الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / السوسيولوجية بالمغرب و إشكالية الموضوعية

السوسيولوجية بالمغرب و إشكالية الموضوعية

أسامة البحري

بقلم : أسامة البحري

      الفصل الأول :

1 : البحث المغربي بين القطيعة الإبستيمولوجية و التفكر المنهجي

المنهجية حسب تعبير دانيال برتو ، هي نتاج الإلتحام الذي يقع بين النظرية و تقنيات الملاحظة ، و لكن من أين تتمخض النظرية ؟ و لماذا لازالت إشكالية كبرى بالدرس السوسيولوجي المغربي ؟   

إذا ما عدنا إلى بورديو و دوركهايم سنجد أن القاعدة الأولى و الأساسية لديهم هي “القطع المنهجي أو المسافة ” ، و لكن ما هي مكونات هذا القطع المنهجي أو هذه المسافة ، و لماذا بيار بورديو لكي ينحث مفهومه هذا استند بتاريخ الفكر ، و لماذا دوركهايم أيضا إستشهد في وصفه لمسافته مع ماضيه بفلاسفة سبقوه في نقطة المسافة هذه مع الماضي ، كديكارت مثلا ؟

نفهم من هذه الإشكاليات ، إذن ، أن الوعي يصبح وعيا إنسانيا حينما يعبر من جسر تاريخ الأفكار المنطقية ، الذي هو ليس جسر ققط للتثقيف ، بل هو مكان للبحث عن المثقف فينا حسب تعبير فوكو ، هو مكان تحرر الوعي ، و وعيه ب”الماكان” و ” الما-يجب أن يكون عليه الوعي” و فكرة أن الباحث حتى يقترب من الظاهرة ، حينها يجب أن يحقق الموضوعية ، هي فكرة بلا أساس ، أو بتعبير بورديو بعمله حرفة عالم الإجتماع : فكرة بمحتوى عفوي و ساذج ، مكسوة بغشاء العلم لا أكثر ، فكيف إذن يمكن للإنسان العادي و الإنسان المثقل و المشبع بمهاد ثقافي لامنطقي ، أن يصبح باحثا بعلم الإجتماع ؟

 كما سلمنا آنفا ، “جسر تاريخ الأفكار المنطقية ” الذي هو مفهوم لاحمت به مفهوم الجسر و تاريخ الفكر ، لم يتمخض من عدم و سدى ، بل لأن الجلوس مع أعمال المفكرين الكبار ، ليست بعملية نتاج خلفية برغماتية – نفعية ، أو لأجل التسلية ، بل هي جلسة لأجل تكوين الجسر ، أو قل إن البيبليوغرافيا التي تحمل أكبر مفكري تاريخ المعرفة ، تتحول هي إلى مهاد الجسر ، هذا الجسر يصعد فيه العقل لأول مرة مع أولى الأعمال المنطقية و يبنى بالإستمارية على “مقارعة” الذاكرة الماضوية ، مع  الأعمال المنطقية بتاريخ الفكر المنطقي ، و هذا الجسر هو مفهوم “مجرد ” يتكون أساسا بمفهوم ” العزلة الأنطلوجية ” بتعبير ديكارت ، فهنا ينفرد العقل معه و مع البيبليوغرافية ، ليخلق بفعلهما عالم خاص به ، في شكل جسر ، و الأسئلة لا يجيب عنها المفكر بعمله وحده ، بل حتى القارئ يكون مع المفكر في نقطة الفكرة ذاتها ، و لكن بفكرة ماضوية ناتجة عن المجتمع ، و هذه العلاقة التي تلتقي بين العقل الذي يطالع على الأفكار الخاصة بمفكر معين حول قضية معينة ، تتشكل في نقطة واحدة تنقسم إلى قسمين قسم القارئ و قسم المفكر ، مما يصبح أمامنا علاقة مقارنة ، تبتدأ بمقارنة القارئ لفكرته الإجتماعية مع فكرة المفكر ، مما يدفع القارئ إلى مقارنة فكرته الإجتماعية و فكرة المفكر مع الواقع ، و تدفعه أيضا إلى مطابقة فكرته و النظر إلى نتيجتها و مطابقة فكرة المفكر و رؤية نتيجتها ، مما يدفع الوعي الإنساني للباحث ، إلى إختيار الفكرة المنطقية التي تمخضت عنها نتيجة منطقية ، و هكذا يبنى الجسر ، و لكن هذا الجسر لا يبنى إلا بالإستمرارية ، أي و كما يقر سارتر ، إن اختار الإنسان نقطة معينة ، فيجب أن يلتزم ، لأن الإلتزام بالمفهوم المنطقي هو دافع تشكل النقط الكليانية ، فالعلاقة إذن بين عقل الباحث،القارئ و المفكر ، تتحول إلى جسر ،  و هذا الجسر يبتدأ و ينتهي بالإستمرارية ، و يعلوا بقوة التراكم المابين عقلي – واقعي و عقل المفكر المجرد-واقعي ، و تبتدأ هذه العلاقة الجسرية على شكل تشعبات “خروج ، دخول ، خروج ، دخول في حركة متقدمة مما تجعلها متشعبة في شكل مثلثات غير متلاحمة القاعدة ، و هذه التشعبات تكون نتاج علاقة مقارنة الوعي لأفكاره ، بأفكار وعي المفكر ، و هذه العلاقة المقارنة المتشعبة تدفع العقل إلى تحقيق التفكر  ، هذا التفكير يكون على شكل إستدارات مقوسة صغيرة متقدمة الى الأمام ، فالجسر إذن يكون متشعبا و مستديرا ، ثم متشعبا و مستديرا ، إذن فما الذي يقع داخل هذا الجسر ، و ما علاقته بالقطع المنهجي أو الموضوعية ؟

مع إيمانويل كانط بالقرن الثامن عشر ، بعمله “نقد العقل الخالص ” ، سيقلب التصور الرواقي و الديكارتي للعقل ، الذي يؤمن بأن العقل يوجد فطريا بأفكار فطرية ، و سيتم تجاوز هذا التصور مع جون لوك ، بركلي ، دفيد هيوم بنزعتهم التجريبية الذين اتفقوا على أن الإنسان بالتجربة يكتسب معرفة ، و أن الإنسان يوجد صفحة بيضاء ، و لهذا سيجمع إيمانويل كانط بين هذه العقلانية : مع الفلسفة الرواقية و بيكون و هوبز و ديكارت مع الفلسفة التجريبية : جون لوك و بركلي و دافيد هيوم ، ليسلم بأن العقل يوجد بشروط ضرورية للمعرفة ، و الحواس تنقل لهذه الشروط معرفة ، و لهذا يمكننا القول بأن المعرفة المكتسبة ، رغم نوعيتها “منطقية أو لا منطقية ” ، إلا أن العقل حسب كانط يطور هذه المعرفة ، و لكن في ضوء نوعية المعرفة “منطقية . لا منطقية ” ، بمعنى أدق ، المعرفة مثلا التي تم اكتسابها “نوعيتها : لامنطقية ” ، هذا لا يعني من منظورنا أنها لن تتعقد ، بل ستتعقد و لكنها ستظل لا منطقية ، لأنه بكل بساطة خلايا الدماغ بداخلها قدرة تطوير المعارف ، و لكن نوعية المعرفة هي التي تحدد هذا التطور و التعقد ، لأن هذه الخلايا الدماغية ما تفعله هو أنها تتواصل ، و بتواصلها تشكل من منظورنا خطاطات معقدة ، و لكن هذه الخطاطات أو الأفكار الكلية أو الكليانية ، تتكون من نوعية المعرفة الأولى أو المبادئ الأولى التي تم إكتسابها ، فهل هذا يعني إذن أن عالم الإجتماع المغربي المبتدئ و الباحث ، حتم عليه أن يخضع لسلطة ماضيه اللامنطقي ، الذي يتكون من فكرة أساسية و هي لا بناء الجسر ، أي اللامطالعة التي هي دافع التفكير اللامنطقي ؟

-2 : الهوية الإبستيمولوجية

كما قلنا ، داخل الدماغ تقع خطاطات ، فمثلا ، على سبيل المثال خطاطة :”1″ تحتوي على كيفية التفكير مثلا ، أي على كل الأفكار أو المكونات بتعبير حيل دولوز ،  التي توصل لها العقل حول التفكير ، تلتحم مع بعضها ، لتكون خطاطة كيفية التفكير ، هذه الخطاطة التي عنوناها ب “1” ، تلتحم مع خطاطة “2” التي تتكون مثلا من “كيف أطابق التفكير مع الواقع ، مما تصبح لنا خطاطة “21”، قادرة على الإلتحام مع خطاطة “34” حول اللغة مثلا ، إذن فالمشكلة ليست في القدرة على التدرج نحو ميكرو -فيزياء – المعرفة ، لأنه كما بينا الآن ، بطرحنا لمثالنا هذا حول الخطاطات ، تبين لنا أن هذه ” الخطخطة المنطقية ” أي هذه الطريقة الفطرية للوعي في توليف الخطاطات ، هي فطرية و لكن المشكلة الكبرى ليست في هذه ” التوليدية ” بتعبير تشومسكي ، بل المشكلة في ما يوجد فوق هذه القدرة الفطرية التوليدية لعقولنا ، و التي للأسف ، الوعي يخضع لها ، لأنه يرى فيها الحقيقة المطلقة و الوحيدة المنطقية ، بسبب مرورها من طرف أجساد رمزية ، يساهمون في نمو جسد العقل ، أي و حسب الوعي ” هذه الأجساد هم أصحابه ، هم الذين كونوه و يساهمون في نموه “، و بذلك ينفتح الوعي على المجتمع “المعرفي ” أو معرفة مجتمعه ، ناظرا لها أيضا بأن لها قيمة رمزية ، مادامت الأجساد الرمزية “العائلة ” جزء من هذا المجتمع ، و لهذا فمفهوم النقد الذي يوجد مع العقل قبليا ، يغيب بغريزة “الإنسانية -الأخلاقية هذه ” التي توجد أيضا معنا ، و لهذا يثق الوعي بكل المعارف التي اكتسبها بدون طرح أي سؤال نقدي حولها ، فإن نوع الثقاقة إذن هو من يحدد نظرة الوعي للوجود ، فمثلا نجد بالثقافات المغربية ،  من بين الأفكار الأساسية “الخطاطاتية” ، نجد مثلا : الخطاطة”1″ : الجسد الذكوري يجب أن يكون أعلى : مهيمن ، الخطاطة “2” : الجسد الأنثوي يجب أن يكون أسفل ، مهيمن عليه ، مما يجعل الخطاطة “2” محكمة بجدارات لاشعورية و لاواعية ، لا تلتحم مع الخطاطة “1” ، رغم أنهما قرب بعضهما البعض بالدماغ ، أي رغم أنهم في نفس التشابك النيوروني ، أي في نفس التشابك الذي تحققه خلايا الدماغ العصبية ، و هذا ما يؤدي إلى مرض سوسيو-عقلي ينعكس بالواقع السوسيو-إيكولوجي ، متشكلا “كمرض إجتماعي لا مرئي ” و غير ملموس و لا محسوس ، لأنه بالنسبة  ” للفرد -الفاعل سوسيو -ماضي حاضراتيا ” أي فاعل من خلال ماض ينعكس بالحاضر ، هو بالنسبة له كل ماضيه حقيقة مطلقة ، لأن هذه الأفكار التي يرى و التي يتحرك بفعلها هي حقائق ، لأنها جزء من عقله ، و لهذا فنوعية الفكرة “1”و “2” اللامنطقية و اللامعرضة للنقد السوسيو-منطقي تمتد كأبعاد ، أي أنها تتولد على ضوئها أفكار منعكسة عنها لا أكثر ك (‘1) :الجسد الذكوري يجب أن يبقى أعلى من الأنثى ، متوهما بفكرة ” تاريخنا حقيقي بأكمله كان هكذا و يجب أن يبقى هكذا ” و لهذا يتم إسناد هذه الأفكار بأفكار لا هوتية ليشتد سمكها ” و (‘2) مثلا : لا يجب على الأنثى أن تظهر ، لأن هكذا “أمثولات و قصص ” سيكون عقابها في عالم ما وراء الوجود  ، و يتم الإستشهاد بأفكار تاريخانية و لاهوتية ليشتد سمكها ” و تتمخض أيضا (”1) و (”2) و (”’1) و (”’2) ، أي أنه ما يقع بالعقل هو تطور ، لكنه تطور لامنطقي ، تطور في ضوء اللامنطق ، تطور يغيب الملكة الأساسية للإنسان و هي النقد ، و يغيرها بمفهوم “النقل المقدس ” ، إذن فالتفكير اللامنطقي ، لا يفكر بقانون “الخطخطة” أي توليف الخطاطات ، بل يفكر من خلال تقديس الخطاطات الأولى ، أو الأفكار الأولى ، التي تم إكتسابها و لهذا لا يمكننا أن نعتبر أحدا سوسيولوجيا و هو لم ينتقل إلى قاعدة “الخطخطة” هذه ، فكيف إذن ، يمكننا الإنتقال من اللاخطخطة “تقديس الخطاطات الأولى ” إلى الخطخطة “توليد الخطاطات بإبداعها و توليفها ” و ما علاقة الجسر بالخطخطة و باللاخطخطة ؟ و كيف تتمخض النظرية من خلال هذه المفاهيم التي وضعناها “الجسر/الخطخطة”

 3 : سوسيولوجيا  الميدان هي  نتاج سوسيولوجيا المعرفة

 كما قلنا آنفا ، يستحيل أن يفهم وعي التشابك النيوروني اللاخطخطاتي : ماهية القطع المنهجي بتعبير بورديو أو التفكر المنهجي أيضا الذي هو نتاج الأولى ، لأنه بكل بساطة الوعي اللامنطقي يكون مجمدا ، و كما قلنا سالفا الوعي هو الخطخطة و بمعزل عن هذا المفهوم الأساسي ، لا يمكننا أن نتكلم عن وعي بمعناه الإنساني -المنطقي ، و لكن ما هو دافع إلتقاء هذه الخطاطات أو الأفكار الكليانية ؟

 كما سبق و سلمنا بالبداية ، الجسر ليس مفهوما عبثيا، و ليس فكرة تنطوي على غاية مادية ، بكل بساطة الجسر هو الوعي ، أو قل هو الإنسان الحقيقي ، لأن بهذا الجسر ، يمتد كل وعي بين الأفكار المسلم بها بتاريخ الأفكار ، أو بتاريخ الفكر المنطقي ، منعكسا بمقارنة شمولية و مجردة حول الواقع ، هذا الإنعكاس المقارن يؤدي إلى نتيجة ، هذه النتيجة تعود إلى سبر أغوار الخطاطات الأولى  ، و لهذا فإن كانت لامنطقية ، و ما يتواجد بها لا يتطابق مع نتيجة الإنعكاس المقارن ، يتم فتح عقدة الخطاطة ، و هذا هو النقد و التحليل من الناحية الإبستيميه -ميكرو -فيزيائية ، أي من الناحية الداخلية – المؤولة منطقيا بالخيال المنطقي ، و حينما تتراكم هذه العملية الإبستيميه-إنسانية ، يتحقق “إنفتاح لعقد الخطاطات الأولى ” و هذا هو القطع المنهجي بتعبير بيار بورديو ، و هو دافع للموضوعية ، لأنه بمجرد أن يقع “انفتاح العقد ” يحقق العقل “القطع المنهجي ” الذي هو مهاد للموضوعية ، فما الموضوعية ، إذن ، إلا ممارسة فوق قاعدة القطع المنهجي أو بتعبيرنا الإبستيميه ميكرو فيزيائي إنفتاح العقد الخطاطاتية الأولى ، فما يقع إذن، في انفتاح عقد الخطاطات الأولى هذه ، هو تحرر للوعي ، فهنا يعود الوعي من جديد لأصله ، يعود الإنسان الصغير أو الطفلة أو الطفل مرة أخرى ، لكي يبحث هو عن الحقيقة مستندا دائما بالجسر الذي مر منه ليعود إلى الطفل الذي كان ، و الجسر بكل بساطة يبنى من مقارنة العقل لفكرته مع فكرة مفكر أو مفكرة لهما قيمة بتاريخ الفكر ، ثم مقارنة الفكرتين “فكرة العقل ذاته و فكرة المفكر أو المفكرة مع الواقع ، مما يؤدي إلى نتيجة منطقية ، مفهومة ، تصبح لبنة جسر عبور العقل ذاته و هذا الجسر الأول ، بكل بساطة هو جسر للتحرر المنطقي أو للقطع المنهجي أو للتفكير المنطقي ، و هنا تظهر نظريات للعقل على ضوء الأفكار الكليانية أو الخطاطات الأولى الذي تم إعادة تكوينها بعملية المقارنة التي عرضناها ، و المسطح بكل بساطة هو مجموع المبادئ أو الخطاطات الأولى ، و التي بفعل عملية الإنعكاس المقارن يتم فتح عقد الخطاطات اللامنطقية منها ، و كل نتيجة تتمخض عن عملية المقارنة التي عرضناها تشكل لنا جسر صغير فوق المسطح الأول أو مجموع المبادئ او الخطاطات الأولى ، و تكون على هذا الشكل

فهذا التصور الذي قدمناه حول المفارقة الإبستيميه -عقلية بين “العقل الخطخطاتي و العقل اللاخطخطاتي ” تبين لنا من خلاله كيف أن الهجرة من المسطح اللاخطخطاتي عبر الجسور الصغيرة إلى مسطح الخطخطة يتنمخض عنهم تهيئة نظرية ، لما سيتمخض عن مسطحات الخطخطة من نظريات، فالنظريات أو النظرية هي نتاج هذا الإمتداد للجسور الصغيرة من مسطح أو قاعدة أو بنية مسلم بها ، إلى مسطح يصبح فيه الوعي :وعيا إنسانيا بفعل التشابكات الأصلية للعقل ، لأنه حتى و إن عدنا إلى دماغ الطفل “ة” ، كيف يجمع المكتسبات ، فسيتبين لنا أنه يجمعها بطريقة الخطخطة ، لهذا قلت حينما يعود الوعي لوعيه الإنساني ، فما وقع هو أن القدرات الكليانية للعقل و الجسد التي تخضع ، لتأويلات سوسيو – إيكولوجية معينة بمرحلة ما قبل الشباب و مع الشباب و ما بعد الشباب ، ما يقع بهذه المراحل بكل بساطة ، و هو أن الإرادة تخضع للثقافة سواء كانت منطقية أو لا منطقية ، و ما يقع حينما يعود الوعي وعيا إنسانيا ، و هي كما شكلناها آنفا : عودة العقل للطفل الذي كان ، أي العودة إلى أصل الوعي ، و لهذا فإن الجسر الكلياني الذي ينتقل من مسطح أو قاعدة أو بنية إلى مسطح أو بنية أخرى ، من خلال نقد و تحليل القاعدة الأولى أو المسطح الأول ، فإن عملية الإنتقال الجسري هذه : حينما ندخل إلى ابستيميه -ميكرو – فيزيائه ، فإننا لا نجده جسرا واحدا ، بل هو عدة جسور صغيرة تتشكل فوق المسطح ، كما نرى بالشكل 1 ، و تتمظر لنا من الناحية “الماكرو-سوسيوتجريد-ذهنية” أنها عبارة عن جسر واحد كما نرى في الشكل 2

فعملية التجسر البسيطة هذه ، هي التي سميناها بالفصل الآنف لبنة الجسر أو نتيجة المقارنة ، هذه اللبنة أو نتيجة المقارنة ، تصبح جسرا صغيرا من جسور المسطح ، و تكون كما سبق و سلمنا نتاج مقارنة بعدين : البعد العقلي -ذاتي مع البعد البين ذاتي للمفكرة أو المفكر، و التحامهم كبعد واحد ، ثم مقارنته مع بعد الواقع الذي تلتحم فيه امتدادت تاريخانية ثقافية مع الأصل ، من ما تجعل من عملية المقارنة الأولى بين فكرتي و فكرة المفكر أو المفكرة ، التي تلتحم لنقارن بها الواقع : أداة فصل ما هو موجود بالواقع من امتدادات تاريخانية – ثقافية عن الأصل ، أي القطع معها ،  و هذه العملية تتمخض عنها نتيجة ، هذه النتيجة هي اللبنة أو الجسر الصغير ، و بالنسبة لحجمهم، بكل بساطة الجسر الصغير الأول يكون أول مقارنة على مسطح المسلمات ، و الجسر الذي يليه فهو لا ينطلق من عدم ، بل يستعمل الجسر الذي سبقه ، ملتحما مع نتيجة مقارنته لنقطة موضوعه ، مما يعطينا “جسرا بسيطا أو صغيرا ” أكبر حجم من الذي سبقه ، و بهذه العملية المتراكمة ، يتشكل لنا جسر كلياني منطلقا من نقطة أو من مبدأ رمزي عشوائي له قيمة بمسطح المسلمات أو الماضي ، منتهيا بنقطة التفريغ ، و بهذه النقطة توضع تهيئة للنظريات ، “أنظر الشكل الأخير “


[i]فبنقطة التفريغ ، إذن ، توضع تهيئة نظرية ، ناتجة عن كل الجسور الصغيرة ، من نقطة أول مبدأ من المسلمات إلى نقطة التفريغ الأول ، الذي يجمع فيه الوعي عصارة الجسور الصغيرة عبر الجسر الكلياني ، ، من بعدها يتمخض مسطح جديد يتكون من جسور خاصة بالوعي ذاته ، و هنا بالذات يشتغل نظام الخطخطة بشكل أصلي ، فكما نرى بالمسطح الأول : مسطح المسلمات ، يعمل الوعي هنا بكل مقارنة منعكسة تتشكل في شكل جسر صغير على قضية أساسي و هي القطع ، و في لحظة فهم كل المبادئ الكبرى و التوصل إلى حقيقتها المنطقية ، ثم تفريغ كل النتائج أو الجسور البسيطة كنتيجة عامة بنقطة التفريغ من خلال جمع الوعي لكل الجسور الصغير المتعددة ، على شكل جسر كبير و كلياني  في نقطة التفريغ هذه ، يتمخض شكل للنظريات، خاص بالوعي ذاته ، بمعنى أن المسطح المسلم به ، منه يتم خلق مسطحات الإبداع التي تتدرج نحو المعقد أي نحو ميكرو فيزياء المعرفة ، و بمعزل عن الجسرانية المنطقية الأولى التي عرضناها  ، لا يمكننا أن نتحدث لا  عن موضوعية و لا عن نظريات ، لأن التدرج الجسراني بالمسطح الأول ، هو كما مثلناه قطع في كل جسر صغير ، و بالإنتهاء من هذه العملية العقلية ، التي يقلب فيها الوعي المبادئ من مبدائ غير مفهومة إلى مبادئ مفهومة ، يتم القضاء على كل تلك الشعيرات الحسية التي تكسوا المبادئ الأولى أو مكونات الدماغ الأولى ، و عملية القلب هذه ، أي قلب المبادئ من مبادئ غير مفهومة إلى مبادئ مفهومة هي الجسور الأولى و هي كل تلك التقطعات التي مثلناها ، التي تشكل بالإنتهاء منها ، قطعا منهجيا يخلق الموضوعية ، لهذا لا يمكننا أن نتكلم لا عن قطع و لا عن نظريات ، إن لم يحقق الوعي عملية “التجسر ” ، و من خلال ما عرضناه تبين لنا أن الموضوعية ، ليست هي تلك الفكرة “المنمطة و الساذجة ” ، التي تقر بأن الموضوعية يجب أن تتحقق أمام الظاهرة فقط ، أي أن الباحث حتى يصل أمام الظاهرة ، حينها يجب أن يحقق الموضوعية ،  هذه الفكرة ، يتبين لنا من خلال ما عرضناه آنفا ، أنها فكرة بدون شكل و بمعزل عن مهاد نظري ، محض ، و لهذا يمكننا القول بكل بساطة و حسب تعبير إيمانويل كانط ، أن العملي هو نتاج العقل الخالص ، و لا يمكننا أن نتكلم عن عقل عملي -منطقي بمعزل عن أرضية النقد -الجسراني للعقل ، نقد يجعل من العقل ، وعيا محضا ، قطع مع الماضي كما يرى دولوز و قطع أيضا مع الحاضر ، لأن عملية التجسر نحو المعقد تخلق الإنسان الحقيقي ، و هو الوعي المحض ، القادر على رؤية ما هو رمزي  ، أي ما لا يراه الإنسان العادي ، الذي يرى بأن ما يقع بحاضره هو من صنعه هو ، و كل ما يقع هو نمطي و على ما يرام

خلاصة لما سبق :

يتبين لنا من خلال كل التجريدات التي قمنا بها ، أن التفكير يبتدأ مع أول مقارنة ، يتداخل فيها الفكر الفردي مع فكر مفكر له قيمة إبستيمية بتاريخ الفكر على ضوء الواقع ، و هذه المقارنة كما قلنا تتحول إلى جسر صغير فوق مسطح أو على أرضية الماضي ، و بفعل التدرج هذا مع مقارنة أفكاري مع أفكار مفكرة أو مفكر ، ثم مقارنة فكرتي و فكرة المفكر أو المفكرة مع الواقع ، هذه الإستمرارية اللذاتية ، لأن العقل يولد و يوجد متعطشا للمعرفة ، و لكن نوعية ثقافته هي من تحطم هذا المبدأ الأساسي للعقل ،  ولكن العقل ليس شيئا بنهاية المطاف بل هو كل قادر على استرجاع ما تم تهميشه منه  ببيئة سوسيو-ثقافية معينة لفظ فيها العقل ، و من بين أدواة إسترجاع الوعي هي المقارنة هذه ، مقارنة فكرتي مع فكرة مفكر و مقارنة الفكرتين مع الواقع مما يؤدي الى نتيجة ، هذه النتيجة تصبح مكان فكرتي الأولى ، التي تقدمت لأقارن بها ، و بالنسبة إلى”  تغير الفكرة” هي لا تتغير مكانيا و شكليا ، بل تتغير مركباتها و ما كان يوجد داخلها و هي التي مثلناها بالخطاطة و عقدتها ، فحينما تفتح العقدة ، يزيل الوعي المركبات الفاسدة و يغيرهم بمركبات منطقية ، و هذا التراكم المقارناتي يؤدي كما قلنا إلى امتداد الجسور أو نتائج المقارنة ، مبتدأة من نقطة و منتهية بنقطة ، النقطة الأولى كما قلنا هي أول فكرة يتم مقارنها و آخر نقطة هي نقطة التفريغ هنا يضع الوعي نتائج كل المقارنات في نتيجة واحدة ، هذه النتيجة الواحدة و الأولى هي دافع ظهور نظريات الوعي ذاته ، أي أن العقل هنا يصبح مفكرا أو فيلسوفا و السوسيولوجي أو الأنثربولوحي أو المهتم بالعلوم الإنسانية ،  الذي لم يخلق هوية التفكير هذه ، و لم يصبح مفكرا ، هو ليس بسوسيولوجي أو عالم لغة أو أنثربولوجي الخ ، لأنه بكل بساطة العالم الذي لم يمر من عملية التجسر التي عرضناها ، يصعب عليه أن يفهم المعقد أو دوافع المرئي ، و بهذا يصعب أو يستحيل أن يضع نظريات علمية بمعناها المنطقي و المعقد ، لأنه بكل بساطة ، يفتقر إلى هوية الفكر التي عرضناها

           الفصل الثاني :

 1 : المنهجية في العلوم الإجتماعية

التفكير النظري و الملاحظة هم واحد ، كما يرى دانيال برتو ، بمعنى أنه لا يمكن أن نمتلك ملاحظة تجريبية جيدة ، بمعزل عن خلفية نظرية أو بتعبيرنا الجسور الكليانية و نقط التفريغ ، و لهذا فالعلاقة بين التجربة و العقل هي واحد ، و لكن من خلال ما طرحناه آنفا ، يتبين لنا أن بعمليات المقارنة ، كان هناك حضور قوي للواقع ، و كما سلمنا آنفا : الواقع هو الحكم بين فكرة الباحث أو القارئ و بين فكرة المفكر ، و من خلال المقارنة بينهما على ضوء الواقع : تتمخض نتيجة “سوسيو-عقلية ” ، لهذا فالتجربة لوحدها ضعيفة أتم الضعف ، لأنه من خلال ما صرحنا به الآن ، يتبين لنا ، أن العقل لا يفكر في الفراغ كما سلم العديد ، بل العقل ينطلق من الواقع ، و لهذا إن عدنا إلى القسم الثاني من عمل بيار بورديو : حرفة عالم الإجتماع ، سنجد ه قد إستشهد بفكرة أساسية لماركس ، حول علاقة الواقع بالعقل و يرى ماركس في هذا الصدد أن العقل يفكر بدافع الكل “وجودي-طبيعي” : المكون من إيقاعات شكلية صورية ، صوتية ، حركية الخ ، و هذا ما يسلم به هيغل أيضا ، و هو أن كل ما هو عقلي فهو واقعي ، و كل ما هو واقعي فهو عقلي ، و لهذا ففكرة النزول إلى الميدان بنظرية هي فكرة تجعل الباحث يعيش أوهاما تخالف البعد المنطقي الموجود بالنظرية المنطقية ذاتها ،  التي يحملها باحث لا يعلم ما هو التفكير ،  لأنه يستحيل أن يرى عقل الباحث الذي يفكر باللاخطخطة ما رآه المفكر الذي يحمل هذا الباحث نظريته ، و لهذا لا يجب الإكتفاء بالنظريات بل يجب تكوينها و إبداعها كما يقر دولوز في نقطة المفهوم ، و النظرية هي نتاج جهود التجسر البسيط الذي عرضناه ، أي هي نتاج جسور صغيرة أو بسيطة تتمخض عن جهود عقلية و تلتحم بجهد الوعي أيضا ، ثم يتمخض عن هذا الإلتحام نتيجة شاملة للعديد من الأفكار ، مما تجعل من العين الفكرية : المشاغبة الخاصة بالطفل تعود من جديد ، هذه العين التي تتساءل و تعرف و تشكل أفكارا و مركبات جديدة حول الواقع هي ما نريد ، فلا يمكن أن تتمخض معرفة من عقل هو لا يريد أن يعرف ، هدفه الأساسي هو تحقيق غاية برغماتية يلبي بها حاجيات نقطة غائية معينة ، لأنه لنأخذ على سبيل المثال لو أن الطفلات و الأطفال لا يطرحون أسئلة متلهفة و متعطشة و لا يشاهدون بعين ثاقبة و لا يقومون بعملية التوضيب الداخلي و التجريد والإستماع الفضولي ، لما كان هنالك ماض بالدماغ ، أي أنه لو لم تكن هذه الإندفاعات الخطخطاتية للعقل المتعطشة للمعرفة لما كان هناك ماض بالدماغ يدخل به عقل الطفلة أو الطفل إلى المدار الإجتماعي محققا تطبعا إجتماعيا  يفرض شتى أفكار و يهمش شتى قدرات و يحطم شتى خاصيات ، ليتحول العقل إلى عقل سوسيو – ثقافي، فلو لم يكن إذن الطفل أو الطفلة يقومون بكل تلك القوة لما كان هناك ماض بالدماغ ، لنأخذ على سبيل المثال لو أننا وضعنا مثلا ، النظام الثقافي العربي ، بأدواته و تقنياته و حذافره التي يتعامل بها مع الوجود ، بدل التقنيات التي توجد مع أي طفلة أو طفل ، فمما لا شك فيه أن الكل سيكون أدنى من تصرفات الحيوان ، و لكن العقل هو كما يرى كانط يوجد بشروط للمعرفة ، لا تتغير من منظورنا رغم أنها تتلقى ضربات سوسيو-ثقافية ، لهذا فعملية المقارنة التي قسمتها بين الباحث و المفكر و سلمت بأن لكل نصف فكرة تلتحم لتعطينا فكرة واحدة ، يقارنها الوعي مع الواقع فتتمخض عن الفكرة نتيجة ، هذه النتيجة ليست من المحتوم أن تتمخض من فكرتين ، بل يستطيع الباحث لوحده دون الإستناد إلى مفكر مقارنة فكرته هو مع الواقع ، و لكن الفرق بين هذه النتيجة الفردية و نتيجة المقارنة بالاستناد إلى مفكرة أو مفكر، و هي أن المقارنات على ضوء نظريات منطقية لمفكرين لهم قوة منطقية بتاريخ المعرفة ، تكون النتائج أكثر منطقية ، و تخلق تلك الأداة التي تكلم عنها بورديو ، و التي سماها بالتنبه المنهجي  في أتم شكلها الإبستيميه ، و لهذا فإن لم يستطع الباحث قراءة النصوص و مقارعة الكتب ، يجب أن يبتدأ بمقارنة أفكاره مع الواقع و النتائج ، و التي ستقوده مباشرة إلى قراءة أعمال المفكرين و الإستناد إليها في عملية المقارنة و خلق الهوية الابستيميه ، و لكن إذا ما عدنا إلى دوركهايم بالفصل الأول من قواعد المنهج في علم الإجتماع ، سنجده يقر بأن القهر هو خاصية للظواهر الإجتماعية ، لهذا ، فمن الصعب أن ينفتح العقل على المقارنة لوحده بدون الإستناد بمفكر أو مفكرة لهما قيمة منطقية بتاريخ الفكر يعينون الباحث على مسطح المسلمات الذي هو حقل القهر، و ذلك بالمقارنة و بالإستناد إلى هذه اليد الإبستيمية للمفكرة أو المفكر ، لأنه كما يقول دوركهايم بقواعد المنهج – ص  52 : “هذا القهر يؤكد وجوده بقوة ، متى حاولت مقابلته بالمقاومة ”  ، بمعنى و من منظورنا أصبح أنا كأنا عاقلة أصارع فكرة  ليست خارجة عني ، رغم أنني أتوهم أنها خارجة عني ، أي إنني أصارع جزءا أفكر من خلاله ، جزء أرى من خلاله جزءا من الوجود ، لهذا فعملية المقارنة كما سلمنا آنفا : لا تفجر الأفكار ، بل تقلب وجه الأفكار بتغيير ما بداخلهم ، تلك الطاقة التي هي عبارة عن مركبات ، يتم تغييرها بالمقارنة ، يتم تعديل ما بها من لا منطق ، و هذا هو مثال سلة التفاح لديكارت ، فنحن بالمقارنة التي تصب في مجرى النقد و التحليل ، نزيل التفاحات الفاسدة حسب تعبير ديكارت ، لهذا فالإستناد إلى مفكرة أو مفكر و مقارنة أفكاري مع أفكارها أو أفكاره و مقارنة أفكاري و أفكارها أو أفكاره مع الواقع فإن هذه العملية ستتمخض عنها نتيجة ، بدون أن أتعرض لا لطعنات القهر و لا لتناقض الهوية ، فمثلا حينما أقرأ لمفكر حول الجسد و اللباس و أقارن فكرتي مع فكرته و أخرج إلى نتيجة أقارنها مع الواقع الذي أعيشه فإنني أحصل على نتيجة أؤمن بها و تصبح قناعة بالنسبة لي ، لأنه ما يحصل هو أنني حينما أقارن فأنني أقارن من خلال فكرتي ، أي من خلال خطاطتي ، أقارن من خلال ما يوجد بداخلها من مركبات ،  فحينما أقرأ وصف مفكر أو مفكرة لخطاطته أو خطاطتها المنطقية الناتجة عن جهد في التفكير فإنني أحصل على نتيجة ، هذه النتيجة هي فكرة جديدة قد ننعتها بأنها فكرة خارج الدماغ ، لهذا فحينما أقارن هذه الفكرة الخارجة عن الدماغ ، بواقعي الإجتماعي فإنني أحصل على نتيجة مفهومة و هنا يتم فتح عقدة خطاطتي أو باب فكرتي ، ثابتة لا يلتمسها أي شك أو خربشة منطقية ، لهذا فإن الوعي الإنساني ، يتم قبول دخولها ، و بدخولها ، يتم تغيير الأجزاء أو المركبات التي كانت فكرتي المسبقة مكونة منها ، و لهذا تصبح لي فكرة جديدة مرسخة ، هي أيضا سأحس إلى حد ما بالإختناق حينما أسمع فكرة تخالفها، و لكن ما يهمنا الآن ليس هو أن الإنسان حلقة قابلة للتغير ، بل ما يهمنا هو أن يتغير هذا الكائن العاقل في ضوء المنطق ، أي في مسار المعقد ، و ما يجب أن نعرفه و هو أنه حينما تفتح عقدة الخطاطة أو الفكرة أو الخلية العصبية ، لا يبقى ذلك الخوف من التغير ، أو القهر بتعبير دوركهايم ،  بل يصبح المرئي أو اللامرئي كباقي الممارسات ، يقابل بهدوء عقلي و بمعزل عن أي إنطباع ، أي أنه يصبح هناك إحترام للأفكار و شغف قوي للمعرفة ، كل هذا يكون نتاج المقارنات الأولى للدماغ ، و بمعزل عن هذه المقارنات تبقى عقد الخطاطات أشد إحكاما و ما بها يتمظهر كإنطباعات بتعبير سارتر ، كأفكار سوسيو- قبلية ، أو حسب تعبير دوركهيام هي تأتينا من الخارج ، و لكنها حسب كل ما ذكرناه آنفا ، المكتسبات لا تبقى في الخارج ، بل تصبح جزءا من الدماغ و من نشاطه أيضا ، و هي التي مثلناها بالخطاطة ، و التي تعني تشابك مجموعة من الخلايا العصبية التي تحمل معلومات من هذا العالم الخارجي كما ينعته دوركهايم ، هذه الخطاطة بكل بساطة هي تشابكات لخلايا عصبية تتواصل مع بعضها بهذا التشابك و تتأصل جذورها أكثر بالذاكرة ، بفعل التكرار ، الذي هو تقديس و إعلاء من فكرة معينة أو خطاطة ،  و لهذا فحينما يسمع الفرد فكرة تخالف هذه الخطاطة المتأصلة فإن ما يقع هو أن هذه الخطاطة أو الفكرة يتم رجها ، و بهذا الرج تتمخض مقاومة ، هذه المقاومة هي القهر و هي  ليست عملية خارجية ، بل هي مقاومة داخلية أكثر مما هي خارجية ، لأن المثير يكون خارجيا و لكن الإستجابة تكون بأكملها داخلية ، فقد نقول كما لمح إلى ذلك دوركهايم بقوله بعمله قواعد المنهج ” الظواهر تأتي من الخارج ، فتتسرب إلى شعور كل فرد منا ، و إن في إستطاعتها أن تجرنا خلفها على الرغم منا – ص:55 ” أن الخطاطات المتأصلة بسبب الدخول الرمزي الذي بيناه آنفا ، تصبح  هنالك قوة إبستيميه-ميغناطيسية بين الخطاطات المتأصلة بالدماغ و بين الصورة الذهنية أو اللغوية أو المرئية الموجودة بالعالم الخارجي ، و لكن فعل المقارنة يفصل المغناطيس -الإبستيميه بين العقل و بين ما يوجد خارج العقل ، أي أن علاقة الخضوع و القهر المتلاحمة يتم فصلها ، يتم القطع معها بتعبير بورديو ، كما بينا في الشكل 3 ، فإن المسطح الأول أو الذاكرة الماضوية ، يتم بفعل كل مقارنة القطع مع فكرة ، و حينما يقارن الوعي بين العديد من الأفكار و يصير الكل مفهوما يصل الوعي إلى حد الإشباع ، و هذا الإشباع هو دافع الجسر الكلياني ، لأن بسبب الإشباع  يقوم الجسر الكلياني  بتجميع كل نتائج المقارنات في نقطة التفريغ ، منتهيا بخلاصة أو نتيجة كليانية هذه النتيجة هي دافع مسطحات النظريات أو أسس النظريات ، و كما رأينا الآن الخارجي و الداخلي واحد ، و لكن كيفية التعامل مع الداخلي و الخارجي هو الذي يجعل من الداخلي يغير نظرته إلى الخارجي بكونه إمتداد لا متناهي ، بأصله الذي لا ينتقل متكاملا من الخارج أي من المسموع ، لأنه و إن عدنا إلى المقالات السابقة : دافع حفريات المعرفة – الصورة النمطية و تشخيص الرغبة – المنهج العلمي ، سيتبين لنا كيف أنني دائما ما أركز على أن ما لا ننتبه له ، هو الذي يقود دائما العقل ، بمعنى آخر و طبعا حسب مقال : الصورة النمطية و تشخيص الرغبة ، أن العقل لا يقوده المسموع فقط أو الأشكال البديهية ، بل حتى الأشكال اللابديهية و التي لا نكترث لها أيضا تؤثر في العقل ، فمثلا إن قارنا بين الإنسان الذي وجد بين بنايات عملاقة و حديث الألوان و تناغم الإيقاعات الموسيقية و تناغم الروائح سواء الجيدة أو الكريهة ، مع إنسان وجد بمنطقة مهمشة ليست بها بنايات ، نجد بها مثلا : تمايزات لموضوعات كالأشجار و تمايزات للألوان و  للروائح ، فإن الأول بكل بساطة يتمكن من فهم المعقد و تكون له القدرة على الخطخطة أفضل من الثاني ، و هذا يبين لنا أن الابستيميه مغناطيسي ، لن يتوفر لدى الأول طبيعيا ، أي بمعزل عن تدخل التربية سواء الإجتماعية أو الفردية ، أي أن ذلك القهر يخف أو بمعنى أدق يفصل نصفه و يبقى النصف للمقارنة فقط ، أي تبقى إلى الفرد ذاته في أن يقارن هو هذه الفكرة ، أو يقرأ عنها أو يسمع عنها، على خلاف الثاني الذي له تمايزات و انفصالات خطاطاتية بالدماغ ، لم تجد بكل بساطة  الشروط المعرفية المتواجدة به كما سنرى الآن ، مع من ستتاوصل أوأين تبتكر هي شفرات تتواصل بها معها ، بفعل عدة عوامل منها إعارة الشغل الجسدي قيمة كبرى و لا إكتراث لما يمكن أن يجعل من هذه الشروط المعرفية تبتكر و تتأمل إبتكارها لكي يتطور الوعي باللامقارنة ، و هنا نفهم أن بالدماغ مجتمع ، الدماغ هو المجتمع الأول و المفكر لما يجب أن يكون و سيكون قبل المجتمع المرئي ، أو المجتمعات  السوسيو- جسدية التي نعيرها إهتماما أكبر من هذا المجتمع الحقيقي الذي يستحيل أن نفهمه تجريبيا بالمختبر ، بل يمكننا أن نفهمه جيدا بهذا الإحساس العقلي ، الذي نفكر به و الذي من خلاله الآن نتكلم عن ما هو معقد و دقيق بالمجتمع و منه أيضا تم تطوير سلوكات المجتمعات ، فمادام إذن بالدماغ كما مثلنا بالفصل الأول ، بفعل تداخل المعطيات و مشرعي المعطيات ، فكرة واحدة يتقبلها الدماغ ، بكونه رغم تعقده و أصله الذي منه تكونت المجتمعات ، و أبعادها المقدسة ، إلا أنه يبقى تكنلوجية بتعبير ميشال فوكو  ، الجسد بأكمله ، بدماغه و ببنيته الشعورية التي تكون ما يصل إلى الدماغ ، هو تكنلوحية بأيدي ثقافة المجتمع ، و لكن هذا لا يعني كما سلمنا آنفا ، أن شروط المعرفة بتعبير إيمانويل كانط يتم تحطيمها ، بل إنه رغم أن العقل يخضع لأفكار معينة ، لمبادئ كبرى منها ، يدفع بتمخض مفهوم التجسيد الفردي لدوركهايم ، إلا أن العقل كما بينا ، فإن الشروط المعرفية للعقل تشتغل و تتطور ، و لكنها تتطور في ضوء نوع المسطح الماضوي ، أو تتطور في نوع من التضاد السلبي حول الذاكرة الماضوية بدل المقارنة و البحث و الإبداع ، مما يجعل الفرد رغم تضاده الذي هو سلبي كما بينا :  خاضعا للمسطح الأول رغم نفوره عنه بسبب عدم تحقيقه و تلبيته لرغبات الجسد ، و لكن هذا لا يعني أن الوعي العقلي حتم عليه أن يخضع لهذا المسطح مدى حياته ، بل هناك جانبين أساسين تتكلم فيهم الشروط المعرفية للوعي ، أولا : الإبتكارات سواء كانت فنية أو عملية ، نجد بها  شروط للمعرفة و بمجرد التأمل في الإبداعات  يؤدي إلى زعزعة الوعي و الدفع به لا شعوريا إلى العودة إلى الماضي ، فمثلا النار بالطور الأدنى من الحالة الوحشية هو إختراع و كلام لشروط المعرفة تم ابتكاره لعودة الوعي إلى الماضي لأجل نقده و التطور أماما، فلنطرح سؤالا إذن، لماذا يعود الوعي لمسطح الماضي ، و يحلل المبادئ الكبرى بهذا المسطح ؟ بكل بساطة لأن بالأشكال شفرات سوسيو-عقلية ، لم يبتكرها العقل لمنفعة سوسيو-جسدية كما نتوهم ، بل إبتكرها من أجل سوسيولوجية العقل ، و ما تشكيلها على منفعة الجسد إلى جزء من الكل ، الكل هو للعقل و لشروط المعرفة ، فالكرسي مثلا ، ليس إبتكار للجلوس عليه فقط ، و ما فكرة الجلوس عليه فقط هذه إلا تنميط  ، لأنه لو كان للجلوس فقط ، فلماذا ينحثه العقل بجمال و بتناغم الألوان أو بكتابات معبرة ، الكرسي و ما ماثله من الإبداعات اللامتناهية ، هي ليست وسائل كما صرح إيمانويل كانط  ، بل هي  شفرات يضعها مجتمع العقل لأجل تطوره ، تضعها شروط المعرفة ، فحينما تسأل المبدع العربي عن إبداعه فإنه يسلم بأن عمله ما هو إلا إبداع تم إبداعه بوقت الفراغ ، و لكن في الأصل اللامرئي  هذا الإبداع هو حديث و لغة للوعي هو شفرات كما قلنا و ليس لا شعور أو ما شابه ذلك من المصطلحات ، هو في الحقيقة – المنطقية حديث للوعي ، يحاول من خلاله وضع مرآة ينعكس بفعلها  إلى مسطح الماضي من أجل خلق الروح الحقيقية ، و هي تواصلات الوعي الخطخطاتي ثانيا : الطبيعة : أشكال الطبيعة و إيقاعات الطبيعة و تناغمات أشكال و ألوان و إيقاعات الحيوانات ، هي ليست لكائن آخر سوى لوعي عقل الإنسان  أي للشروط المعرفية للإنسان ، و العامل الأساسي الذي يهمش هذا التواصل بين الطبيعة و بين لغة الوعي اللامرئية في نقطة الوعي المرئية ، هو مفهوم الحفاظ و المراقبة الفردية للوعي ذاته ، من خلال مسطح المسلمات ، و إذاا عدنا إلى بداية هذا البحث سنجد أنني سلمت بأن الثقافات اللامنطقية تشتغل بنظام اللاخطخطة ، أي أنها تضع حواجز بين الخطاطات و تبني جدار حولها بالتكرار و بالقهر ، هذا التكرار يؤدي إلى تقديس ما يكرر من طرف الوعي ذاته ، أي أن بالتكرار تخفق قدرة العقل على النقد ، فيصبح هو يعلي من قيمة الخطاطات المتكررة ، بدل إستعمالها في التواصل الخطاخطاتي  لأجل التطور ، لهذا فنظام اللاخطخطة هو مرض سوسيو – عقلي ، يكون نتاج قتل الهوية الإبستيمية ، و هيمنة قوية و قهرية على شروط المعرفة ، و طبعا ، لكي نتماشى مع جاء به دوركهايم بالفصل الثاني من عمله قواعد المنهج ، و هي أن تلك الأفكار التي استشهد دوركهايم بفرانسيس بيكون ليصفها و هي الأفكار الساذجة أو بتعبير بيكون المعاني المبتذلة أو المعاني غير الممحصة التي تتحول حسب دوركهايم لأصنام ، لأنه بكل بساطة العقل يفكر باللاخطخطة  ، لأن التربية فرضت عليه التفكير باللاخطحطة ، و لكن هل هذا يعني أن العقل فرض عليه أن يخضع إلى المرض السوسيو – عقلي هذا و هو  اللاخطخطة ؟

بكل بساطة إن عدنا إلى النقطتين الأساسيتين: الأولى و هي أن وعي العقل يبدع شفرات لكي ينهض الكل فردي-إجتماعي من سباته ، و الثانية الشفرات أيضا الموجودة بالطبيعة على شكل إيقاعات سواء صوتية أو شكلية أو موجات تناغم الألوان و الروائح الخ ، هذه الخاصيات لم توجد عبثا ، بل  لأن وعي العقل يتكلم و الواقع الطبيعاتي أيضا يتكلم معه و بينهما الشروط المعرفية بتعبير كانط ، هذا الوعي في تحركاته سواء ، كان سوسيو – نائما أو سوسيو – صاحيا فهو يتلقى صفعات من شفرات الإبداع العقلي أو من شفرات الطبيعة ، و لكن الفرق بين الوعي النائم و هو أنه رغم الصفعات التي توقضه ، إلا أنه ينتظر صوت الجماعة و لهذا يبقى هنا الدور للمثقف في الدخول بهذا الهم العام ، أو بالصفعة الثانية و الأساسية ، لأن العقل اللامنطقي لا يعترف لا بالفن و لا يعي أصلا ما هو الإبداع ، و لا تكون له علاقة مع الطبيعة ببعدها الإبستيمه ميغناطيسي ، أي ببعدها الذي يحاور العقل ، و لهذا يستمر اللامنطق و يجعل من العقل العربي كما سلم الجابري مستقيلا ، و لكي نحول هذا العقل من الثابت إلى المتحول كما سلم أدونيس يجب أن يتلقى الصفعة الثانية بتعبيرنا ليرى الفروقات بين التأويلات و الأصل كما سلم أركون

2 : قواعد علم الإجتماع لدى  إميل دوركهايم و غدنز و بيير بورديو :

القاعدة الأولى حسب إميل دوركهايم ، تتأسس أساسا على  التحرر من كل فكرة مسبقة أي تحقيق مسافة مع المعاني التي لم تنشأ بطريقة علمية ، و التي كما يقول إميل دروكهايم بقواعد المنهج في علم الإجتماع ، ” نشأت هذه الأفكار لتسد بعض الحاجات التي ليست بينها و بين العلم صلة -ص 98″ ، و يجب حسب دوركهايم أيضا التحرر من الأراء البديهية و الكاذبة ، و سبب تأجيل تحرر الباحث من هذه المعارف هي العاطفة كما يرى دوركهايم، و لهذا بهذا التأجيل تصبح لهذه المعارف البديهية الكاذبة و العاطفاتية إستمرارية ، مما يجعل أي رأي يخالفها حسب دوركهايم يصبح عدوا لها ، و لهذا فإن هذه الحساسية حسب دوركهايم تمنع من تمخض أفكار علمية ، لأنها تعتبر كل الأفكار الموضوعية هي أفكار ناتجة عن ” إنسان مجرد عن كل عاطفة خلقية -نفس المرجع ص :98 ” و لهذا يسلم أصحاب هذه الحساسية ، بأنه لا يجب دراسة “العواطف ” و أنه يجب أن نبني العلم من خلال هذه العواطف ، و قد نقول عن هذه العواطف أنها لم تكن مع الوجود ، بل هي نتيجة تراكمات لإنفعالات إنسانية ، و لهذا نفهم من دوركهايم أنه يجب كما يرى بيار بورديو أيضا بالقسم الأول من عمله حرفة عالم الإجتماع ، أن من بين العوائق الأساسية لعالم الإجتماع هو إلتحامه المطلق مع مداره الإجتماعي ، و هذا الإلتحام حسب بورديو يشكل عائقا منهجيا أوليا ، هذا العائق هو نتاج الإرتباط القوي للباحث مع ماضيه الإجتماعي المكون من مفاهيم تتعلق بمداره الإجتماعي ، هذه المفاهيم بتعبير بورديو أو المعاني بتعبير دوركهايم ، تتمخض حسب بورديو عن فكر إجتماعي عفوي ، و لذلك يقر بورديو بضرورة إقامة الباحث نقد و جدل لاذغ للبديهيات المضللة ، و لكن السؤال المطروح   ، و الذي أجبت عنه بالفصل الأول : و هو كيف يتكون النقد الذي منه يتكون القطع و الموضوعية ؟

بكل بساطة هذا النقد كما رأينا في الشكل الأول و الثاني و الثالث ، يبتدأ بمقارنات ، هذا الإنعكاس المقارن كما سميناه، يجب أن يستند إلى مفكرين كما سبق و سلمنا ، لكي تتمخض نتيجة أو جسر صغير / بسيط ، يغير ما كان داخل الخطاطة أو الفكرة ، لأجل فتح عقدتها ، و بفعل انفتاح عقد الخطاطات هذا ، يقع قطع منهجي أو كما نعته دوركهايم : ” المسافة مع المعرفة الشائعة ” و لهذا و كما نرى الآن : القطع ليس فكرة يوم ، بل هو كما رأينا ناتج عن تراكم و توليد و إستمرارية ، و هنا الأمر يدخل في نقطة إرادة المعرفة ، بمعنى أنه يجب على الباحث قبل أن يفكر في الإلتحاق إلى تخصص موضوعي – عقلي – منطقي ، يجب أنن يخلق إرادة المعرفة ، و هي التي تعني تحرير الوعي ، التي تصب في مجرى ما قلناه حول عملية المقارنة و توليد الجسور ، كل هذا لأجل فهم و رؤية طريقة ” تشكل المشاركة النشطة للذوات ، كما سلم غدنز بعمله قواعد جديدة بعلم الإجتماع – ص :270″ و هذه الطريقة حسب غدنز ، الأفراد لا يعون بها لسبب واحد هو الذي سلمنا به نحن آنفا ، و هو أن المكتسبات التي تصبح خطاطات بالمسطح الأول  ، بفعل عامل التكرار تصبح جزءا من الدماغ ، و هذا الجزء من الدماغ منه يرى الوعي الوجود ، لهذا ففكرة أن يتساءل عن من أين أرى ؟ و بماذا أرى الوجود ؟ لا ينتبه إليها الفاعل الإجتماعي ، و لكن كما قلنا و لازلنا نعيدها ، الشروط المعرفية بتعبير كانط ، و جدت لتتطور ، أي وجدت بحركة التوليد بتعبير تشومسكي أي الخطخطة كما سلمنا آنفا ، و لكن حسب ميشال فوكو ، العقل فعل عدة مشاكل منها : الدين ، ثقافة المجتمع ، الحالة العقلية ، الرغبات الجنسية ، لم يتمكن كما ما فهمت من فوكو : رؤية الحقائق كما هي ، أو بتعبيرنا السوسيولوجي ، لم يتمكن من رؤية دوافع الظواهر أو اللاواقع الفردي -شعوري الذي هو دافع للواقع الإجتماعي ، و الذي كما عرفته بمقال دافع حفريات المعرفة ، هو البعد الخفي و اللامرئي الذي نتحسسه شعوريا ، و لكنه يتجسد مرئيا على أشكال و وقائع و ظواهر أيضا ، فكيف إذن يمكننا فهم هذه الأبعاد الخفية التي هي دافع للوقائع و الظواهر المرئية ، إذا ما واصلنا مع ميشال فوكو ، سنجد سلم بفكرة أساسية  و هي أن المشاكل التي ذكرناها : الدين ، الثقافة الخ ” تتحول على شكل غمامات تحجب على الفرد رؤية الحقائق ، و لكن حسب فوكو العقل هو مكون ليصل إلى الحقيقة ، أو بتعبيرنا ، ليصل إلى الأبعاد الخفية التي هي مهاد و أساس الوقائع و الظواهر ، و كما مثلنا آنفا بالشكل الأخير ، و هو أن الوعي بالمسطح الأول للمسلمات ، حينما يبدأ بأول مقارنة و يضع نتيجتها ، يتقدم تدريجيا إلى الأمام ، و فق مبدأ التطور العقلي ،  و هذا ما مثلناه آنفا فإن الجسر البسيط أو نتيجة المقارنة  تكون أكبر حجما من الجسر أو نتيجة المقارنة التي سبقتها، لأنه بكل بساطة الوعي يراكم حينها المعارف و يفهم ما لم يكن مفهوما ، و بهذه العملية يبدأ ذلك الغمام أو السديم الموجود كما سلم فوكو أمام أعين الفرد بالزوال إبستيمولوجيا، و حينما نصل إلى حد الإشباع أو نقطة التفريغ ، يتم إزالة الغمام بأكمله من أعين الباحث أو الإنسان ، و هنا يخرج الوعي من الكهف بتعبير أفلاطون ، لكي يحقق ما قاله أرسطو بعمله دعوة إلى الفلسفة ” العلم بالأسباب و العوامل و العناصر الأولية ، أي معرفة البنية الأساسية بحيث تكون الأولوية دائما للبسيط على المركب و بحيث تسبق المبادئ ما يترثب عليها – ص:18″ و هذا العلم بالأسباب ، أرسطو ذاته سلم بأنه لا يتمخض إلا من تحقيق ملكة العقل ، من خلال عملية المقارنة بتعبيرنا ، التي كما سلمنا هي نتاج مقارنة الباحث لفكرته مع فكرة مفكر مع الواقع ، و لكن بكل موضوعية كما سلمت آنفا ببداية الفصل الأول ، أي أنه يجب أن تكون لفكرتي النصف و أن نترك الواقع و الوعي المنطقي للدماغ هو الذي يحكم ، و هو الذي يبين لنا النتيجة المنطقية ، هذه النتبجة هي الجسر البسيط الذي سلمنا  بأنه بتراكم أمثاله يصبح لنا جسر كلياني تتمخض عنه الموضوعية الحقة

القاعدة الثانية : يرى دوركهايم في صدد ما عرضناه مع أرسطو ، أنه يجب على الباحث أن يركز على الأسباب التي تصب في مجرى مفهوم “خواص الظاهرة لدوركهايم ” أي أجزاء الظاهرة ، التي كما نعتها أرسطو التدرج مع البسيط لنصل إلى المركب ، و لكن السؤال المطروح هو من أين تأتي القدرة على رؤية أجزاء الظاهرة لكي نتدرج معها من أجل الوصول إلى الكل الظاهراتي أو الفينومينولوجي الذي يكون ظاهرة ، فإذا ما عدنا إلى المحور الرابع من عمل حرفة عالم الإجتماع لبورديو ، سنجده يقر بأن فعل القطع مع المعرفة التي سلمنا نحن بأنها نتاج تراكم من نتائج المقارنات ، تتحولحسب بورديو إلى أداة نعتها بالتنبه المنهجي تلتقط أجزاء الظاهرة ، و لهذا لا يمكننا أن نتكلم عن هذه الأداة بدون قطع منهجي ناتج عن مقارعات النصوص و مقارعة الواقع بمبدأ المقارنة ، الذي يوجهنا مباشرة إلى القاعدة الأساسية و الأخيرة بعمل بورديو : حرفة عالم الإجتماع  القسم الثالث : و هو التفكر المنهجي ، الذي يعمل كما يقر غدنز على شرح كيفية صياغة البنية من خلال الفعل أو الأفعال ، بمعنى و طبعا حسب غدنز ، أنه ” لا يمكن للملاحظ السوسيولوجي أن يستحضر الحياة الإجتماعية كظاهرة تحت الملاحظة بمعزل عن الإعتماد على معرفته كمصدر يتم من خلاله تأسيسها كموضوع للبحث – قواعد جديدة في علم الإجتماع – ص 280 ” و هنا يضيف لنا بيير بورديو فكرة أساسية بالقسم الثاني من عمله حرفة عالم الإجتمع ، المحور الثاني ، و هي أن الواقع لن نراه يوما ما محللا ، بل يجب أن تسأله من خلال معرفتنا السابقة التي عرضناها للنقد و التحليل و التي منها كونا أداة التنبه المنهجي و التفكر المنهجي التي تمكننا من فهم ما وراء الظواهر أو الأجزاء التي تكون الظاهرة

ماهية الباحث :

من خلال كل ما ذكرناه ، يتبين لنا أن الممارسة هي مهاد ما هو موجود فوق الممارسة من نظريات و من تأويلات ، و الباحث الذي لم يستطع ممارسة فعل التفكير التي هي دافع هويته الإبستيمولوجية ، بينه و بين الباحث الذي يمارس فعل التفكير فرق شاسع ،  لأنه بكل بساطة الباحث الذي يمارس فعل التفكير نجد لديه تطور تجسري أفقي بين العديد من المسطحات التي أبدعها بالإستمرارية النقدية من مسطح إلى مسطح أعقد من الأول و لهذا لا يمكننا أن نقارن هذا الباحث الثاني ، بباحث يستعمل النظريات كدافع لغاية معينة لا أكثر، لأن الممارس لفعل التفكير يعتمد النظريات كمساند له في القطع المنهجي ، و بمجرد أن يستقل عن مسطح المسلمات تصبح له هوية إبستيميه قادرة على نقد النظريات التي استعملها هو للقطع المنهجي ، و لهذا فطريقة نظرته إلى الميدان ليست هي نظرة الذي لازال يقدس النظريات ، نظرة الأول ، تكون قادرة على رؤية أبعاد الظاهرة بفعل تراكم معارف منطقية تتجاذب ابستيميه -ميغناطيسيا نحو النقطة التي يوجهها الوعي نحو نقطة واقعاتية معينة ، و بهذه النقطة و هي نقطة النظرة ، التي يتشارك فيها جل الباحثين  ، بكل بساطة الفرق بين الباحث الذي له هوية إبستيمولوجية عن الباحث الذي يفتقر إليها ، و هو أن  الأول نظرته التي سنسلم بأنها خط متجه نحو الظاهرة ، الفرق الابستيميه -ميكرو -فيزيائي  بين الأول و الثاني و هو أن  هذا الخط النظري الذي هو خاصية إنسانية ، ما يميز بين الخط النظري للباحث المفكر عن الباحث اللاباحث ، و هو فرق في التراكم المعرفي ، و لهذا نجد أن نظرة الذي له هوية ابستيمة ، خطه النظري بمجرد أن يصل إلى الظاهرة يعود إلى الدماغ فيمر على كل نتائج المسطحات التي أبدعها ، و بهذا فإنه يعيد توجيه خط نظري متجزأ و كل جزء نجد به نتيجة الجسر الكلياني ، مما يجعل نظرته حينما تصل إلى الظاهرة  نظرة معقدة تفكك الداخلي للظاهري بخاصية أساسية يكتسبها العقل من الإستمرارية في التفكير و هي عامل التبطيء النظري الذي يصب في فكرة بورديو التنبه المنهجي ، على عكس الباحث الذي يفتقر إلى هوية فإننا نجد نظرته الخطية : خط لا أكثر ، خط أفقي بدون أجزاء ، و الخطير أنه متصل بماض عفوي ، مما يجعل من ما سيتمخض عن تفسيره و تحليله ؛ أفكار عفوية و ساذجة كما سلم بورديو مكسوة بغشاء العلم السوسيولوجي  


[i]

شاهد أيضاً

كورونا ونظرية الفراشة؟!

هايل المذابي هايل علي المذابي ربما كان صحيحا أن نظرية الفراشة الفيزيائية تشير في أبعادها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *