الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / فيورباخ: الطبيعة ونزعة التفكيرالبدائي الميتافيزيقي

فيورباخ: الطبيعة ونزعة التفكيرالبدائي الميتافيزيقي

علي محمد اليوسف

 يقول أحد الفلاسفة المعاصرين  في معرض حديثه عن تعالق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس,( أن الانسان البدائي والذي بدا له أن كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له, ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته).(1),وفي تعبير ظريف ليوربيدوس:  الارض يجب عليها أن تثمر شيئا لأطعام قطيعي سواء أكانت الطبيعة راضية أن تفعل ذلك أم لا.

هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الارضية, لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها , تساؤلات الانسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرد به عن باقي المخلوقات والكائنات, (عقليا – روحيا) خياليا تأمليا ميتافيزيقيا في ماوراء ظواهر الطبيعة التي يلحظها أمامه ويريد معرفة أسرار وجودها في مشاركتها الحياة معه .

(أن مصير الانسان هو أرادته وتفكيره,وبمجرد أن يتخطى المرحلة البدائية, ويصبح كائنا يقرر مصيره على أسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل, عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وأرادته وتأثره بهما). (2)

وبحسب فيورباخ : حين يرتقي الانسان بفكره وأداته فوق الطبيعة, فأنه يصبح خارقا للطبيعة, ويصبح الاله أيضا خارقا للطبيعة.(3) هنا يتوجب التنبيه أن لا الخالق الغيبي في السماء, ولا الاله الانساني مجسدا بالانسان الخيالي نفسه, يستطيع خرق قوانين الطبيعة لتلبية رغائب الانسان وحاجاته, ماعدا ماجاء كمعجزات على أيدي الانبياء والرسل لتدعيم أيمان الناس بهم ولم يعزوها لأنفسهم كقدرة ذاتية يمتلكونها بمستطاعهم تكرارها متى يشاؤون, بل هي لخالق يعلّمّهم ويمدّهم بها. وليس بمقدور الطبيعة خرق قوانينها أيضا من أجل تلبية وتوفير حاجات الانسان أيضا, فهي من جهة لا تعي ذاتها ومن جهة أخرى لا تعي وجود الانسان معها بأكثر من أنه كائن يشاركها الطبيعة.,

لكن بمقدور الانسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من أجل رغائبه وأشباع حاجاته وملّذّاته, اذا ما توفرت له صفات وقدرات الالوهية كما خلعها عليه فيورباخ من خلال علوّه واعلائه الانسان على الطبيعة وتنصّيبه له ألها عليها.

وهذا لايتم ألا في وعي الانسان لذاته كائنا مميّزا عن كائنات الطبيعة الاخرى من حوله, وكونه جزءا من الطبيعة متمايز عنها متعاليا عليها, في وقت يعجز فيه كسر قوانين الحياة بقواه الانسانية المحدودة, فكسر قوانين الطبيعة في الزمان والمكان معقودة على الخالق الاله فقط.

كما أن أنتقال الانسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة, هو أنتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وأنقياد الحيوان للطبيعة, فحين يعلو الانسان فوق الطبيعة, فبماذا ؟ وكيف؟

فهو يعلو عليها بخصائص الذكاء والخيّال واللغة التي لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة المهادنة لها دون وعي وادراك منه لهذا التكيف الاذعاني. وبهذه المفارقة التكيّفية يتسيّد الانسان الطبيعة, ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا أنقياديا لها كما ينقاد الحيوان لها بسلبية, لذا نجد الانسان في علاقة رأسية أحتدامية متصارعة مع الطبيعة على خلاف الحيوان الذي يهادن الطبيعة من خلال التكيف السلبي معها , وبهذا النوع من العلاقة المنافسة نجد الانسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه. الطبيعة لم تقد الانسان في أي مرحلة من تاريخه على الارض..رغم ضآلة الانسان في وجوده الكياني وقدراته المحدودة أمام لا محدودية الطبيعة في متخيّله الارضي لها وفي أمتلاكها موجودات مذهلة لا يستطيع الاحاطة بها.

وأنه لمن المهم أن الانسان في مراحل تاريخية متقدمة في وجوده الانثروبولوجي تمّكن من أختراع اللغة وأعتلائه ظهر الطبيعة في أضافته خاصية تفرده اللغوي عن الكائنات الحيّة فأصبح الانسان سيد الطبيعة بالعقل والخيال واللغة.

وأكثر مما ذكرناه فأن فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا مامعناه أن التأليه أوالتوحيد لانسانية الطبيعة الالهية بمعنى أنتساب الطبيعة هي للانسان وليس أنتسابه هو وتبعيته لها. وهذا التعالق الانساني مع الطبيعة أنما هو علاقة الانسان بوعي ذاته وتفكيره حل الغاز الطبيعة.

وهو تعالق أنما ينبع فقط (من ربط الانسان الطبيعة بذاته,لأن الطبيعة تخضع نفسها للانسان دون أرادة ولا وعي منها).(4) كما أن الطبيعة غير ملزمة, ولا تعي أهمية تنفيذها لرغائب الانسان وتلبية أحتياجاته منها,كما وليس  بمقدورها خرق قوانينها الطبيعية الثابتة التي تحكم الوجود الطبيعي رغما عنها ودون دراية منها, من أجل تحقيق ما يحتاجه الانسان منها كما أشرنا سابقا,لسبب يجهله الانسان كما تجهله الطبيعة أيضا,بأختلاف جوهري بين جهل الانسان وجهل الطبيعة.  

أن الانسان البدائي القديم لا يدرك أن الطبيعة تختلف عنه جوهريا في أنها لا تعي ذاتها ولا تعقل وجودها ولا تعي وجوده وظواهر الاشياء من حولها بخلاف علاقة الانسان مع الطبيعة في وعيه ذاته بها كموضوع ووعيه المحيط والطبيعة والموجودات من حوله كموضوع.

ومن منطلق تجاهل الجدل الحاصل في أن الطبيعة خالقة لنفسها وقوانينها على وفق الانتخاب الطبيعي الدارويني والتطورالبيولوجي والانثوبولوجي للانسان والطبيعة, اواعتمدنا المنحى الايماني الديني ان الله هو خالق الطبيعة ومنظّم قوانينها باحكام لا تدركه الطبيعة ذاتها ولا الانسان ايضا, فهذا لا يغير جوهريا أن الطبيعة والاله والانسان جميعها وفي علاقاتها البينية بينهم أنما يمثلون لغزا ميتافيزيقيا لا يقوى الانسان حله في محدودية أدراكه العقلي.

نجد من المهم التذكير بأن الطبيعة التي تنتج وتسود قوانينها التي تحكمها هي والانسان معا بأستقلالية وجودية عن الانسان , فالطبيعة لا تصنع تلك القوانين في أدراك أهميتها للانسان وأشباع رغائبه وأحتياجاته, أي أن قوانين الطبيعة التي تعمل بمعزل عن أرادة الانسان في توفيرها وسائل بقائه وتلبية أحتياجاته المعيشية له وللحيوانات معه كافة, لادخل لوعي الطبيعة بصنعها ووجود تلك القوانين التي تحكم الانسان والطبيعة ذاتها وحتى الكوني أيضا, ولا دخل ولا تعي الطبيعة أنها تمتلك قوانين تحكمها وتحكم الانسان بها شاؤوا هذا أم أبوا ذلك..

وفي الوقت الذي يندهش الانسان بالطبيعة , في تساؤله من أوجدها وكيف؟ فالطبيعة لا تمتلك جوابها لأنها لا تعي كيف وجدت ومن أوجدها.كما أن الانسان لا يقوى حل لغز حياته هو في وجوده الارضي الطبيعي والى يومنا هذا وعلاقته بالطبيعة والكوني.

وبحسب فيورباخ أيضا(فأن الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الانسان, بمعنى أنها تطيع وتلبّي قوانين (قلب) الانسان بمعنى وجداناته ومشاعره وعواطفه,,فعلاقة الانسان بروحه, تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس). (5)

هذه العبارة مشبّعة بالميتافيزيقا التصوفية التي يتمتع بها الفيلسوف الشاعر فيورباخ ولا تقول أكثر من أن الانسان مبتدأ ومنتهى الدين, فكلتا العلاقتين علاقة الانسان بروحه , وعلاقة الانسان بالآلهة هي علاقة أفتراضية خيالية معدومة التحقق اليقيني واقعيا ولا عقليا تخيليّا, ولا فارق بين العلاقتين لأن مصدر خلقهما هو الانسان فقط التي هي علاقة الانسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة تعلو الانسان الا تلك التي وضعها هو في موقع الاله المقدس المعبود.

وتأكيدا لما ذهبنا له من جهة ثانية فعلاقة الانسان بروحه علاقة وجدانية نفسية لا وجود حسّي أو أدراكي مادي عقلي لها, لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي أيضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الانسان فقط.

فالانسان يعبد ما يتخيّله هو فقط حسب حاجته الروحية او المادية الطبيعية له, ويؤمن بمعبوده بروحه المجردة وليس في تحكيم عقله المحدود في كل مايصنعه له خياله.واذا ما علمنا أن فيورباخ فيلسوف وشاعر أيضا, أدركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بألفاظ تعبيرية شفافة موحية تتوارى خلفها المعاني الصوفية.فقد وضع نزعة التدين عند الانسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة مسّلم بها دينيا في جميع لاهوت و ثيولوجيا الاديان والفكر الديني الكهنوتي, فالعقل بمدلولاته الادراكية والحسّية والخيالية الذهنية , لا يتوسّله الانسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في أشباعه نزعة التدّين عنده,وأنما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي في ترسيخ أيمانه الغيبي فقط , ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن أكثر الموحدين لله, أن الايمان الديني مصدره القلب وعجز العقل في الاستدلال على تثبيت الايمان الروحاني ببراهين عقلية.

فالانسان يعمل عقله حسّيا وخياليا بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا محدودا جدا في تكرار أفعاله الغريزية حتى تصبح عادة, وحسّيا مباشرا في تأمين الطبيعة ما يحتاجه في غذائه فقط, ولا يمتلك الحيوان قابلية ولا قدرة أعمال العقل خياليا تجريديا حتى في حالة تعطيل اللغة عنده..لذا الانسان يمتاز عن الحيوان بأنه كائن ديني أو متديّن وليس كائنا اجتماعيا فقط, كونه كينونة عقلية وخيالية ولغوية وجدانية تجريدية متى أراد أستحضارها في وقت واحد.

لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيورباخ( أن الانسان يفعل من خلال الله,ما يفعله الله حقيقة بنفسه)  من كتابه أصل الدين ص96.هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل أكثر من تأويل أوحد وحيد يمثل معنى, لما كان بدأه فيورباخ في بداية كتابه اصل الدين, من أن الآلهة المصنّعة خياليا من قبل الانسان مبعثها علاقته بالطبيعة, وليس هناك من وجود الهي من غير تأمل الانسان وأعمال عقله الخيالي في الطبيعة وفي ما وراء الطبيعة, وأيمانه بتخليق ما كان قد أبتدعه خياله أنطولوجيا ذهنيا, ويحمّله جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الانسان عليه , على ألهه.

أن عبارة فيورباخ هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتخفى فائض المعنى فيها خلف المفردات اللغوية, تلخيصها يكون بأن الاله والانسان هما وجود أنطولوجي واحد هو الانسان فقط في معايشة خياله وتصوراته في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا.ولا يختلفان ألا بأهمية الخيال في البحث عن الامان الروحي الذي وجده في تخليقه الاله أي في تخليقه الدين  باشكاله البدائية.

أن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب الى بداياته حتى مراحل الوثنية قبل الاديان السماوية تشير الى الشرق العراق السومري والبابلي ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين متأخرا, ثم أنتقلت الاديان الوثنية والميثولوجية والاسطورية والسحرية الى بلاد اليونان والرومان الى ماقبل ظهور اليهودية والمسيحية عن طريق فتوحات الاسكندر المقدوني للشرق حوالي 320 قبل الميلاد.

فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيورباخ(أنه في الشرق يقلل الانسان من قيمة نفسه الى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني,أما عند الاغريق والرومان فأن تأكيد الانسان لكرامته تضعه في مصاف الالهة ). ص 100من كتابه اصل الدين…

طبعا في هذا مغالطة آرية عنصرية عرقية, أذ الى وقت ليس ببعيد تاريخيا فأن الاغريق كانوا يضّحون بالاطفال قرابين للالهة زيوس كما كان يفعل (آخيل) أو غيره من وثنيي تعدد الارباب ولم تكن تحسب تلك حيوانية دينية, بعدها بزمن أيضا ليس ببعيد كانت قبائل الفايكونغ تضحي بالقرابين الآدمية أرضاءا للاله (أيتش). وأخلافهم اليوم من أرقى وفي المقدمة حضاريا من دول العالم الذين هم الدول الاسكندنافية.

لقّب فويرباخ بانه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي, البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة أغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له.  

ومن الماركسيين المحدثين اليوم الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس, بنفس معيار أنكارهم الجدل الهيجلي على أعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا,, علما أن جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية الفويرباخية والجدل أو الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية , والجدل المادي التاريخي الذي أعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ, بعد تخليصه مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني, وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.

,لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الانسانية,هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف, في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا, مهما أعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد ..الخ.كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

واذا سمحنا لأنفسنا اسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على أي نص مكتوب ,فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف , في ردّه كل نص الى تناصه  المتعالق مع سابقاته من النصوص من جهة ,ومن جهة أخرى فأن النص بعد كتابته و نشره يصبح ملكا صرفا للقاريء المتلقي, أو بالاحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءآتهم للنص في ملاحقتهم ما يسمى فائض المعنى المتبقي بعد كل قراءة جديدة.وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة أو المعارف أو الفلسفة أو السرديات الكبرى كالايديولوجيا والتاريخ الخ.

ويؤكد البرتو أيكو هذا المعنى لدى بارت قائلا : أن بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة, الذي يستهلكه القاريء, والذي يمنح نفسه للقاريء بلا مشّقة,ومن ثم يقوم بترسيخ العادة وألمألوف, وبين نص الكتابة الذي يقوم القاريء بكتابته مرة أخرى, ومرات عديدة في كل قراءة أخرى جديدة…

    علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش:

** ما اوردته في المقال كما نبّهت له, هو عرض فلسفي لافكار فيورباخ, وليس مناقشة صحتها من عدمه.

1.كتاب اصل الدين لفيورباخ/ ترجمة وتقديم  احمد عبد الحليم /القاهرة ص12

2. نفس المصر ص17

3. نفس المصدر السابق ص22

4. نفس المصدر السابق ص34

5. نفس المصدر السابق ص56

شاهد أيضاً

ما بعد الحداثة

يزيد بدر يزيد بدر – السعودية     البداية بوصفها شيئًا أوليًا لا يشتق من غيره هي وضع لافتراض معين، أو هي الافتراض نفسه، وهكذا يبدو كما لو كان من المستحيل أنتكون هناك بدايةً على الإطلاق. هيغل/ موسوعة العلوم الفلسفية. من أجل الكتابة عن ما صار يسمى “ما بعد الحداثة” فلابد من التذكير أولًا بأن المهمة شاقة من جهة أنها تستدعي إنقلابًا في طريقة رؤيتناللعالم كما أنها بطريقة ما تُذكرنا بأن الألفة الشديدة هي أبعد ما يكون عن البساطة والإدراك السريع، فحسب ما أراه في هذه الفلسفات(وإن كان لا يمكن وضعها في قالب واحد إلا على سبيل التجويز البيداغوجي) هو التالي:  إنها لا تزمع “إكتشاف” شيء ما ولا حتى”إختراع” أمر ما وما بين الإكتشاف والإختراع جدل طويل ليس هنا مقام البت فيه. إنما أقصى ما نستطيع قوله أن “ما بعد الحداثة” تقتربمن ذاك المفهوم الذي ذكره هايدغر في(الكينونة والزمان) أي الكينونة تحت اليد وهو ما سأتي على ذكره بعد أن أفصّل في إشكالية التسمية(وإن كان النحت وتغيير الدلالة لا يخلو من ضرب من الأمثَلة الفلسفية أو بعبارة ما بعد حداثية راسب ميتافزيقي عندما ندرك بأن التشديدعلى التسمية يعني الإقرار ضمنًا بأن العلامة تعكس الواقع أو الطبيعة الخ) فالإشكال يقع تحديدًا في لفظ “بعد” فحين نعي بأن هذه الموجةالفلسفية ظهرت إبان صعود الفلسفات التي وجهت سهامها لنقد الحداثة فرانكفورت نموذجًا وكذلك ظهرت بعد أن تَصيرت الحداثة إنشغالًاكونيًا واعيًا أي بكلمة أخرى : مع أوج الحداثة. فيظهر مما تقدم أن عبارة “بعد” توحي بالتجاوز والبعدية فهو ظرف يفهم من خلال أضافتهللحداثة فهذه الفلسفات إذن لاحقة وتالية للحداثة وهنا لب المشكلة في هذا المصطلح، فالبعدية توهم “بالتجاوز” ومن هنا جاء الخلط وسوءالفهم الشائع بين الحداثة وما بعد الحداثة حتى ترى الكثير يصرخون بأن ما بعد الحداثة ليست إلا حداثة وأن هذه الأخيرة قادرة علىإستيعابها وهي مشروع لم يكتمل ولن يكتمل أبداً. إذن هل هناك بديل لا يوهم بهذه البعدية؟ فضلًا عن ما ذكرناه آنفًا عن كون البديل ونحتالمصطلحات فيه من الإشكاليات الميتافزيقية لا يتوفر مصطلح ناجز وإن توفر لن يحل مكان ما عم وساد وهنا طرفة المصطلحات عند النظرإليها بوصفها نتاجًا إجتماعيًا لها سياق وحمولة عمومية يصعب إنتشالها بلمح البصر. يبقى السؤال قائمًا وهو مشروع : إذن ما هي ما بعدالحداثة؟ وإن لم تكن تجاوزًا فماذا تكون ؟ إن هذا السؤال هو بشكل ما يقول : ماذا يعني النقد لدى هذه الفلسفات إن لم يكن تجاوز أو بناءما هو جديد الخ ؟ إن عصرًا نقديًا دشنه كانط في مشروعه الشهير يفترض طريقة وحيدة للنقد وكذلك آليات التفكير، فمثلًا النقد المحض ينبهكانط إلى أنه ليس سلبيًا أي فقط يزمع بيان حدود العقل بل هو إيجابي من حيث أنه يمهد الطريق للعقل العملي والفصل بين العلم والإيمانبحيث يقوم الأول على الملاحظة والتجربة وحدسي الزمان والمكان بينما الثاني لا يتتطلب ذلك فالإيمان أمر يتعلق بالضمير والتسليم والإختباروهذا جوهر الإيمان. إلا أن النقد ما بعد الحداثي لا يسير على هذه الطريقة وحتى أوضح وأقرب مفهوم النقد الما بعد حداثي فعلي أنأستعين بإستعارة أرسطوية وأخرى هايدغرية عمقها فاتيمو(وإن كان في الإستعارات الكثير من المخاطرة كما بينا جونسون ولايكوف)  يبين لنا أرسطو مفهوم الحركة في عدة من مؤلفاته ومن أهمها(السماع الطبيعي) ثلاثة أشكال النمو والنقصان والإستحالة والنقلة، ومايهمني هنا هو حركة الإستحالة فهي تعني الإنتقال من الحرارة إلى البرودة كما في المعدن مثلًا عندما نضعه تحت نار تستعر ثمنخرجه، فالصورة التي تظهر هنا هو بقاء المادة على ما هي عليه أي الحديد إلا أن التغير يحصل في البرودة والسخونة وإن جاز ليلقلت بلغة أرسطوية أيضًا تغير في العرض لا الجوهر، كذلك النقد ما بعد الحداثي فهو يشير إلى ما هو موجود سلفًا ولكن طرأ عليهبعض التغييرات كالأَمثَلة كما أصطاد دريدا في تأريخ الميتافزيقا مفهوم الحضور وهيمنة الصوت على الكتابة.يُقدم لنا فاتيمو في كتابه الرائع(نهاية الحداثة) قراءة “نقدية لكل الحجج الكلاسيكية التي قُدمت ضد ما بعد الحداثة ومن أشهرها أنهاداخلة في صيرورة الحداثة، وأن النقد بذاته واقع في مقولتي “الجديد” و “التطور” وهي مقولات حداثية بإمتياز(سوف نعود لهذهالمقولات فيما بعد) يستخدم فاتيمو على هدي نيتشه وهايدغر مقولتي “التعافي” و “المرض” مما يعني أن النقد ما بعد الحداثي ليسإلا تشخيصًا لمرض موجود ومحاولة التعافي منه دون تركه خلف الظهر لذلك يقول فيما نصه : ليست الميتافيزيقا[كما يقول هايدغر] شيئًا نستطيع وضعه جانبًا كرأي ولا يمكن تركها خلف الأكتاف كمذهب انتهى الإيمان بع(فاتيمو،٢٠١٤،ص١٩٩)مما يعني أنها نقديسعى إلى وضع الأصبع على الأمراض دون الوقوع في مقولات من قبيل التجاوز والتطور والجديد، وسوف أبين فيما بعد بأكثروضوحًا هذه المسألة كما ذكرت سابقًا من خلال مفهوم الكينونة-تحت-اليد ولكن الآن حسبنا أن نعي ماهية النقد المابعد حداثي وإلىماذا يصبو. ومن الطريف أن هذا المفهوم الذي أعتمده فاتيمو بناءً على نصوص عدة لنيتشه وهايدغر وجدت صدىً له قريب فيمؤلفات ماركس وتحديدًا في مقالته(إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) : إن الحزب يعتقد أنه يستطيع نفي الفلسفة لمجرد أنيدير لها ظهره ويغرب عنها وجهه مغمغمًا ضدها بعض الجمل الغاضبة الساذجة، ان ضيق افقه هو الذي يجعله لا يعتبر الفلسفة منميدان الواقع الألماني او أن يذهب إلى إفتراضها دون الممارسة الألمانية والنظريات التي تستخدمها، تريدوننا ان ننطلق من بذورالواقع الحية ولكنكم تنسون أن بذرة الشعب الألماني الحية لم تنم إلى حد الآن إلا تحت جمجمته وبكلمة إنكم لا تستطيعون إلغاءالفلسفة إلا بتحقيقها.(٩-ماركس-إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) مما يعني أنك لا تستطيع أن “تدير ظهرك” فكل ما هنالكهو ما تحمله معك ، وهذا ما يقودنا إلى مقولة الجديد والتي تتبناها الحداثة بشدة ولكن قبل ذلك نسأل مما قد طرحناه من قبل : كيفيفيدنا المقام الإنطولوجي البدئي عند هايدغر في إستيعاب هذا الأمر جيدًا؟ أي كيف نفهم “طبيعة” النقد المابعد حداثي بوصفه”إشارة” وإستنطاق لما هو مُتكلم أصلا إلا أنه يقبع في الظلام، الأمر أشبه(وهنا إستعارة أخرى) بالدوافع المكبوتة بحيث أنها كامنةفي ذواتنا ولكننا لا نشعر بها مما يعني أن الأمر لا يبحث في الوجود واللاوجود بل فيما ينكشف في النور وفيما يحتجب في الظلمة.الكينونة تحت اليد وفي كيفية الإلتفات بعد الألفة : الكينونة تحت اليد لفظ إشكالي في ترجمته فهل الأقرب إلى الدلالة الهايدغرية في at أو تحت under، ولكننا لسنا هنا في مقام توضيح ذلكولكن بالجملة فنحن نختار “تحت”على “في”وقد يتضح ذلك بعد الإسهاب في بيان ماذا يعني هايدغر بهذا المقام الذي للكينونة، ولا يغيب عنبالنا أن القصد هنا هو بيان ما للنقد المابعد حداثي من معاني ممكنة تقترب مما ذكرنا أو تبتعد. على كلا من المهم ولن أطيل في ذلك أن نفهم فلسفة هايدغر بوصفها نقدًا لثنائية الذات والموضوع، وبلغة أخرى نقدًا للذاتوية الحديثة والتيتؤرخ عادةً مع ديكارت{وهذه العودة إلى ديكارت فيها الكثير من التبسيط فالأمر يعود إلى ما قبل ذلك بكثير} المهم أن العلاقة بين الإنسانوالعالم تتشكل من خلال ذات أو وعي وعالم أو موضوع وهنا قطبين يحدث التناحر بينهم أيهم له الأسبقية وما إلى ذلك، إلا أن هايدغر يبين لنافي تحليلاته الإنطولوجية منذ بداية كتابه(الكينونة والزمان) بأن الكينونة في يوميتها هي من تؤصل لعلاقة أصلية لهذا الكائن الذي يطلق عليهدازاين، فكيف يكون ذلك؟ العالم يظهر لنا في البداية بوصفه كينونة تحت اليد أي أدوات هنا وهناك قابلة للإستعمال، المطرقة والساعة والمنزلوالسيارة والطريق واللافتات الخ ومن سمات هذه الأدوات طابع الإحالة والتخفي، بمعنى أن المطرقة تحيل إلى المسمار وهذا الأخير يحيل إلىالخشب والخشب بدوره يحيل إلى البيت وهكذا ولكن الأهم أن الأدوات والتي لها نمط كَون تحت اليد لا نقيم معها علاقة حضور كما يفعلالفيزيائي عندما يدرس ظاهرة الصوت أو الضوء وغيره، بل كون يحتجب لا نسائله نظريا ولا عمليًا، وما يهمني هنا أنه يملك طبيعة الإختفاءوالإحتجاب بوصفه أداة تستخدم لا نلاحظها ما لم يحدث لها شيء يعترضها كأن تُكسر إذا كنا نتحدث عن مطرقة مثلًا، عندها تظهر لناوتفتح عالمًا، وتملك طابع ما يسميه هايدغر “لفت نظر” فهذه الإلتفاتة حين تعاند الأداة وتجبرنا على النظر والإلتفات، ما يهمني هنا وهو غايةهذا التخريج هو التالي : إن فاتيمو قال بأن النقد الما بعد حداثي لا يريد التجاوز بل التعافي من مرض ما إلا أنه لم يفسر لنا كيف يكون بقاءهذه “الأفكار” ممكنًا والمراد من ترسيخ هذا الأمر يتبين أكثر حين نصل إلى نقد مقولة الجديد التي تبشر بها الحداثة بإستمرار . الخلاصةأن “الشيء” موجود كما في الأداة إلا أنه يحتجب ويختفي وما النقد المابعد حداثي إلا كسر لهذه الألفة، وهنا يقترب النقد من الفن حين نفهمهذا الأخير بوصفه نزع الألفة كما تحدث هايدغر أيضًا عن حذاء الفلاح في لوحة فان غوخ . إلى هنا نكون قد بينا بعض الشيء مفهومالنقد(إن جاز تسميته نقد) لفلسفات ما بعد الحداثة، وتبين لنا بأنه ضربٌ من الإشارة إلى ما هو موجود سلفًا كأن يفسر المحلل النفسي حلمًالمريض ما فينقله من مرحلة عدم وعيه به إلى وعيه. بذلك نكون أحتفظنا بأن “الأفكار” لا يمكن تجاوزها وأستطعنا كذلك أن نبين لماذا و كيفيكون وجودها ممكنًا على مر العصور. الحداثة وما بعد الحداثة :  بدون شك إن للحداثة معاني متعددة، وهناك ضروب من التفرقة يقيمها بعض الباحثين بين الحداثة والتحديث وما إلى ذلك. ما يهمني هنا هومحاولة تحديد مجموعة من السمات البارزة التي تميز حداثة العصر الذي نعيشه{وذلك من مبدأ أن العصور كلها تمر بما نطلق عليه حداثة}وهناك سمتين بارزتين سوف نظهرهما أوًلا قبل أن نخرج بتحديد يفي بما أعنيه بالحداثة ومن ثم ما بعد الحداثة{لأننا لا نسلم بطوباوية الحدالجامع المانع} وهاتين السمتين هما العلم والإصلاح الديني{علي أن أذكر بأن قراءة التأريخ مكللة دائمًا بالإختزالية فكوني أبرز العلموالإصلاح لا يعني تهميش العامل الإقتصادي مثلًا والإجتماعي الخ}وحتى نبلغ هذا الأمر سوف أسير وفق هذه المحاور: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *