الرئيسية / منتخبات / عامة / “الله” ذلك المجهول

“الله” ذلك المجهول

عزالدين بوروى

“الله”،تلك العبارة التي تتردد على الألسن ليل نهار،في الباصات،في القطارات،في الشوارع،فوق المنابر وفي كل مكان،أينما وليت وجهك تسمع عبارات لا يمكن أن تنطق دون إلحاق عبارة “الله” لها من قبيل:”الله يخليك”،”الله يحفظك” ،”ربي يسترك” ،وغيرها من العبارات التي باتت حاضرة في كل مجلس،والأكثر من ذلك أنها أصبحت عبارات لا يمكن قط إبعادها عن قاموسنا اليومي أو قاموس “الدارجة” الخاص بنا. لكن الإشكال المطروح هو كالآتي: من هو هذا الإله الذي يتحدث عنه الجميع بين الفينة والأخرى؟من يكون؟ وإن كان موجودا، هل هو نفسه ذاك الخالق الذي حدثنا عنه رجال الدين،أم هو ذاك الذي ارتسم في مخيلتنا من لدن الآباء والأجداد؟ ترى هل عبادة الله غاية أم وسيلة؟
جرب يوما أن تطرح هذه الأسئلة على عامة الناس،أجزم لك أن الأجوبة ستكون متشابهة إن هم أجابوا طبعا،فكما هو معروف هناك تحفظ كبير من الأجوبة على مثل هذه الأسئلة لجملة من الإعتبارات،لعل أبرزها :اعتمادنا وبكثرة على المنقول دونما المعقول،ففي اللحظة التي يجب علينا أن نحرك مادتنا الرمادية ونتركها تقوم بفعل “التفكير” اقتصرنا على ما قيل وعلى ما نقل إلينا حتى “أصبنا بنوع من الشلل العقلي وصدم قوة الإدراك فينا” بحسب تعبير  الأستاذ عبد الله ابراهيم.لايزال العقل العربي يتملكه رعب السؤال،وخاصة الأسئلة التي تبحث في جوهر الأشياء أو تلك التي تبتدئ ب “لماذا”. كما أنفت الذكر ،إن الجواب على الأسئلة أعلاه ستكون أجوبة موحدة نظرا لكون الأغلبية تفكر بطريقة واحدة ومؤدلجة وفق إطار معين،ومن تجرأ وخرج عن ذاك الإطار فليكن على استعداد لسماع مختلف العبارات الدنيئة وليكن صدره رحبا يتقبل كل الانتقادات والتي غالبا ما تأتي من جهة أولئك الذين لا يقرؤون شيئا ،أو إن قرؤوا لا يفهمون. سيستعيذون بالله  منك أولا لطرح هذه الأسئلة،وبعدما ستتم الإجابة كون أن الله هو خالق هذا الكون،له تسع وتسعون اسما،ولا يحق لك أن تبحث في صفاته،مسكنه السماء،ونحن نعبده كي يدخلنا جنات الخلد ولا يعذبنا بنار جهنم. هذه هي أجوبتهم في أغلب الأحيان وهو ما دفعني للقول أن  مفهوم “الله” مفهوم مجهول عندنا،مفهوم نقلي لا عقلي،مفهوم سوق بطريقة خاطئة في ثقافة تجرم فعل “التفكير”.
ودور أولي الألباب هنا هو إزالة الحجاب وكشف المجهول ليصبح معلوما.
يقول الحلاج في إحدى قصائده المعنونة ب “عمى الإبصار والبصائر ” ما يلي :
-وأي أرض تخلو منك حتى   قاموا يطلبونك في السماء
-تراهم ينظرون إليك جهرا   وهم لا يبصرون من العماء

بهذه الأبيات الشعرية يكون الحلاج من السباقين الذين حاولوا إعمال العقل والحديث عن أمور كانت تعتبر ضلالا وزيغا عن الطريق حينها،لقد أظهر أن الله جل شأنه ليس مكانه السماء فقط وإنما هو موجود بكل مكان  فأي أرض تخلو منه حتى قام العباد يطلبونه ويتضرعون إليه ظانين أن مقره السماء وفقط.
إن مفهوم  “الله” يختلف من فيلسوف إلى فيلسوف ومن مفكر إلى مفكر ،فلكل تعريفه الخاص له ،لكنهم رغم اختلافهم في التعريفات إلا أنهم يلتقون في نقطة جد مهمة كون أن الله هو إله الحب والخير والجمال ضاربين عرض الحائط كل تأويلات وتخريجات رجال الدين الذين لايزالون يخوفون العباد بإله العذاب،وهذا ما يجعل أغلبية الناس ترى أن عبادتها لله هي بغرض الفوز بالجنة والنجاة من النار وهم لا يعلمون أنه غير محتاج لعبادتهم بالمرة،وأن عبادتهم له لن تزيده ولن تنقصه شيء.إن هذه الإعتقادات توضح أن عبادة هؤلاء لله هي مجرد وسيلة لا غاية،فلو لم تكن لا جنة ولا نار لما هبوا إلى عبادته.
إن الله يعبد بالعقل لا بالنقل،وإذا أردنا أن نتحدث عنه فإننا سنتجاوز مسألة البرهان الكوني  preuve cosmologique أو برهان النظام  أو الدليل الأنطولوجي أو الأخلاقي أو غيرها من الدلائل التي تبرهن وجوده،وسنتجاوز أحكام واجب الوجود التي تحدث عنها  محمد عبده في كتابه “رسالة التوحيد” ،بل إن ما يجب تبيانه أن هذا الإله هو إله الحب والخير والجمال لا إله الوعد والوعيد،إله يوجد في كل مكان،هو طبيعة طابعة بلغة سبينوزا،طبيعة طابعة تتجلى في الكون الذي هو طبيعة مطبوعة .هو الله المبدع الذي لا يجب تقييده بمكان معين فهو في كل مكان،وكل إنسان كيفما كان يستطيع أن يتحسس وجوده فعلا إذا كان نقي السريرة بهي السجية.
مجمل الحديث،وجود الله ليس رهينا بمكان معين،فهو ليس ساكنا بمعبد معين وليس قارا بالسماء السابعة،بل هو في كل مكان،في السماء والأرض والجبال والأنهار والتلال .وأينما تولوا فتم وجهه عز شأنه.هو إله كل شيء جميل وكل من يحب الجمال.
وعليه نصل هنا للتأكيد على الفكرة الواردة بالعنوان أعلاه كون أن مفهوم الله لايزال مجهولا عند العامة،أو بمعنى آخر ،لايزال البعض يتحدث عن الله لسانا فقط ،ولايزال البعض الآخر يتحدث عنه نقلا لا عقلا.
عزالدين بوروى

شاهد أيضاً

التمثلاث الاجتماعية لمرض فيروس “كورونا” مقاربة سوسيولوجية

ذ رشيد أبعوش يعتبر حقل سوسيولوجية الصحة والمرض من بين حقول علم الٍاجتماع الصحة، الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *