الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / استكمالا لمقال “عصر المؤخرات”: الرأسمالية، الرغبة، الافراط

استكمالا لمقال “عصر المؤخرات”: الرأسمالية، الرغبة، الافراط


يوسف شوقي مجدي

يوسف شوقي مجدي – مصر

عندما نفسر ظاهرة ما بارجاعها الي الرأسمالية، لا نقصد بالطبع ان نعيد احياء ميتافيزيقا تشبه مفهوم المحرك الاول او العلة الاولي، فالعالم الاجتماعي يتسم بتعدد و تعقد العوامل و تفاعلها التراتبي مع بعضها البعض. فالرأسمالية ليست شيئا “واحدا” ولكنها لها منطق اقتصادي و سياسي و ايديولوجي و نفسي و جسدي..الخ. اذن فهي سيرورة تحتوي و في نفس الوقت تتخلل كل شيء.

من الواضح ان هذا هو المسلك المنهجي الذي سنتبعه، بعد ان اشار الاستاذ الكاتب عبد الرحيم الرجراحي في مقاله “عصر المؤخرات” الي الطابع الاستهلاكي للمؤخرات فسنحاول بيان ذلك الطابع من خلال الحديث عن الاقتصاد السياسي الماركسي  و التحليل النفسي الفرويدي-اللاكاني.

اثناء تسليعها لكل شيء، تضخم الرأسمالية من السلعة و تتجاوز الحدود الطبيعية – الاجتماعية  للموضوع. يرتبط ذلك بالطبع بالعبور فيما وراء مبدأ السعادة، او السعي نحو ال jouissance حيث يوجد الالم .يحدث هذا ايضا  اثناء تعبير الرأسمالية عن مبدأها الأساسي ؛ الا و هو الربح الاقصي ؛ الربح من اجل المزيد من الربح، الذي ينتج بدوره الانتاج من اجل الانتاج ، الذي يؤسس لازمة الرأسمالية السرطانية ؛ الافراط في الانتاج. هنا يتضح المنطق العدمي الذاتي داخل الرأسمالية، الذي يؤطر كل الفلسفات ذات ذلك الطابع. من زاوية اخري يمكن الحديث عن مفهوم “الواقع المفرط” Hyper reality ، فالموضوع هنا يحمل الموضوع التقليدي بداخله، اي انه يحمل امكاناته الاداتية او الاستعمالية لدي الموضوع، و لكن يضاف الي ذلك افراطا ؛ ليس خياليا او نفسيا (علي الرغم من تضمين تلك الانواع) و لكنه واقعيا ايضا، ربما استعمال غير تقليدي او اضافة  غير لازمة اداتيا لوزن مادي.

و علي الرغم من التجسيد المادي للرغبة في السلعة، الا ان هناك شطرا ما من الرغبة لا يتم تلبيته، بدون ذلك الشطر لن تستكمل عملية الاستهلاك الابدية. من الواضح ان الرأسمالية تستثمر في رغبة الانسان الطواقة لشيء لا يعرفه معرفة يقينية ، شيء لا يستطيع التعبير عنه بكلمات، اي انه شيئا فيما وراء اللغة لن يستطيع الانسان الحصول عليه، لان الذات الانسانية قد تم ترميزها داخل النسق الرمزي-الايديولوجي بل قد تشكلت تلك الذات في احضان ذلك النسق. موضوع الرغبة النهائي لدي الذات، ليس موضوعا ميتافيزيقيا، و لكنه ببساطة حالة الاكتمال الذاتي و الاتحاد مع الام؛ تلك الحالة التي لم تستلزم وجود اللغة.

تعيد الرأسمالية انتاج الاستهلاك عن طريق استعمار موضوعات الرغبة و خلقها من جديد، و لكن ذلك الاختراق المستمر لا يتسم رئيسيا بالتسامي (بالمعني الفرويدي) ؛ فالنزعة التجاوزية او الافراط الرأسمالي يفترض اضافة صفات روحية او نفسية للاستهلاك، و هذا يحدث بالطبع، و لكن لا يجب ان نغفل هنا ان تلك الاضافة تحدث مصحوبة بتغير مُفرِط لموضوعات الرغبة ذاتها ؛ اي ان الاختراق يتم بشكل اساسي علي المستوي المادي للسلعة.

يقول هربرت ماركوز في كتابه “الانسان ذو البعد الواحد”، فيما معناه ان البنطلونات الجينز، تعد بالكثير و لكنها لا تفي بشيء. هذا بالضبط ما يميز السلعة الرأسمالية و ينسحب ايضا علي المؤخرة، تلك الاخيرة التي يتم الاستثمار المفرط في شكلها المادي، و اختراق او تجاوز وظيفتها المتواضعة في عملية الرغبة الجنسية. بهذا قصر استخدام الفساتين و التنورات في المناسبات الهامة فقط، باعتبار ان الجينز اكثر مناسبة للحياة العملية، و لكن يتضح في نهاية التحليل ان تلك الحياة العملية ذاتها هي المناسبة المهمة الوحيدة بالنسبة للرأسمالية!.

اكره التبرير و لكن هنا يجب ابعاد بعض الشبهات.. ان الشخص المتدين المحافظ مثلا (سواء كان ظاهرا ام مختبأ داخل اي عباءة) ، يحاول ان يعطي أسبابا موضوعية للظواهر التي لا تأتي علي هواه، مثل الظاهرة المتناولة هنا؛ اي ان تحليلنا يناسبه  للغاية و لكن عندما نأتي عند الظواهر التي تعجبه، و خصوصا الدينية منها، نجده يتبني التقديس الليبرالي للحرية الفردية، ذلك التقديس الذي يفسر خيارات الانسان علي اساس انه حر، اي تحصيل حاصل. و لكن العقلانية و الموضوعية تفرض علينا الاتي : الاقرار بحرية الانسان في ان يفعل اي شيء (ارجو التسامح مع سذاجة العبارة الاخيرة لان المقال لن يسعفنا في شرحها) و لكن ذلك لا يعني التغافل عن الاسباب و الظروف و الضرورة التي تؤسس لتلك الحرية و تصنعها، فاي تغافل عن ادراك ذلك يصب في مصلحة المستغلين.

للمزيد :

  1. شوقي، يوسف 2019 ، الخسارة المحررة : الرأسمالية و التحليل النفسي

2. Althusser, Louis, Freud and Lacan, in “ LENIN AND PHILOSOPHY AND OTHER ESSAYS ,translated by ben Brewster,  1971, p.189.”

شاهد أيضاً

فيليب ميريو: التعليم عن بعد يزيد من التفاوتات

ترجمة: خالد جبور بقلم: فيليب ميريو، باحث متخصص في علوم التربية حاورته ايمانويل فرونسيز ترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *