الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الرّواية الثّالثة للكاتبة والتّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة

الرّواية الثّالثة للكاتبة والتّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة


(النّاشر الثّقافي)، الشّارقة (..عين خفشة))، رواية تروي سيرة المكان

         رأي نقدي: د. ضياء خضير – كندا

“.. وما يلفت الانتباه أكثر من غيره في هذه الرواية هو أسلوب الكاتبة المعبّأ بأنواع المجاز والاستعارة التي تخالط الحكي وتجعل من مهمة مواصلة السرد الموضوعي المجرد من الغرض أكثر صعوبة وجمالًا، في آن. وهناك مراوحة دائمة بين السرد الموضوعي والوصف المتلبث عند أفعال خاصة وحكايات وشخصيات تجري استعادتها وروايتها بين حين وآخر بطرق مختلفة..” د.ضياء خضير

رواية (عين خفشة)

 للروائية والفنانة التشكيلية الفلسطينية رجاء بكرية المكتوبة بين ٢٠٠٩ – ٢٠١٥، إطلالة أخرى دالة على القضية الفلسطينية عبر رؤية تفاصل ما حدث ويحدث لقرية فلسطينية اسمها عين خفشة، تقع على أطراف مدينة حيفا، وتواجه القدر الفلسطيني منذ زمن الاحتلال والنكبة وفظاعتهما المختلفة. والمنهج المتبع في السرد ليس مباشرًا لأنه يعتمد على الذاكرة، ذاكرة بطلة القصة وراويتها التي تبدأ بتسجيل الأحداث والوقائع في قريتها الفلسطينية الصغيرة كما رأتها بنفسها وسمعت بها من أمها وأبيها وجدتها صبيحة وبقية أفراد عائلتها، وماعاشته بنفسها منذ طفولتها المبكرة من تجارب وأحداث في تلك القرية. وهي، في مجموعها، ذكريات، وأصداء أصوات وأحداث مسموعة ومستعادة بصيغة الصورة (النجتف) بالأبيض والأسود من التي يضفي عليها مرور الزمن وتوالي الحدثان هالات أسطورية وغرائبية يلعب خيال الراوية في إضفاء نوع من الجدة والخصوصية عليها.

 وتحتل البيانات العاطفية ذات الطبيعة الحميمة الخاصة بالراوية القريبة من الكاتبة موقعًا خاصًا يتكرر الحديث عنها، ويؤلف واحدة من الثيمات التي يحس القارئ حرص هذه الراوية فيها على مزيد من الإفضاء رغم المخاوف العائلية، وإحساس الكاتبة الطبيعي بالإحراج وضرورة التحوط والتستر.

ورجاء بكرية صاحبة الرواية تعيش الكلمة، ولا تكتبها فقط. تعيد إنتاج شخصيات ووقائع وأحداث وأصوات وحكايات ولغات عاشت معها داخل العائلة الصغيرة ومجتمع القرية، وعبرها في المجتمع الفلسطيني الكبير.

شاشة الوعي الفردي

وضمير المتكلم المستخدم في سرد هذه الرواية يفصح عن العنصر الذاتي وحميمية العلاقة بين الأنا والآخر. وشاشة الوعي الفردي، التي لا تجعل الكاتبة خارج نصها، تتسع مع ذلك لعرض كل المشاهد التي لا يقل الطموح فيها عن عرض ذي طبيعة تخيلية واسعة تشمل وطنا وتاريخ قضية من خلال عيّنات تتمثل في هذه السرديات الصغيرة والقصص والحكايات الخاصة بتلك القرية.

 وضمير المتكلم هذا يستطيع من خلال تفاعل الحكي أن ينطق باسم ضمائر وذوات أخرى ويعيد رواية حكاياتها التي تُشكِّل، في الوقت نفسه، حكاياته الخاصة وتاريخه الشخصي الموجود في كل تلك الحكايات الحقيقية والمجازية. وفي الفقرة التي عنوانها (زخّت قلوبنا بكاء!)، كما في فقرات أخرى من الرواية، تلجأ الراوية إلى تقنية الكشف عن نفسها لتتحدث باسمها وتعطي رأيها فيما حدث ويحدث، خصوصا فيما يتصل بعلاقتها بالرجل الذي أحبته وأقامت معه علاقة ذات يوم:

” أنا لبيبة بنت طاهر لمزيّن لم يفاجأني تماما ما حدث، إذ فهمت أن المسافة بيني وبين الولد تزداد بونا وشرخا، وأني أتعرف إلى رجل كان ولدا أسميتُه ولَها ذات يوم. رجل يخص عين خفشة كاملة. كدت أجن بداية ، وأنا أختبر حجم الذاكرة التي مسحها حول ما عشنا في عمق الغابة. لم يتذكر شيئًا من صبانا الجميل”. (رجاء بكرية،عين خفشة، الأهلية للنشر والتوزيع، ط١، ٢٠١٧، ص ٢٩٠)

وما يلفت الانتباه أكثر من غيره في هذه الرواية هو أسلوب الكاتبة المعبّأ بأنواع المجاز والاستعارة التي تخالط الحكي وتجعل من مهمة مواصلة السرد الموضوعي المجرد من الغرض أكثر صعوبة وجمالًا، في آن. وهناك مراوحة دائمة بين السرد الموضوعي والوصف المتلبث عند أفعال خاصة وحكايات وشخصيات تجري استعادتها وروايتها بين حين وآخر بطرق مختلفة، وتحتل فيها الجدة صبيحة على نحو خاص موقعًا خاصًا، إضافة إلى موقع الراوية القريب من البطلة والمؤلفة نفسها.

فضاء القرية

 ومع أن فضاء القرية وما ينطوي عليه من شخصيات وأحداث وعناصر روائية أخرى، يمثل الهدف الأساسي والبنية التحتية لكل ما يجري في هذه الرواية، فإننا نجد أنفسنا أمام صورة كلية لنص متكوّن من مجموعة حكايات يحتل فيه نص الراوية أو حكاياتها الخاصة نقطة المركز التي تتفرع منها وتعود إليها كل النصوص الأخرى المستعارة بلغتها الفلسطينية المحكية أو بلغة الساردة نفسها . وهو بذلك يشبه (الأدب الإسنادي) حسب تسمية تدوروف، حيث الاهتمام بعلاقات التضمين والترابط والحكايات المتوالدة عن بعضها في إطار فضاء ومكان السرد نفسه. ( تودوروف ، مفهوم الأدب، ترجمة منذر عياشي، حمص، ، دار الذاكرة، ١٩٩١، ص ١٢٢)

 والمجاز والاستعارة المحمولان على جناح كلمة مفردة، أوجملة كاملة، يقومان بتقديم الدعم لفعل مجازي أوسع يجري على مستوى السرد داخل الرواية، وتشبه علاقته بالفعل الواقعي على أرض القرية علاقة الكلمة المستعارة بجذرها المعجمي الأول. أعني أنه يبقى نوعًا من المجاز والانزياح الذي يترتب على الكاتبة بعده العودة إلى ذلك الجذر والطريق الرئيس المؤدي إلى مواصلة السير في مجمل الرواية وسرد ما تبقى من حكايات تلك القرية. وهو، بهذا، ليس مجرد تزويق لفظي أو محسنات بلاغية وألعاب مجردة، وإنما هو قوة حياة، وروح فاعلة تُشيع الحياة داخل الرواية، ويجري عبرها مساندة الفعل السردي وإلباسه ثيابا شفافة أحيانا، وملونة قشيبة أحيانا أخرى. وهي لا تموه على حقيقته بقدر ما تحاول التخفيف من وقعه ووضعه في إطار صورة أخرى مغايرة لا تخلو من عناصر رمزية وتخيلية مخصوصة.

 “.. وإشراق اللغة الروائية وتقطعها الذي يمثّل تقطع حياة وارتباك فضاء، يشبه نوعًا من الرقص العاري على أنقاض ما تبقى من القضية، أو الموسيقى التي تستبدل أنّات الناي البدوية الحزينة ودقات الطبول الجنائزية بإيقاعات حياة تتحدى الموت والنسيان، وتحاول الحفاظ على ما تبقى من الكرامة الفلسطينية المغدورة.” د. ضياء.خضيّر

مواجهة جهامة الواقع

والوصف المتأني للواقعة الروائية، بخيبات فعلها السردي المتكررة وثقلها على الذات الفلسطينية الجريحة، والمأخوذة دائما بتراكمات اللغة، والمدوفة بالمجاز وحلاوة التعبير كما يداف الدواء المر بالسكر، يبدو أقلّ ثقلًا على الذائقة، ووقعًا على أذن الشخصية الروائية، وروحها المحاطة بالإحباط وعوامل اليأس المختلفة. أي أن قوة الأداء الشعري والعاطفي في الجملة السردية تقوم هنا بدور إيجابي داخل اللغة. فهي تقابل جهامة الواقع، وتراجع الذاكرة، وعتمة سماء القرية المليئة بالغربان السود وشؤم البوم والصقور والنسور وغيرها من الطيور الجارحة التي تأخذ موقعًا رمزيًا يتتابع ظهوره منذ بدء الرواية حتى ورقتها الأخيرة; حيث يبدو واحد أو أكثر من هذه الطيور حاضرا في سماء كل الحكايات التي تنتهي بنهايات غير سعيدة ، يمهد لها وينبئ بما سيحصل من نهايات في قصصها، منذ ذلك السحر الذي ألقاه أحد النسور في جسد بدر العبد الله فأفقده الوعي والذاكرة، حتى واقعة مقتل ناعسة وعساف التي ارتبطت، هي الآخرى، بنسر بلون الذهب شق عمق السماء وأخذ يحوم حول زفة العروسين. ص ٢٧٦

والورقة الأخيرة في الرواية لا تخلو من ذكر لبعض هذه الطيور الجارحة التي عاشت في خيال الساردة ورافقت أغلب حكاياتها عما جرى في عين خفشة    

” بقيت،أنا، لبيبة تقدمَ بها الوعد والوجدان، وفِي جيل التسعين ورثتُ حزم جدتي صبيحة، وسبّابة قلبها الواقفة مثل شهادة فوق أرقام الجثث. أصبحتُ مثلها ومثل عجائز عين خفشة المتحلقة حول مواقد الجمر في تشرين أحتقن قهرا، وانتظارا وأنوح كلما أغارت قافلة من الغربان خلف الجسر، والتقطت شيئا لا نراه في مناقيرها.

لا تزال صقور الناحية تتابع الحكاية ، وترسم استغاثاتها إلى جانب الحفر المنبوشة. حفار القبور الوحيد  قتل، ولا يزال الجنود يجرون دوريات مكثفة، كلما شحنوا قتلة جددًا بحثا عنه.” ص ٢٩٦

الجدّة صبيحة

وما ترويه لبيبة عن جدتها الصبيحة يحتل، كما ذكرنا، موقعًا مركزيًا في أبواب الرواية الثلاثة وفصولها المختلفة:

“ذاكرتها حديد جدتي الصبيحة، يكفي أن تحدق في صورة الضبع المطبوعة على حجر الخاتم كي تستعيد بهجة أصولها المنحدرة من أكتاف وحش الليل . لم يتوقف أبي لأمي عن الفخر بتلك الأصول حتى وهو ينازع الموت، على ذمة شيوخ القرية الفدائي الذي صنع من الكاز والجفت أول عبوة ناسفة حرقت أرتالًا لا تعد من مرتزقة الهغاه أيام تحرير فلسطين من الخيانة العربية، على ذمة جدتي، ولسبب لا يفهمه سوى جدي نفسه ازداد عشقا لجدتي كلما هددته بسلطان سلالتها، ودفعته للتوحش ما أمكن في بطن الليل بحثا عن جنود تائهين في براري العور.” ص 106

 وإشراق اللغة الروائية وتقطعها الذي يمثّل تقطع حياة وارتباك فضاء، يشبه نوعًا من الرقص العاري على أنقاض ما تبقى من القضية، أو الموسيقى التي تستبدل أنّات الناي البدوية الحزينة ودقات الطبول الجنائزية بإيقاعات حياة تتحدى الموت والنسيان، وتحاول الحفاظ على ما تبقى من الكرامة الفلسطينية المغدورة.

 إنه عسل اللغة الذي يغطي على طعم السم في ذاكرة القرية، وفاكهة البرتقال والزيتون المحرمة على الأحياء والموتى من رجالها ونسائها اللواتي ينسجن الحكايات وينتظرن، مثل بينلوب، عودة يولسيس الوشيكة من مهمته المستحيلة في قتل الغول الذي كان يهدد القرية ويأتي مع أسراب الصقور ومدافع (جيش الدفاع) المرابط عند الحدود الشمالية لفلسطين.

 الكلمة الشعرية المحلقة، أو تلك المراوغة المصنوعة أو المنقولة عن المحكية الفلسطينية، كما في رواية بكرية الأخرى (امرأة الرسالة)، هي نوع من الدواء الذي تعالج به الراوية ذاتها الحساسة وذاكرة قريتها الفلسطينية المثقوبة برصاص الاحتلال والتاريخ الجديد الذي يريد طمس الذاكرة الفردية والجماعية واستبدالها بتاريخ وذاكرة أخرى مغايرة.

 واللغة الاستعارية والمجازية التي تتحول مع الوقت إلى لغة حقيقية في طول الرواية وعرضها هي المعادل لقوة التخييل المنتج لما هو ظاهر ومضمر في الواقع والتاريخ واللغة.

ولبيبة، تلك المرأة القروية التي تتحدى ذكور القرية منذ أن كانت صبية، وعمها العائد بمفتاح البيت بعد مليون سنة على غيابه، وجدتها التي تصر رغم موتها وانفراط حبات مسبحتها في حياتها على إنعاش الذاكرة ومواصلة رواية الحياة ورش الحكايات في تلك القرية الفلسطينية، أو “تلك البقعة من جغرافية الكون” بكل تقاليدها البطولية، واستعادة تاريخها المعرض للتدمير والضياع، وبدر العبد الله الذي أضاء طفولة الراوية بحكاياه المنعشة، وابن الجيران الصبي (آسر) الذي كانت البطلة تميل منذ طفولتها لقلبه وشفتيه، تبقى، هي وغيرها، حقائق تبدو موجودة بقوة على الأرض في عين خفشة الفلسطينية، وليس فقط على صفحات هذه الرواية.

 إنها معجزة الكتابة الروائية وسحرها الذي تستعاد بواسطته حياة ويبتعث موتى من قبور النسيان مع آمالهم وذكرياتهم. وهي ليست واقعية سحرية يختلط فيها الواقع التجريبي مع الأوهام والفنتازيا في سياق السرد، على نحو يذهل القارئ ويربك حواسه ويفقده القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مجرد أحلام وكوابيس. فما نراه في رواية رجاء بكرية هذه هو توظيف فطري للوقائع والانفعالات التي ” تصبح فيها للريح صيحة وللشجر رطنة” أمام الأب الأعمى الذي يتخيل بلاده تحاكيه، وتشبه الكتابة فيه من بعض الوجوه حركة التعبير في الفن التشكيلي…الفن المرتبط هنا بقضية والتزام أدبي وفكري للكشف عن الحقيقة وقول الكلمة العاملة، بكل حمولتها الواقعية والشعرية والعاطفية.

مستويات اللّغة

 وتجاور اللغة الفصحى مع المحكية الفلسطينية يضفي على مجمل الخطاب في هذه الرواية حياة وروحًا واقعيًا يتصل بنبرة الصوت وطبيعة الحوار أو الديالوغ المبثوث في مفاصل الرواية إلى جانب المنولوغ الذي يمثل صوت الراوية وبطلة الرواية في أوضاعها وتحولاتها المختلفة:

“أطيّر ضحكة إلى الفضاء شفافة مثل زغب فراشة، ” مش صحيح كيف بتقولها،لازم تكبر قد عنترة، وأنا قد عبلة لتقولها مزبوط” ص 170

” كأنما تتابع حديثًا قطعته دمدمات نزوح قسري، .. لو أن كل العالم تجمع بمحاذاة بيت النمل، وحاول يدفنه، ما راح يغدرْ، بكفي تفلت نملة صغيرة وحدِه تيقوم مليون بيت نمل جديد. ما تخافي يا ستي إحنا أصل الحكاية، شو بِدهنْ بعملوا اليهود، يدفنونا بالحيا؟ ما راح يغدروا. الرّمل بس بِموه ما بموّتْ!”.

وتلك، كما تعلق الكاتبة على كلام جدتها (البكاءة) صبيحة ذائعة الصيت، مركز عالم قريتها الصغيرة، وحافظة ذاكرتها، و”صاحبة أجمل حكايا عن الغيّاب” هي كل الحكاية التي تسيّر الراوية في (عين خفشة) على قدميها، وتبقيها قادرة على مواصلة الحكي ، حيث “يولد الشوق درءا للقلب من الوهن، ويكبر عوسجة أو حبقة!  ولبيبة بقيت حبقة جدتها. تمد سيقانها ريّانة عميقة العطر بين فسحات الكلام والصوت، صوتها يتنفس في بدنها مثل مخدر، يغذي شريان الحكاية…” ص١٠٩

يناير، 2020 كندا

شاهد أيضاً

ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻋﻤﻮﻣﻴﺔ؟

ﺃﻡ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﺑﻨﺸﻴﺨﺔ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻨﻲ ﺃﻡ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﺑﻨﺸﻴﺨﺔ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻨﻲ ﺛﻤّﺔ ﻫﺸﺎﺷﺔ ﻣﻔﺰﻋﺔ ﺗﺼﻴﺐ ﻓﻀﺎﺀﺍﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *