الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / أزمات المجتمع الصناعي المتقدم: الجوكر كبطل جديد للمدينة

أزمات المجتمع الصناعي المتقدم: الجوكر كبطل جديد للمدينة

بقلم: فؤاد لعناني

  إن المهمشين والمصحوبين بنوبات من الضحك غير المتزن يصيبون تلك الحياة القاتمة بجنون وفوضى مطلوبة من أجل خلخلة بنى الوضع القائم. ولعلنا ننظر إليهم نحن كحمقى، مكانهم أقرب مستشفى نفسي- عقلي، بينما يراهم الآخرون كأبطال خارقين يصيبون الواقع بالخراب والفوضى لكي يعيدوا لنا قلق السؤال ودهشة الممكنات الغير متوقعة.

المدينة بمنطقها المتحضر والصناعي أصبحت تقوم بتوزيع الناس إلى نافعين وغير نافعين مرضى و أصحاء أبرياء ومجرمين

ويبدو أن الفيلم الأمريكي “الجوكر” الذي التقطته عيون المتفرجين والنقاد الشغوفين بالفن السابع لمخرجه “تود فيليبس” قد شكل معتركا حامي الوطيس بين العديد من التناقضات والتداخلات النفسية والاجتماعية التي وفرتها لنا أحداث الفيلم. فالشخصية الرئيسية “آرثر فليك” وهو بهلواني يمارس هوايته المعهودة برسم الابتسامة على وجوه الناس في الشارع العام. يتعرض نتيجة لهذا الفعل لمطبات السخرية والتجريح بشكل دائم بالإضافة إلى الأذى الجسدي عن طريق الضرب المبرح الذي يطيح به في أغلب الأحيان مغشيا عليه. فآرثر فليك لا يقاوم البتة، أنفاسه تتقطع، وأنينه مصحوب بموجات من الضحك الفجائي الشبيه بضحكة الضباع تجعل من التشويق يحفر فيك أخاديد من الدهشة وكثيرا من الانطباعات.                                     

تدور أحداث الفيلم في مدينة “غوثام” الأمريكية عام 1981 وهي مدينة خيالية فقط. تحيط بها الأزبال من كل جانب، بؤس متوالي يعتلي محيا قاطنيها وغرف غير مرتبة برفقة جهاز التلفاز الذي يبقى على ما يبدو من الأولويات الرئيسية للمجتمع الأمريكي الاستهلاكي حيث شيوع الثقافة الجماهيرية وأنماط البرامج اليومية المصحوبة بموسيقى الإغراء والجذب الخاصة بنمط الاستهلاك. والملاحظ أن المنشط التلفزي الذي لعب دوره الممثل الكبير “روبير دي نيرو” قد أفشى هذا الجانب الاستعراضي الذي يستهلك التفاصيل اليومية بغية تحويلها إلى أشياء سلعية ربحية تزيد من رفاه الإنسان المعاصر وتدخل الجموع المشاهدة في غياهب ما يسمى عادة بتحقيق الحلم الأمريكي.

ولعلنا نرقب بعين الفاحص نوعية الاستلاب الذي بات يعاني منه هذا الإنسان في المجتمعات الصناعية المتقدمة عن طريق توفير نظام إعلامي وسياسي وتكنولوجي قمعي قائم بذاته. يضخ كمية هائلة من المعلومات والتفاصيل التي تبعد الإنسان عن إدراك حقيقة واقعه فيتم بذلك تزييف وعيه بل وحتى قمعه لكن هذه المرة بوسائل علمية وتكنولوجية مستحدثة. وفي هذا السياق نجد أن الفيلسوفين الألمانيين “ثيودور أدورنو” و”ماكس هوركهايمر” في كتابيهما “جدل التنوير” قد عبرا عن هذا من خلال مفهومهما عن صناعة الثقافة “ففي أيامنا لا فرق بين العقلانية التقنية وعقلانية السيطرة بالذات. إنها سمة المجتمع المتغرب: فالسيارات والأفلام والقنابل تؤمن ترابط النظام إلى درجة أن وظيفتها القائمة على التسوية قد انعكست على الظلم الذي حفزته”. (1)

 وسيكولوجيا يقدم لنا الجوكر نفسه كشخصية هشة. لكنها شخصية تقاوم بؤس الآخرين وقلقهم وتحقيرهم له بترديد عبارة أمه التي يعتز بها. (سيظهر فيما بعد أنها ليست أمه) “يجب عليك أن تبقى دائما مبتسما” وهي العبارة التي سيكفر بها فيما بعد مع توالي أحداث الفيلم. لتصبح ” لا تبسم” خصوصا بعد ارتكابه لجريمة القتل الأولى، حيث سيظهر تحول مفاجئ في شخصية الجوكر الجديدة كما وستتضح دوافع انتقامه التي باتت تسيطر عليه بشكل جنوني.

والملاحظ أن المدينة بمنطقها المتحضر والصناعي أصبحت تقوم بتوزيع الناس إلى نافعين وغير نافعين مرضى و أصحاء أبرياء ومجرمين… لكن يظهر هنا أن الجوكر الذي أصبح مجرما نتيجة ارتكابه لأفعال القتل المسرحي كان فخورا بما يفعل بل قد نلحظ تعاطفا كبيرا من طرف فئة واسعة من المشاهدين حيال مشاهد قتله ولعل هذا من عوامل شهرة الفيلم. فالجوكر هنا قاتل ولكنه قاتل غير محترف يطلق رصاصاته قي جميع الأماكن، بل حتى المنزل الذي يقطن فيه برفقة أمه لم يسلم من ذلك، فهو قاتل يمسك مسدسه باليد اليسرى يسدد طلقاته إلى أماكن متفرقة من جسد الضحية بشكل شبه عشوائي، ثم يليه في ما بعد ذلك موجة من الرقص والضحك السريالي وكأن شيئا لم يحدث. هذه السمات النفسية والحركية لشخصيته قد تجد سبيلها للتعاطف مع شخصه أو كما أسموه محبوه بملك الفوضى .

لقد أصبح الجوكر من خلال وصايا الفيلم بطلا في عيون هذه الجموع من المهرجين. فعوض التركيز على الحملة الانتخابية التي كان سيترشح إليها المرشح “توماس واين” الرجل صاحب المال والنفوذ. أصبح الانشغال الإعلامي ضروريا بهذا المهرج الذي قام بوضع حد لحياة ثلاثة شبان نتيجة تنمرهم واستخفافهم به لحد الضرب واللكم.  هنا نجد أن الجوكر أصبح بطلا يتكأ على عصا الأسطورة والرمز لدى طبقة واسعة من الجماهير الغفيرة من المهرجين والمهمشين. إضافة إلى هذا فقد تم نشر صوره عبر ملصقات في مختلف أرجاء المدينة بشكله البهلواني المثير ثم في الصحف وكذلك على المستوى التلفزي عبر وصلات تندد بجرمه وتدعو الشرطة إلى القبض عليه بأقصى سرعة. أما سياسيا فقد أصبح الرهان الترويجي للمرشح “توماس واين” هو إعادة الأمن للمدينة والتخلص من هؤلاء الرعاع والفوضويين الذين خرقوا قوانينها ومارسوا فيها مجمل أشكال الخراب والدمار الممتد إلى قتله هو وزوجته برصاصات أحد المهرجين المتربصين به كما سيظهر ذلك في أخر أحداث الفيلم.

ولا يخفى على المتفحص إدراك الأبعاد الوجودية والعبثية التي تتسيد مالأت هذا البطل الفوضوي حيث نعثر على اعتراف صريح من لدنه بذلك لمستمعته وهي أخصائية نفسية على ما يظهر، سمراء البشرة، توجه له أسئلة من قبيل هل تتناول الدواء كما يجب؟ هل أحضرت معك دفتر يومياتك؟ دلني على ماذا كتبت… إنها أسئلة لا تجدي نفعا بل وأصبحت ترهق شخصية البطل لأنه لم يكن يشعر بوجوده أصلا إلا عند ارتكابه لفعل القتل حسب زعمه. لقد كان هذا جوابه الأخير فقد أصبح الآن حرا يحاول أن يسعد نفسه أولا على حساب الآخرين.

يرفض هذا المسار الذي رسمه مجموعة من أثرياء المدينة الذي تكالبوا على الوضع ورسموا له خطوطه العريضة سياسيا وإعلاميا. وهنا نلحظ حالة الانغلاق التي بات يوفرها المجتمع الصناعي المتقدم لفئة واسعة من هؤلاء المقهورين والمهمشين فمكانهم إما العيادة أو المستشفى أو السجن دون النظر إلى الاختلالات النفسية الحقيقية التي تعتليهم. فالجوكر شخصية مصابة بمتلازمة “أنجيلمان” وهي متلازمة تفرض على الأشخاص نوعا من الضحك الهستيري الفجائي اللاإرادي الذي يصعب عليهم التحكم به.

وتظهر هنا حالة هذا المجتمع المتقدم الذي يحاصر هؤلاء والذي يتخذ شكله العقلاني انطلاقا من اتحاد مجموعه. فالتكنولوجيا أصبحت بديلا عن العنف تنخر وعي الفرد وتستلبه. وهذه حالة “الجوكر” أيضا التي تعبر عن حالة العديدين. لقد تم نفيها لأن فيها حسا لقوى ستفجر الوضع القائم. يقول الفيلسوف الألماني هاربرت ماركوز “إن هذه الحضارة استنبطت الرقابات الاجتماعية إلى درجة أصبح معها الرفض الفكري والانفعال للامتثالية يبدو وكأنه علامة عصاب وعجز. ذلكم هو المظهر الاجتماعي النفسي لأبرز حدث سياسي في العصر الحديث: زوال تلك القوى التاريخية التي كانت تمثل في المرحلة السابقة إمكانيات وأشكالا لحياة جديدة.”(2)

إن عصارة ما جادة به متواليات الفيلم لا تقف عند حد نهايته. فالأحداث تجرك إلى الغوص في بؤرات ومطبات هذه الشخصية الفريدة والمركبة. فالجوكر لا يضحك الآخرين ولا يمكنه أن يضحك أحدا، لأن جرحه عميق لا يمكن شفائه بمسكن أو جلسات سريرية فرويدية عقيمة. إنه عبارة عن قوة للرفض الجذري التي تم نفيها خوفا على مصالح الجموع وتسليما بتحقيق ما يسمى عادة بمجتمع الرفاه.

المراجع المعتمدة :

(1) ماكس هوركهايمر- ثيودور أدورنو- جدل التنوير، ترجمة: الدكتور جورج كتوره- دار الكتاب الجديد المتحدة- ط1 يناير 2006 ص: 143

(2) هربرت ماركوز. الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة: جورج طرابيشي – دار الآداب – بيروت. ط.4 س2004 ص 45 -46    

شاهد أيضاً

من السلطة الحيوية إلى الأمن الإنساني: التفكير في دور الدولة في عصر “الحداثة” ومع بعدها

بقلم: ادريس شرود تقديم     ترافق صعود الرأسمالية مع ميلاد الدولة الحديثة  وتطور عقلانية سياسية جديدة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *