الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / كارل ماركس: الحرية، وعي الضرورة، الإرادة، الآيديولوجية

كارل ماركس: الحرية، وعي الضرورة، الإرادة، الآيديولوجية

برهان شاوي

برهان شاوي

الفيلسوف الحكيم

من بين جميع الذين كتبوا عن كارل ماركس إيجابًا أو سلبًا، فليس هناك من ينكر عليه لقب (الفيلسوف)، لكن لم يطلق عليه لقب (الفيلسوف الحكيم) سوى المفكر العراقي الراحل (هادي العلوي). ففي كتابه (مدارات صوفية ــــ تراث الثورة المشاعية في الشرق، منشورات المدى، ط2، دمشق، 2007) يكتب عنه:

(هو فيلسوف وعالم اقتصاد وسياسي ومناضل اجتماعي. وما لم يقله مؤرخوه وأتباعه عنه إنه فيلسوف حكيم. والفلسفة والحكمة لا تترادفان ولكن قد تجتمعان في واحد وتفترقان في آخر. فقد يكون الواحد فيلسوف لا حكيم وقد يكون الآخر حكيم لا فيلسوف. ومن الطراز الأول معظم فلاسفة أوروبا منذ عصر اليونان. الحكيم الفيلسوف هو صفة فلاسفة الصين وبإجمال، فقد جمعوا بين دراسة الطبيعة والكونيات وبين النضال الاجتماعي. وقلّ من فلاسفة الصين مَن تفرغ للمباحث الطبيعية الصرفة. وقد لا يكون الحكيم من الفلاسفة، وهذه صفة أقطاب التصوف الاجتماعي من أصحابنا، فإبراهيم بن أدهم والبسطامي والحلاج والجيلي ونظراؤهم كانوا حكماء لا فلاسفة، وإنما الحكيم الفيلسوف هو المعري وابن عربي وابن سبعين. كارل ماركس فيلسوف بالشروط الحاضرة للفلسفة الأوروبية الحديثة. حكيمية كارل ماركس تكمن هنا، العمل على إيجاد الراحة للخلق. كان مرهف العاطفة كغيره من الحكماء، ولعل تكوينه الفلسفي الصارم أبعده عن صُعداء الشاعر الحكيم. وقلبه فيما عدا ذلك عامر بالوجدان مهموم بمعاناة المعذبين. ولم يكن يبكي كأهل التاو والتصوف لكنه أيضًا لم يكن من الفرحين. والبكاء مهنة شرقية).

الوجـــود الاجتمـاعي والوعــي الاجتمـاعـي

يؤمن (كارل ماركس) بأن الناس يدخلون خلال عملية الإنتاج الاجتماعي لحياتهم، في علاقات محددة ضرورية مستقلة عن إرادتهم، وعلاقات الإنتاج هذه تناسب درجة محددة من درجات تطور قدراتهم المادية في الإنتاج، ويؤلف مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه البناء الفوقي، القانوني والسياسي، والذي تقابله أشكال محددة من الوعي الاجتماعي.

(ويحدد أسلوب إنتاج الحياة المادية الطابع العام للعمليات الاجتماعية والسياسية والروحية في الحياة. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم بل العكس إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. وفي مرحلة معينة من نمو قوى الإنتاج المادية تدخل هذه القوى في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة ومع علاقات الملكية التي كانت هذه القوى تعمل داخل إطارها من قبل. وتتحول هذه العلاقات من صور لنمو قوى الإنتاج إلى أغلال تقيدها. وعندئذ تأتي فترة الثورة الاجتماعية. إذ مع تغير الأساس الاقتصادي يتغير، إن عاجلًا أو آجلًا، البناء الفوقي الضخم بأكمله).

أي، فيما يخص موضوعنا، أن الإنسان (الفرد) يجد نفسه في المجتمع مضطرًّا للدخول في علاقات مستقلة عن (إرادته)، وهذا الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد (وعي) الإنسان ــــ الفرد. لكن هل هذا يعني أن هناك تباينًا بين (الإرادة) و(الوعي).

هذه الرؤية الاجتماعية ـــــ التاريخية للإنسان الفرد عند (ماركس) تقف على رؤية فلسفية ثابتة تؤكد على ازدواجية علاقة (الإنسان) و(الطبيعة).

ففي مخطوطات 1844 يوضح (ماركس) بأن الفلسفة التقليدية قد أخطأت حينما فصلت بين الطبيعة والإنسان، فمن جهة هناك الطبيعة وقوانينها، ومن الجهة الأخرى الإنسان وحريته. رافضًا بشكل حازم هذه الثنائية، مؤكدًا بأن الإنسان في الجوهر هو جزء من الطبيعة، وأنه يحرر نفسه خلال عملية السيطرة على الطبيعة. أي أن (الحرية الإنسانية حرية مكتسبة، وهي تعني أساسًا قدرته تجاه الطبيعة (الطبيعة الخارجية وطبيعته الخاصة).

فهناك وحدة جدلية: طبيعة ــــ إنسان، (فالإنسان يناضل ضد الطبيعة، لكن دون أن ينسلخ عنها، فهو يتشكل خلال النضال، يغير ذاته، إنه يتحول وهو يحول الطبيعة. إن الكائن الإنساني، المنتج الخاص، هو أيضًا منتوج نشاطه الخاص. لا يمكن إذن أن تُعـرَّف الحرية بأنها ضرب من الإفلات خارج الطبيعة، وخارج الواقع. وأنها لا يمكن أن توضح، أو أن تنفى جملة. إن حرية الإنسان تكتسب معنى تاريخيًّا، عميقًا، واجتماعيًّا) كما يؤكد (هنري ليفيفر) (نص مقتبس عن كتابه “المادية الديالكتيكية” ــــ منشور ضمن كتاب (الحداثة الفلسفية ــــ نصوص مختارة ـــــ د. محمد سبيلا، و د. عبد السلام بنعبد العالي، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، 2009).

وفي كتابهما المشترك (الأيديولوجية الألمانية)، يؤكد (ك. ماركس، و ف. أنجلز) هذا الفهم حينما يكتبان: (إن إنتاج الأفكار والتصورات والوعي يكون، قبل كل شيء، وبصفة مباشرة، وثيق الصلة بالنشاط والتبادل المادي للبشر، إنه لغة الحياة الواقعية الحقيقية، فتصورات الناس وتبادلهم الفكري يظهر، هنا أيضًا، كتجلٍّ مباشر لسلوكهم المادي. والأمر مماثل لذلك فيما يتعلق بالإنتاج الفكري، كما يتجلى في لغة السياسة ولغة القانون والأخلاق والدين والميتافيزيقيا… إلخ عند شعب بكامله، لا يمكن للوعي أبدًا أن يكون شيئًا آخر غير الوجود الواعي. ووجود الناس هو مجرى حياتهم الواقعية. وإذا كان الناس في علاقاتهم يبدون في الأيديولوجية مقلوبين على رؤوسهم، كما لو كانوا في الغرفة السوداء لآلة التصوير، فإن هذه الظاهرة تتولد من مجرى حياتهم التاريخية، مثلما إن انقلاب الأشياء على شبكية العين ينتج عملية بيولوجية طبيعية…

وبفعل ذلك، فالأخلاق والديانة والميتافيزيقيا، إلى غير ذلك من الأشكال الأيديولوجية، وذا أشكال الوعي التي توافق ذلك، كل هاته تفقد حينئذ كل مظهر من مظاهر الاستقلال الذاتي، فالناس عندما يعملون على تنمية إنتاجهم المادي وعلاقاتهم المادية فإنهم يحولون، إلى جانب الواقع الذي يعيشونه، فكرهم ومنتوجات ذلك الفكر. فليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل إن الحياة هي التي تحدد الوعي).

الإنسان الشــامل ـــ الكـائن الاجتمــاعـي

إذن، مرة أخرى يطرح السؤال نفسه بقوة، أين الإنسان الفرد، أين إرادته الذاتية وكيانه؟

إن (ماركس) لا ينظر للإنسان الفرد، بل إنه لا يمكن أن يتصوره خارج الوجود الاجتماعي، فهو كما يرى (د. عبد الرحمن بدوي) في (الموسوعة الفلسفية): (حيت يتحدث ماركس عن الإنسان فإنه يتحدث عن الإنسان الشامل der totale Mensch أي الإنسان الذي يعمل، بوصفه فردًا وكائنًا اجتماعيًّا معًا، على تحقيق ذاته وممارسة كل إمكانياته اليدوية والعقلية والاجتماعية والروحية. وهو يهدف خصوصًا إلى تحرير الإنسان من “تقسيم العمل”، إذ كان يرى في “تقسيم العمل” ما يصيب الإنسان بالضمور والهزال، لأن الإفراط في التخصص في العمل يحكم على الإنسان بالاقتصار على نشاط واحد، بينما الإنسان السوي يشعر بالحاجة إلى التعبير عن ذاته بطرائق وبأشكال مختلفة).

إن الإنسان كما يرى (ماركس) لا يعرف طبيعته الحقيقية، فهو يبحث عنها، كما يبحث عن أشكال للاتحاد مع الطبيعة والآخرين، وعلى الرغم من أنه جزء من الطبيعة فإنه يعيش بمعزل عنها، فهو لا ينتسب إليها بشكل تلقائي مثل الحيوانات، إنه منفصل عنها، ويحاول السيطرة عليها، والانسجام معها، من خلال العمل الخلّاق، فهو بالعمل يتحد مع الطبيعة ـــ الموضوع، وفي الوقت نفسه من خلال العمل الخلاق الذي يشكل الطبيعة فيه يكون قد (موضع) ذاته.

ويعلق (د. إمام عبد الفتاح إمام) في كتابه (تطور الجدل بعد هيجل ـــــ جدل الإنسان، المجلد الثالث، التنوير، ط 3، بيروت، 2007) وفي الفقرة (346):

(لا وجود إلا للمجتمع وللطبقات والجماهير التي تحكمها قوانين حتمية صارمة. أما الفرد فلا قيمة له، وبالغًا ما بلغت قدراته أو صفاته الشخصية أو مواهبه، فإنه سوف يفشل فشلًا ذريعًا إن هو انفصل عن الجماهير أو لم يعبر عن حاجات التطور الاجتماعي المختمرة. ولنطرح هذا السؤال: ماذا كان يحدث في التاريخ لو لم يظهر هذا الرجل العظيم أو ذاك على مسرحه؟ وهل إذا كان “كرومويل” مات مصادفة في سن الطفولة أكانت الثورة البرجوازية في إنجلترا لم تقع؟ كلا، كانت ستحدث بالطبع، لأن التاريخ تحدده قوانين موضوعية عميقة تحكم تطور النظم الاجتماعية والاقتصادية. ولقد كانت الثورة البرجوازية في إنجلترا في القرن الثامن عشر ضرورة تاريخية. ولو لم يكن كرومويل قد ظهر لكان غيره قد حل محله. ربما لو حدث ذلك لكانت كثير من الأحداث التاريخية قد جرت بشكل آخر وفي مواعيد أخرى، ولكن الاتجاه الأساسي للتطور كان سيبقى على حاله).

ومن هنا فإن التاريخ البشري إلى يومنا هذا، بالنسبة لماركس، ليس إلا (صراع بين الطبقات). ووفق تفسيره فإن القوانين (الموضوعية)، أو بعبارة أخرى، الضرورة التاريخية، هي التي تحكم سير المجتمعات، ولا أثر لإرادة الأفراد أو تدخل البشر في مجرى التاريخ.

(إن المجتمع يتألف من أفراد لهم وعي وإرادة ويضعون نصب أعينهم أغراضًا معينة يسعون إلى تحقيقها وبذلك ينشأ وهْم يصور الأمر وكأن الوعي والإرادة والأفكار والأهداف هي التي تحدد الحياة الاجتماعية، مع أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيش فيها الناس، والظروف المادية لمعيشتهم هي التي تحدد أفكارهم وهي التي يعكسها وعيهم وهي التي تريدها إرادتهم)، كما يؤكد (د. إمام عبد الفتاح إمام) معلقًا ومفسرًا.

إن (ماركس) يسخر من الطروحات الفلسفية أو الاجتماعية التي تتمركز حول الأفراد المنعزلين، فهو يؤكد بوضوح:

(ما يهمنا في المقام الأول هو الإنتاج المادي، وهو يتعلق أولًا وقبل كل شيء بأفراد ينتجون بصورة مشتركة، بمعنى أن إنتاج الفرد يتحدد عن طريق المجتمع. أما صائد الحيوان وصائد السمك بوصفهما فردين منعزلين، وهما أساس نظرية سميث وريكاردو، فهما ليسا سوى لون من ألوان الأفكار الخيالية التي راجت في القرن الثامن عشر. إنهما أشبه بروبنسن كروزو أو مثل ما جاء في العقد الاجتماعي لروسو الذي يحدثنا عن تعاقد أفراد هم في الأصل مستقلون).

إن الإنسان كائن اجتماعي، ولا يوجد بشكل تجريدي، وما عزلة الكائن البشري ــــ الفرد، إلا نوع من (الاغتراب) أو (الاستلاب)، فالكائن الإنساني المحروم من إمكانياته، المضلل، المخدوع، المحبط، والمنسلخ عن ذاته، ليس إلا كائن مستلب أو مغترب عن ذاته.

وقد قدم (ماركس) في مخطوطاته الأولى والتي تسمى مخطوطات 1844 أشكالًا متباينة عن اغتراب الإنسان، والتي تتجلى بالعزلة والشعور بالعزلة، بل وحتى في حياتهم الاجتماعية هم مستلبون، حيث إنهم بلا فردية أو خصوصية، بلا حرية حقيقية.

ويؤكد (ماركس) بأن السبب الحقيقي لاغتراب الكائن الإنساني هو (الملكية الخاصة)، وبالتحديد (ملكية وسائل الإنتاج)، فقد كتب (ماركس): (إن الملكية الخاصة تجعلنا قاصرين لدرجة أن أي موضوع ليس موضوعنا إلا حين نمتلكه… إن على ماهية الإنسانية أن تسقط هذا الفقر المطلق حتى يمكن أن نولد منها هي ذاتها كل ثروتها).

إذن، أين الخلاص، وكيف، وهل هذا يعني أن الإنسان سجين القوانين الاجتماعية وأنه ليس حرًّا ولن يستطيع أن يكون حرًّا أبدًا؟

الإنسان، الجـمــاهيـر، فـويربـاخ ومـاركـس

في قراءة المفكر الفرنسي (لويس آلتوسر) لفكر وفلسفة (كارل ماركس) فإنه يبدي تفهمًا كبيرًا للفيلسوف الألماني (فويرباخ)، الذي اشتهر من خلال نقد (ماركس) له في كتابه (فويرباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية)، إن (آلتوسر) يرى بأن (فويرباخ) ذو نزعة إنسانية معلن عنها، فقد كان (الإنسان) مركز عالمه، بالمعنى الفلسفي للكلمة، وهو امتداد لإرث طويل من الفلاسفة الذين إذا لم يكونوا قد أعلنوا عن أنفسهم مثله، فإنهم لم يكونوا يشتغلون أقل منه بالإنسان، وإنْ كان ذلك بشكل أقل انكشافًا.

(فالإنسان هو ذات حرة، والإنسان الحر، فاعل أفعاله وأفكاره، هو قبل كل شيء الإنسان الحر في أن يملك وفي أن يبيع ويشتري، إنه ذات فاعلة قانونًا… إن هذا التقسيم للإنسان، ولنقل إلى ذاتين، على سبيل التبسيط، الذات العارفة والذات الفاعلة، الذي يطبع الفلسفة الكلاسيكية، ويحول بينها وبين الإعلان الرائع الذي نجده عند فويرباخ الذي يعلن أنه يستطيع اختزاله: فهو يحل تعددية الصفات في الذات الإنسانية محل تعدد الذوات، ويعتقد أنه يحل بذلك مشكلة أخرى مهمة سياسيًّا، وهي التمييز بين الفرد والنوع بواسطة الجنس، الذي يحذف الفرد لأنه يجب أن يكون هناك دائمًا اثنان على الأقل لتتم العملية الجنسية، وهذا هو النوع. أريد أن أقول إننا من خلال طريقة فويرباخ في التفكير نستطيع أن نعرف ما كان مطروحًا قبله، إنه الإنسان، ولكنه إنسان موزع بين عدة ذوات وموزع بين الفرد والنوع.

ينتج من هذا بأن النزعة اللا إنسانية النظرية لدى ماركس تتجه إلى أبعد بكثير من مجرد تصفية الحساب مع فويرباخ: إنه يضع موضع شك فلسفات المجتمع وفلسفات التاريخ القائمة معًا، وكذلك التقليد الفلسفي الكلاسيكي، وعبر ذلك كل الأيديولوجية البرجوازية. وأقول بالتالي، إن النزعة اللا إنسانية النظرية لدى ماركس هي أولًا وقبل كل شيء نزعة لا إنسانية فلسفية… وبالفعل إذا ما فحصنا النصوص التي يمكن اعتبارها حاسمة في الفلسفة الماركسية، فإننا لا نرى أن مقولة الإنسان أو أي صورة أخرى من صورها الماضية أو الممكنة، توجد فيها) (الحداثة الفلسفية ــــ نصوص مختارة).

هل هذا النقد الواضح من واحد يُعد من المفكرين المجددين للماركسية يؤكد غياب (الإنسان) و(الحرية) من فلسفة (ماركس)؟ لا أعتقد ذلك.

يكتب المفكر العراقي الراحل (هادي العلوي) في كتابه (مدارات صوفية، منشورات المدى، ط 2، بغداد، 2007):
(لم يكن ماركس ينظر إلى الإنسان بوصفه بهيمة بل كائنًا روحيًّا. لكن تجريد الإنسان من حاجاته المادية على يد سلطة الدولة وسلطة المال جعل ماركس يركز على هذه الحاجات أولًا). وهو يرى أن (المادية التاريخية هي فلسفة الإنسان).

الحــرية والضــرورة

إن الكائن الإنساني وفق (ماركس) محكوم بقوانين موضوعية، قوانين اجتماعية تأخذ شكل الضرورة التاريخية، لكن هل هذا يعني عبودية الإنسان لقوانين المجتمع؟ ليس الأمر بهذا التبسيط إطلاقًا.

(ماركس) في هذا الموقف يعود بنا إلى (سبينوزا)، لكن بطريقة أخرى. من حيث إن (سبينوزا) يرى أن الإنسان محكوم بقوانين الضرورة وقوانين السببية، وهو لا يشعر بالحرية إلا عند وعيه لقوانين الضرورة.
(ماركس) يرى بأن وعي الإنسان للضرورة الموضوعية تعطيه حرية التصرف التاريخي، وهكذا فإن (الضرورة) لا تنفي الحرية أبدًا، كما أن الحرية لا تنفي (الضرورة)، فالحرية هي في وعي الضرورة وفي استخدام وتطبيق هذه الضرورة.

بعض أنصار (ماركس) يوضحون علاقة (الحرية) بـــ (الضرورة) في أمثلة عدة، منها المثال الآتي: (افرض أن رجلين ضلَّا السبيل في غابة، وأن أحدهما لم يهتم بالعلاقات الضرورية الموجودة بين الظواهر الطبيعية، ولذلك تصور نفسه حرًّا وبدأ يسير في أول اتجاه التقى به، إن بوسع هذا الشخص أن يمني نفسه بأنه (حر) في أي وقت في تغيير اتجاهه والانطلاق في اتجاه آخر، لكنه بعد أن يضيع وقته سدى وبعد أن تمضي ساعات طويلة بلا جدوى سوف يكتشف أن حريته تلك لم تكن إلا سرابًا، فهو في الحقيقة غير حر وهو خاضع تمامًا للبيئة التي يوجد فيها. أما الشخص الآخر فقد فعل غير ذلك: إنه يعرف أن هناك صلات وعلاقات ضرورية بين الظواهر الطبيعية، ومن ثم بين الجهات الأربع الأصلية ومواقع الأجرام السماوية، فبدأ في تذكر ما تعلمه عن هذه العلاقات وبدأ يختار الطريق الذي يوصله في أقصر طريق ممكن إلى بيته. وهكذا يتبين لنا أن معرفة الضرورة والعمل وفقًا لها يسمحان لهذا الرجل بأن يحدد طريقه في البيئة التي يوجد فيها وبذلك يكون فعلًا حرًّا).

لكن بما إن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي، وبما إن كل مرحلة تاريخية هي نفي وسلب للمرحلة السابقة عليها (رغم أن النفي والسلب هنا لا يعني الهدم والفناء وإنما النفي والاحتفاظ، هدم وتطور)، فهذا يعني أن (الوعي الاجتماعي) تم نفيه أيضًا، وإنه يكون أيضًا في حالة تغير وتطور، وبالتالي فإن (وعي الضرورة)، أي (الحرية)، في مرحلة تاريخية ما، قد تنفى وتتغير في مرحلة لاحقة. وبالتالي يطرح سؤال (الحرية) نفسه بشكل متجدد في كل مرحلة تاريخية. لكن ما هي تجليات (إرادة الحرية) و(وعي الضرورة) عند الكائن الإنساني؟ ثم إن (ماركس) و(الماركسية) تتحدثان عن (الإنسان الفرد) فاقد الهوية الذاتية، (الإنسان الشامل) المجرد تاريخيًّا، الذي يحمل تاريخ وهوية الطبقة التي ينحدر منها، وهوية وجوده الاجتماعي.

وهذا ما انتبه إليه (جان بول سارتر) فيما بعد، وتوقف عنده في واحد من أهم كتبه (نقد العقل الجدلي)، حيث يؤكد في بعض جوانبه بأن (التاريخ أعقد بكثير جدًّا مما تتصور الماركسية التبسيطية التي تبسط الأمور، وليس على الإنسان فحسب أن يصارع ضد الطبيعة، بل عليه كذلك أن يصارع ضد الوسط الاجتماعي أو البيئة الاجتماعية التي أنجبته. كما أن عليه أن يصارع ضد غيره من البشر، وأيضًا ضد فعله الخاص بمقدار ما يصبح هذا الفعل فعلًا آخر).
بل وهذا ما دفع بنقاد (الماركسية) بالرد عليها بأنها تنفي الإنسان لصالح الطبقة، وأنها عاجزة عن فهم الإنسان. فقد كتب (د. إمام عبد الفتاح إمام) في كتابه (تطور الجدل بعد هيجل، الجزء الثالث، جدل الإنسان) وفي الفقرة (370) ما يأتي:
(من الواضح إذن أن الجمود والشكلية واستخدام القوالب الجاهزة جعل الماركسية المعاصرة تتردى في أخطاء لا حصر لها، ويكفي أن نقول إنها استبدلت بالمنهج الجدلي منهجًا دجماطيقيًّا جامدًا، وأنها أقامت علمًا للإنسان بلا إنسان، أقامت أنثربولوجيا غاب عنها قدس أقداسها حين غاب عنها الإنسان ولم ويعد الإنسان صانعًا لتاريخه ومحركًا للمجتمع ودعامة للنظم الاجتماعية… إلخ، بل أصبح التاريخ والمجتمع هو الذي يشكل الإنسان خصوصًا الإنسان الفرد).

وإذا ما كان الحديث هنا يدور عن (الماركسية المعاصرة) وليس (ماركس)، فإن (سارتر) يتوقف عند النصوص الأولى لــــ (ماركس وأنجلس) التي ترى أن ظهور الشخصيات المتميزة، الذات الفردية الفاعلة، ما هي إلا (إنتاج الصدفة وحدها)، فقد كتب (أنجلس) ذات مرة: (إن ظهور هذا الإنسان أو على وجه الدقة هذا الإنسان المعين في فترة محددة وفي بلد معين هو بالطبع محض مصادفة، ولو لم يوجد نابليون لحل محله شخص آخر، وقُل مثل ذلك في جميع أحداث المصادفة، وفي جميع الأحداث التي تبدو مصادفة في التاريخ. إننا كلما ابتعدنا عن الاقتصاد في المجال الذي سنكشفه، اتخذ هذا المجال طابعًا أيديولوجيًّا مجردًا، ووجدنا المزيد من الصدفة في تطوره). أي أن الطابع العيني لهذا الإنسان المعين والمحدد هو طابع أيديولوجي مجرد.

إن جدل (الحرية) و(الضرورة) عند (ماركس) يقود إلى إشكال جديد من جدل المفاهيم، مثل: جدل (الفرد) و(الطبقة)، وجدل (الوعي) و(الأيديولوجية)، جدل (الإنسان العيني) و(الإنسان الشامل)، وجدل (البراكسس) ما بين (الذات) و(الموضوع).

ويبدو أن مفهوم (البراكسس) الذي ليس من السهل إيجاد مقابل له في اللغة العربية من حيث إنه (في الأصل كلمة يونانية تعني النشاط الذي يتضمن غايته في داخله، أي يعني الفعل والعمل في آن واحد. والتي جاء ماركس في العصر الحديث ليعني بها النشاط الإنساني العملي التطبيقي، كما استخدمها سارتر ليشير بها إلى أي نشاط إنساني هادف وهو يرتبط بصفة خاصة بالمشروع الوجودي الذي كرسه في كتابه “الوجود والعدم”) حيث يؤكد:

(إن ما يؤخذ على (ماركس) و(الماركسية) هي أن (الطبقة) تكونت بواسطة جدل سابق بدأ بنشاط هادف (براكسس) فردي، وأن (الفرد) في النهاية هو الذي يعيش في هذه (الطبقة)، فهي توجد من خلاله ولا تكون عينية إلا بسلوكه الفردي وتصرفاته الطبقية. وإن (الفرد) يتشكل خلال طفولته وفي وسط أسرته، وإنه يتعلم ممارسة طبقته من خلال أسرته، فهو يعيش (الكلي ــــ الطبقة) من خلال (الجزئي ــــ الأسرة)، فالطبقة كلية وشمولية لكنها تتفكك من خلال (الفرد).
يضيف (سارتر) على ذلك منتقدًا (ماركس) والفهم الماركسي لموضوع (الفرد) و(الطبقة): (أنا لستُ مندمجًا اندماجًا تامًّا مع الجماعة التي اكتشفها البراكسيس وحققها بالفعل، كلا. ولستُ مفارقًا للجماعة تمامًا، إنني لستُ جزءًا من شمول موضوع، وليس هناك شمول موضوع مفارق بالنسبة لي. الواقع أن الجماعة ليست موضوعي ولكنها البنية الجماعية المشتركة لفعلي).

ويمكننا التأكيد بأن (ماركس) في كتابه (المدخل إلى نقد الاقتصاد السياسي) أشار إلى (الفرد) ووعيه بذاته وتفسيره لذلك: (بقدر ما لا يمكن أن نحكم على الفرد من خلال الفكرة التي لديه عن نفسه، كذلك لا يمكننا أن نحكم على عصر مثل هذا من خلال وعيه بذاته، بل يجب على العكس من ذلك، أن نفسر هذا الوعي بدلالة تناقضات الحياة المادية، أي بواسطة التعارض القائم بين القوى المنتجة المجتمعية وعلاقات الإنتاج… إن الإنسانية لا تطرح على نفسها إلا المهام التي يمكنها حلها: إذا ما نظرنا إلى المسألة عن كثب، فإنه يتجلى دومًا أن المهام لا تظهر إلا حين تتوفر الشروط المادية لحلها، أو أنها على الأقل في طور التكوين).

الإرادة والأيـديـولــوجيـة

في كتابهما المشترك (الأيدولوجيا الألمانية) يشير (ماركس وأنجلس): (حتى الأشباح التي تتولد في الدماغ البشري ما هي إلا إعلاءات تنتج، بالضرورة، من مجرى حياتهم المادية، تلك الحياة التي بإمكاننا أن ندركها عن طريق التجربة، والتي تستند إلى أسس مادية. وبفعل ذلك، فالأخلاق والديانة والميتافيزيقيا، إلى غير ذلك من الأشكال الأيديولوجية، وكذا أشكال الوعي التي توافق ذلك، لا تملك تاريخًا، وهي لا تتبع أي نمو أو تطور).

هنا نحب التوقف عند مفهوم (الأيديولوجية)، فهي كما يفسرها المفكر الماركسي (لويس آلتوسر) كالآتي: (لنقل إن الأيديولوجية، باعتبارها نسقًا من التمثلات، فهي تتميز عن العلم من حيث إن وظيفتها العملية المجتمعية تفوق، من حيث الأهمية، “وظيفتها المعرفية”).

ويحاول (آلتوسر) أن يميزها عن (الوعي) استنادًا إلى نصوص (ماركس) قائلًا في هذا الاقتباس الطويل: (يجري القول عادة إن الأيديولوجيا تنتمي إلى منطقة الوعي. وعلينا ألا ننخدع بهذه التسمية التي تظل حاملة آثار الإشكالية المثالية السابقة على ماركس، ففي حقيقة الأمر إن الأيديولوجيا لا يربطها بالوعي إلا رباط واحد. هذا مع تسليمنا بأن لفظ “الوعي” ذاته له مدلول واحد بعينه. إن الأيديولوجيا في جوهرها لا واعية، حتى وإن تبدت لنا في شكل واعٍ. صحيح أن الأيديولوجيا نسق من التمثلات: ولكن هاته التمثلات، في أغلب الأحيان، لا تمت إلى الوعي بصلة، إنها تكون في معظم الأحوال صورًا، وأحيانًا تصورات، ولكنها لا تفرض نفسها على الأغلبية الساحقة من البشر إلا كبنيات قبل كل شيء، ودون أن “تمر بوعيهم”… تتعلق الأيديولوجيا إذن بعلاقة المعاناة التي تربط الناس بعالمهم. وإن هاته العلاقة التي لا تظهر “واعية” إلا بشرط أن تكون “غير واعية”، يظهر أنها بالكيفية نفسها، لا تظهر بسيطة إلا بشرط أن تكون مركبة. فالناس لا يعبرون في الأيديولوجيا عن علاقاتهم مع ظروف عيشهم، بل عن “الكيفية” التي يعيشون بها علاقاتهم مع تلك الظروف، الشيء الذي يفترض، في الوقت ذاته، علاقة حقيقية وعلاقة “معاناة” و”خيال ووهم”. فحينئذ تكون الأيديولوجيا هي التعبير عن علاقة الناس بـــ “عالمهم”… ففي الأيديولوجيا توضع العلاقة الحقيقية داخل العلاقة الوهمية: تلك العلاقة التي تعبر عن “إرادة” أو أمل وحنين أكثر مما تصف واقعًا معينًا).

هل هذا يعني إن (الإرادة) تنتمي لعالم (الأيديولوجيا)، هل هذا يعني إنها وهْم، هل هي تمثل لا واع، هل يعني إن الإرادة منفصلة عن الوعي، عن العقل؟

هل هذا يعني بالتالي بأن (إرادة الحرية) التي يجسدها الإنسان ما هي إلا وهم ووعي زائف، فهو محكوم بقوانين اجتماعية وضرورات تاريخية لا يستطيع التخلص منها؟

وإن خلاصه الحقيقي يكون بنسيان ذاته والاندماج في الجماعة والطبقة؟

طبعًا النقد الأكبر لطروحات (ماركس) الإشكالية هذه، جاء من الفيلسوف (جان بول سارتر) ومن (سيغموند فرويد) اللذين سنتوقف عندهما فيما بعد.

المصدر: الـوقـــفـة السـادسـة من كتاب “وهم الحرية” لبرهان شاوي.

شاهد أيضاً

كيف نقرأ نيتشه اليوم؟

قراءة في كتاب” ضيف الله فوزية ــ  كلمات نيتشه الأساسية ــ “[1] معروفي العيد[2] معروفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *