الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الموت والقيم، معادلة متساوية، أم جدلية قائمة

الموت والقيم، معادلة متساوية، أم جدلية قائمة

عهود الناصري

تقديم

إن مفهوم القيم دائما ما كان حاضرا مع بداية ظهور الإنسان باعتباره كائنا يتميز بوعيه عن باقي الموجودات الأخرى، وكان كذلك هذا المفهوم أهم شعار رفع في القديم ومازال يرفع الآن لذلك نجده اليوم ارتبط بالإنسانية وحقوق الإنسان، كون القيم لا تشكل كمالات بل ضرورة ملزمة للعيش، ولا يردها كمالا إلا فاقدا لنباهة عقله أو بصيرة قلبه، فمجتمع دون قيم يُأكل فيه القوي الضعيف، وتسود فيه الفوضى، ويموت فيه الأضعف ويعيش الأقوى.

إن موضوع القيم من بين أهم المواضيع التي تحدثت فيها مختلف الحضارات البشرية، فرغم اختلاف الثقافات والأعراف إلا أن هذا الموضوع يظل أساسيا لدى كل العقائد والفلسفات. كلنا نعلم أن معظم القيم في المجتمعات يكون مصدرها إما ديانة معية، أو مذهب فلسفي محدد، تستند إليها من أجل تقنين سلوكيات الأفراد.           

لكن دائما عند حديثنا عن قضية القيم نستحضر أعلاما أو أشخاصا ضحوا بأرواحهم وحياتهم من أجل سيادة أو تأسيس قيمة مثلى، فمن غير الفيلسوف سقراط  جسّد بخضوعه لمبدأ القانون قيمة العدالة، ضحى  بحياته فاستحق بذلك لقب شهيد الفلسفة، فأصبح الجميع يقول عنه: بموته عاشت الفلسفة، ومن غير روميو وجولييت جسّدا قيمة الحب، فأصبح الحديث الذي تلوكه الألسنة: بموتهما عاش الحب….ولنا في التاريخ نماذج عدة سواء تعلق الأمر بأعلام أو فلاسفة أو شخصيات لهم حرمة مقدسة أو حتى شخوص عاديون، لكن، لماذا يرتبط  مجال القيم بموت الإنسان، لماذا نستحضر دائما مفهوم التضحية عند مناداتنا بأية قيمة، هل يتوجب على أي شخص أراد أن يعيش بقيمة معينة أن يدفع حياته ثمنها، وبذلك ستعيش القيمة لا هو، هل نقول عن سقراط أنه كان زاهدا في حياته بسذاجة، حيث عاشت قيمته لا هو، هل نقول عن روميو وجولييت كانا غبيان بما يكفي فانتحرا معا فعاش الحب بذل أن يعيشا بحب، وما فائدة تضحيتك من أجل قيمة معينة إن لم تعشها…. ثم إلى متى ونحن نسمع شهداء القيم هاته…فهذا شهيد الحرية والآخر شهيد الكرامة وذاك شهيد العدالة….أ نحن نعيش في عالم يسود فيه الظلم والفساد إلى الحد الذي يجعلني أدفع فيه حياتي ثمن قيمة معينة…هل نبتغي حياة الإنسان أم حياة القيم، وهل يمكن اعتبار موت الإنسان وانبعاث القيم معادلة متساوية أم جدلية قائمة؟

  1. القيمة وموت القيمة

إذا تأملنا هذه الإشكالية سنجدها حقيقة تفرض نفسها على العقول، معظم الشخصيات الكبيرة عبر التاريخ والتي شكلت أيقونة لقيم معينة إن لم يكن مصيرها  الموت، فإنها تعيش عكس تلك القيمة المبتغاة، مانديلا الذي عاش حياته ينشد الحرية صاحب القولة الشهيرة :”الحرية لا يمكن أن  تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرا أو لا يكون”، عاش ثلث حياته في السجن.    

    سقراط الفيلسوف العظيم، الذي شكل اسمه فيصلا في تاريخ الفلسفة، قبل موته رفض أن يقف ضد قوانين العدالة حتى وإن لم تنصفه، وفضل أن يتجرع السم على أن يفر من السجن، فكان بذلك أول شهيد للفلسفة التي تضم مبحث القيم والذي يعد أهم مباحثها الكبرى، هنا نتساءل، هل العدالة التي لم تنصفه أم الماسكين لقوانين العدالة من هم غير المنصفين، وإذا لم تنصفنا العدالة فأي من القيم الأخرى التي يمكنها أن تنجينا من الظلم؟

        ليس الشخصيات الذين ينتمون إلى الناس العاديين، بل حتى الشخصيات المقدسة كالأنبياء والرسل، والذي هدفهم الأساسي هو تأسيس وتثبيت القيم السامية، وإتمام “مكارم الأخلاق” لم يسلموا هم الآخرون من هاته الجدلية، عاشوا معاناة شديدة من أجل أن تعيش تلك القيم بين البشر وتسود بينهم. وليس الهدف هنا هو سرد الشخصيات التي ضحت بنفسها في سبيل إرساء القيم عبر التاريخ، بقدر ما أن المهم هو لفت الانتباه لهذه الجدلية الوجودية، وفتح الرؤية اتجاهها.

إن انبعاث القيم في أي مجتمع يأتي بعد ركود قاتل، أو بعد موت هذه القيمة في الواقع، فيتطلب الأمر موت آخر كي تحيا من جديد، وهذا ليس بغريب ونظرا لسيطرة الأنظمة الديكتاتورية في واقع الناس فالأمر لن يتطلب ترداد بعض الشعارات في الشارع للتعبير عن رفضهم وغضبهم من غياب قيم الحرية والكرامة وغيرها عن حياتهم، يخرج مختلف فئات المجتمع من شباب وشيوخ ونساء إلى الشارع وهم فاتحين صدورهم نحو الموت، لذلك ليس عبثا أن نجد شعار “الموت ولا المذلة” يتكرر دائما، وهاهو الموت يسبق ويعلو على القيمة، نموت نحن وتعيش القيم، لمن هذه القيمة إذن، سيقول الكثير لأحفادنا وللأجيال القادمة، رغم أننا نعلم أن كل من يصرخ بهذه القيم يبتغي عيشها، فقد ضاق درعا من مجتمع فاسد، بائس، أوليس الإنسان هو غاية في ذاته كما قال فيلسوف الأخلاق كانط، إذن “البشر غاية بحد ذاتهم وليسوا وسائل، فليس من الإنسانية مثلا أن يضحى بجيل من البشر من أجل جيل يليهم إذا لم يساورنا إحساس بمصير المضحى بهم”[1] يموت إذن لكي يعيش ابنه بحرية لا لكي تعيش الحرية..

  1. صعوبة تحديد مفهوم القيمة

الأشخاص من يستحقون العيش بحرية لا الحرية، فهي ليست إلا مفهوم مجرد لن نعرفه إذا لم نعشه، “فليست هناك حرية، ولكن حرية كذا.. أو كذا…حرية الصحافة، حرية الاجتماع، حرية المعتقدات…”[2] يمكن القول أنه لا وجود لقيمة  إذا لم نلصقها بأفعال الأشخاص، لكي يصبح لها وجود واقعي، لكننا دائما ما ننتصر للمجرد ونتغنى به، ونعتبره هو الأشرف والأمثل. وهنا يظهر لنا صعوبة تحديد مفهوم الحرية بدقة، قبل أن يكون فعلا  للممارسة، يجب أن يكون أولا موضوعا للدراسة، وهذا التداخل بين التضحية والقيمة يقودنا إلى أن بحث عن معناها أولا، “فكثير من الناس يتحدث عن معنى القيمة وكأنه شيء تم تحديده ولم يبق إلا توجيه النظر إليه، إلا أنه لا يوجد مثل هذا المعنى الثابت للقيمة”[3]، وإذا ما عدنا إلى حضور القيمة في الفلسفة، سنجد ما يسمى بالأكسيولوجيا Axiologie، وهو الفرع الذي يعد أحدث فروع الفلسفة وأكثرها تطورا وشيوعا في العصور الحديثة، ويضم اتجاهين مختلفين تماما، أحدهما يقر بإمكانية تحديد القيم، ويضم موقفان، أول موقف كان قد ساد في الولايات المتحدة الأمريكية مع جون ديوي خاصة، بحيث يعتبرها علما ومجال للبحث والدراسة، يستند على الملاحظة والتجربة، أما بالنسبة للموقف الثاني فأهم من مثله  ادوارد مور، هذا الموقف يؤمن بالتجربة أي بعلمية القيم، لكن مع أسبقية الحدس  على التجريب، فهي كفكرة موجودة داخل نطاق الرؤية العقلية. أما الاتجاه الثاني فيقول بعدم إمكانية تحديد أو تعريف القيمة، وينكر المعنى واحتمال الصدق أو الكذب في أحكام القيمة، وأن قيمة الخير مثلا سمة خاصة ليست شيئا ماديا ولا يمكن أن تكون محط ملاحظة أو أن تخضع للتجربة.

يمكن القول أنه إذا ما حاولنا تحديد دلالة القيمة فسنكون أمام تحديات ابستمولوجية عديدة، بحيث يظهر أننا لا يمكننا تعريف القيمة وإنما الشيء اللصيق بالقيمة أو الحاصل عليها، وهو ما قلناه سابقا عن ارتباط وجود القيمة وتجسيدها من طرف الإنسان، والذي يدفع ثمن هذا التجسيد غاليا.

  • القوة والقيمة

يمكن أن نقر بأن هناك ترابطا وثيقا بين القيمة والتضحية عبر العصور، طالما هناك عالم، وإنسان يسكن هذا العالم، لذلك ليس لنا سبيل إلا البحث عن السبل التي بها تتأسس القيم، نحن نعلم أننا في نهاية الأمر نبحث عن تمظهر هذه القيم في الواقع، رغم الصعوبات والأزمات فإننا لا نملك إلا نتصارع ضدها للعيش بحرية وبكرامة، هذا الصراع الذي يقودنا لمفهوم القوة، وفي كل المعارك القوي هو من ينتصر، سواء كانت تلك القوة فكرية، أو اقتصادية، أو سياسية…

فكوريا الشمالية مثلا قوتها تكمن في المجال العسكري بزعامة كم جونغ أون  القائد الأعلى لكوريا الشمالية، أمريكا هي الأخرى تمتلك أقوى اقتصاد في العالم، أما الأقوى فكريا فنجد الصين أولا تليها الولايات المتحدة الأمريكية، ثم المملكة المتحدة حسب الأكثر بلدان  نشرا للكتب.

القوة هي ما تجعل لأي مجتمع قيمة بين المجتمعات الأخرى، وتمكنه من تأسيس القيم داخله، فهذا الصراع بين القوة والقيمة، صراع تقليدي قائم منذ القدم، “تمقت القيمة القوة وتجعلها بائسة. والقوة بدورها تتهدد القيمة[4] رغم أن ما قد يدفعنا إلى القول بأن هذا الصراع قد يضم توافقا منطقيا، يكمن في اعتبار القوة هي في حد ذاتها قيمة، كما قال بذلك فيلسوف القوة نيتشه، لا يمكننا إلا أن نقول أن هناك علاقة جدلية كذلك بين القوة والقيمة.

خلاصة

          قد يبدو للبعض أن هذا الطرح لن يجدي نفعا، وإذا ما أردنا أن نتحدث بواقعية، فإننا حقا نعلم أن العالم اليوم تحكمه القوة والسيطرة، لذلك وجب الكف ما أمكن عن التساؤلات الساذجة مثل: لماذا كل هذا العنف؟ لماذا ماتت الأخلاق؟ لماذا الوطن قاسي لهذا الحد؟ لماذا يجب أن أضحي؟ هذه فعلا قد تبدو تساؤلات سخيفة لن تجدي نفعا، فالكرامة، أو العدالة، أو الحرية اليوم وأبدا، لن تتحقق إلا في موقع القوة، وليس في موقع الضعف والهوان، لكن هدفنا أن نبحث في علاقة الموت والقيم، كإشكالية أنطولوجية، لصيقة بالإنسان منذ وجوده على سطح البسيطة، أو على الأقل أن نفتح أعيننا على هذا المفهوم الصعب في التحديد والأصعب في التنفيذ، وأن نعيها، ف”أن يكون الإنسان واعيا بقيمة من القيم فإن ذلك قيمة في حد ذاتها”[5]، خصوصا وأن الواقع اليوم أصبح بعيدا عن هذه الاهتمامات،  والوعي بهذه الإشكالية بات صعبا، لكونها قليلا ما تناقش “[حيث إن الوعي بمشاكل القيم، مثل مشاكل المستقبل، كانت موضع اهتمام دائرة ضعيفة جدا…وناذرا ما تؤخذ على محمل الجد”[6]، فهل نفهم أننا وجدنا لنطالب بالقيم، فيكون الموت حليفنا، ونكون بذلك قد ضحينا في سبيل الإنسانية لا الإنسان، وفي سبيل الحرية لا الإنسان الحر…وبالتالي نكون أمام جدلية قائمة. إن هذه الإشكالية قد تجد إجابات دينية عديدة، كما قد تجد تأويلات فلسفية مختلفة، فقط لكونها قضية إنسانية جديرة بأن تكون محط حوارات متعددة.   

هوامش:

  [1] ميجيل ده أونامونو “الشعور المأساوي بالحياة” ترجمة علي إبراهيم أشقر، منشورات وزارة الثقافة في    الجمهورية العربية السورية دمشق 2005، ص27

  [2]   محمد عزيز الحبابي “من الحريات إلى التحرر” شبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى ، ص23           

  [3] أحمد عبد الحليم عطية “القيم في الواقية الجديدة” دار الثقافة العربية القاهرة، 2007 ص 137

         Louis lavell , Traité des valeurs, première éditions, 1950 , p240-241              [4]

            [5]المهدي المنجرة “قيمة القيم” طبعة ثانية مزيدة، ص14

            [6]  نفس المرجع ص[34]

شاهد أيضاً

فيليب ميريو: التعليم عن بعد يزيد من التفاوتات

ترجمة: خالد جبور بقلم: فيليب ميريو، باحث متخصص في علوم التربية حاورته ايمانويل فرونسيز ترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *