الرئيسية / ترجمة / في الجمهورياتية والليبرالية – حوار مع مايكل ساندل

في الجمهورياتية والليبرالية – حوار مع مايكل ساندل

Machael Sandel

ترجمة جميلة حنيفي* الجزائر

 عُرفت بوصفك ناقدا لليبرالية، فما المقصود بالضبط بالليبرالية وما المشكلة المطروحة بشأنها؟

أعتبر نفسي ناقدا لصيغة معينة من الليبرالية، تلك الصيغة التي تجد تعبيرها أو حكمها الأكثر تأثيرا لدى إيمانويل كانط، لكن أيضا لدى فلاسفة آخرين معاصرين مثل جون رولز. إنها الصيغة التي ترى أن الحكومة ينبغي أن تتخذ موقفا حياديا إزاء مفاهيم متنافسة عن الحياة الخيّرة، وذلك بغية احترام الأشخاص بوصفهم أحرارا وذواتا مستقلة وقادرة على اختيار غاياتها الخاصة. هذه هي صيغة الليبرالية التي أنتقدها.

 وما المشكلة في ذلك، من وجهة نظرك؟

في كتاب الليبرالية وحدود العدالة (1982) liberalism and The Limits of Justice ركزت على نقد واحد لهذه الصيغة من الليبرالية، يتمثل في كونها تقوم على مفهوم للذات لا يمكّننا من فهم معنى بعض الالتزامات الأخلاقية والسياسية التي قد لا تنبع من اختيارنا. وبرهنت بالتالي أن هذه الصيغة لا تأخذ في الحسبان، بصفة متناسقة، فكرة أننا مكونين بصفة جزئية بواسطة أغراض معينة وغايات أو ارتباطات وتعهدات يمكن أن تُولّد التزامات التضامن أو العضوية.  هناك أيضا نقد آخر لهذه الصيغة من الليبرالية، لا يقوم بشكل كبير على مفهوم الذات بل له علاقة بإمكانية أو راغبية السياسة desirability of politics في أن تكون محايدة إزاء مفاهيم أخلاقية ودينية ومعينة. إذن يوجد خطين عريضين للنقد؛  يتعلق الأول بمفهوم الذات الذي تقوم عليه هذه الصيغة من الليبرالية، بينما يتعلق الآخر بالإمكانية أو الراغبية إزاء تصورات أخلاقية ودينية معينة.

ارتبط اسمك وأسماء تشارلز تايلور ومايكل فالزر وألساندر ماكنتاير بمدرسة فكرية سميت” الجماعاتية”، لكن في كتابك الجديد الموسوم سخط الديمقراطية (1996)   Democracy’s Discontent لم ترد هذه الكلمة ولا مرة واحدة.

حقا لم أستعمل هذه الكلمة في كتابي. وأعتقد أنني لم أستعملها في كتاب الليبرالية وحدود العدالة أيضا.

ألست راضيا على تسمية “الجماعاتي”؟

لا بد أن تفهم أن كلمة “جماعاتية  Communitarianism” عبارة عن تسمية تم إدراجها من قبل أخرين لوصف النقاش الذي تمخض عن بعض الانتقادات التي وُجّهت إلى الليبرالية سواء من قبلي أو من قبل أخرين.

وما يجعلني منزعجا وغير مرتاح لتسمية الجماعاتي هو أن الجماعاتية تقترح أن القيم السائدة في أية جماعة معطاة وفي أي زمن معطى هي قيم عادلة. وأنا أرفض هذه الفكرة تماما كما أرفض الأغلبوية Majoritarianism . لا أريد الادعاء أن طريقة التفكير في العدالة هي النظر في الآراء التي تصدرها الأغلبية في أية جماعة خاصة، وفي أي وقت معطى، وإطلاق اسم “العدالة” عليها. هذا يبدو لي خطأ. وطالما أن “الجماعاتية” تقترح الأغلبوية أو نوعا معينا من النسبية الأخلاقية، فإنها تسيء وصف وجهة النظر التي أدافع عنها.

إن وجهة النظر التي تدافع عنها في كتابك الجديد توصف بصورة أكثر دقة بأنها “الجمهورياتية المدنية Civic Republicanism “؟

فعلا عندما أصف التقليد المنافس للتقليد الليبرالي في التاريخ السياسي والدستوري أحبّذ التركيز على التقليد المدني الجمهوري. والفكرة المركزية لهذا التقليد هي أن الحرية تتوقف على حكومة الذات، وأن هذه الحكومة تتطلب مواطنين قادرين على المداولة بشأن الخير المشترك، وقادرين على مشاركة ذات مغزى في حكومة الذات وفي تسيير الذات. وما يجعل هذا التقليد في توتر مع صيغة الليبرالية التي تصر على الحياد هو أن التقليد الجمهوري يركز على كون السياسة ينبغي أن تروم تشكيل أو تنمية صفات طبع معينة-عادات معينة واستعدادات- لدى مواطنيها وتأهيلهم للمشاركة في حكومة الذات.

إذن هذا المشروع التكويني للتقليد الجمهوري يركز على عنصر تشكيل الروح أو تكوين الطبع في السياسة. وهذا ما يولّد تعارضا أو على الأقل يثير توترا مع تلك الصيغ الليبرالية التي تقول إن الحكومة ينبغي ألا تحاول تنمية أية فضائل خاصة لدى مواطنيها أو أية صفات طبع خاصة، بل ينبغي عليها فقط تقوية صيغة للحقوق حيث يكون بمقدور الناس اختيار غاياتهم الخاصة لأجل أنفسهم.

لا بد أن وجهة نظرك تسوّغ طبيعة الحقوق وغايتها بصورة مختلفة عن تلك الموجودة في الليبرالية.

نعم. في المفهوم الليبرالي الذي نحن بصدد مناقشته، لتبرير الحقوق علاقة بأهمية احترام قدرة الأشخاص على اختيار غاياتهم لأجل ذواتهم. عل سبيل المثال يفسر الليبرالي الحق في حرية التعبير كحق في تشكيل وجهات نظرنا الخاصة والتعبير عنها. إن الحجة الجمهورية عن الحقوق مختلفة لأن تبريرها مرتبط بتحقيق غاية معينة أو هدف خاص يتمثل في تكوين مواطنين قادرين على المشاركة في حكومة الذات. إذن وفق التقليد الجمهوري يستمد الحق في حرية التعبير تبريره من أهمية تمكين المواطنين من الانخراط في المداولة السياسية بشأن غايات خاصة بالجماعة السياسية. وينبغي أن أضيف أن التقليد الجمهوري يولي أهمية كبيرة لدور الحقوق. و الأمر هنا لا يتعلق بكون التقليد الليبرالي يفضل الحقوق والتقليد الجمهوري يعارضها بل إن تبريرات كلاهما مختلفة.

كما قلت يركز التقليد الجمهوري المدني خاصة وبصورة قوية على فكرة حكومة الذات بوصفه خيرا ينبغي أن تعمل الدولة على ترقيته. لكن ماذا عن حكومة الذات والمشاركة السياسية الجيدة؟ أو لنقل، بصيغة فلسفية، أية نظرية عن الخير يتضمنها هذا التقليد؟

هذا سؤال مهم. هناك صيغتان للتقليد الجمهوري وكل صيغة تقدم جوابا مختلفا. أحد تفسيرات التقليد الجمهوري، الذي يمكن أن يطلق عليه الادعاء الضعيف أو المتواضع، يقول إن المشاركة في حكومة الذات مهمة بغض النظر عن غاياتها الأخرى غير السياسية. لكن من دون تنمية القدرة على المشاركة في حكم الذات لدى المواطنين سوف يكون من المستحيل الحفاظ على شكل حياة ديمقراطية تمكن الناس من متابعة غاياتهم، وذلك مهما أمكن أن تكون تلك الغايات. ذلك هو الادعاء الضعيف أو المتواضع، إنه يتصور الحكومة بوصفها خيرا أداتيا.

يوجد أيضا صيغة أقوى وأكثر إلحاحا للتقليد الجمهوري تجيب عن سؤالك بطريقة مختلفة. وهو جواب يعود إلى أرسطو، ولكن وجد تعبيره في الفلسفة المعاصرة، لنقل لدى حنه أرندت. تقول الصيغة الأقوى للادعاء الجمهوري إن المشاركة في حكومة الذات مظهر أساسي لتحقيق القدرات الإنسانية الكاملة من أجل العيش حياة طيبة. ووفق هذه الصيغة ترتبط الحكومة بالخير الإنساني بوصفه كذلك، وتقول إنه إذا لم ننخرط في مداولة سياسية فإن بعض الملكات الإنسانية المهمة -مثل القدرة على الحكم المستقل، المشاركة مع الآخرين في المداولة حول الأغراض المشتركة، القدرة على التعاطف مع مشاريع الناس الأخرين، وكذلك تنزّه معين عن مصالحنا الخاصة المباشرة- سوف تكون معطلة. وعليه لا يمكن للمرء أن يحقق بشكل تام حياة خيرة إلا بقدر ما يعيش حياة يكتنفها بعض النشاط السياسي أو الالتزام.

إذن يوجد الصيغة الضعيفة للتقليد الجمهوري التي تتصور حكومة الذات كخير وسائلي. ويوجد صيغ أقوى تتصور حكومة الذات كخير جوهري. في كتاب سخط الديمقراطية لا أضع نفسي بصراحة في تعارض-على الأقل لا أعتقد أنني أفعل- مع أيا من هاتين الصيغتين على الرغم من أنني أعتقد أنه يوجد ما يقال عن الصيغة الأقوى للادعاء الجمهوري.

أتساءل لما أنت متردد لقول المزيد، إذا كنت بالفعل مترددا. هل يوجد شيء يمنعك من إعادة إحياء الادعاء الجمهوري المتين بالنظر إلى ماضيه القوي؟

بغية الاستجابة لمتطلبات كتاب سخط الديمقراطية لم يتبد لي أنه عليّ محاولة نقد هذه المسألة. لم يكن علي إجبار نفسي على الاختيار بين صيغتي التقليد الجمهوري لأن أحد الأهداف الرئيسية للكتاب هو محاولة تفسير وضعنا السياسي باستثمار الفلسفة العمومية أو مفاهيم المواطنة والحرية التي يتضمنها. ولأجل أغراض ذلك المشروع بدا لي كافيا تبيان أو محاولة تبيان أن التوليفة الجمهورية للحياة العامة الأمريكية قد تمت إزاحتها من قبل صيغة معينة من التوليفة الليبرالية، وأن هذا التحول في الفهم الذاتي يمكن أن يتبين منه معنى الإضعاف والحرمان الذي طال السياسة الأمريكية المعاصرة.

إذن لا أعتقد أن هذا الجزء من المشروع كان يقتضي أن أختار بين الاثنين. على الرغم من هذا من المهم السؤال لما حكومة الذات مهمة؟ هل هي مهمة من الناحية الأداتية فقط أم أيضا من الناحية الضمنية؟

إن السبب الذي جعلني أتردد في الإجابة عن هذا السؤال، هو أن المرء يمكنه تخيل طرق الحياة التي لا تبدو بوضوح سياسية، لكن تستدعي قدرات التداول والحكم وأخذ مسؤولية المشاريع المشتركة وكذلك المشاريع الفردية التي تنمي العديد من الفضائل التي يركز عليها التقليد الليبرالي. وأحيانا يكون من غير الواضح إذا ما طرق الحياة تلك فعلا تعتبر سياسية أم لا. على سبيل المثال يمكن لعدد كبير من الناس على وجه الخصوص ألا يكونوا منخرطين في السياسة الانتخابية أو في أنشطة الحكومة الوطنية- وبهذا المعنى يمكن ألا تنطوي حياتهم على نشاط سياسي أو التزام، ومع ذلك يمكن أن يكونوا منخرطين وملتزمين في نشاطات مدنية؛ إما في الجوار أو في المدارس أو التجمعات أو النقابات أو أماكن العمل أو في الحركات الاجتماعية. يمكن أن يضطلعوا بأنشطة مدنية وينخرطوا في تلك الأنواع من الأماكن التي قد يحاجج البعض بأنها، لنتحدث بدقة، ليست سياسية على  الرغم من أنها تبدو لي أنها سوف تكون سياسية في الإطار المناسب. إذن إذا أمكن تصور صفة “السياسي” بوصفها تتضمن على نطاق واسع الالتزام المدني بعيدا عن السياسة الانتخابية وبعيدا عن الحكومة، إذن يبدو لي يمكن إيجاد مكان لها لتصبح عنصرا أساسيا في الحياة الخيرة.

وماذا عن الحياة الفلسفية أو حياة التأمل الخالص؟ هل مثل هذه الحياة ممكنة بالنسبة إلى الكائن البشري، وهو ما ينكره أرسطو؟

حسنا كان هذا دوما التحدي الأكثر إلحاحا للادعاء الجمهوري القوي الذي يرى أن السياسة ضرورية لتحقيق الحياة الخيرة. إنه تحدي ناضل أرسطو من أجله في الكتاب العاشر من الأخلاق إلى نيقوماخوس، وذلك حتى بعد أن أكد وبطريقة ما قدم التعريف الكلاسيكي للادعاء الجمهوري.

لكن السؤال المطروح هو ما إذا يمكن أن تكون حياة التأمل، بعد كل هذا، مستقلة عن السياسة. يوجد سببان للتساؤل حول استقلالية المتأمِّل؛ أحدهما يتمثل في تحدي عملي، اعترف به أفلاطون؛ وهو أن الفلاسفة يحتاجون إلى القلق بشأن ما إذا المدينة حيث يعيشون سوف تقتادهم إلى تأملهم الفلسفي. وإن القلق بشأن الأوضاع المدنية أو السياسة، حتى بالنسبة إلى أفلاطون، يضع استقلالية المتأمِّل في موضع شك. ثم إن الفلاسفة قد سحبوا إلى أسفل الكهف تحديدا لأجل هذا السبب أي ضمان شروط إمكانية ممارسة نشاطهم العالي.

ذلك هو التحدي العملي لاستقلالية المتأمّل. لكن يوجد أيضا تحدي فلسفي، وأعتقد أنه يمكن أن نجد ومضات عنه لدى أرسطو. هل نشاط الفكر- أو متابعة الحقيقة- شيء يمكن الانخراط فيه من دون اتصال مع مدينة ما بعينها، بمعضلاتها وصراعاتها وخصوماتها؟ أليس من الجدير أن تكون هناك فرصة ما للتفكير؟ ثم أليست الفرصة للتفكير –ربما شكلا من أشكال الإزعاج- ذات طابع سياسي في نهاية المطاف؟

ما هي النصوص الفلسفية الكلاسيكية الأخرى التي وجدتها خير مُعين في تطوير نظريتك الجمهورية ؟

حسنا فيما يتعلق بالتأثيرات فقد تحدثنا بعض الشيء عن أرسطو، وهو يحتل الصدارة في إرث الفكر الجمهوري، لكن يبدو لي توجد نواحي هامة يحتاج فيها التقليد الجمهوري إلى إعادة بناء، وذلك إذا ما أردنا أن يكون موائما للسياسة المعاصرة وسياسة العصر الحديث. والسبب الذي يحول دون تطبيق التقليد الليبرالي مباشرة على السياسة المعاصرة هو كونه يركز دوما على فكرة أن المشروع المدني وتكوين المواطنة وممارسة حكومة الذات لا بد أن تتجلى في أماكن معينة، كما ذهب إلى ذلك أرسطو في حديثه عن المدينة. لكن نظرا إلى اعتبارات عدة، تتغلغل السياسة وبالتأكيد النشاط الاقتصادي في العالم الحديث بصفة متزايدة عبر حدود أماكن معينة –حتى عبر حدود الأمم، فما بالك بالمدن أو -الدول-المدينة. أضف إلى هذا نظرة التنوير إلى المزاعم الكلية للأخلاقية السياسية. إذا بالنظر إلى الجوانب العامة للحياة السياسية والاقتصادية اليوم، وأيضا بالنظر إلى التطلع الكوني للتفكير الأخلاقي منذ التنوير فمن غير المعقول محاولة، ببساطة، تملُّك مفاهيم السياسة الأرسطية وتطبيقها في العالم الحديث.

   في رده المقتضب على التنوير أدرك هيجل خاصية مهمة للحياة الاجتماعية الحديثة ما تزال قائمة. لقد ركز على اللعب المتبادل بين الخصوصية والكونية في الفلسفة الأخلاقية والسياسية، كما ركز على فكرة أن احترام الإنسانية الكونية ومعايير الأخلاقية الكونية تتطلب مؤسسات ذات تمايز ذي معنى. وحتى الولاءات الكونية تتطلب استمرارية ما هو خصوصي لأجل تنميتها وإنجازها.

نظرة هيجل تلك تبدو لي مهمة للغاية في التفكير حول التقليد الجمهوري في الظرف الراهن. ليس كافيا أن تركز على أشكال الهوية والجماعة الصغيرة جدا أو المحلية أو الأكثر خصوصية في عصر تكتسي فيه الترتيبات الاقتصادية طابعا عالميا. ولهذا يبدو لي أن أية محاولة لتنظيم استجابة سياسية للاقتصاد العالمي يتطلب من جهة أشكال تضامن وجماعة وهوية أكثر امتدادا مما تستطيع الدولة- الأمة أن توفره بنفسها، وفي الوقت نفسه تتطلب من جهة أخرى دعم أشكال خاصة جدا للهوية والجماعة في الأحياء الجوارية، المدارس، النقابات، الحركات الاجتماعية وما شابه. كلا الأمران يبدوان بالنسبة إلي ضروريين. وهذه الخاصية المزدوجة لتكوين الهوية في العالم الحديث هو ما سلط عليه هيجل الضوء.

إذن عودة إلى السؤال أقول: إن نقد هيجل لكانط كان من بين العوامل المؤثرة، إنه نقد لم يتخل عن تطلعات الأخلاقية الكونية التي تشكل قوته، فالأمر إذن ليس مجرد حنين. وأعتقد أن أية محاولة لإعادة بناء سياسة معاصرة لحكم ذاتي ذا معنى عليها أن تأخذ في الحسبان هذا الأمر المزدوج: الحقيقة في التطلع إلى الأخلاقية الكونية وكذلك الطابع الضروري للأشكال الأكثر خصوصية للهوية.

إن تركيزك على فكرة الحكم الذاتي يتجاوز مجرد التصويت أو الأشكال الأخرى المزعومة للديمقراطية، من المحتمل أنك سوف توافق على أن هناك شيء خاطئ في نظام السياسة الانتخابي إذا لم يكن يسمح للناس بترقية المثل الأعلى للحكم.

نعم وسوف أذهب إلى أبعد من ذلك.  بالطبع سوف أقول إن في الدولة التوتاليتارية يدلي الناس بأصواتهم ولكنهم في الواقع يفعلون ذلك من دون اتخاذ قرارات لأجل ذواتهم. كذلك في سياسة انتخابية مزيفة -ففي العراق على سبيل المثال يصوت 98 بالمئة من الناس لصالح صدام حسين- إن هذا النوع من المشاركة السياسية التصويتية لا يخدم الفضائل التي نناقشها.

أكثر من هذا، يمكننا القول إن السياسة التصويتية الروتينية التي تتبعها الديمقراطية الأمريكية كثيرا ما تفشل في إنماء صفات الشخصية والحكم والمداولة والمسؤولية التي يتميز بها التقليد الجمهوري. هذه هي سمة الديمقراطيات الانتخابية الكبرى التي للأسف يتحكم في مضمونها المال والإسهامات التمويلية الكبرى وكذلك الثلاثين ثانية من الإشهار التلفزيوني.

إن المشاركة أو الانخراط في النشاط السياسي بهذا المعنى غالبا ما يجعل المرء متفرجا سلبيا على عرض لا يسهم في بناء الشخصية. وإنه لمن الصعب تحفيز إنماء صفات الحكم والاستقلالية والمداولة والمسؤولة بواسطة هذا النوع من النشاط.

دفاعك عن تقوية الجماعات والمشاركة في الحكم سوف تجعل البعض قلقا على مضمون القواعد التي تم تقريرها على ضوء هذه المشاركة -إن بعض الجماعات عندما يوضع على عاتقها تحمل المسؤولية سوف تقوم بتفعيل القوانين التي تسب جماعات أخرى أو تقصيها. إنها مسألة تتعلق بالأغلبوية. فكيف ستُبعد وجهات نظرك الخاصة عن الأغلبوية وعن مخاطرها؟

حسنا، يتمثل مشكل الأغلبوية ببساطة في المبدأ القائل إن السياسة التي تفضلها أغلبية الأعضاء في جماعة معينة هي التي ينبغي أن تسود. وهذا يبدو لي خاطئا. ما إذا كانت سياسة ما ستسود فإن الأمر يتوقف على مزاياها، ولا يمكننا معرفة ذلك من دون العودة إلى الحجج الأخلاقية التي تدعمها. أحيانا أفضل السياسات العادلة أو أكثر السياسات المرغوب فيها أخلاقيا تفشلُ في الفوز بالأغلبية. لذا وببساطة يبدو لي أن الاعتراض الأكثر وضوحا على الأغلبوية هو كونها ذات علاقة بالأرقام وليس بالتبرير الأخلاقي للسياسة.

قد تطرح الآن أيضا سؤالا مختلفا- أو قد يكون هناك سؤال آخر لم ننتبه إليه- الذي ربما يكون على الشكل الآتي: مقارنة بالتقليد الجمهوري ألا تقدم الليبرالية الإجرائية ضمانا أكثر أمانا ضد الأغلبوية ؟

نعم

ردا على هذا السؤال، وعودة إلى جزء سابق من حديثنا، أقول: إن التقليد الجمهوري لا يرفض الحقوق. ما يقيد الأغلبية من الناحية المؤسساتية هي الحقوق، والتقليد الجمهوري لا يرفض فكرة أن بعض الحقوق ينبغي أن تقيد ما تقوم به الأغلبية. إن الفرق بين التقليدين الليبرالي والجمهوري لا يكمن فيما إذا كان ينبغي أن تكون هناك حقوق تقيّد الأغلبية، بل كيف ينبغي تحديد تلك الحقوق وتبريرها؟

قد يكون هناك اعتراض آخر، أعتقد أنه مكمن القلق الذي تلوّح إليه، وهو أن الحقوق التي يتم تبريرها وفق غاية معينة أو هدف معين تكون أقل قوة وأقل أمانا من الحقوق التي تستمد تبريرها من فكرة احترام الأشخاص بوصفهم أشخاصا قادرين على اختيار غاياتهم الخاصة.

ألا يشكل هذا مصدر قلق كبير؟

نعم، لكن وراء ذلك القلق توجد فكرة أنه إذا كان تبرير الحق يعتمد على غاية أو هدف فإن ذلك سيكون أمرا مثيرا للجدل وغير محسوم. وبالتالي يحتمل أن يعترض الناس على ما إذا كانت هذه الغاية تجيز ذلك الحق أو لا تجيزه. بينما يبدو أن احترام الأشخاص بوصفهم قادرين على اختيار غاياتهم الخاصة بغض النظر عما يختارونه يبدو أكثر أمانا. لكن يبدو لي فيما يتعلق بالحقوق أنه لا توجد حجة تقدم دوما جوابا حاسما فكلتاهما مثيرتان للجدل.

عودة إلى مثال حرية التعبير نجد على الرغم من أن هدف حق حرية التعبير هو تمكين الناس من المشاركة في الحكم–الذاتي، إلا أنه قد يكون هناك نزاع حول ما يعتبر حقا مشاركة في الحكم الذاتي، بحيث لن تتم تغطية أنواع معينة من حرية التعبير. قد يكون هناك نزاع حول ذلك، وقد يتخذ القرار بصفة ضيقة للغاية، هذا صحيح.

لكن ما هو جدير بالاعتبار مثل احترام الأشخاص بوصفهم أشخاصا قادرين على اختيار غاياتهم، هو كذلك أمر قابل للجدال والخصام وقد يؤدي- وما فتئ يؤدي تاريخيا- إلى تضييق التأويلات أو الحقوق.  على سبيل المثال في عهد لوكنر  Lochner أدى التبرير الليبرالي للحقوق، كاحترام الذوات المخيرة بصفة حرة، إلى قيام المحكمة العليا بإلغاء التشريع الصناعي المحدد للحد الأقصى لساعات العمل والضامن للحد الأدنى للأجور وظروف عمل آمنة للعمال. ولقد تم إلغاء تلك القوانين باسم الحقوق خاصة حق حرية العقد.

 جادل آخرون بقولهم إن حق اختيار المرء غاياته الخاصة ليس المقصود به أن يكون حرا مثل صاحب العمل أو مثل الأجير لإبرام عقد عمل تحت أي ظرف من الظروف مهما كانت مضنية ومخيفة. هذا من جهة، من جهة أخرى جادل آخرون بأنه يجب أن يكون هناك نوع من المساواة في موضع التفاوض من أجل احترام فعلي لحق اختيار غاياتنا الخاصة أو إبرام عقد عمل. لكن على أي حال كانت هناك خصومة حول ما يعتبر احتراما لحقوق الناس في اختيار غاياتهم من أجل ذواتهم. إذا يبدو لي أن كلا التبريران يقبلان تأويلات متنافسة بعضها أوسع وبعضها الآخر أضيق.

أضف إلى ذلك يبدو لي من غير الممكن في التصور الليبرالي الفصل في التأويلات المتنافسة بشأن احترام الأشخاص بوصفهم أشخاصا. قد لا يكون ممكنا الاختيار بين تلك التأويلات المتنافسة لنقل التأويل الليبرالي في مقابل التأويل المساواتي للحقوق من دون تأكيد مفهوم خاص جدا للحياة الخيرة والمجتمع الخير. فمن أجل إيجاد حل للتأويلات المتنافسة لما يعتبر احتراما للحقوق الليبرالية، قد يكون المرء مجبرا، سواء بشكل ضمني أو صريح، على العودة إلى الطروح المتنافسة بشأن الخير.

هكذا التبرير الليبرالي للحقوق بالرغم من أنه قد يبدو للوهلة الأولى أكثر أمنا، وأقل عرضة للنزاع أو الجدال أو التأويلات المتنافسة، إلا أنه عند إعمال التفكير في الأمر تجد بأنه ليس كذلك. وهذا ما يمكن أن نراه في الخصومات التي حدثت في تجربتنا الدستورية والسياسية الخاصة ضمن دعاوي الحق الليبرالي في الاحترام المتساوي- المناقشات التي دارت على الأقل منذ محكمة لوكنر Lochner Court  والاتفاق الجديد New Deal- على سبيل المثال المناقشات بين المدافعين عن دولة الرفاه ومنتقديها الليبراليين.

على العموم كل هذه المناقشات سلمت بفكرة أن كل واحد يمتلك حقوقا معينة، وأن تلك الحقوق ينبغي أن تحد من حكم الأغلبية، وأن تبرير تلك الحقوق يكمن في احترام الأشخاص بوصفهم أشخاصا قادرين على اختيار غاياتهم الخاصة لأجل ذواتهم. الجميع يتفق على ذلك، لكن يختلف المتحاورون في كيفية تأويل تلك الحقوق. وهل بمقدور هؤلاء الدفاع عن تأويلهم للحقوق الليبرالية من دون اللجوء إلى مفهوم معين للمجتمع الخيّر أو طريقة أفضل للعيش بعيدا عن وجهة النظر الإجرائية؟

أحد جوانب الليبرالية التي تجذب الكثير من الناس هو أطروحتها عن المشروعية، والتي مفادها أن القوة السياسية القمعية ينبغي أن تستعمل فقط بناء على أسس يمكن لكل واحد قبولها- أو كما صاغها رولز قائلا: إن القوة السياسية القمعية ينبغي أن تستعمل فقط بناء على إمكان توقع أن الجميع بمقدورهم بصفة معقولة أن يتحملوها بوصفهم مواطنين أحرار ومتساوين. هل تحاول من خلال أفكارك عن الشرعية امتلاك قوة الحدوس المؤسسة لهذا الطرح أو إعادة توجيها أو ربما إنكارها ؟

إن تلك الحدوس تمتلك قوة جذب خاصة إذا فكرنا على سبيل المثال في حروب الدين حيث كان القصد من الحكم طبقا لمفهوم معين عن الخير هو أن نودع أنفسنا لنوع من الحرب الأهلية الدائمة أو أن نخضع لسطوة القوي الذي سوف يسود ويفرض آراءه على الأخرين.

لكن الآن عندما لا نعيش على حافة حروب الدين التي وفرت سياقا مهما لذلك الحدس، هل نريد القول إنه قد لا يمكن أبدا أن يظهر سبب يبرر القمع من داخل تصور شامل للأخلاق أو للدين ؟ عموما إن القمع أمر سلبي لأنه يوجد الكثير لقوله بخصوص احترام قدرة الناس على اختيار مشاريع حياتهم بأنفسهم ولأجل أنفسهم. وغالبا يوجد ضرر كبير مقترن بحرمان الناس من رغبتهم في العيش كما يشاؤون. لكن أعتقد أننا نحتاج في كل الحالات إلى أن نزن تلك الأضرار على المصالح الأخلاقية المتنافسة الموجودة على المحك. وأعتقد أنه لا يسعنا فعل ذلك إلا من خلال الاعتناء بالحجة الأخلاقية أو بالحجة الدينية عن الخيرات على المحك ونزن تلك الخيرات من جهة، ومن جهة أخرى نزن الضرر الذي يلحق بالناس جراء ممارسة القمع ضدهم -الذي عادة ما يكون قويا جدا-.

أعتقد أن الإقرار بأن القمع غالبا ما يكون ضارا ويكلف خسائر أخلاقية باهظة، لا يقصد به نفي احتمال قدرة أي ادعاء أخلاقي منافس على تبريره. ويمكن للمرء أن يقول الشيء نفسه عن التعاون الاجتماعي المؤسس على الاحترام المتبادل وعلى الخير. إنه شيء عظيم، لكن ليس هناك ما يدعو إلى التفكير بأن خير ما عظيم للغاية بحيث إنه يُبطل سلفا كل الادعاءات المتنافسة التي قد تنشأ من ضمن تقاليد أخلاقية أو دينية معينة.

إن الطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك تتمثل في مراعاة الحجج الكامنة وراء الادعاء الأخلاقي أو الديني ووزنه في مقابل خير-عظيم جدا- مثل التعاون الاجتماعي المؤسس على الاحترام المتبادل، لكن قد يكون هناك بعض الغايات الأخلاقية أو الدينية التي تستحق التأكيد حتى إذا كانت تهمل التعاون الاجتماعي المؤسس على الاحترام المتبادل. إذن أعتقد أنه على المرء مراعاة كلا الجانبين سواء تعلق الأمر بالخير أو بالضرر.

لقد كتبت أن من وجهة نظر جمهورية “ما يجعل اعتقادا دينيا جديرا بالاحترام هو الميل إلى ترقية العادات والاستعدادات التي تكوّن مواطنين صالحين”1.  أعتقد أن هذا يستبعد مسألة حقيقة الأديان المختلفة لصالح التركيز على دورها الممكن في النظام الجمهوري. مع ذلك أليس هذا مشابها لاستبعاد الليبراليين للأسئلة المثيرة للجدل، وهو ما عارضته- على سبيل المثال المعالجة الليبرالية لمسألة الإجهاض-.

أعتقد هناك سببين رئيسيين لإيلاء حماية خاصة للممارسة الدينية. أحدهما جمهوري يميز بشكل خاص الممارسة الدينية، على الأقل في الولايات المتحدة، حيث غالبا ما ينمّى لدى المواطنين فضائل وخصال شخصية تسهم في الحكم الذاتي. إن الفقرة التي ذكرتها تشير إلى هذا السبب.

بالنسبة إلى السبب الثاني فهو مختلف حيث يعتمد على فكرة أن الامتثال والتطابق الدينيان يمكن أن يكونا بصفة جوهرية جزءا مهما من الحياة الأخلاقية. وليس لهذا السبب علاقة بالسياسة ولا بالتقليد الجمهوري. يقودنا هذا إلى مناقشتنا السابقة عن الأداتي والجوهري رغم أننا كنا نتحدث عن الحكم الذاتي. فيما يتعلق بالحرية الدينية أعتقد هناك سبب أداتي يركز عليه التقليد المدني، كما يوجد أيضا سبب مميز وجوهري لتوفير عناية خاصة للحرية الدينية ليس له علاقة بعواقبها السياسية.

يتفق هذان السببان الرئيسيان في إيلاء عناية خاصة للحرية الدينية ولا بد من تمييزهما عن السبب الثالث. وهو السبب الذي تقدمه صيغة الفلسفة السياسية الليبرالية التي استخلصت منها المحاكم الكثير من القرارات في العقود الأخيرة. إنه يتعلق بتصور الحرية الدينية كواحدة من طرق احترام الأشخاص بوصفهم أحرارا في اختيار قيمهم الخاصة وغاياتهم من أجل ذواتهم.

من خلال تأكيد السببين الأولين أقترح أن السبب الثالث الذي يماثل بين الحرية الدينية والحرية والاستقلالية على العموم يحدّ بشكل ساخر من نطاق أسباب حماية الحرية الدينية. إن بعض قضايا المحاكم التي تستمد شرعيتها من الحجة الثالثة التي تماثل بين الحرية الدينية والحرية عموما تؤدي إلى توفير حماية أقل لبعض ادعاءات الممارسة الحرة، لأنه حينما تتماثل ادعاءات الحرية الدينية مع حقوق الاستقلالية على العموم فإنه سوف يكون من الصعب بما كان عزل الحرية الدينية بوصفها ذات أهمية خاصة. تجد ذلك على سبيل المثال في قضية الصبّار Peyote Case حيث قال القاضي أونتنن سكيليا (1936-2016)Antonin Scalia إنه لا يمكننا السماح لضمير كل شخص بأن يملي قانونا لنفسه ويطلب من الحكومة تقديم تبرير خاص في كل مرة تنتهك فيها معتقدات بعض الأشخاص. وهذا ما يحدث حينما نقرأ مادة الممارسة الحرة قراءة عشوائية. بالتالي عندما تعتبر الحرية الدينية مجرد مثال ضمن أمثلة أخرى عن احترام حق الناس في اختيار قيمهم الخاصة وغاياتهم، فإنه من الصعب للغاية منحها عناية خاصة لأنها سوف تصبح مقولة واسعة جدا.

أخيرا -على صعيد شخصي أكثر- كيف أثر تفكيرك في أهمية الجماعة وأهمية المشاركة في انخراطك في جماعات مختلفة أنت عضو فيها الآن؟

كوني عشت لبعض الوقت في جنوب ولاية كاليفورنيا California أعتقد أنه من المحتمل أنني قد اكتسبت تقديرا مهما جدا لأشكال خاصة للجماعة والهوية أكثر مما كنت لأكتسبه لو عشت في أماكن أخرى أكثر تجذرا. وذلك على الرغم من أنني عشت هناك خلال سنوات المدرسة الثانوية فقط. لقد قدمت من ولاية منيسوتا Minnesota, ، وهي تقع خارج منيابوليس Minneapolis بالضبط، وغالبا ما يعتقد بأنها مشهورة بذهنيتها المدنية Civic-Mindedness. إذن على النقيض من سؤالك أعتقد أن الأمر قد تم بشكل عكسي.

أجرى الحوار مع مايكل ساندل ليف فينرLeif Wenar  وتشونغ-مين هونغ Chong-Min Hong وتم نشره في مجلة هارفارد للفلسفة The Harvard Review of Philosophy في ربيع 1996. ويمكن القارئ العودة إلى النص الأصلي على الرابط الآتي:  http://www.harvardphilosophy.com/issues/1996/Sandel.pdf


*   أستاذة باحثة بقسم الفلسفة، جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله-

1 – Michael Sandel, Democracy’s Discontent (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996), p. 66

شاهد أيضاً

في الفن والتحرر: قراءة في الشرط والمعنى مع جورج لوكاتش وجاك رونسيير

محمد العربي العياري / تونس محمد العربي العياري أن نكون وجها لوجه مع الواقع ’ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *