الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / حوارات كوة: الفلسفة بصيغة المونث

حوارات كوة: الفلسفة بصيغة المونث


لبنى المرزوقي

من هي لبنى المرزوقي؟ كيف ولجت مجال الفلسفة؟ وما السر في ذلك؟


في الحقيقة ترددت كثيرا في انجاز هذا الحوار وفي فهم جدواه، ذلك أنه لا يمكنني أن أدّعي أهلية  الحديث عن نفسي وعن الفلسفة في غياب أي عمل منجز في هذا المجال، لكن سؤال تفكير المرأة كان سؤال مستفزا  بما يكفي لأكتب هذه السطور ،لهذا فكل ما يمكنني ان اقول عن نفسي هو انني اقطع طريقا مند سنوات بين الفلسفة والاقتصاد  شغفان أحاول عن طريقهما  أن افهم هذا العالم .

  • كيف تقيمين وضع اشتغال النساء بالفلسفة في مجالنا التداولي المغربي ؟

يبدو أن استعمالك كلمة اشتغال صحيح لأن معظم الجهود المبذولة في حقل الفلسفة اليوم سواء من النساء أو الرجال هي  في حقيقة الأمر  شغل  وليست تفكيرا، شغل بالمعنى التقني للكلمة، الذي تضعه حنة ارندت في تقابل مع الأثر و الفعل ،ففي كتابها  الوضع البشري la condition de l’homme moderne   تفرّق حنة ارندت  بين المجال العمومي و المجال الخاص[1] لتبني الحدود الفاصلة بين مجال الضرورة (مجال الشغل) و مجال الحرية (مجال الفعل)  وهذا ما يؤسس في المجتمع اليوناني للفصل بين السياسية (الحرية) و مجال الاقتصاد (الضرورة).  

في هذا السياق تعتبر حنة ارندت  أن ما وقع في العالم الحديث  لا يعدو كونه توسيع لمجال الضرورة على حساب مجال الحرية حيت أصبحت حاجيات العيش تدبيرا مجتمعيا أو بتعبير آخر فإن الاقتصاد الذي كان شأنا خاصا “تدبير البيت ” أصبح شأن الدولة و المجتمع، مما استدعى خروج  الفئات المعنية  بهذا التدبير إلى خارج البيت، خروج هذه الفئات من البيت لا يعني انفتاحها على المجال العمومي بل هو نوع من تصفية المجال العمومي وإعدام للفعل و الأثر، لصالح الشغل الذي هو الدور الوظيفي الأول للنساء  والعبيد في المجتمع اليوناني .

من هنا فان خروج المرأة  خارج البيت لا يعبر في جوهره عن  حرية وإنما هو وضع تاريخي دال  على زحف مجال الضرورة ” مجال الشغل”  على مجال الحرية “مجال التفكير”، هذا الوضع التاريخي المكرس داخل المجتمع الحديث هو  إعادة إنتاج التهميش بأشكال ميكرو فزيائية [2]، لهذا فإن النشاط المعرفي الإنساني في المجتمع الحديث خاضع بالدرجة الأولى لمجال الضرورة، أو لنقل  لإرادة سيطرة اقتصادية  .

أصبح مجال المعرفة مجالا لبناء مسار مهني، خاضع لاستقطاب كلي  للآلة الاقتصادية  ولنوع من السياسة المعرفية [3]التي تحدد مجالات البحت، منهجيات البحت، مواضيع البحت و سياقاته، أفاقه وإمكانياته وإشكالاته المتداولة والمطلوبة، إن هذا التقسيم السياسي للمعرفة ليس نتيجة سلطة مركزية  ومباشرة وإنما هي سلطة ثاويه في طبيعة المناهج نفسها، سلطة ميكروفزيائية متشظية وخفية بالمعنى الفوكوي للكلمة .

إن التفكير بمعناه الأصيل يستدعي نوعا من العصيان المعرفي والاستقلال هو نادر في زمننا سواء بالنسبة للنساء وللرجال، و ذلك باعتبار أن الفكر هو تعبير حر عن الممكن، المغاير، النقدي، أفق مختلف تماما عن مجرد الاشتغال في حقل العلوم الانسانية  الخاضع لما أسميناه بالتقسيم السياسي للمعرفة .

  هذا التقسيم السياسي للمعرفة يؤسس لنوع من  العنصرية الأبستمولوجية تحدد مسبقا مجالات تفكير الرجال و مجالات تفكير النساء؛ الرجال  يفكرون في العالم و الإنسان و التاريخ ، و النساء اللواتي  لا يتجاوز تفكيرهن قضايا المؤنث والخاص، هذا التقسيم الجندري المكرس  في قلب اشتغال النساء  بحقل  العلوم الإنسانية  يكون عائقا أمام إمكانية  التفكير  ويعيد إنتاج البطريركية في مجال الفكر، هذا الفكر الذي أصبح  يرعى اليوم داخل تخصصات أكاديمية، مؤتمرات دولية  ومراكز  الأبحاث .

 بالإضافة لكل ما سبق هناك نوع من الخارطة الكولونيالية للمعرفة تُخضع مفكري ما يسمى “العالم الثالث” إلى نوع من التشكيل الجغرافي السياسي للمعرفة يفترض مسبقا طبيعة المواضيع  المدروسة، ذلك أن هناك دائما خطاب يفترض ما يجب عليك أن تقوله، محكوم برؤية استراتيجية تحدد وضعك باعتبارك الآخر المتخلف، الآخر الذي يجب أن يجتهد لتفسير أسباب هذا التخلف ووضع استراتيجية  للحاق  .

لكل هذه الاعتبارات فإن قضية تفكير المرأة تنتمي إلى قضية أكبر هي إمكانية تفكير المهمش، المنسي و المقصي من التاريخ ومن الحدث، إن قضية تفكير  كل مقصي  هي وضع  تراجيدي بالأساس، باعتبار أن  فاعليته التفكيرية  يجب أن تكون مضاعفة  قصد التخلص من كل أوهام، و أول هذه الأوهام هو  رغبة في تحقيق شروط المركز و اللحاق بصورة المكتمل والمركز و الهوية، اللحاق بالرجل وبامتيازات الرجل  في حالة تفكير النساء واللحاق بالغرب في حالة تفكير المتخلف، إن المقصي دائما ما يضع المركز كأفق لتفكيره في حين أن  التفكير لا يبتدئ  إلا عبر  إبداع  أفق آخر  مختلف ومغاير للهامش ومركز معا .

إن مهمة النساء في المغرب والعالم العربي هي مهمة مضاعفة نظرا لأنها خاضعة لعوائق  مضاعفة  مرتبطة بالمجتمع الحديث واختزاله للحرية ، وكذا  بتميزات جندرية و أخرى  جغرافية، لهذا فإن أي تفكير حقيقي هو بالضرورة تفكير خارج هذه  المحددات  التي تفترض تموقعا مسبقا للذات المفكرة .

إن ما حاولت توضيحه هنا  هو أنواع العوائق وربما التحديات التي تعترض فعل الفكر  الفلسفي  باعتباره فعلا كونيا، لذا  فان إمكانية تفكير المرأة  هو رهين  بصراعها ضد هذه العوائق لإنتاج الفكر المغاير الممكن والحي، هذا الرهان صعب لكن مجرد الوعي بصعوبته  هي خطوة مهمة في اتجاه إمكانيته، وخصوصا إذا اعتبرنا مع فتحي المسكيني ” أن المستحيل هو امتياز المرأة، في معنى أنها ليست حيوانا هوويا مدجنا إلا بالعرض  “[4]


[1] La condition de l’homme moderne

[2]

[3]  والتر منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل والحرية الديكولونيالية، ترجمة فتحي المسكيني

[4]  فتحي المسكيني ،الهجرة الى الانسانية ، منشورات ضفاف ،منشورات الجمل ،دار الامان ، كلمة ، 2016  ،ص  70

شاهد أيضاً

الغرب ما بعد الحداثي وعصر المواطنة لايت

عبد القادر ملوك عبد القادر ملوك أكاديمي مغربي ما أشبه ما آل إليه وضع المجتمعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *