الرئيسية / كتاب كوة / علي محمد اليوسف / تحقيب التاريخ الانساني في الفلسفة البنيوية

تحقيب التاريخ الانساني في الفلسفة البنيوية

علي محمد اليوسف

أن التاريخ البشري الماضي والحاضر هوليس ما كان فقط بل وما سيكون, وأي مسعى لأعطاء معنى قيمي هدفي تنبؤي للتاريخ في غير مساره العشوائي الذي تحكم تصحيحه الارادة الانسانية, هو نوع من دوغمائية الافكار والنظريات المتورّخة للمسار التاريخي المتصاعد خطيّا, وهذا لا ينفي أبدا قدرة ورغبة وأمكانيات الانسان من الوصول بالمسار المستقبلي للتاريخ الى(بعض) الاهداف المرسومة والمعدّة سلفا في عقلنته المسار التاريخي بأرادته على وفق منهج مادي سيسيولوجي…وهذا يختلف عن دوغمائية الافكار التي تأتي لاحقا في دراسة التاريخ وتضع له أهدافا نظرية ومنهجيات عقب حدوث وقائعه حسب قناعة المؤرخ,.

دوغمائية الافكار في دراسة التاريخ هي محاولة الامساك بحركة التطور التاريخي وتجييره لحساب التنظيرات التي تسندها وترعاها أجندة سياسية, مسألة لا جدوى من الاعتداد والاخذ بها. وهذه الدوغمائية النظرية في تفسير التاريخ محكومة بالتضاد مع وقائع الاحداث الحّية والسيرورة الانسانية المتطورة للتاريخ ومع مساره العشوائي العفوي أيضا الذي تحكمه المصادفات التي تدخل على مسار أنتظامه المتّعثر باستمرار والتي تقوم بتعديلها وتوجيهها الارادة الانسانية المثابرة.

أن في الاستقراء السببي لوقائع التاريخ المدوّنة ومراحل سيرورتها التطورية, ومحاولة تطويع العشوائية والصدف المتتالية الى منهجية ايديولوجية تخدم السياسي,  هي محاولات تؤرخ لوضع نظريات واستنتاجات توفيقية – نفعية قد تفيد توجهات سياسية – سلطوية أو تفيد البشرية في مباحث الانثروبولوجيا أو غيرها من المجالات البحثية…في دراسات أنتقائية لعيّنات وأهتمامات معينة تربط التاريخ بالفلسفة,أو التاريخ بالاجتماع أو التاريخ بعلم النفس ,أو التاريخ بحرب أو حروب, أو التاريخ ببطولة فردية,أو التاريخ بقائد ونخبة ثورية منظمة أو فوضوية وهكذا,وتوظيف ذلك مع  ما تحمله العشوائيات والمصادفات في الوصول الى أيجاد تبريرات أقناعية لعوامل ومسببات حدوث تلك الوقائع. وأهم أنجاز لها أنها تخلص الى نتيجة لماذا حصل هذا ولم يحصل ذاك؟

ميزة العشوائية والمصادفات في المسار التاريخي التطوري عبر العصور, هو تقاطعها مع النظريات والفلسفات والمناهج التي تريد دراسة تلك العشوائيات والمصادفات بيقين الغائيات الخطيّة و منهجيات الحتميات التي يقحمونها في دراسة السيرورة التاريخية في قطع المراحل…أن حرية المسار التاريخي المتطور على الدوام هي حرية غير مشروطة أبدا وغير ملزمة ولا ملتزمة أصلا.وبهذا المعنى يقول سارتر(أن جميع الامور تحدث بالمصادفة التي هي ميزة لكل وجود). ونعتقد مقولته صحيحة في فهم متناقضات الحياة بواقعية قبل أن تصدر صحتها عن فيلسوف مميز.

لم يعد العالم ينشد حضارة

 أن التنوع الهوياّتي في عصر العولمة مثلا يرفع شعار السعي في الاسهام بصنع تاريخ انساني جامع (مدنية معاصرة) موحدة لحاضر ومستقبل البشرية, على وفق مبدأ ورغبة توظيف هذا التنوع الهوياتي العالمي أيجابيا, والاستجابة الى تحقيق أرادة الشعوب الخالصة في نشدان أستحضار مشتركات وتكامل يساهم به الجميع لخلق مدنية ثقافية مشتركة جامعة…لعل أبرز المستجدات التي جاءت بعد العولمة هي أن التاريخ المتصاعد حضاريا ومنجزات العلم الهائلة وضعت مفهوم الحضارات الانسانية في متاحف الاثار ومدونات المؤرخين ليدخل الانسان عصر صناعة مدنية انسانية جامعة تساهم بها كافة الشعوب المؤهلة الدخول في هذا المعترك المستقبلي..ولم يعد هناك في مستقبل البشرية جزر حضارية منفصلة غير متكاملة مع غيرها بتاثير تطور المعلوماتية التبادلية ومنجزات العلم وكذلك تطور الاتصالات وغيرها من وسائل التمدين البشري المعاصر.. فمفهوم الحضارة اليوم أن يكون لك حضورا محسوبا معترفا به في عالم اليوم الذي هو عالم موحد تمدينيا فقط ولا مجال ان يكون العالم حضاريا موحدا, أمثلة ذلك اليابان, الصين, كوريا الجنوبية, ماليزيا, اندنوسيا وهكذا..

أنه أصبح من الطريف في عالمنا اليوم أن نعكس مقولتي صومائيل هينتكتون في صراع الحضارت ومقولة فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ كالتالي, التاريخ العولمي اليوم بدأ ولم يتوقف وهو بداية تاريخ الشعوب المتنافسة كل حسب مؤهلاته وطاقاته الابداعية الاسهام بصنع المدنية العالمية المتحضرة الجامعة لمختلف الشعوب في تنوعاتها الاثنية والدينية والسياسية ونهاية نشدان دول العالم أقامة حضارات على شكل جزر متباعدة تعايش أستحالة بقائها في تفرد خاطيء مزعوم يقود العالم فيه اليوم علم المعلوماتية والاتصالات والاقتصادات المتنافسة..ولا مجال لصراع حضارات مستقبلية في ظل سباق أقامة مدنية عالمية معاصرة بخصوصيات وبصمات شعوب العالم المتنوعة..ومن المستبعد تكرار حماقات سياسية في حروب أفتعالية لا ينجو أحد من مصائبها وكوارثها ولا يتحملها عالم اليوم..

صيرورة تاريخ الماضي

 يبقى المحرك الذاتي للتاريخ يعمل بالارادة الانسانية في تقويم وتجاوز الاخطاء الى جانب اشتمالات العشوائية وتوالي المصادفات الصادمة غير المحسوبة ولا المتوقعة تاريخيا,التي تعمل بالتوازي مع هذا المسار وتتقاطع معه أحيانا. وكذلك تتقاطع مع جبروت الطغاة ونوازع  السياسة المتطرفة والايديولوجيات السياسية المتعالية في شن الحروب لاشباع رغبة التسلط والهيمنة وقهر الضعيف وحرف المسار التاريخي عن كل قيمة أخلاقية وتغليب نوازع الشرعلى الخير,وهذه الوقائع التاريخية بمجملها تحركها الظروف الاجتماعية والدينية المتطرفة والثقافية ومنهجيات السياسة والايديولوجيات وغيرها التي تنعدم معها حركة التاريخ الانسانية الواعية والمدركة المراد حضورها كغايات مرسومة سلفا لتخدم مصالح البشر قاطبة. وعموما يأتي الاصلاح لهذه الانحرافات الشاذة تاريخيا بتقديم الكثير من التضحيات بغية الاصلاح وأرساء قيم الخير والحرية والانسانية والمساواة من قبل الشعوب لا من قبل الايديولوجيات السياسية ولا من قبل المنهجيات النظرية أو السلطات السياسية الحاكمة.

أن التاريخ  من غير الجهد الانساني العملاني الذي لا يمتلك أرادة ذاتية حيّة تقوده الى أمام, مالم يتوفرفيه الوجود الانساني الفاعل الذي يحاول سحب التاريخ الى مواقع متقدمة بوعي أجتماعي ومنهج قصدي محدد الاهداف,وما يصنع التاريخ المستقبلي هو ما يقوم الانسان بأنجازه بوعي قصدي هادف وما يستطيع تحقيقه أو الفشل به حاضرا,فالتاريخ المتحقق وغير المتحقق هو أولا وأخيرا يبقى كيانا معنويا يحضر أو لايحضر, على وفق قدرات الانسان وطموحاته في صنع سيرورته المتقدمة الى أمام.

أنه لمن الصعوبة أيجاد تعميمات وأحكام عامة مطلقة تصلح أن تكون قوانين يعمل بمقتضاها التطور التاريخي ملزمة له.ومن هنا تعددت الرؤى والافكار في ربط التاريخ بالفلسفة أوبالدين أو بالسياسة والايديولوجيا أوبالانثروبولوجيا أو بالاقتصاد أو بالبيئة والجغرافيا أو بعلم النفس او بالاجتماع أو بالبطل والحاكم وهكذا.

هذا التنوع التناولي- التداولي في دراسة التاريخ يجعلنا أمام حقيقة أن حوادث التاريخ البشري لا ينتظمها مسار ذاتي منتظم متطور واحد, كما لا توجد حتمية تاريخية يسعى التاريخ بلوغها بأمكانات وأستلهامات ذاتية محرّكة له بمعزل عن أرادة الانسان الواقعية في تغيير حوادث  التاريخ نحو الافضل.

لابد لنا من تثبيت ما ذهبت له فلسفة الحداثة في أدانتها الحتمية التاريخية الى التشكيك في مراحل التاريخ الرسمي(الكلاسيكي), تاريخ الايديولوجيات الثلاث, الايديولوجيا الماركسية, وايديولوجيا الرأسمالية الليبرالية والمعولمة, وأخيرا أيديولوجيات العالم الثالث الهجينة بضمنها ديكتاتوريات القومنة وديكتاتوريات التدين السياسي المذهبي…

كما أن  توظيف تعالق التاريخ بالدين أو تعالقه بالسياسة والايديولوجيات القائدة و الخادمة له بمحاولات دوغمائية تضع الماضي في صورة المستقبل الجديد والزاهر المستمد من روحية الماضي محكومة بالفشل وسوء تقدير حركة التاريخ ومحاولة حصرها قسرا تحت هيمنة السياسي ورغائبه , في كتابة التاريخ بأجندة الحاكم السياسية وايديولوجيا السياسة المتنفذة.

بدأ التاريخ كما هو الدين بالاساطيروالميثولوجيا وأنتقل ألى مرحلة الدين يقود الحياة والتاريخ ومرّ بسّير الملوك والحكام والابطال ليصل مرحلة الايديولوجيات السياسية ويصطدم أخيرا بالعلم التجريبي- العقلاني الذي وضع خطوطا حمراء أمام كل توجهات السرديات الماضوية الكبرى والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية, أن يكون لها دور حقيقي تستطيع أن تلعبه في ترسيم الحاضر أو المستقبل تريخيا…وأن النظرة الاحيائية للتاريخ كماض لم تعد تعني المستقبل بشيء الذي يحكمه العلم والتكنولوجيا المتطورة باستمرار وتوقف تصنيع ما يعرف قديما بحضارات الشعوب المتعددة والمتنوعة. التي جعلت من العلم والتاريخ مساران متوازيان لا يلتقيان.(ليس المقصود بهذا هنا العلوم الانسانية والتاريخ جزء منها وأنما المقصود العلوم الطبيعية التجريبية).

أن تاريخ الدول والملوك والحكام وابطال الحروب الكارثية والتطرف والفتوحات والهيمنة الغاشمة التي سادت ثم بادت كانت عوامل أشتغالها وديناميكية محركاتها هي النزوات الفردية المنحرفة والانانية والوحشية والحماقات والرعونة في أختلاق المنازعات وسفك الدماء لا غير…وبهذا النوع من التاريخ ورثت البشرية الاوراق الساقطة التافهة منه, لما تم حجبه من تاريخ عن معاناة وكوارث ملايين البشر في الحياة التي لا تواسيها ولا تعطيها حقها كل هالات التعظيم والخلود للسلطة والحاكم.

أن تحقيق المؤرخ للمدونات وأعادة تفسيرها ودراستها وأختراع النظريات التحليلية ووضع المناهج لها ,وما يكتشفه من الخفي غير المعلن والمستور في حوادث التاريخ, لا يمنح التاريخ أية مصداقية على أن مساره ذاتي أستلهامي تطوري في تغليب نوازع الخير والقيم والانسانية فيه على الدوام , وأنما كانت جدوى التصحيحات تأتي من فاعلية تضحيات أناس صححوا المسار المنحرف لمرحلة أو مراحل من التاريخ,وقدموا تضحيات كبيرة لتحقيق هذا الهدف,ولم يكن للتاريخ أي قدرة ذاتية روحية أو أمكانية أن يصحح مساره الخاطيء بقواه غير المنظورة وحده.

غالبية الموروث من التاريخ هو أنحرافات الحاكم وحب الهيمنة والسيطرة والتوسع الامبراطوري, أو بروز حركات وحشية همجية تتلذذ بسفك الدماء بأسم أمتلاكها الحقيقة الدينية أو الحقيقة التاريخية,كل هذا وعلى شاكلته ورثت البشرية عامة تاريخا بائسا,تداخلت حوادثه مع المسار الاعتباطي والمصادفاتي للتاريخ.

ويؤكد هذا أن التاريخ في جميع مراحله الماضية لم تكن تحكم مساره الغائيات والحتميات المرسومة الاهداف سلفا, للارتقاء بالانسانية في معارج التقدم والازدهار. والعلامات المضيئة المشرقة التي جاءت على طفرات نوعية مرحلية محدودة في منطقة دون اخرى من العالم , كانت ردود  أفعال الانسان المضطهد والطبقات الفقيرة التصحيحية ورفع ظلم وجور وقائع تاريخية مرعبة تمت ازالتها بارادة وتضحيات قوى أنسانية مغيبّة عن صناعة التاريخ الحقيقي على حساب تلميع صورة الحاكم المتنفذ في أذكاء نشوة تحقيق الامبراطوريات.

وما حصل في هذا التطور ليس من حكمة الحاكم ولا من حكمة التاريخ في أن غائية أنسانية مثلى تعيش بأحشاء التاريخ و تأخذ بمساره الانساني المتقدم.فالتاريخ بداية ومنتهى هو من صنع أرادة الانسان له فقط في علاقاته وتطور وسائل عيشه (الانسان) أجتماعيا واقتصاديا وثقافيا, وحبه لقيم الحرية والعدل والمساواة.

أقصى أفادة لنا من التاريخ وحوادثه ووقائعه هو أستذكار ومراجعة تفيدنا بالعظة والتحسّب في أجتناب تكرار الخطأ والاخطاء مرات عديدة.وما نظريات وفلسفات ومنهجيات التاريخ سوى فذلكات عابرة لاكاذيب سابقة لها في التجّني على التاريخ دينيا ولاهوتيا وايديولوجيا, سادت قرونا من عمر البشرية والتي أبهضت التاريخ بما لا يحتمل النهوض في تعويض البديل.

أن فلسفة الوجود الانساني هي فلسفة تاريخه (تاريخ الانسان) لا غير,وهي أسبق في توليدها علامات أستفهام وتساؤلات بلا نهاية تحفيزية تغييرية تكون أجاباتها في التطبيق الواقعي في الحياة هو خلق تاريخية متطورة على الدوام.ولا يحق ولا بمقدور تجربة أمة من الامم أو شعب من الشعوب أن تسحب تجربتها على أمم وشعوب أخرى تمتلك تمايزات جمّة وأختلافات عديدة عنها,ومنهج دراسة تاريخ شعب له خصوصية ومرحلة تاريخية مميزة , تؤكد أستحالة تعميم تلك التجربة على الآخر المختلف عنها بخصوصيات يتفرد بها.

والتاريخ من غير المفيد أخضاعه لقوانين طبيعية تعمل بمعزل عن ارادة الانسان وفاعليته في مصنع الحيوية البشرية, قوانين التاريخ الحقيقية هي القوانين الوضعية المستمدة من التحقيب الزماني والجغرافي الديموغرافي التي تنطلق من الوجود الانساني الفاعل وتنتهي به. وأن التاريخ خلال مساره الطويل لم يكن يتقدم بحوافز غائية تخلع عليه من قبل المؤرخ أو الدارس,كما أن التاريخ لا يهتدي بنظريات منظورة أو غير منظورة تسحبه خلفها.ولا يوجد حتميات يصلها التاريخ من دون وعي وادراك وأرادة ومسار يصنعه ويقوده الانسان, فالحتميات والاهداف نتيجة عاملي الارادة الذاتية وملائمة الظروف الموضوعية وهذا ما لا يتوفر عليه التاريخ ذاتيا في مساره العفوي قبل دخول الارادة الانسانية عليه. فحركة التاريخ حركة عشوائية ومصادفات غير محسوبة ,تتداخل بها ومعها ردود الافعال الانسانية ونفسيات الحاكم أو القائد المتنفذ والدين والايديولوجيات والنزوات المريضة ونوازع الخير ويقظة الضمير وحب الانسانية وغير ذلك كثير.

 نقد المادية التاريخية

نجد في الفلسفة تداخلا مفهوميا مربكا في تناول المادية التاريخية بين  تيّارات ومذاهب الفلسفة الغربية عموما,فعبارة سارتر على سبيل المثال(أن المادة حقيقة بشرية تكتسب معناها وخصائصها بفعل الانسان فقط.) أنما تمثل مداخلة خلفيتها الماركسية واضحة…وهذه عبارة لا تغني عن كتب ومؤلفات عديدة تفصح تداخل الوجودية مع الماركسية ليس على صعيد الجدل فقط وأنما على مستوى جميع القضايا التي تهم الفلسفة والتاريخ والمعرفة والعلوم.ويقول سارتر في مقدمة كتابه(نقد العقل الجدلي) أن(الماركسية هي فلسفة العصر, وأن الوجودية ليست سوى أيديولوجيا تعيش على هامش الفلسفة الماركسية)….هذا بمعزل عن القول أن سارتر كان ماركسيا منتميا للحزب الشيوعي الفرنسي قبل أنسحابه وقطع علاقته بالماركسية متبنيّا الوجودية, وبقيت الافكار الشيوعية حاضرة في خلفيته الفلسفية حينما حاول من دون جدوى خلق فلسفة توفيقية تلفيقية تأخذ عن الماركسية أشياء, وتأخذ من الوجودية أشياء اخرى, في محاولته خلق نوع من توليفة فلسفية فيها من التكامل أو التجديد غير المسبوق في الماركسية وفشلت محاولته تلك.وكان نقده للماركسية لا يخلو من تهمة توجيهه الدوغمائية الفكرية لها حين يعتبر الماركسية تنطلق من مسلمات يقينية قاطعة جاهزة تلبسها وقائع الحياة والتاريخ الانساني قسرا.

وفي المنحى ذاته نجد جيرالد كوهين, في كتابه(المادية والصراع الطبقي ص17) ينسب لسارتر تهمته الدوغمائية في أدانته الماركسية : (أنه بدون الحاجة الى أعادة بناء الماركسية من الفكرة النقدية, أن الماركسية أصبحت نوعا قبليا وعقائديا من المعرفة التي تضع الاحداث داخل أطار مفاهيمي قبل دراستها,فهي قررت مقدما ماذا يجب أن يكون عليه كل شيء.) وفي هذا التعبيرأضحت الماركسية بنظر سارتر والفلسفات البنيوية والتفكيكية والعدمية وما بعد الحداثة عموما من السرديات الكبرى التي يتوجب مراجعتها بنقد معرفي وفلسفي قوي, وبذلك أعطى سارتر الراية بيد أقطاب البنيوية لتنفيذ ما دعا له وخاصة لالتوسير صاحب كتاب نقد راس المال.

وقول هيجل(أن الفكرة بدون واقع هي فكرة صورية فارغة لا معنى لها, وتصبح الفكرة حيّة ولها أمتداد من خلال الواقع فقط) هي مقولة لا تخرج عن الفهم المادي الجدلي الماركسي المنبثق أساسا من التفكير المثالي الذي أدين به هيجل.

لكن هذا لا يعني أن سارتر الوجودي المنشّق عن الماركسية أو التوسير البنيوي المنشّق هو الآخر عن الماركسية لا يعاديان الماركسية بضراوة, فالوجودية والبنيوية كلتاهما تناهضان الجدل الماركسي وتعتبرانه من مخلفّات الايديولوجيا والسرديات الكبرى التي لم تعد صحيحة ولا صالحة في دراسة التاريخ تحديدا وأن عبارة أنجلز (ان انهيار جميع الانظمة الفلسفية التأملية أمر حتمّي) هي عبارة أكثر من أستفزازية لدى متبنّي الطروحات المثالية ومن بعدهم الوجودية والبنيوية في التزامهم المنهج النقدي المثالي في مواجهة الماركسية بماديتها العلمية الجدلية.

كما يشن أرتيجا نقدا لاذعا على تبني الماركسية حتمية التطور الخطي للتاريخ قائلا: (الآنية الزائفة , – في اشارة الى الذوات الماركسية المفكّرة – ,التي تحدثت عن حتمية تاريخية تخضع الاشياء والبشر لقوانينها , بأعتبارهم ضمن اشياء العالم).يلاحظ الربط الفكري والتعبيري المشترك في تلاقي سارتر مع أرتيجا في نقدهما الماركسية من نفس منطلق أنها فلسفة دوغمائية تحاول ألباس الواقع مفردات النظرية الجاهزة المعدة سلفا, وتطويعها مراحل التاريخ لمنطلقاتها الجدلية.

الحتمية التاريخية و مابعد الحداثة:

مسألة الحتمية التاريخية التي تعتمدها الماركسية في المادية التاريخية وتعتمدها العولة ايضا في نهاية التاريخ,هي مسألة تحتمل النقاش المستفيض ليس مجالها هنا,الا أنه من المؤكد لا البنيوية ولا الوجودية ولا غيرهما من فلسفات حديثة, أعطت دحضا بديلا  منهجيا علميا مقنعا يمكن الأخذ به في أعتبار الحتمية التاريخية التي جاءت بها الماركسية عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفّات الايديولوجيا.فلا تزال ساحة الفلسفة والفكر والمعرفة خالية من نظرية تاريخية تلغي وتبطل النظرية المادية التاريخية علميا وفلسفيا.وبهذا الصدد أشارت الباحثة الامريكية(كميل باليا) بأن البنيوية في حجاجها للماركسية أثبتت انها فاقدة الصلابة الفكرية الفلسفية أمامها.

وأن من المهم جدا الاشارة له أن الحتمية في التقدم التاريخي لم تكن حكرا على الماركسية فقط , بل أن فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة, التي تعارض الوجودية  وتتماشى وتماليء البنيوية لها في منطلقاتها الفكرية , فهي تلتقي مع الماركسية حول الحتمية التقدمية مثاليا للتاريخ,طبعا من منطلقات لا تعترف بأهمية الجدل في المادية التاريخية حسب التنظير الماركسي التقليدي لها, في تحريك التاريخ نحو الامام.

وتذهب هذه المنطلقات الفلسفية ما بعد الحداثية من واقعة أن الانسان بطبيعته مسكون بتغيير حياته ونشدان تحقيقه الأفضل على الدوام,وبحسب (جيدنجز),وهو من فلاسفة الحداثة صاحب النظرية الخطيّة العلمية في التطور التاريخي يذهب(أن التاريخ الانساني يصعد من مرحلة الى أخرى صعودا غائيا ارتقائيا دائميا)9 وهي نظرية الحداثة في تطور التاريخ.

واضح أن ما بعد الحداثة لا تنكر التطور الغائي للتاريخ بفعل ما يشبه (الروح المطلق ) الذي دعا له هيجل مثاليا,ومأخذ الحداثة على التطور الماركسي للتاريخ هو من  مصدر الأدانة الايديولوجية الماركسية في تفسير التطور الغائي من منطلقات ثورية طبقية في التغيير التاريخي.

أن نقد تيارات الحداثة وما بعد الحداثة التي تدين التطور الغائي المتصاعد للتاريخ, كما دعت له الماركسية من منطلق الادانة الايديولوجية للتفسير الغائي,وليس الفلسفي حصرا كما تفهمه وتدعو له فلسفات ما بعد الحداثة,وأبلغ تعبير عن ذلك يأتينا من ( يورغين  هابرماس)أبرز فلاسفة  الحداثة المعاصرين قوله وبنبرة قاطعة (ان أنساق التفكير الكبرى – السرديات الكبرى – قد سقطت ولم يعد لها وجود )1,الحداثة وما بعد الحداثة لا تخفي رفضها وتشكيكها بالتاريخ (الرسمي) المعاصرالقائم على أختلاف (الايديولوجيا) الذي كانت تتوزعه ثلاثة اقطاب ايديولوجية,ايديولوجياالفكرالشيوعي,وايديولوجياالفكرالرأسمالي,وفكرأوايديولوجيات العالم الثالث بمختلف تنوعاتها الهجينة التلفيقية.هذا هو مجمل الايديولوجيات المؤثرة سابقا والى اليوم في ترسيم التاريخ البشري والحضاري للانسانية.

واضح أن هابرماس يقصد الانساق الكبرى هي سرديات الايديولوجيا التي تتصدرها ايديولوجيا الماركسية.(التي لها حجج تنبؤية بالمستقبل وسقطت سقوط الانساق الفكرية المغلقة,والدعوة موجهة اليوم الى انساق فكرية مفتوحة تتلاقى فيها الافكار المتباينة المختلفة).2 وهذا تأكيد أدانة صريحة هدفها الاساس النيل أكثر من (الايديولوجيا) الماركسية في منطلقاتها الاساسية.الا أن ما يحسب لهابرماس في دعوته فتح قنوات التواصل أمام الجميع تحمل الكثيرالمطلوب مما يحتاجه العصر والحضارة العالمية.

لكن أدانة التطور الغائي حداثيا لم يسلم هو الآخر من نقودات لاذعة خارج مدارات التفلسف والايديولوجيا, في ( أعتبار أن حكاية التاريخ الصاعد في المجتمعات المختلفة كلام باطل, والا لماذا ظهرت الفاشية والنازية لو أن المسألة تتعلق بالارتقاء الصاعد كما يزعم انصار الحداثة,فالحقيقة أن التاريخ ليس صاعدا على الدوام بل قد يرتد ويتراجع ومن ثم يتقدم,ونظرية التقدم التاريخي المطلق قول لا اساس له من الصحة)3.

وهذه الانتقادات اللاذعة هنا تدين الارتقاء الايديولوجي للتاريخ وحصرا ايديولوجيا الماركسية, بنفس وقت ادانتها للارتقاء التاريخي (الفوضوي) الذي تنادي به الحداثة وما بعد الحداثة.علما أن البنيوية لا تؤمن أصلا بوجود تاريخ كانت لارادة الانسان دورا في تشكيله وانبثاقه.وبذا تبقى الغائية أو الحتمية التاريخية تدور في دائرة مغلقة لا يعرف أمدها ولا مبتغاها يوصل الى اين؟

علي محمد اليوسف /الموصل 

الهوامش

** الاقتباسات بين مزدوجتين بلا ترقيم ماخوذة عن الكتاب المصدر لهذه الدراسة

 عبد الوهاب  جعفر/البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر/ كما بعضها الاخر مقتبس عن سيد ياسين في ندوة فكرية بعنوان الحداثة وما بعد الحداثة.

1. المصدر اعلاه ص 108

2. المصر السابق نفسه ص 199

3. المصر السابق ص 211

شاهد أيضاً

الغرب ما بعد الحداثي وعصر المواطنة لايت

عبد القادر ملوك عبد القادر ملوك أكاديمي مغربي ما أشبه ما آل إليه وضع المجتمعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *