الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / في تشكيل الأمة والشورى بينهم

في تشكيل الأمة والشورى بينهم

عائشة بلعابيد

النّاس سواسية كأسنان المشط”[1] شطر من حديث ينسب إلى الرسول نشأ معظم المسلمين عليه، ولم أعلم يوما المعنى الحقيقي لهذا القول، لأّن الحياة من حولي تلفظه والاختلاف فيها بادي في كل شيء، تباين طبقي، تباين حضري وجغرافي، تباين على أساس جنسي، وكل ما يمكن للحياة أن تحتويه من اختلافات، ولكن ما الذي جعل حديثا مماثلا يتسرب إلى المناهج المدرسية في بلداننا؟ ربمّا يمكن تبرير ذلك من الناحية السياسية-الاقتصادية، بتبني معظم الدول العربية المستقلة حديثا للنهج الاشتراكي (تبنته بقليل أو بكثير)، بعد أن فسرته خطأ واستعانت بالتراث لتعميقه في النّفوس، لكن هل في التراث الإسلامي وتكوين الجماعة المسلمة ما دلّ فعليا على أن النّاس كأسنان المشط؟ أم أن أسنان المشط أصلا كانت متباينة لا تبدو مستوية إلاّ عند من رغب برؤيتها كذلك؟ فكرة المساواة داخل جماعة المسلمين فكرة دخيلة تماما، لم يعرفها تاريخهم قط لا في دين ولا في سياسة ولا مال ولا في أي أمر آخر.

بالرّجوع إلى لحظة التأسيس الأولى فإنّ المبادئ الثلاث الأساسية التي قامت عليها الأمة هي النسب والسّبق في الإسلام والولاية، يشرح هذا ذهنية المؤسسين الأوائل للإسلام:

أوّلا النّسب: الفراغ الذي خلّفته وفاة رسول الإسلام خلق جدلا كبيرا وسط وجهاء العرب، خاصة قريش التي رغبت في حصر الخلافة فيها لأنّها من قرابة الرّسول عن طريق ابتكار نظام الأقرب فالأقرب، لكن دون أن يؤول الأمر كلُّه إلى بيت محمد، لذلك أبعد آل البيت الأقربون وفتح المجال أمام القبيلة العائلة الكبيرة بما تمتلك من تاريخ وجاه لا تملك منه عائلة محمد إلا تاج النّبوة، وهو ليس شيئا عظيما بالنّظر إلى عدد مدّعي النّبوة في المجتمع المكي في تلك الحقبة، وهو السبب ذاته الذي من أجله تطورت فكرة العشرة المبشرين بالجنة التّي تلفُّها شكوك كبيرة من بينها لماذا تم استبعاد أحفاد الرسول وبعض صحابته المقربين مثل سلمان الفارسي؟
ثانيا الأسبقية: بغرض حصر الخلافة أكثر في قريش، أضيف إلى النّسب الأسبقية في الإيمان أو التصديق بحقيقة نبوّة محمد ونصرته أمام أنبياء آخرين انتشروا في الحجاز في نفس الحقبة، لذلك أصبح للأسبقية دور حاسم في الأحقية بالخلافة وإدارة شؤون الجماعة والتمتع بالمناصب والجاه، الأمر الذي أدى إلى اندلاع صراع فور وفاة الرسول وهذا قبيل دفنه ليستمر إلى غاية فك النزاع بالقوة بعد انتصار معاوية وعملية التحكيم تلك، دامت الحرب أكثر من خمسين سنة من أجل الفصل في الأحقية بالخلافة بعد الرسول ولم تخرج من العائلات القريبة نسبا من عائلة النبوة إلا بعد ثلاث قرون من الخلافة الإسلامية وتوسع نطاق الإسلام إلى قوميات كثيرة واختلاطها وتفوقها عصبيا ودموغرافيا على العرب وعلى قريش خاصة.    

ثمّ أخيرا الولاية: عنصر مهم تحدد على أساسه جزء كبير من تاريخ الإسلام، وما يزال مفعوله مجديا في بعض الدول العربية والمملكات لكن تحت مسمى آخر-ليس موضعها هنا-. كانت الولاية تعني باختصار أنّ كل أعجمي يرغب في إشهار إسلامه يجب أن يصحب ذلك إعلانه الولاء لعائلة عربية من الأنصار أو المهاجرين[2]، يترتب عن هذا الالتحاق بالجماعة المسلمة تبعات قانونية مهمة هي أن المولى يصبح تابعا لصاحب ولائه، وهو في نفس الوقت يماثل العبد المحرر في ولائه، إذ العبد إذا أعتقه سيّده لا يتحوّل إلى حر بل إلى مولى يمكن لسيّده أن يرثه حتّى وهو معتوق، فالخروج من الملكية لا يعني ولم يعن يوما أنّه تغيّر جذري في المكانة القانونية للعبد، وإن تخلى السّيد عن العبد بدون عقد مكتوب أصبح سائبة وليس حراً، وبالتّالي يدخل في ممتلكات الجماعة المسلمة وهذا  ربّما حال أسوأ.

بهذه الإجراءات الثّلاثة قيّدت الجماعة المسلمة الأولى الحكم، حتّى يبق الملك في يدها لأنّه لا يمكن للمولى أن يصبح سيِّدا حاكما لسيِّده ولا ينتقل الملك لمن لم يكن قرشيا ولا يحكم من تأخر إيمانه. استمرت الخلافة على هذا النحو إلى غاية انتهاء الخلافة الأموية وبداية الخلافة العباسية تراجعت قليلا لتوسع الجماعة، ودخول أقوام جديدة وغلبة عناصرها على العنصر العربي القرشي، خاصة من أجل الدّور الذي قام به أبو مسلم الخرساني في مساعدة العباسيين على أخذ الحكم لهم، رغم أنهم سرعان ما انقلبوا عليه وقتلوه.
النّاس سواسية كأسنان المشط في أي مستوى من المستويات؟ لقد حدد الخليفة الأول -أبو بكر- قسمة الغنائم بين المسلمين بالتساوي موالي كانوا أو أسيادا، كل من شارك في الغزوة ينال نصيبه من الغنيمة متساويا مع غيره، بينما عمر بعده راجع القانون ورأى أن ذلك غير عادل، إذ كيف يتساوى المولى مع سيّده، فردّ الأمر بشكل شبه كلّي إلى النّسب من جديد، وعندما احتج ابنه عبد الله متسائلا هل النسب إلى الخليفة أم إلى الرّسول؟ وخوفا من النّزاع الذي بدأ يأخذ أبعادا خطيرة أثناء توسع الأمة، أجاب عمر أن القرابة للرسول.

قصد تعزيز قداسة هذه الجماعة الأولى، وانتزاعها كليا من صفتها التاريخية-التّي يسميها كل حسب انتمائه ونظرته. الجماعة الراشدة أو السّلف الصالح- يضاف عنصر مهم هو الحكم بالشورى اعتمادا هذه المرة على آية “أمرهم بينهم شورى”[3]، يعتقد مسلمو اليوم أنّ الشورى كانت أحد أسس النّظام داخل الدولة الإسلامية-أقلّه وقت الرسول لأن كل ما جاء بعده لم يكن فيه شورى أو تشاور إنّما سلاح ودم-، أتساءل هل الشورى فعلا نظام إسلامي؟ أم هي طريقة سياسية عادية تشبه باقي الطرق السائدة في ذلك العصر لتمكين أحدهم من الحكم وفرض احترام البقية له اعتمادا على الغلبة عن طريق العصبة أو التحالفات؟ ولماذا نعتقد بعد قرون أن هذه الطريقة إسلامية ولماذا نحتج بالآية” وأمرهم شورى بينهم”؟ هل لأن الشورى مثلا كانت نظرية إلهية أوحى بها الله إلى رسوله فطبقها، ولذلك أصبحت طريقا مقدسا للحكم؟ وإن كانت كذلك فلماذا خرج المسلمون اللاّحقون لمحمد عنها وفرضوا حكاما لا تتوفر فيهم شروط اتفاق الجماعة عليهم؟ ولماذا يصرُّ المسلمون الجدد على الاعتقاد أنها أمر إسلامي بل وإلهي؟

لا يدل تاريخ المسلمين من بعيد أو قريب على أن هذا النّظام هو نظام إسلامي، إنّما أقصى ما يمكن اعتباره بالنظر إلى التاريخ أن هذه العملية تمت مرة أو مرتين عبر كل تاريخ المسلمين، وما عاداه هو تفوق وغلبة للبعض على البعض الآخر سواء بقوة السيف أو العصبة عن طريق القرابة أو المصاهرة. إذ لم يشرك رسول الإسلام نفسه أحدا فيما يتعلق بالتشريعات إلا فيما ندر-وربّما كانت نسبة التشريعات لآخرين ومحاولة إظهارهم كشركاء له في ذلك عملية متأخرة عن زمانه لإضفاء الشرعية على هؤلاء الصحابة الذين حملوا تعاليمه وطوّروها وفرضوها في أصقاع عديدة-، بل اكتفى بإخبارهم عن تعاليمه وأخلاقياته وما يرغب فيه وتصوره عن مجتمع يختلف عن المجتمع الماثل أمامه كأي حالم بالتغيير. بينما لمّا تعلق الأمر بالسياسة وإدارة الجماعة اتجه إلى المحيطين به ليسألهم أن يولوه أمرهم وطلب منهم المبايعة لا التقنين، على اعتباره السّلطة العليا التي تضع القوانين ولا تُراجَع.

أما الشّورى فهي النّظام الذي كانت معظم القبائل تتبعه في حالة الأحلاف وتنعقد حوله الحلقات لتختار شيخا من شيوخها، هو نفسه ما مارسته المدينة اليونانية مع تغيير في التفاصيل والبنى لأنّ المدن تختلف باختلاف النظم الاجتماعية وقوى الحكم فيها. ربّما كانت آية الشورى على الأرجح مواتية لأحدى المبايعات وقتها وهجرت لأسباب سياسية بحتة فيما بعد، لكن استحضارها في وقتنا الرّاهن ومحاولة بعض أتباع الإسلام السياسي التعامل مع المصطلحات المرتبطة ببنية سياسية معينة على أنّها مجرد كلمات خالية، مثل برلمان أو مجلس أمة ومحاولة استبدالها بكلمة مجلس الشّورى لا معنى له إلاّ المبالغات وإفراغ المفاهيم التاريخية من معناها الحقيقي وإخراجها من سياقها وإقحامها في آخر، قصد تحويل الوقتي والموضوعي إلى مقدس أبدي، في بلدان تعيش تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين بينما تصرّ أن تكون فكريا في القرن الأول الهجري، لن تتقدم خطوة واحدة لأنها مكبلة الأقدام بأفكار لم توجد إلا في الخيال.
التاريخ العنصر الأهم والسجين الأبدي كل سلطة تحل تحتكره وتكتبه كما تشاء وكما يروق لها، لو خرج هذا المارد من قفصه فسنرى قصورا من الأساطير والقداسة تنهار وتتكشف حقائق عظيمة أمامنا تجعلنا نفرق بين الإيمان بالله واحترام تاريخ البشر، ونتبيّن منها العنصر الواهم من الحقيقي، وربما تساعدنا على تفادي حروب في المستقبل من أجل سروال عائشة أو العدالة الافتراضية لعمر أو حرق صحيفة مكتوب عليها بعض كلمات لا ندري مدى نسبتها إلى الرسول أو القرآن، سنكف عن الغطرسة التي لا تعني إلا درجة من الجهل، وسنكف عن احتكار الله والرسول كأنّهما ملكاً شخصيا ونقتل كل من يحاول أن يفكر حولهما. سنصل إلى مرحلة الهدوء العاطفي والنضوج النفسي والفكري الذي يجب أن نبلغه قبل أي محاولة للبناء، هو التاريخ الذي يجب تحطيم مقدّساته، وهي أفعال وقرارات عادية قام بها بشر عاديون في سياق تاريخي وجغرافي وديموغرافي معين للحفاظ على مصالح لا تختلف عن ما يفعله كل البشر في زماننا حفاظا على مصالحهم.



[1]  الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم: 596

[2]  (وإلا فدفع الجزية على الذميين التي لم تكن بأية حال أمرا ممكنا على أناس كثر).

[3]  الشورى، 38

شاهد أيضاً

هيغل والحضارة الشرقية القديمة؛ الصين أنموذجا

بقلم عبد الكريم لمباركي لقد عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *