الرئيسية / ترجمة / أوندري كانت سبونفيل: ما هي العلمانية؟

أوندري كانت سبونفيل: ما هي العلمانية؟

يوسف اسحيردة

العلمانية ليست إلحادا. وهي ليست لادينية أيضا. ولا هي ديانة إضافية. ليس موضوع العلمانية هو الله، وإنما المجتمع. العلمانية ليست مطالبة بتقديم تصور عن العالم، وإنما شغلها الشاغل هو كيفية إدارة وتنظيم “المدينة”. هي ليست معتقدا، هي مجرد مبدأ، أو مجموعة من المبادئ : حيادية الدولة فيما يتعلق بالدين والميتافيزيقا بصفة عامة، استقلاليتها عن الكنيسة والعكس، أي استقلالية الكنيسة عنها، حرية المعتقد والضمير، حرية الانتقاد والمراجعة الفكرية، غياب أي ديانة رسمية، غياب أي فلسفة رسمية، وبالتالي الحق لكل فرد في ممارسة الديانة التي تروقه أو عدم ممارسة أي واحدة، الحق في الصلاة أو ازدراء الدين، بشرط عدم الإخلال بالنظام العام، وأخيرا، و هذا الأمر ليس بأقل أهمية مما سبق، الطابع اللاديني للمدرسة العمومية التي يجب أن تظل بعيدة عن تدخل رجال الدين في شؤونها، وهي، في المقابل، ليست مطالبة بأن تكون معادية لهم، الحيادية هي كلمة السر.

يمكن تلخيص الأمر برمته في ثلاثة كلمات : الحيادية ( حيادية الدولة والمدرسة)، الاستقلالية ( إستقلالية الدولة عن الكنيسة والعكس)، الحرية ( حرية المعتقد والضمير). ضمن هذا السياق يمكن أن أعترف للأسقف لوستيجر ( Aron Lustiger ) بنوع من الصواب، حين يقول عن نفسه بأنه علماني. هو لا يريد أن تتدخل الدولة في شؤون الكنيسة، ولا أن تتدخل الكنيسة في شؤون الدولة. هو محق حتى عندما ينظر إلى الأمر من منظوره الخاص: ” أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ، إنجيل متى 22 : 21″. المرونة أمر ضروري أيضا بالنسبة لبعض الملحدين من أجل تقبل الأمر والتخلى عن تعنتهم. أن تكون الكنيسة قد استغرقت كل هذه المدة الطويلة من أجل تقبل العلمانية، يجعل تحولها أمرا باهرا و مذهلا أكثر، و يستحق الإحتفال، هذا كل ما في الأمر. لكن انتصار العلمانية هذا، ليس هزيمة للكنيسة : إنه انتصار مشترك للعقول الحرة و المتسامحة. العلمانية تمنحنا فرصة العيش معا رغم اختلافاتنا الكثيرة في الآراء والعقائد. لهذا فهي رائعة ، مفيدة، منصفة وضرورية. لا يتعلق الأمر هنا بمعاداة الدين. العلمانية هي عكس الإكليروسية ( التي يريد فيها رجال الدين السيطرة على مختلف مفاصل الدولة )، وعكس الشمولية ( التي تريد فيها الدولة السيطرة على الكنيسة ورجالاتها).

نفهم لماذا لا يمكن اعتبار إسرائيل، إيران أو الفاتيكان كدول علمانية، فكلها دول تتبنى ديانة رسمية أو مفضلة. لكن ألبانيا الشيوعية، في ظل حكم إينفر هوكسا، هي الاخرى لم تكن دولة علمانية لأنها كانت تتبنى الإلحاد كمذهب دولة. هذا المعطى يشرح بشكل كاف معنى العلمانية : هي ليست أيديولوجية دولة، و لكنها رفض الدولة لأي أيديولوجية كيفما كانت.

وحقوق الإنسان؟ يتساءل أحدهم. والأخلاق؟ ولا هذه الأمور هي الأخرى تستوجب أن تخضع لها الدولة. الدولة لا تخضع إلا لقوانينها الخاصة ولدستورها – أو أنها تخضع لحقوق الإنسان ضمن الحدود التي يحددها ويضمنها الدستور. لماذا، في ديمقراطياتنا الحديثة، يقوم الدستور بهذا؟ لأن الشعب الذي يتمتع بالسيادة، أراد ذلك. يتعلق الأمر بجعل الدولة في خدمة الناس وليس العكس. لكن السبب نفسه يمنع اعتبار حقوق الإنسان كديانة خاصة للدولة. هنا يصبح تحديد مهام الدولة أمرا ضروريا : ليس من واجب الدولة أن تحكم العقول أو القلوب. هي ليست مطالبة بأن تطلق أحكاما تخضع لمعايير الحقيقة والخير، بل ما يهمها، في الدرجة الاولى، هو السهر على تطبيق القانون والمعاقبة على مخالفته. الدولة لا تملك ديانة. الدولة لا تملك أخلاقا. الدولة لا تملك مذهبا. المواطنون وحدهم يستطيعون امتلاك كل هذه الأشياء إذا أرادوا عن طيب خاطر.

لكن هذا لا يعني أن على الدولة أن تتسامح مع كل هذه الأمور، أو هي تستطيع ذلك. كل ما في الأمر أن الدولة لا تعاقب سوى التصرفات، لا النوايا والأفكار، وفقط في حالة ما إذا كانت هذه التصرفات مخالفة للقانون. في دولة علمانية حقيقية، لا يوجد هناك ما يسمى بجريمة رأي. كل واحد يحق له أن يفكر كما يريد، وأن يعتقد فيما يريد. كل واحد يجب أن يحاسب على أفعاله، لا على أفكاره. على ما يقوم به، لا على ما يعتقد به. حقوق الإنسان، بالنسبة للدولة العلمانية، ليست عبارة عن أيديولوجية، ولا هي بمثابة ديانة. ليست معتقدا، و إنما هي إرادة عامة. بالنسبة إلى هذه الدولة، حقوق الإنسان ليست رأيا، بل هي مجموعة من القوانين التي يحق لنا أن نكون ضدها لا أن نخرقها.

شاهد أيضاً

افلاطون واسبقية المكان في تنظيمه عشوائية الزمان

علي محمد اليوسف علي محمد اليوسف تقديم ” يرى افلاطون أن الزمان ليس ازليا, لأنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *