الرئيسية / فكر وفلسفة / شاشة / مواقع التواصل الاجتماعي: من الرغبة في التواصل إلى صناعة التفاهة

مواقع التواصل الاجتماعي: من الرغبة في التواصل إلى صناعة التفاهة

عبد الكريم الموريد

     كتب أبو حيان التوحيدي في مؤلفه الامتاع والمؤانسة أن المحادثة تسريح للهم تنقيح للأدب تلقيح للعقل ، والمحادثة بلغة عصرنا قد نسميها تواصلا ، هذا الأخير ثابت أساسي في التجربة الانسانية  مادام الانسان كائن اجتماعي قد لا يتحقق شرطه الوجودي إلا بالتفاعل مع الغير، أي أنه يشترط  حضور ذوات فاعلة وكل ما يقتضيه الأمر من كياسة وإيمان بالاختلاف والتعدد. الملاحظ اليوم ،ان هذا التواصل انتقل من طابعه الفيزيقي المباشر المحدد بالرقعة الجغرافية ، ليلبس لبوسا افتراضيا وعن بعد، ومعلوم أن هذه الطفرة حتّمها الانفجار الرقمي .التواصل هنا والآن ،أخد طابعا تكنولوجبا وتفرق دمه بين يوتوب وفايسبوك وتويتروأنستغرام…، وأفرز هويات افتراضية بكل ما للهوية من مقومات ،من وعي ولاوعي وجسد  وذاكرة ومشاعر..، وكل ما نبتغيه هنا ونسعى إليه ،الوقوف والنظر في هذه التفاصيل وتلمس خيوطها وهي تصنع المعنى واللاّمعنى .

     الطفرة التي أصابت التواصل الانساني أكيد أن لها تداعيات نفسية واجتماعية ، فالذي يركب منصات التواصل الاجتماعي يريد أن يعرف ما يحدث داخلها ،لأن الذي أمامه والمتاح ربما لم يعد يقنعه ويستهويه، غير أن إشباع هذا الفضول المعرفي  يحتاج صاحبه  أيضا إلى حضور وتوغل هناك وبشكل افتراضي، بمعنى أنه ملزم بأن يعرّف بنفسه ويتحول بذلك من شخص حامل لهوية واقعية لأخرى رقمية، فيدلي بصورته واسمه وسنّه ومسقط  رأسه وحالته العاطفية..، هذه الهوية الرقمية التي صار يمتلكها في العالم الافتراضي ، وعبرها، صار يتفاعل مع ذوات أخرى يؤثر فيها ويتأثر بها، ويترك انطباعاته  كما يترك صورا وعبارات  ومكنونات وأشياء حميمية..، هي كلها بمعنى من المعاني دليل على الأثر أو البصمة التي قد تكون امتدادا للواقعي أو مفارقة له ،وسواء كانت هذه المعطيات المصرح بها توافق نظيرتها الواقعية أما لا، ففي كلتا الحالتين هي تعكس جزءا من حقيقته التي قد يعيها أو التي قد تظهر كتجلي لاشعوري ،فقد يختبئ البعض وراء صور وأسماء النجوم والمشاهير الذين يغدون  توازنه النفسي  المفتقد في العالم الواقعي ..وكأن الهوية الرقمية  تفضحنا إذن ،وتجعلنا عراة أمام أنفسنا وكأننا أمام مرايا مقعرة ، بالرغم من كل أشكال التواري الذي قد نتسلح بها. فمثلا ما معنى أنا أن يلتقط الشخص لنفسه  مجموعة  صور(سيلفي)  في نفس الوضعية، ويتقاسم مع من يشاركونه هذه المنصات الرقمية أجمل تلك الصور فقط ، أليس في هذا السلوك عرض للذات بشكل مبالغ فيه بحثا عن نقرات الإعجاب وعبارات المجاملة  معتقدا أن كل ما يكتب صادق أصحابه ولا يجانب الصواب، كما أنه أيضا قد يعكس نوع من النرجسية ، لأن الأحداث في هذا العالم  لا تقع بشكل اعتباطي أو مجرد تأريخ عادي، وقس على ذلك أمورا أخرى مرتبطة بالتواضع ومكارم الاخلاق  من ورع وتقوى.وبشكل عام في هذا العالم الرقمي ومع سقوط  عنصر الرقابة (الدين ،الثقافة..) وازدياد منسوب الجرأة ربما الكل يروج لما يفتقد إليه، وسلوكاتنا الرقمية هنا سواء كان الامر فيها جديا أو مجرد هزل، فإن عنصر التعرية قائم لا محال ،ألم تقل العرب قديما “مجال الهزل أبلغ إنباء من مجال الجد “ّ.

   الهوية الرقمية  إذن، تقوم على وعي رقمي وأيضا لاشعور رقمي  وكلاهما يصدر سلوكات  يمكن أن نعبر عنها بالأثر الرقمي ( البصمة)، وما لا ينبغي إهماله أيضا حضور الجسد  كجزء من هذه الهوية  في هذا العالم الافتراضي، سواء معبّر عنه  بصور ثابتة أو متحركة ، فإذا كنا في العالم الواقعي نملك الجسد  وتصورنا الذهني عن هذا الجسد، ففي العالم الافتراضي يتأكد هذا المعطى، خصوصا أن الجسد يصير محاطا  بهالة من التطبيقات على شكل فيلترات des filtres  أعدت بشكل مسبق لتجعله يظهر بشكل أجمل، لدرجة أن كل الوجوه صارت متشابهة ،وكأننا به تعرض لعملية تجميل  رقمية والتي قد ينتج عنها أحيانا نوع من التنافر بين ما يوجد في العالم الرقمي والآخر الواقعي ، فكم من أشخاص أرعبنا شكلهم الحقيقي. هذا الهوس بالجسد الذي يقدمه الفيلتر على المستوى النفسي، يمكن أن نقرأ تداعياته ، إنه في العمق تمرد ومحاولة  ثورة على التصور الذي نحمله على جسدنا، ربما نريده أن يأخذ شكلا آخر حتى ’يعترف به في هذا العالم الرقمي وحتى يتجاوز اعطابه المضمرة..، العالم الرقمي يفضح أمنياتنا في امتلاك عيون زرق وعضلا مفتولة ..، لكن هل نوفق في  ذلك ؟ بالطبع لا، لأن الصورة محتالة  وسيمولاكر، ولأن الجسد الواقعي هو الحقيقة التي نحملها معنا بعد أن تنطفئ الأنوار وأضواء الشاشات ويتوقف تدفق منسوب الانترنت..

   الأكثر إثارة للانتباه في هذا العالم الافتراضي  أيضا ، هو أن هذا الجسد  لا يتواجد في صور ثابتة فقط ، بل أيضا يحضر في صور متحركة أي في فيديوهات من خلالها يتم تمرير أشياء و رسائل ..توصف أحيانا بأنها فارغة من المعنى ،والتعبير الاكثر رواجا في وصفها هو التفاهة ، بمعنى أن هذا العالم الرقمي كما يصنع المعنى قد يصنع نقيضه، ووقوفنا عند هذا الجانب السلبي  ليس الغاية منه التنديد أو المساءلة الاخلاقية ، بل كل ما نرومه هو تقديم محاولة فهم .

    قبل الاسترسال من الجيد جدا الاشارة إلى ما قاله عالم التربية  جيروم بونر، أن الناس يتذكرون % 10  مما يسمعونه  و30% مما يقرؤونه، في حين يتذكرون   80% مما يرونه، وعلى ما يبدو أن الرقم الاخير مرعب، خصوصا أن الرؤية مرتبطة هنا بمنتوج تافه لأشخاص يستحمّون أو ينظفون بيوتهم بملابس فاضحة ،وآخرون يعرضون حياتهم الحميمية أو يعدّون مقالب لذويهم بشكل مبتذل ..هذه كلها أحداث  تدخل ضمن مسمى واحد يعبّر عنه بروتيني اليومي. والملاحظ أن هذا الأخير أبطاله نساء ينتجون فيديوهات من داخل المطبخ وهي الاكثر رواجا، وهذا ضمنيا فيه ترسيخ لثقافة أو لصورة نمطية أن مكان المرأة هو المطبخ، وفي هذا أيضا إساءة لمجهودات الحركة النسائية التي تسعى إلى تمرير فكرة عدم حصر دور المرأة بين الأواني والخضر والتوابل.  الغريب أن هذا الترسيخ غير المرغوب فيه، يتم بهواتف ذكية  جدا تراهن على غواية  الجسد ، ليكتمل المقام  “هواتف ذكية وعقول غبية”، والغاية هنا نوع من الاسترزاق  أو لنقل نوع من الدعارة الرقمية ، وقد يظهر هذا المستجد عنصرا مفارقا لمبدأ أن المرأة الحرة تجوع ولا تأكل ثدييها. الاكثر خطورة أن هذه الفيديوهات  لا تتلاشى بل تعمر طويلا لتؤثر على الاجيال القادمة والتي ستعاني من الفراغ وستمارس بدورها التفريغ، فنسب المتابعة والمشاهدة عالية  جدا قد لا تحققها تغطية  للقاء ثقافي مائز، بمعنى أن هناك جمهور كبير متلصص وهو في نفس الوقت الجمهور الذي يندّد، وهذا لعمري نوع من الفصام الذي يعري حصانتنا المعرفية والفكرية والثقافية والأخلاقية.

    أن يكون ’صنّاع التفاهة اليوم هم الاكثر حضورا، ليس فقط في مجتمعاتنا بل حتى في المجتمعات الغربية، هو أمر يفسره آلان دونو صاحب كتاب ” نظام التفاهة ” بأمرين اثنين ، الأول مرتبط بتقسيم العمل إذ صرنا نتحدث عن مهن عوض وظائف وحرف نمارسها بحب، صرنا أمام مهن نؤذيها بشكل روتيني ودون التفكير حتى فيما نفعل المهم أنها تدر مالا ودخلا، لقد صار العمل شيئا منمّطا شبيها بما كان يمارسه شارلي شابلن في ” الأزمنة المعاصرة “. والأمر الثاني مرتبط بعالم السياسة ومجال الدولة  والشأن العام ،وهنا بدأت سيطرة التافهين وتحديدا مع مجيء حكم التكنوقراط إلى السياسة، هذه الاخيرة استبدلوها بمفهوم تقنية الادارة ،كما استبدلوا الارادة الشعبية بالمصلحة الخاصة، لتكون المحصلة رهيبة، لا منظومة قيم ولا مثل ولا مبادئ عليا ، لقد صار السياسي والمواطن كلاهما مسخ لصورته الحقيقية. إذن بتنميط العمل وتفريغ السياسة والشأن العام صارت التفاهة نظاما كاملا في الفن والتغذية والثقافة والترفيه والبيئة ..، هنا لا مكان للعقل النقدي المهم إرضاء حاجة  السوق.

     أمام توغل التفاهة يتساءل دونو ما الحل ؟؟ فيجيب انه ليس هناك حل، ليست هناك وصفة سحرية، هناك فقط المقاومة من خلال محاولة فهم نظام الاشياء والاستمرار في إعادة الاعتبار لمفهوم الانسان ،القيم ،المواطن، الخدمة العامة، الخير الشر..

شاهد أيضاً

استكمالا لمقال “عصر المؤخرات”: الرأسمالية، الرغبة، الافراط

يوسف شوقي مجدي يوسف شوقي مجدي – مصر عندما نفسر ظاهرة ما بارجاعها الي الرأسمالية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *