتقني) ليست اتحاداً، بل” اختلافاً إبداعياً “creative difference عبر فضاءٍ أرحب اسمُه الحياة. وبالتالي، فإنَّ تجربة الفن هي اختلافٌ” في in ” وليست اختلافاً ” على  on”.

     فلربما تُؤكد هويةُ الموت بالفن لونَّاً من الحياة، أي تكشف الحقيقةَ بأكثر أشكالها غرابةً وخفاءً. من زاويةٍ كهذه لا يَحْضُر الفنيartistic  عرَّضاً، لكنه يكَّثِف فائض الحياة عندما يجسدُها بأبسط المشاهد. حينئذ لم تعد ثمة قفزةٌ في فراغ، لأنَّ اللوحة الفنية مكتفيةٌ بذاتها الثرية حدَّ الثمالة. هي العالم، هي الإحساس كرغبة جامحة في صياغة الأشياء، هي الأسطورة المنحدرة كصخرةٍ تجاه ما يقابلها. إنَّ اللوحة تبرز احساساً بما يتفلت من قبضة لحظتها الحاضرة. كلُّ لوحةٍ في الأفق تتشكل بطريقة المفارقة: سابقةٌ على أوانها منذ أزمنة سحيقةٍ وبالوقت ذاته آتيةٌ متأخرةً عن موعدها لدرجة المستقبل!!

        وحتى فعل التعبير، إذا نُسِبَ إلى الفن لا يجري بمقاييس اللغة، ولا بضروب التشابه اللفظي. فالفنَّ يستحضر أصالةً المعاني بإدماج الجانب الإنساني بالزمن. وإنْ أراد الفنان إخفاءَ مشاعره وراء لمساته اللونية، لن يستطيع مغافلة ريشته، مثلما لا تغفل اللوحةَ أبعاداً ممتدةً سلفاً في حركة التاريخ مع فضائها التعبيري.

        نحن إذن أمام معضلةٍ فنيةٍ: ماذا تقول الصورة بكل مخزونها التشكيلي، رغم أنَّها لا تنطق؟ وكيف يكون الكلام مصورّاً كحفريات في أحد المعابد الفرعونية؟ هنا فإنَّ لوحة موت سقراط لدافيد أكثر من مجرد أطياف لونيةٍ على سطح مضيئ. هي ” نص فلسفي” في كيفية رسم الحياة لا تجسيد لمشهد الموت فقط( موت سقراط). صحيح أنَّ تجرُع السم هو الجانب الرئيس فيها، لكن التفاصيل تصوغه بشكل مغايرٍ. المشهد لقطة متجددة لعلاقة عضوية بين الفيلسوف واختيار “نقطة نهايةٍ ” لمسيرته إزاء المجتمع اليوناني. لقطة تطرح سؤالاً فلسفياً: كيف تكون جدِّة النهاية novelty of end داخل اللوحة وخارجها معاً؟ بأيَّة طريقةٍ ترسم جدل الحياة والموت إفرازاً لرؤى باقيةٍ لدينا حتى الآن(جدل المرئي واللامرئي بكلمات موريس ميرلوبونتي)[2]؟

      المثيرُ للتأمل أنَّ ما لم يقُله سقراط سيقُوله جاك دافيد مضاعفاً، متنوعاً، بريشته الفنية، فصمت مشهد الموت كما يبدو من وجه اللوحة هو كلام. كلام فيما وراء الكلام، كلام يقول الكلام، أي كلام على كلام كانضغاط التاريخ في كبسولات من الزمن والرؤى والأحداث. لأولِّ وهلةٍ سيكون الحوار السقراطي صمتاً ناطقاً في زمن تالٍ(زمن اللوحة وزمن المتلقي) وبواسطة غير اليونانيين بحرفية الكلمةِ. لقد كانت فلسفةُ سقراط شفاهيةً كفيلسوفٍ جَوَّال بين الناس، لكنها جاءت كعلاماتٍ ورموز تشكيلية مُضمخةً بالهمْس الخارجي. نقوش لونية تقتضي فكَّ شفراتها لمن لم يشارك في قتله أو لمن سيشارك لا حقاً( باتخاذ موقف غير سقراطي). أي كيف يتمُّ إحياء سقراط مرة ثانيةً بهذا الوقت المتأخر من الراهن الفلسفي للبشرية؟

      في قلب اللوحة المرئية لدافيد، يتجرَّع سقراط السُمَّ القاتل بالنسبة لنا الآن، بالنسبة لهؤلاء الأحياء. ذلك أننا نرى اللوحة حاملة لهذا المضمون ومازلنا نتلقاها من وقتٍ لآخر. فالموت السقراطي كأي موت لا يكتسب معانيه إلاّ داخل الكائن الحي مهما يكن زمنُه، بدءاً من تلامذة سقراط والمحيطين به وبالنسبة للشعب اليوناني وصولاً إلينا نحن. تاريخياً نحن الذين أعطيناه موتَّه وأصبح له كل الزخم وفقاً لرؤيتنا. ومن لحظاته الأخيرة بالحياة نحن الذين كتبنا سيرته بميتات قادمة وسردنا حكايته الفكرية لسنوات وجاء اسمها تاريخ الفلسفة (حوارات سقراط).

        تفترض سرديات التفلسف اشتغالها على موت الفلاسفة وبقائهم، سيَّر نهايتهم وحياتهم. ومن ثمَّ سيكون لدينا المقدرة على إعطاء سقراط الحياة بالمثل. وسيكون له الزخم الفلسفي طالما يُشاهد عبر وسائط وبمرات لا تنتهي. لقد تجرَّع السمَّ ليعيش الآخرون في زمان آخر، في عصر آخر يقع الموت منهم موقعاً لتأويل الحياة. وهذا هو المعنى الكلاسيكي الجديد عبر تأكيده التاريخي داخل اللوحة الفنية.

      وتبدو أصوات اللوحة مقفلةً تجاه من يشاهدها بطريقة قد لا تدرك أهمية المشهد. لكن تفاعل الأصوات والحوار وتداخل الإشارات والإيماءات يقولان أكثر مما نتوقع. وخاصة إذا ما اقتربنا أكثر مما يحدث بوصفنا مكان الشخوص بجوار سقراط، كأننا نرى المشهد بصيغة الجمع مع الحاضرين فيه. كلُّ ما في الأمر أننا لا نسمع أصواتاً رغم شعورنا بها عن كثبٍ. بالطبع علينا أنْ ندخل اللوحة دخولنا لزمن مغاير، مراوغ، مخاتل إلاَّ أنه يمسنا في الصميم. ويحكي عنا ولا سيما لمن يشعر بقيمة الفكر حين يُحاصَّر ويُلاحَق وحين يكتب نهايته بنفسه باختلاف عصوره.

      إنَّ التلقي جزءٌ لا يتجزأ من تكوين اللوحة، لأنَّها ابتداءً خيط من نسيج الحياة وحركتها التي تلامسنا. وسقراط لن يكون هو سقراط بمفرده منعزلاً، لكن بالطريقة ذاتها سيتعدد في مواقف تالية. ولن تجري دلالته هناك دون دلالته هنا، لأنَّه ترك ظلالاً في اللوحة والحياة والفكر. أصبح سقراط رمزاً لإمكانية القول والذهاب إلى حيث تريد الحياة دون ضجيج. ومن خلال المشهد، نرى الجوهر الإنساني مشبعاً بالتراجيديا الإنسانية إذا توافرت عناصرها ودلالتها. وربما تتحقق في أكثر من سياقٍ تاريخي حين نتابع ملاحقة المثقفين والكتَّاب وحرق كتبهم كما في الثقافة العربية والغربية على السواء. ليست حالتا حرق مؤلفات التوحيدي وابن رشد بأقل دلالة من حالتي حرق جسد جوردانو برونو وتمزيق جسد هيباتيا.

  • اللوحة فعل حياة ( شريحة حية ) تعيش أمامنا.
  • الأصوات تكاد تتناهى إلى أسماع من ينصت.
  • ذاكرة المشهد أبعدُّ من لسان حاله.
  • السياق الجديد للوحة يتكلَّم إلى من يتابع الحدث[3].
  • هناك تجاوز للحظة بوصفها في حكم النهاية المؤقتة إلى نهايات أخرى.

       الحدث السقراطي حدثٌ استثنائيٌّ في تاريخ الإنسان المتفلسف، حين يمارس طقس الموت إزاء نفسه طائعاً بحسب اعتقاده. فهل الفلسفة تعلمنا اختياراً وجودياً نتحمل مسؤولياته طوال الوقت حتى لو مثل نهاية لنا؟ هل الفيلسوف يعطي مراناً على تقبل المصير ساعياً لجعله أفضل قبلما يحين موعده؟ وبخاصة أنَّ المصير قد يكون حياة إنسانية حرَّة وتطوراً إنسانياً مفتوحاً وليس تزلفاً لقوة تمسك زمام الأمور في المجتمع. بطريقة أخرى: كيف تلتقط الفلسفة الحياة طليقة من فم الموت المحدق بنا؟ هل التفلسف تأجيل خفي لنوع من الموت الهش إذا ما قُرن بانفتاح الحياة؟

      سقراط في لوحة الموت يخاطب قدرات الحياة، يستنطقها عبر التفاصيل التي رسمها الفنان. الضوء والظلال والألوان والأشكال حروف حيَّة كتب بها جاك دافيد نصه التشكيلي.  حتى أن هناك سهراً تاريخياً ما ينقل المشهد من عصر إلى عصر. لقد كان الحوار والنقاش هما أبرز ما يميز فلسفة سقراط خلال محاورات أفلاطونية(على لسان أفلاطون) وما تناقله الآخرون كالسوفسطائيين. وها هو يحافظ على تيمة كهذه حتى أثناء مشهد موته[4]. يعلم أنَّ السُمَّ قريبٌ من فمه، ومع ذلك يأتي جسدُه المنتَّظر بمثابة مأدبة النقاش. مثل حركة الأصابع وعلامات الوجه وإيماءة الصدر وتوزيع الأعضاء والنظرات مع استقبال كل الواجهة …. جميعها تستعيد أجواء محاورات افلاطون خلال سياق مختلفٍ.

        في غير موضع من مؤلفاته أبرز نيتشه كراهيته لسقراط واعتبره عدو الحياة الماكر بامتياز. لكن قال عنه أيضاً: إنَّه الذي لم يكتب حرفاً واحداً. وهذا صحيح، بينما الأصح أنَّ موتَّه يفتح عمل اللغة حتى بعد رحيله. لأنَّ حواراً حياً هو شكل من الكتابة الأثرية التي جاءت متأخرة. لقد فقدت حضورها الحي living presence بمصطلحات جاك دريداً. هي وثيقة فنية في كيان صور نصية باقية للقراءة. وجاءت لوحة موت سقراط لدافيد رسماً معبراً عن موت الحاضر الحي آنذاك، وتغدو حفرية تشكيلية تحت التنقيب البصري. دوماً عندما يأتي حال سكوت الفلسفة خلال عمل فني ما، تتجلى هناك الصورة التي تكتب أصداء ما تقول دون سيناريو فَاتَ أوانه.

      إذن ضوء اللوحة الذي يمسح حوار سقراط وتلاميذته هو الأساس، ضوء الصورة المتخلل كحبر أثيري ينقش تفاعل الشخوص. حيث نقطة التماس مع النهار الذي يرسم الوجوه، ليبدو التباين كأنَّه كاميرا بالداخل توجِّه عيون المتابعين. فالضوء كوَّة تنفتِّح على مركز اللوحة، بينما سقراط قائم بمهابته رغم كونه في أضعف لحظات حياته الآفلة. والضوء يستدعي أثراً فرعونياً بكون الموت خروجاً إلى النهار. أي هو العتبة بين الظلام والنهار نحو الانعتاق، إنَّه الوسع الذي لا ضيق بعده.

       والموت ليس ينقصه إلاَّ الضوء كي يتضح وضوح الحقيقة، إنْ لم يكُن نفسه هو ذروة الحقيقة. سقراط بمثابة التجسيد الحي والميت لها مع أنَّه في الحياة اتهم بالتجديف على الآلهة وإفساد عقول الشباب[5]. هل يكشف النهار زيف الآلهة؟ هل الآلهة تعيش في ظلام الحياة لدرجة أنَّها تبقى طي الكتمان؟ هل المطلوب ألاَّ يعِي الشباب بمصير الحياة و بالتالي فكل حوار هو تهديد بانكشافه؟

       جسد اللوحة ينوِّه أنَّ الضوء ليس زائراً طارئاً، لكنه تشكيل فني مقصود. لأنَّ حادثة الإعدام تتم فيما يبدو داخل مكان مغلق، ربما هو السجن أو موقع مخفي عن الأنظار على الأقل. والطبيعي ألاَّ يصل الضوء إلى هذا السجن. فهناك الدهليز المؤدي إلى أعلى مع درجات سلمية تقود نحو السطح. وهو يشي بأن مكان الإعدام أقل من مستوى الأرض. والضوء هو اللغة الشفافة التي تستنطق الشخوص. وتعطيها مساحة الدلالة التي تستحقها. ويستقر الضوء كرداءٍ لجسد سقراط المنتظر فوق أريكه، بينما تتوارى الأضواء الجانبية معطية مساحة أقل من الاهتمام وتلفت الانتباه إلى الحوار بصيغة أو بأخرى.

      ومع جوانب اللوحة، هناك يميناً بعضُ تلامذة سقراط المتداعين جسمياً من هول المشهد نتيجة ارتباطهم بمعلمهم. والواضح أنَّ كلام سقراط قد اسهم في هذا الحال، فإصراره على ما يؤمن به جعله يدفع بنقطة الأحداث نحو النهاية. وظهر بأقصى الصورة إلى الأعلى أحدهم مائلاً على الجدار وفاقداً لقواه. وهذا يعني أنَّ الأمل في خروج سقراط من هذا نفق الموت غير وارد. ووجود الدرَّج مؤداه أنَّ الطريق أقرب إلى حياة أخرى لها ضوئها الخاص. كما يوجد في يسار اللوحة أفلاطون وقد أدار ظهره إلى سقراط في ايماءة إلى مغادرته بؤرة الحدث تاركاً إياه خلف ظهره. هل معقول أنْ يهمل أفلاطون معلمه؟!

    يظهر أفلاطون المواجه لسقراط واقعاً في المدخل وقد أدار ظهره. وهذا فحواه فتح طريق خلفي للنسيان إنْ لم يكن هو النسيان ذاته. لقد اعتبر افلاطون من خلال معرفته بسقراط وبالمجتمع اليوناني أنَّ موت سقراط ذكرى رغم حضوره القوي في المشهد. ففي العادة أنَّ للذكرى بعداً زمنياً لا يخطئه الفهم، لكن الحضور الافلاطوني يعني أنها ذكرى حية وستكون على هذا المنوال. وبخاصة أن أفلاطون جعل فعل الكتابة بالحروف فعل تذكر، استرجاعاً، استعادةً لما مضى. وكأنَّه سمح لنفسه بأنْ يكون حرفاً في الصيغة الفنية للصورة كي يغدو جزءاً من استعادة ذكرى أستاذه الأثير.

       ثم يقول الضوء إنَّ كثرة تلاميذ سقراط باللوحة ليست أمراً اعتباطياً، فها هم يخْفُون وجوههم وهو مظهر الحضور القوى مكتفين فقط بدعم استاذهم لعلَّه يتراجع عما يعتقد[6]. وفي الاثناء يشير سقراط بحركة الأصابع إلى أنَّه لن يتراجع عما عقد العزوم عليه رافضاً فكرة الهروب كما اقترح البعض. هل يهرب الفيلسوف من فلسفته في الحياة؟ كيف لا يواجه إمكانية بلوغ ذروة الحياة بالموت؟

      وتباعاً يلقي الضوءُ دلالةً على يده اليمنى متناولة سم الشوكران القاتل. وهي أصابع هادئة مطمئنة ليست مرتعشة ولكنها مقبلة على الموت بلا جزعٍ. أما المسافة بين الأصابع وقِدْر السُم، فلها كل المعنى في قراءة القرار، وهي مسافة التأمل فيما سيحدث لسقراط وأنَّ الحياة ستأخذ بالأفول تمهيداً للعيش بهيئةٍ أخرى. ودوماً المسافة التشكيلية فرصة لمعرفة حال سقراط وقوة عزيمته التي لا تلين. فالذي لا يهابُ الموت هو الفيلسوف على الأصالة. الفلسفة في الأفق اليوناني كانت مراناً على الموت، لأنَّ مصيراً كنهاية للجسد أضيق من براح الأفق الروحي، وهو القاعدة التي تجلب الاستثناء لا العكس. وذلك رداً على الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالفلاسفة[7].

        كما أنَّ الموت فعل تحرر من عبودية الجسد نحو الانطلاق. وربما كان الفنان جاك دافيد حريصاً على وضع ” آلة موسيقية ” متوارية بجوار سقراط، تحديداً بجوار القيود الحديدية التي تكبله. كأنَّ الفنان يرسم كون الجسد أسيراً، موضوع تحت الإقامة الجبرية، وطالما أنَّ الإنسان مازال مرتدياً للجسد، فمن السهولة قمع حريته. وليس أقرب إلى ذلك من وضعه في الأغلال سواء أكان من قِبل السلطة الحاكمة أم سلطة الغوغاء أو سلطة المقدس.

      والاشارة لطيفة بأن النَّيْل من الفكر بالأغلال قد يجدي مؤقتاً، لكنه لن يفيد كل الوقت حتى وإنْ أدى إلى الموت. والعكس إذا مات صاحبُ الفكر، فإنَّه سيتحرر روحياً من هذا القانون الطبيعي مثل نغم طليق عبر الآفاق. وبالتالي يصبح لكل إنسان آخر أنْ يلامس روح سقراط كنغم يندمج مع الكون بمعناه الفيثاغوري( العالم عدد ونغم).  

         إنَّ النغم مع الضوء والموت بمثابة الرجوع إلى الأصل الذي لن يكون أصلاً دون الفن. وضع سقراط أشبه بحلم لا يصدق وبخاصة شكل أفلاطون وبعض مريديه الأشبه بالنيام. فإذا كانت الذكرى مسيطرة على الحال رغبة بمرور الحدث من غير ألمٍ، فالحدث يماثل الحلم غير المباشر من خلال العناصر المتوافرة فيه. فبعض العيون المغلقة من هول الأثر بمثابة العلامات التي تفتتح حلماً للقاء مؤجل بعد تجاوز الموت. أي الخروج إلى نهار آخر هو الحلم كاستعارة هي شكل آخر من الحضور الروحي بين سقراط ومريديه. في مكان ما وفي تاريخ ما وفي حياة ما بحسب ما يتمنون داخل قرارة أنفسهم.

      وربما وجود الأريكة وفراشها علامة ضمنيةٌ تؤدي الهدف وتلح عليه. والحلم والنوم علامتان تدلان على الحياة. ففي  الحلم هناك حياة تعيش على أنقاض الواقع وفي الحلم لن يكون الواقع كما هو، والنوم كذلك هو الوصول إلى حالة تعادل بين الوجود اللاوجود.

    وبالعودة إلى حركة أصابع سقراط مع تناول السم، نجدها أصابع قرار ماضٍ إلى غايته مقارنةً بيدِ أحد تلامذته (كريتو) قابضاً على فخذه، لإشعار سقراط بضرورة الرفض تمسكاً ببصيص الأمل. لكن الأهم أنَّ ثقة الأصابع فوق السم نابعة من حرية الاختيار ارتباطاً بمكانته وبما كان يقول. الموت يكلل عبارة سقراط الشهيرة (اعرف نفسك بنفسك)، لأنَّ جسده ينادي مصيره الفاني بوصفه الحاجز الأخير. كما أنَّ بعض العُري لا يغفل وجود قماش حول جسده، ليس ستراً لمناطق خفية لا يود سقراط إظهارها، بل لأنَّ اللحم هو نبض الحياة في الكائنات. فهل سيموت الإنسان حقاً وإنْ عرف نهايته؟ وهل إذا مات ستعود الحياةُ إلى بعضها( حين يتغذى النبات والحيوان من جسده)؟ والدلالة بجوار الحلم تشكل عودة إلى الحياة كوعدٍ لا يستوفي الناظر زمانه ومكانه. والدليل أنَّه موجود داخل إطار لا نهائي من التشكيل الفني. وهذا ما جعله قيدَ التجدد الآن وبعد كل آنٍ[8].

     هنا تمثل لوحة جاك دافيد اسهاماً في تخليد الحدث السقراطي وابتكار حيوات جديدة له، فاللوحة مازالت تتجاوز عتبة الموت مع اختلاف الأزمنة. وبالتأكيد لم يرسمه الفنان دافيد من فراغ، لكن لتلبية الحاجة إلى تجديد رمزيته إزاء موتٍ هو أصلاً في حاجةٍ إلى معنى. فكم في الحياة من سقراط ومن ميتات أشبه باختيار فلسفي خلال معارك الإنسان ضد القهر والجهل والتخلف والمرض والديكتاتورية. ومع إنسانية النهاية أيا كانت، هناك ما يُشفي غليلَّ الموت، لكنه لن ينال من الرمز بحالٍّ. وهذا ما جعل جاك دافيد يترك توقيعه الفني حين نسج فضاء اللوحة بأكبر قدر من المعاني.

هوامش:


[1]– جاك لويس دافيدJacques Louis David ( 1748 ( 1825 – كان رساماً فرنسياً مبدعاً، وأحد أبرز فناني مدرسة الكلاسيكية الجديدة Neoclassicism. ولد لعائلة باريسية من الطبقة المتوسطة وبعد أن اغتيل والده، عاش مع أعمامه. حين بلغ من العمر ستة عشر عاماً، درس الفن بالأكاديمية الملكية Académie Royale في عام 1774 ربح جائزة روما. بعد ذلك سافر إلى إيطاليا حيث تأثر بالفن الكلاسيكي وبأعمال فنان القرن 17 نيكولا بوسان ومكث هناك لست أعوام. ابتكر دافيد أسلوباً كلاسيكياً جديداً وخاصاً به. وكان أحد الداعمين للثورة الفرنسية بشكل كبيرٍ. وكان أحد أقرباء الفنان بوشيه الذي ساعده في بداياته حين تتلمذ عليه. أشهر أعماله: ” قسم القتال” (1784)، و “موت مارا” (1793)، و” نساء سابين ” (1799). توفي عام 1825 في بروكسل

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

[2]–  يشير ميرلوبونتي إلى أن الحاضر والمرئي  لا يهمنا إلا بقدر ما يعكسان المضمون الهائل من الماضي والمستقبل… وفي اطار هذا الرأي  تجسد الأعمال الفنية هذا الجدل بشكل واسع كما في لوحة موت سقراط….( موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم عبد العزيز العيادي، مراجعة ناجي العونلي، سلسلة المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2008، ص 192.).

[3]– وهذا جزء من مضامين العمل الفني عند جاك لويس دافيد، حيث تمثلت ثورته بالعودة الى الجذور والاصول الاغريقية والرومانية في الفن، أي العودة الى الكلاسيكية من جديد مبتعداً عن فن الروكوكو الزائف الذي ارتبط بالقصر الملكي. إنَّه أحد مبدعي التصوير الفرنسي وصاحب التعاليم الكلاسيكية الصارمة. كان دائب التفتيش في التراث الاغريقي والروماني القديم عن مواضيع مناسبة لأعماله خدمة لأغراض الثورة ورغبة في تصديرها الى شعوب أوربا. وكان مدعوماً من كبار رجالات الثورة، فقاد الفن والفنانين إلى اعتناق مذهبه في الفنون الكلاسيكية المحدثة.

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

[4] – لقد اعطت محاورات أفلاطون سقراط دور الاستاذ والمعلم والحكيم والفيلسوف. وهي الفكرة نفسها في المشهد. بالتالي ينضاف حدث الموت إلى حوار طويل يمارس فيه سقراط استاذية تعليم الآخرين: كيف يفكرون ويناقشون قضايا الحياة والوجود والحقيقة. واللوحة الفنية حافظت على هذه الخاصية في جميع التفاصيل، وهي إمكانية الكلام سواء أكان لغة أم تصويراً. لأنَّ ( الصورة والكلمة ) شيئان في جسد العلامة. أحداهما تغذي الأخرى وتفرط عقدها بالأخيلة والتداعيات.

[5]Romano Guardini, The Essential Guardini: An Anthology, Edited by Heinz R. Kuehn. Liturgy Training Publications, 1997, P19. 

[6]Romano Guardini, The Death of Socrates, Kessinger Publishing, 2007, P 53.  

[7] Matthew Dillon and Lynda Garland, Ancient Greece: Social and Historical Documents from Archaic Times to the Death of Socrates (c.800 – 399 BC), Routledge London and New York, 2000, PP 395 – 400.

[8]– هناك من تتبع العلاقة بين سقراط والمسيح بناء على فكرة الموت والحياة الأخرى( قيامة الرمز). فسقراط مات نتيجة إيمانه بالخلاص من القهر واعتقاداً في بقاء أفكاره وعدالتها. والمسيح صُلب فداءً للبشر ولتخليصهم من الخطايا. لكن جوهر الشخصيتين هو التجدد في أشكال متشابهة الدلالة من واقع الحياة.

 Michael E. Hattersley, Socrates and Jesus: the argument that shaped western civilization, Alegora publishing, New York, 2009.

Robert Mark Wenley, Socrates and Christ: A Study in the Philosophy of Religion, Cambridge Scholars Press, London, 2002.

شاهد أيضاً

محنة هيباتيا الميسوجينية ومحاكمة الوعي

عمرون علي عمرون علي أستاذ الفلسفة المسيلة – الجزائر- “كانت هناك امرأة في الإسكندرية تُدعى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *