الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / فوكو أو الكلمات ضدّ الأشياء

فوكو أو الكلمات ضدّ الأشياء

د. محمد المزوغي

نَصّ قصير للروائي والشاعر الأرجنتيني لويس بورخيس (1899 ـ 1986)، يتحدث فيه عن موسوعة صِينيّة لتَصْنيف الحيوانات، لا ندري كيف عثر عليه فوكو، وما المغزى منه، وهل يُصدّق ما كتبه بورخيس عن التصنيفات العجيبة التي تُظهر العلماء الصّينين وكأنهم مجموعة من البلهاء السّذج؟ أظنّ أنه يصدّق وإلاّ لما استمتع بتلك الضّحكة على كَاهِلهم. يقول إن نص بورخيس جعله يضحك ضحكا طويلا، يعني يُقهْقه، وعوض أن يكتفي بالضحكة الطويلة ويَطوي الرواية ثم ينصرف إلى أشياء جدّية ألّف كتابا يربو على 390 صفحة أسماه: “الكلمات والأشياء”[1].

دراسة مُطوّلة ومُتشعّبة، يَغلب عليها التشويش والاستطراد، يرغب من ورائها في الكشف عن “المنطقة الأشد صلابة” من كل ثقافة، مِنطقة الصّفر، الأوّلية السابقة على الكلمات، والادراكات، والحركات. إنها منطقة «أكثر قِدَماً وأقل مُدعاة للشك، ودوما أشد حقيقة من النظريات التي تحاول إعطاءها شكلا ظاهرا، وتطبيقا جامعا أو أساسا فلسفيا[2]».

وإيمانا منه بأن في كل ثقافة، توجد تجربة عارية للقوانين الناظمة وصيغ وجودها، فقد شمّر لتحليل هذه التجربة وأفصح عن مشروعه، بعد القهقهة وبعد أن جرّد نصّه، لبُرهة، من كمّ الخطابة والجُمَل الاعتراضية، فلخّصه في هذه العبارات: المقصود هو تِبْيان كيف استطاعت، منذ القرن السادس عشر، ثقافةٌ كثقافتنا، (ثقافة فوكو الغربية بالطبع)، أن تُظهر «أن ثمة نظاما وأن التبادلات مَدينَةٌ بقوانينها والكائنات الحيّة بانضباطها، والكلمات بتسلسلها وقِيمها التمثيليّة لصيَغ هذا النظام، وأيّ صيغٍ من صيغ هذا النظام قد عرفت وطرحت وربطت مع المكان والزمان لكي تُشكّل القاعدة الإيجابية للمعارف كما هي منتشرة في النّحو وفي فقه اللغة، في التاريخ الطبيعي وفي علم الأحياء، وفي دراسة الثروات وفي الاقتصاد السياسي[3]».

والحال أن هذا المبحث هو في العمق مبحث ابستيمولوجي كان قد أشبعه فلاسفة القرن التاسع عشر دراسة وتحليلا ونقدا، بل لا يخلو أي مُصنّف تاريخي من التطرّق إلى هذه القطاعات العلمية جملة أو تفصيلا. لكن فوكو يَهرب من هذا الاعتراض زاعما أن تحليله «لا ينتمي إلى تاريخ الأفكار أو تاريخ العلوم[4]»، بل هو أدقّ وأعمق وربما أوسع وأشمل لأنه يطمح إلى العثور «على المُنطَلق الذي كانت منه المعارف والنظريات مُمكنة، وحسب أيّ مدى من النظام تكوّنت المعرفة، وعلى خلفيّة أية قَبْليّة تاريخية وفي عنصر أي وضعيّة تمكّنت أفكارٌ من الظهور، وعلومٌ من التكوّن وتجارب من الانعكاس في الفلسفات، وعقلانية من التشكّل وربما كي تنفرط بعد ذلك وتتلاشى».

بديهي أنه لا يكفي لإنجاز هذا المشروع حَيَاتان أو ثلاث، لأن الأمر يتعلّق بالثقافة الغربية برُمّتها، يعني انتاجات روحية وتقنية لأجيال متتالية تشمل، على الأقل، عشرة أمم أوروبية بما في ذلك أمريكا الشمالية والجنوبية. فالعمليّة ليست جردا تاريخيا للأحداث، بل تجميعا لموادّ شتّى وسَبْرا عميقا لمُدوّنات ووثائق وتجارب متنوّعة ومتضاربة، مع قراءة دقيقة ومُتأنّية لنصوص لا حصر لها، والتمكّن من عدة لغات واختصاصات لا قِبل لعقل واحد، مهما كانت فطنته، أن يَحوز عليها بمفرده.

وهذه المشاريع الكبرى المتشعّبة العويصة تُذكّرني بالمشاريع التي يَخُطّها محمد أركون على الورق ويُعلن عنها بكلّ أبّهة في كتبه ومحاضراته، دون أن يجرؤ على تحقيقها، أو، إن حقق منها شيئا يسيرا، فهو يُضحّي بالدقة والعمق لصالح الخطابة.

الرافعة التي مَكّنت فوكو من الاستمرار في الإشادة بمشروعه وبنفسه، هي: “الابستيمية”، و”الأركيولوجيا”، مُضافا إليهما، عامل محوري، وهو حصر التحليل في مجال الثقافة الفرنسية، وجانبيّا الثقافة الغربية. مع التحذير التالي وهو أن العقلانية الأوروبية ليست متواصلة على خطّ واحد، زمنيا ومفهوميا، وإنما شهدت انقطاعات تاريخية ومنعرجات فكرية لا يمكن توقّعها[5]. فالنظام المعرفي الحالي لا يمتّ بصلة إلى النظام الكلاسيكي السابق، وبالتالي ليس ثمة تراكم معرفي مستمرّ، ولا تقدّم في البحث العلمي من جيل إلى جيل بل قفزات فجائية مجنونة. وبالاعتماد على باشلار وكانغيلام، يريد فوكو أن يصحّح ما دأب عليه المؤرخون السابقون، ويكرّس هذه الفكرة القاتلة لروح العلم: «عبثا كُنّا نملك الانطباع عن حركة شبه مستمرة للعقلانية الأوروبية منذ عصر النهضة وحتى أيامنا[6]».

لا! ليس ثمة حركة مستمرة ولا تقدّم خطّي أو تطوّر نحو الأفضل وإنما قَطيعات ابستيمولوجية، وما يتبدّى لدارس تاريخ العلم على أنه تسلسل زمني في اتجاه تصاعدي هو مجرّد سطح الأشياء «أما على الصعيد الأركيولوجي، فإننا نرى أن نسق الوضعيات قد تغيّر بطريقة كثيفة عند منعطف القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. لا لأن العقل قد حقق تقدّما، وإنما لأن صيغة وجود الأشياء والنظام الذي إذ يوزّعها، يقدّمها للمعرفة، كانت قد تغيّرت بشكل عميق[7]».

ودون الدخول في دهاليز تحليلات فوكو وتشعّباتها، فهو نفسه، في مقدمة كتابه، يعطينا عيّنة من النتائج التي توصّل إليها، وخلاصة وَجيزة تُحوصل لبّ المشروع الذي اقتفى أثره: تبْيين أن التماسك الذي وُجد على مدى العصر الكلاسيكي بين نظرية التمثيل ونظريات اللغة والأنظمة الطبيعية، قد تغيّر كليا بدء من القرن التاسع عشر «فنظرية التمثيل اختفت كأساس عام لكل الأنظمة الممكنة، كما أن اللغة، بوصفها لوحة عفوية وإحاطة أوّلية للأشياء، ومَحطّة لا غنى عنها بين التّمثيل والكائنات، تنمحي بدورها، وتدخل تاريخانية عميقة إلى قلب الأشياء فتَعْزلها وتُحدّدها في تماسكها الخاص، وتفرض عليها أشكالا من الأنظمة التي تحتويها ضمنا استمرارية الزمن[8]».

يعني، بعبارة أوضح، بعد أن كان العقل الغربي سَليما، منسجما في تفكيره، يقتفي أثر الأشياء لكي يُرتّبها ويُقنّنها في منظومة منطقية علمية مُحكمة، حدثت فجأة، دون سبب أو علّة كافية، هستيريا عامة فصلَت الكلمات عن الأشياء، وأبْعدتْ اللغة عن تمثّل المُعطيات العينية، أو إدراك ما يُقابلها في الواقع، وبالجملة، تفشّت حالة جنون جماعية، سَجنتْ عقول الغربيين في الكلمات، وفقط في الكلمات دون الأشياء. يقولها هو نفسه، بأسلوب أدبي مشبّع بالخطابة، على الطريقة الهايدغيرية المناهضة لفكرة التطابق، والفاصِمَة للعقل عن الواقع: «الكتابة كفّت عن أن تكون نَثر العالم، والتّشابهات والشّارات قد حَلّت تفاهُمها القديم؛ والتّماثلات تُحبط الآمال، وتنتهي إلى الرؤى وإلى الهذيانوالكلمات تتيه في المغامرة، دون مضمون، دون شبه يقوم بمِلئها، لم تعد تطبع الأشياء بِسِمَتها؛ وإنما تنام بين أوراق الكتب وسط الغبار[9]».

“… تنام بين أوراق الكتب وسط الغبار”، هذه عبارات لا فلسفية، مجرد استعارة أدبية، لكن التزويق اللغوي لا ينبغي أن ينسينا خطورة الأطروحة.

لقد تحوّل الحقل الذهني الأوروبي، بصريح عبارات فوكو، إلى مجرد “هذيان“، و”أوهام” وقصص باهتة، انفصلت بمُوجبها الكتابة عن التعبير عن الأشياء، وتخلّت الكلمات عن المُهمّة التي جُعلتْ من أجلها: قَوْلُ الأشياء كما هي. والشاهد على هذا التزحزح المعرفي، هو دون كيشوت، شخصية وهمية اصطنعها الروائي الاسباني سيرفانتس، الذي دَشّن بجُنونه هذا، انفصاما لا رجعة فيه حيث «يتلاعب إلى ما لانهاية بالشارات والمتشابهات»، واللّغة أصبحت لُعبة في حد ذاتها، فسَختْ قرابتها بالواقع واغْتربتْ كليا عن الأشياء.

وكما أن هايدغر خَلص في نهاية مساره إلى أن الشاعر هو الذي يقول الوجود بلُغة الوجود الأصيلة، كذلك فعل فوكو، مع إضافة المجنون لهذه اللعبة وإجرائها على الثقافة الغربية في تلك الفترة: «ومن هنا ولا شك، في الثقافة الغربية، اللقاء وجها لوجه بين الشعر والجنون[10]». وبديهي أن الجنون لا يعني به مرضا عقليا، بل «علامة تجربة جديدة للّغة والأشياء[11]».

ومن هنا دخل فوكو في حالة هستيرية خطيرة من إشادة مفرطة بالمَجنون ومَدح غريب لاستيهامات الشعراء، حيث اعتبر اللغة الجديدة التي دشنها الجنون، بمثابة واحدة من أعظم الإنجازات التي حققها الفكر الغربي: «على هوامِش تفصل الكائنات والشارات والمتشابهات، فإن المَجنون، كما لو أنه من أجل أن يجد قدرته، يقوم بوظيفة إنسان المعنى: إنه يجمع كل الشارات، ويملأها بشبهٍ لا يكفّ عن التكاثر. أما الشاعر فيقوم بالوظيفة المعاكسة؛ إنه يقوم بدورٍ مجازيّ؛ تحت لغة الشارات وتحت لعبة تمييزها المُقطّعة، يَعكف على الاصغاء إلى اللغة الأخرى، تلك اللغة التي بلا كلمات ولا خطاب، لغة التشابه. إن الشاعر يجيء بالمتشابه وإلى الشارات التي تقوله، في حين أن المجنون يشحن كل الشارات بتشابه ينتهي إلى محوها. وهكذا يملك الاثنان، على الحد الخارجي لثقافتنا، وقريبا جدا من تقاسماتها الجوهرية، هذا الوضع “عند الحدّ الأقصى” ـ موقف هامشي وصورة غائرة في القدم ـ حيث تجد الكلمات باستمرار قُدرتها في الغرابة ومصدر احتجاجها بينما انفتح مَدى لمعرفة حيث، لن تكون المسألة فيما بعد، بسبب قطيعة جوهرية في العالم الغربي مسألة متشابهات، وإنما مسألة هويّات (تطابقات) واختلافات [12]».

 بالرغم من إيغاله في التجريد، وبالرغم من شحنة الخطابة والتزويق اللغوي فإن هذا النص (إضافة إلى خاتمة كتاب تاريخ الجنون)، إذا فُهِم جيّدا، كَفيل بتحويل من يطّلع عليه ويستوعب مَغزاه إلى مجنون، أو يدفعه إلى الانصراف عن العلم والغرق في استيهامات الشعر.

المرحلة الثانية حصلت خلالها قطيعة جذرية في حقل الإنتاجات العلمية الغربيّة، ولم ينج منها أي قطاع معرفي، بحيث إن العلم الأحدث زمنيا محا من الوجود الأسبق منه، والأمثلة على ذلك عديدة: «تحليل المبادلات والنّقد يتخلّى عن مكانه، لدراسة الانتاج»؛ «تحليل الجهاز يتغلب على البحث عن السمات التّصنيفيّةاللغة تفقد مكانتها المميزة وتغدو وجها متماسكا للتاريخ[13]».

لكن الحدث الجلل الذي أقضّ مضجع فوكو ويرغب في تمريره، وهو لبّ موضوعه المتخفّي وراء برقع الكلمات، في كتاب مطرّز بالأسماء والتحليلات المعقدة والخطابة المرهقة، هو بروز الإنسان في خضم الابستيمية الحديثة: «الإنسان يدخل، وللمرة الأولى، في ميدان المعرفة الغربية[14]».

وهذا البروز المفاجئ، وغير المرغوب فيه، يريد فوكو أن يُنبئنا بأنه لن يدوم طويلا، بل مآله الامّحاء والاضمحلال دون رجعة، وفي وقت قصير جدا. لكن قبل أن يُقدّم هذه البشارة المشؤومة، فهو يلتجئ إلى الرسالة في الإنسانوية لهايدغر، دون ذكرها بالمرة، بينما أيّ قارئ حصيف يمكنه أن يحدس هذه الاقتباسات ويحدّد موضعها وإطارها المرجعي. كما أن هايدغر قال إن الوجود تم نسيانه ولم يفكر فيه الفلاسفة منذ ألفي سنة، فإن فوكو، استبدل الوجود بالإنسان، وقال إنه دخل، لأول مرة، في اهتمامات العلم الغربي منذ القرن التاسع عشر، لأن الإنسان، حسب رأيه، كان نَسْيا منسيّا في الابيستيميات السابقة.

ولكنه حافظ على عداء هايدغر للنزعة الإنسانية، وحافظ أيضا على الأوصاف السّلبية المربكة التي وصف بها هايدغر الإنسان في رسالة الإنسانوية التي يجب التذكير بذلك، بعثها إلى جون بوفريه، الذي تابع فوكو دروسه وتأثر بأفكاره. وقد أضاف فوكو إلى تلك السلبيات فائضا من الخطابة والأسلوب الأدبي التّرميزي، حيث يرى بكل وثوق أن الإنسان «دون أي شك (sans doute) ليس شيئا أكثر من مجرّد تمزّق ما في نظام الأشياء (une certaine déchirure dans l’ordre des choses)، وتشكّلا رسَمَه الوضع الجديد الذي أخذه مؤخرا في المعركة».

النتيجة هي إنزال الإنسانوية إلى منزلة الأوهام، وفي هذا فإن فوكو يسير كما قلت على خطى هايدغر، الذي أعلن في الرسالة «أن فِكر “الوجود والزمان” هو فكر مضادّ للإنسانوية [15]»، وأنه يتموقع في الطرف النقيض لكل نزعة إنسانوية شمولية بل مُعادٍ لها، ويفتخر بذلك. وفي نفس تلك الرسالة، فإن الرّجل، يقلب بصورة جد غريبة المعايير، ويُمرّر فكرة أن الشعر ذا النزعة القومية لهولدرلن يُعبّر عن قيم تفوق كوسموبوليتية غوتة: «إن فكر هولدرلن ذا البعد التاريخي الكوني، الذي يتمظهر ككلمة في شعر (Andenken) “التذكر”، هو إذن أكثر [التصاقا] بالبداية وبالتالي أكثر امْتلاء بالمستقبل من الكوسموبوليتية البسيطة لغوته (Goethe)[16]».

 وقد استوعب فوكو درس استاذه بوفريه والذي هو بدوره استوعب جوهر خطاب رسالة هايدغر، وخلص إلى النتيجة التالية، وهي أن الجنون واقع أما الإنسانويّة فهي أوهام: «من هنا وُلدت كل أوهام الانسانويات الجديدة (chimères des nouveaux humanismes)، وكل سهولات “الأنثربولوجيا” المفهومة على أنها تأمل عام، نصف وضعي ونصف فلسفي، في الإنسان[17]».

لكن الإنسان بالنسبة لفوكو هو كائن تافه لا قيمة له، هو سحابة عابرة آيلة، لا محالة، إلى الزوال، وهذا التصوّر العدمي المرعب يسمّيه، بنوع من السخرية، فكرا عميقا، مُشَجّعا ومُطَمْئنا، أي أن «الإنسان ليس سوى ابتكار قريب، ووجهه لا يزيد عمره عن قرنين، ثَنْيَة بسيطة في معرفتنا، وأنه سيَختفي ما إن تجد هذه المعرفة صورة جديدة[18]». وهذه الفكرة المُحبطة غير المطمئنة، والمُريعة على حد سواء، كانت البشارة التي أنْزلها في مقدمة كتابه ثم استعادها في خاتمته. ولا نَكلّ من التذكير بتلك الفقرة المربكة التي ختم بها كتابه والتي توري عن نزعة لا إنسانية ولاأخلاقية، بل عنيفة ومعادية لإنسانية الإنسان. 

بعد أن طاف بالقارئ حول كومة من الأسماء والعناوين العتيقة، وأغرقه في تحليلات تجريدية مُعقدة حينا، مُهَسْتَرة أحيانا، وصل إلى مبتغاه: «أمر واحد، على أية حال، مؤكد (une chose, en tout cas, est certaine): هو أن الإنسان ليس أقدمُ ولا أثبَتُ إشكالية طرَحتْ ذاتها في المعرفة الإنسانية[19]»؛ لا. ليس الأقدم ولا الأثبت، بل يمكننا من خلال الثقافة الأوروبية منذ القرن السادس عشر «التأكيد على أن الانسان هو اختراع حديث … فالإنسان اختراع تُظهِر أركيولوجيا فكرنا بسهولة حداثة عهده، وربما نهايته القريبةيمكن الرهان أن الإنسان سوف يندثر، مثل وجْه من الرّمل مرسوم على شاطئ البحر[20]».

ومن أين استقى فوكو كل هذه الأفكار السلبية المظلمة حول الإنسان؟ ارجعوا إلى الصفحة السابقة، فستجدون مفتاح هذه البشارة المرعبة. إنه نيتشه واستيهاماته حول موت الإله، وموت الإنسان العادي، هذا الموت الحتمي الذي يهيئ لولادة الإنسان الأعلى. وقد لخّص فوكو، بشيء من التشويش، استيهامات نيتشه هذه، وانطلاقا منها خرج على الناس بهذا الاستنتاج الرهيب.

إذن خلاصة الكتاب لا علاقة لها بالكلمات ولا بالأشياء، ولا حتى بالفيلولوجيا أو بالانثربولوجيا، أو الحفريات أو البيولوجيا أو الفيزياء، كل تلك الجرّة التاريخية والترسانة المفهومية المكدّسة هي برقع لتغْطية عدائه للإنسانوية وتبشيره بموت الإنسان، على طريقة الرسالة في الإنسانوية لهايدغر (دائما دون ذكرها)، بعد أن اقترف هذا الإنسان جريمة قتْل الإله.

وهكذا، بعد عناء قراءة هذا العمل الشاق، نجد أنفسنا أمام خليط من نيتشه وهايدغر، وهو خليط، دون شك، تفجيري، أما إذا أضِيف إليه الأسلوب الأدبي والخطابة المُنمّقة، فإن خطره سيتضاعف، وربما سيقود إلى مأزق فكري كبير، إلى تَصْحِير مُريع للفلسفة.

إنّ خليط النيتشويّة والهايدغارية، تجدونه قُبيْل إعلانه عن موت الإنسان. يقول إن التفكير الأساسي مبني على النهائية، وهذه مصادرة هايدغارية قحّة، لكن فوكو، لكي يُخفي مصدر اقتباسه، وهو الوجود والزمان، وأمشاج من الرسالة، ألصقها بكانط وقال: «فكر التناهي الذي فرضه النقد الكانطي باعتباره مهمّة للفلسفة، كل ذلك يشكّل إلى الآن الحيّز المباشر لتفكيرنا. ففي هذا الحيّز بالذات نفكّر[21]».

وفكر التناهي الذي تبنّاه فوكو وحصر فيه فلسفته، أعطانا من خلاله مُرَكَّزا من العدمية قضى به قضاء مُبرما على أي تطلّع نظري، على أي تقدّم في سبيل تحرير الإنسان من استيهامات اللاعقل؛ الضحيّة الوحيدة التي يتلهّف لقَنْصها هي العقل التنويري، ومن ثَم الفلسفة برمّتها. هذه العدمية يُخفيها، بشيء من المُكر، وراء غبار كثيف من السجع الأدبي. تابعوا أسلوب تفكير فوكو، أرجوكم، ولو أردتم المسك بلبّ أطروحته، تغاضوا عن الشحنة الأدبية واقْفزوا على الجُمل الاعتراضية المطوّلة، تَعلّقوا فقط بخيط الكلمات المعبّرة: «إن الشعور باكتمال أو نهاية، الاحساس المُبهم الذي يحمل ويحرّك فكرنا ويُنوّمه لسهولة وُعُوده، والذي يدفعنا إلى الاعتقاد أن شيئا جديدا راح يبتدئ، دون أن نرى منه سوى شعاع ضوء في أسفل الأفق، ـ إن هذا الشعور وهذا الانطباع قد لا يكونان دون مبرّر. قد يُقال إنهما موجودان، وإنهما لم يَكُفّا عن إعادة التشكّل من جديد منذ أوائل القرن التاسع عشر؛ قد يُقال إن هولدرلن، هيغل، فيورباخ وماركس كانوا جميعا يمتلكون هذه الثقة من كون أن فكرا، وربما ثقافة معيّنة، كان مُشرِفا على الانتهاء معهم، وأن ثقافة أخرى ربما كانت تقترب، آتية من مسافة قد يستحيل التغلّب عليها، قادمة في تحفّظ الفجر، في وضح الظهيرة أو في انسلاخ النهار المحتضر[22]».

بعيدا عن هذا الطوفان الخطابي، أظن أن فوكو يريد أن يقول: إن وعود القرن التاسع عشر بالعقلانية والتقدّم، بفَتْح آفاق رحبة أمام المعرفة الإنسانية والقضاء على بقايا الخرافة واللاهوت؛ تحطيم الأساطير وتحرير الانسان من سطوة الدين، هي وُعود وهمية، ولا يمكن أن نصدق الفلاسفة الألمان، وشاعرهم المميز، هولدرلن عن مجيء عصر جديد.

على تفاؤل هؤلاء الفلاسفة الألمان يردّ فوكو بأقوال فيلسوف ألماني آخر: فريدريك نيتشه. فعلا، لكي تتحقّق وعود هؤلاء الفلاسفة على أرض الواقع، يجب أن يُبعد شبح الإله، وأن يُعوِّل الإنسان على نفسه ويتمسّك بعقلانيته، يعني أن يبني عالما خاليا من اللاعقل، أو حسب فوكو «يفرض على الفكر أن يُهيئ للإنسان على الأرض إقامة ثابتة أُبْعِدت عنها الآلهة أو مُحِيَت[23]».

لكن إقامة فردوسيّة من هذا القبيل، إقامة تُحقّق موت الإله، وتقضي على الأوهام والأساطير، وتُحيّد الأديان، وتُعلي من شأن الإنسان، لا تُرضي فوكو لسبب بسيط وهو مُكوث عامل مشوّش في هذا المشهد. وهذا العامل لا يمكن أن يكون إلاّ الإنسان، لأن أعدى أعدائه هو الإنسان الحر، العقلاني الذي تجاوز أُطُر الخرافة والدين والأسطورة واللاعقل، وبالتالي يجب أن يُدمج وحي نيتشه ويزجّ به في هذا الموضع بالذات لكي ينقض تفاؤل الثلاثي (هيجل، فويرباخ وماركس)، ويُصحّح موقف كل من لَبث على تفاؤله من معاصري فوكو:  «أما ما يُعلَن في أيامنا الحاضرة ـ ويشير نيتشه هنا أيضا من بعيد إلى نقطة التحوّل ـ فليس غياب الله أو موته هو المؤكّد بقدر ما هي نهاية الإنسان؛ يتكشّف عندها أن موت الله والإنسان الأخير متلازمان: أوليس الإنسان الأخير مَن يُعلِن أنه قَتَلَ الله، واضعا بذلك لُغته وفكره وضحكه في حيّز الله الميّت سابقا، ولكن مُعرِّفا أيضا عن نفسه كمن قتَل الله، وكمن يفرض وجوده حرّية الإقدام على تلك الجريمة؟».

ما دخل نيتشه وجريمة قتل الإله، ونهاية الإنسان في كتاب موضوعه: أركيولوجيا العلوم الإنسانية؟ لا شيء، لا رابط، من بعيد أو قريب، يجمع بينها. فكل تلك المقدمات المهيبة والمشروع طويل النفس الذي أعلن عنه في البداية، والتحاليل المعقدة، والجُمل الاعتراضية المُطوّلة، كلها تنتهي إلى نيتشه، وموت الإله، وتُصهَر في نهائية هايدغر، لكن نتيجتها الأخيرة هي احتقار الفلسفة ورفض العقلانية والتقدم العلمي، مع إظهار براعته في خلط الأوراق وإرسال رسالة مُشفرة للقراء مفادها أن يتحوّلوا إلى النيتشوية والهايدغارية.

إن الإنسان الأخير ـ يكتب فوكو ـ حينما اقترف جريمة قتل الإله أصبح «أحدث شباباً من موت الله؛ وفيما أنه قد قتل الله فهو المسؤول إذن عن تناهيه، ولكن بما أنه يتكلّم ويوجد في موت الله، فجريمته أيضا محكوم عليها أن تموت؛ وبذلك تعجّ آلهة جديدة، وهي الآلهة ذاتها، في خضمّ المستقبل؛ فلا بدّ للإنسان أن يزول[24]».

لقد فَعل بنا فوكو ما فعله شمشون بأعدائه: أسقط المعبد على رأسه وعلى رؤوسهم فدُعسوا جميعا تحت الأنقاض. الإنسان قتل الإله وخلّص البشرية من كابوسه، وهذا عمل جليل يُحسب لحسابه، لكنه سوف لن يتمتّع بانتصاره، لأن الإنسان في عُرف فوكو لا ينبغي عليه أن يَبقى بعد موت الاله، فلا حاجة للعالم والطبيعة والكون به، يجب هو نفسه أن يموت وأن تتفسّخ ذكراه من مادة الكون.

مهما كانت هذه البشارة، سواء مُجرّد دعابة سمجة أو قناعة فلسفية، فهي ليست حتما بالبشارة السارة إطلاقا، لأنها مع فوكو تجرّ دمارا وويلات لا يمكن تخيّلها: من مضاعفة القتل، يعني قتل القاتل: «نهايةُ قاتِلِه»؛ إلى الضحك الهستيري، ثم الانفجار، في مشهد شبيه بمشاهد أفلام الرعب الأمريكية: «انفجار وجه الإنسان في الضّحك (l’éclatement du visage de l’homme dans le rire)»؛ إلى الخداع والكذب المُتعمّد: «عودة الأقنعة (le retour des masques)»؛ إلى التبشير بنهاية الفلسفة «الفلسفة هي دائما ولا تزال في طور أن تنتهي»؛ وختامها، سَحْب بساط الواقع من تحت أقدام الإنسان وتركه يسقط في هاوية بلا قرار، في فراغ زمني يُغرّبه تماما عن حياته وواقعه، يعني في بلبلة فكرية، وفي جنون تام: «تبعثُر مجرى الزمن العميق الذي كان يشعر أنه يحمله والذي كان يحس بضغطه في كينونة الأشياء بالذات؛ هويّة عودة ذات الواحد والتبعثر المطلق للإنسان[25]».

فكرٌ سوداوي ظلامي؛ كتابٌ فظيع، مضمونه شرّير جدا، لا يولّد في القارئ إلاّ مشاعر النكد والتعاسة؛ وغير مُسْتَبْعَد أن يُصاب المرء بانهيار عصبي حادّ، وبقُرف يقضي على أي نفس تفاؤل علمي أو حبّ للحياة.

ولكي لا أترك القارئ على مَرارة هذه الأفكار الهستيرية، ولافتدائه بخطاب مُشرق نوراني، مُضاد لظلامية هذه البشارة الاستفزازية الشرّيرة، أدعوه إلى الإصغاء إلى هذه الكلمات الرائعة للفيلسوف التنويري الفرنسي دينيس ديدرو: «من المهمّ، على وجه الخصوص، ألاّ نُغفل هذا الاعتبار: إذا أقصينا الإنسان ـ أو الكائن المفكّر والمتأمّل ـ من على وجه الأرض، فإن المَشهد الخلاّب الرائع للطبيعة يغدو لا شيء سوى مشهدٍ حزين وأبْكَمٍ؛ الكون يَخرس؛ يَجْتاحه السّكون والظلام. كل شيء يَهوي في وِحدة رهيبة، حيث الظواهر، لا منظورة، تتالى بطريقة غامضة وخرساء. فقط وجود الإنسان يجعل الكائنات مثيرة للاهتمام: ما الغرض الأفضل، بالنسبة لمن يرغب في كتابة تاريخ هذه الكائنات، من قبول وجهة النظر هذه؟ لماذا لا نُدخل الإنسان في عَمَلِنا هذا، على نفس المكان الذي يشغله في الكون؟ لماذا لا نجعل منه مركزا مشتركا؟ هل ثمة في الفضاء اللامتناهي نقطة أخرى يمكن الانطلاق منها لكي نسطّر، بأكثر فاعلية، الخطوط الضخمة التي نرغب في مَدّها إلى جميع النقاط الأخرى؟ كم ستكون حية وحلوة، ردة فعل الكائنات تجاه الإنسان، والإنسان تجاه الكائنات![26]».

هذا كلام عقل فلسفي مَتين، تَربّى على حب المعرفة وانْصَرف للتحقيق والتّدقيق، عقل متفائل بالتقدم وبشمولية الاشعاع العلمي والبحث الدؤوب لكشف أسرار الكون بالتعويل على مدارك الإنسان؛ لا يَبني مجده على قطيعة شاملة مع العصور الماضية، لأن ديدرو في هذا النص يستعيد فكرة كرامة الإنسان التي كان قد أكّد عليها فلاسفة عصر النهضة. نحن هنا أمام شكل طريف من المادية حيث حضور الإنسان فقط يُحيي الطبيعة ويُعطي معنى للعالم بأسره. بالنسبة للتنويري ديدرو الإنسان والإنسان فقط، بكل قواه الحسية ومداركه العقلية يُدخِل في الكون، الذي هو بذاته في حالة صمت مطبق، أسئلته، وانشغالاته، توقّعاته واحتياجاته؛ شُكوكه، ورغباته، واهتماماته، وبالجملة تجنيد كل مَلكاته المميّزة للتعقّل، وللفهم، بُغية تحويل الواقع الطبيعي والتاريخي الذي وجد نفسه مدرجا فيه بكل تناقضاته واختلافاته[27].

د. محمد المزوغي

روما 2019.


[1] فوكو، الكلمات والأشياء، مركز الانماء القومي، بيروت 1990، ص، 22. يستشهد نص بورخيس بموسوعة صينية معيّنة «كُتب فيها أن الحيوانات تنقسم إلى: “أ) يملكها الامبراطور، ب) مُحنّطة، ج) داجنة، د) خنازير رضيعة” … الخ»

[2] الكلمات والأشياء، ص، 24.

[3] الكلمات والأشياء، ص، 25.

[4] نفس المرجع (ن. م)، نفس الصفحة (ن. ص).

[5] «هذا الاستقصاء الأركيولوجي قد بيّن انقطاعين كبيرين في ابستيمية الثقافة الغربية: الانقطاع الذي دشّن العصر الكلاسيكي (نحو منتصف القرن السابع عشر) وذلك الذي طَبَع في بداية القرن التاسع عشر عتبة حداثتنا. والنظام الذي نفكّر على أساسه لا يملك صيغة الوجود نفسها التي يمتلكها نظام الكلاسيكيين»

[6] ن. م، ن. ص.

[7] ن. م، ن. ص.

[8] الكلمات والأشياء، ص، 26. ثم يضيف: «وتحليل المبادلات والنقد يتخلّى عن مكانه لدراسة الإنتاج وتحليل الجهاز يتغلب على البحث عن السمات التصنيفية، خاصة وأن اللغة تفقد مكانتها المتميزة وتغدو بدورها وجها متماسكا للتاريخ مع كثافة ماضيها».

[9] ن. م، ص، 62.

[10] ن. م، ص، 63.

[11] ن. م، ص، 64.

[12] ن. م، ص، 64.

[13] ن. م، ص، 26.

[14] ن. م، ن. ص.

[15] M. HEIDEGGER, Brief über den Humanismus, V. Klostermann, Frankfurt am Main 2000. p. 22. „Insofern ist das Denken in Sein und Zeit gegen den Humanismus „.

[16] Brief über den Humanismus, ibid., p. 31.

[17] فوكو، الكلمات والأشياء، ن. م، ص، 26.

[18] ن. م، ن. ص.

[19]  M. FOUCAULT, Les mots et les choses, Paris, Gallimard, 1966, p. 398. « Une chose, en tout cas, est certaine : c’est que l’homme n’est pas le plus vieux problème ni le plus constant qui se soit posé au savoir humain. En prenant une chronologie relativement courte et un découpage géographique restreint – la culture européenne depuis le XVI siècle – on peut être sûr que l’homme y est une invention récente. Ce n’est pas autour de lui et de ses secrets que, longtemps, obscurément, le savoir a rôdé … ».

[20] الكلمات والأشياء، ص، 313.

Les mots et les choses, ibidem. « … alors on peut bien parier que l’homme s’effacerait, comme à la limite de la mer un visage de sable ».

[21] الكلمات والأشياء، ن. م، ص، 312.

[22] فوكو، الكلمات والأشياء، ص، 312.

Les mots et les choses, ibid., p. 396. « Et pourtant l’impression d’achèvement et de fin, le sentiment sourd qui porte, anime notre pensée, l’endort, peut-être ainsi de la facilité de ses promesses, et qui nous fait croire que quelque chose de nouveau est en train de commencer dont on ne soupçonne qu’un trait léger de lumière au bas de l’horizon, – ce sentiment et cette impression ne sont peut-être pas mal fondés. On dira qu’ils existent, qu’ils n’ont cessé de se formuler toujours à nouveau depuis le début du XIX siècle ; on dira que Hölderlin, que Hegel, que Feuerbach et Marx avaient tous déjà cette attitude qu’en eux une pensée et peut-être une culture s’achevaient, et que du fond d’une distance qui n’était peut-être pas invincible, une autre s’approchait – dans la réserve de l’aube, dans l’éclat du midi, ou dans la dissension du jour qui s’achève ».

[23] فوكو، الكلمات والأشياء، ص، 312.

[24] فوكو، الكلمات والأشياء، ص، 312.

[25] ن. م، ن. ص.

[26] D. DIDEROT, art. « Encyclopédie », in Encyclopédie, ou dictionnaire Raisonné des Sciences, des Arts et des Métiers, t. 5, Paris, 1704, p. 641a. « Une considération surtout qu’il ne faut point perdre de vue, c’est que si l’on bannit l’homme ou l’être pensant et contemplateur de dessus la surface de la terre, ce spectacle pathétique et sublime de la nature n’est plus qu’une scène triste et muette. L’univers se tait ; le silence et la nuit s’en emparent. Tout se change en une vaste solitude où les phénomènes inobservés se passent d’une manière obscure et sourde. C’est la présence de l’homme qui rend l’existence des êtres intéressantes ; et que peut-on se proposer de mieux dans l’histoire de ces êtres, que de se soumettre à cette considération ? Pourquoi n’introduirons-nous pas l’homme dans notre ouvrage, comme il est placé dans l’univers ? Pourquoi n’en ferons-nous pas un centre commun ? Est-il dans l’espace infini quelque point d’où nous puissions, avec plus d’avantage, faire partir des lignes immenses que nous nous proposons d’étendre à tous les autres points ? Quelle vive et douce réaction n’en résultera-t-il pas des êtres vers l’homme, de l’homme vers les êtres ! ».       

[27] F. MINAZZI, “Sulla criticità illuminista e il suo valore”, in Realismo, Illuminismo ed Ermeneutica, a cura di F. Minazzi e D. Ria, FrancoAngeli, Milano 2004, p. 48.

شاهد أيضاً

تنفُس سبينوزا ..

بقلم/ هناء السعيد .. ( مصر ) ( لا أستطيع أن أتنفس ) صرخة “جورج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *