الرئيسية / فكر وفلسفة / مقالات / نحو تحقيق سلام داخلي “نموذج الفيلسوف الحكيم”

نحو تحقيق سلام داخلي “نموذج الفيلسوف الحكيم”

بقلم : فؤاد لعناني

لطالما سمح لنا التعرف على الفلسفة انطلاقا من وضع الأيديولوجيات الكبرى التي تدعي تحرير الإنسان من زيف واقعه وكشف سر الأدوات التحكمية والتبعيات المرصودة التي توفرها منظومات فكرية لها صلاحية تفسير الواقع وتوجيهه. وسواء كانت منطلقات هذه الأيديولوجيات دينية أو فلسفية أو اقتصادية فكشف الاغتراب الذي يصاب به الإنسان داخل محيطه يجعل من هذه الأيديولوجيات حاملة لمشروع الوعد سواء في شقه الديني (الوعد بالحياة الأبدية في المسيحية أو الوعد بالجنة ونعيمها في الإسلام أو الوعد بالمجتمع الشيوعي الذي تختفي فيه الطبقات) لذلك نجد أن نتائج القرن العشرين قد أصابت الإنسان في مقتل.

فانعكاسات الحروب العالمية الأولى والثانية ونتائج الاستعمار الإمبريالي  وصعود الأحزاب الراديكالية قد أزاح الأبعاد التنويرية عن جادة صوابها، حيث كشف لنا عن بطش هذا الإنسان ودناءة ما قام به من تعذيب واستعمال للأسلحة والصواريخ المدمرة التي جعلت الفيلسوف يفزع لما يرى ويقف من ذلك متذمرا. هو الذي لطالما رفع شعارات تنادي  بتحرير الإنسان.

إنها لحظة ارتباك لمنظومة الحداثة وتعجيل ضروري بكشف مزالقها وهفواتها، لذلك نجد أن الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو مثلا يعتبر أن الحداثة عبارة عن موقف عوض اعتبارها حقبة من حقب  التاريخ، وأعني بالموقف شكلا من العلاقة مع ما يحدث في الوضع الراهن. لدا فالحداثة بالنسبة إليه ليست هي الموضة التي لا تعمل إلا مع جريان الزمن، إنها ليست مجرد انفعال أمام حاضر يمضي، بل إنها إرادة تعظيم الحاضر.(1)

 وتماشيا مع فشل منظومة الحداثة وضآلة دور الفرد في تحقيق وعي حقيقي بذاته. وبما أن المفاهيم تموت وتحيى في تاريخ الفكر. تنتظر دورها فقط لتطل علينا بأفق جديد. ينبعث نموذج الفيلسوف الحكيم من رقاده كرد فعل على القول بقصور هذا الفرد وحمله على ضرورة تحقيق الانسجام مثلا مع قانون المدينة اليونانية الذي يأخذ طابعه المعياري انطلاقا من اعتبار هذه المدينة صورة مصغرة عن الكون، بغية تحقيق الكمال والخير داخلها.

إن خير الفرد هنا هو في خير المدينة. لكن نلمس هنا تغييبا ملحوظا لدور الفرد كشيء لا مفكر فيه ومنسي لذلك نجد أن نموذج الحكيم هو تحدي جديد اختبر به الفرد فعاليته خارج أسوار المدينة اليونانية التي أصابها الخراب نتيجة الحملة الشرسة للإسكندر المقدوني عليها. إن نموذج الحكيم الرواقي مثلا هو استعادة لثقة الفرد في نفسه عبر تأمل القانون الطبيعي بغية النزوع نحو الكمال بالإضافة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. فنموذج الحكيم يحقق سلامه الداخلي انطلاقا من ضمان استقلاليته وعدم خضوعه للآخرين في إطار خلق نوع من الموازنة بين عقله وأهوائه خصوصا منها الأهواء الحزينة كالحزن والتذمر واليأس.

ولابد أن نشير هنا في هذا الوضع الجديد إلى ظهور العبد الحكيم. فالعبد في المدينة اليونانية سابقا كان خاضعا لإرادة سيده يستجيب لأوامره ويطيعها. لكن التحول الذي سيحدث هو هذه المساحة الداخلية التي أصبح يتمتع بها الفرد العبد من حيث نيله فرصة اختبار إمكانية التفلسف في أكثر الظروف قسوة. وكمثال على هذا نجد أن الفيلسوف “إبكتيتوس” وهو فيلسوف وعبد في نفس الوقت يضع حالة تعرضه للأذى من طرف سيده عن طريق وضع ساقه داخل آلة تعذيب ينتظر فيها السيد صراخ العبد لكن نجد أن هذا الأخير كان يردد عبارته الصادمة “إنك ستكسرها يا سيدي.” مما أثار حفيظة سيده الذي استمر في تدوير الآلة إلى حين كسر ساق العبد. ليردد جملته المثيرة ألم أقل لك يا سيدي إنك ستكسرها.

لقد كان ثمن حرية هذا العبد كسر ساقه. لكن هذا الألم والوجع لا يعتبره إبكتيتوس  جرما أو شيئا يجعله تعيسا بل هو تفعيل لما يقتضيه الانسجام مع دورة الحياة واعتبار حدث كسر ساقه شيئا يتسم بالضرورة وهو عبارة عن قوة قاهرة تتميز بالصرامة والحتمية لذلك فأي مقاومة أو تحدي لدورة الحياة هاته قد تقود الإنسان نحو مزيد من الشقاء والشعور بالدونية اتجاه نفسه.

إن تقبل فكرة المرض أو الموت أو فقدان شخص عزيز مثلا حدث لا يمكن التحكم فيه فهو من حتميات الطبيعة التي لا يجب أن تسلمنا نحو ردات فعل سلبية قد تصيبنا بالعجز واليأس. إن سعادة الإنسان تعود إلى مدى اعتناءه بنفسه وبجسده، فبقدر خلو النفس إن الاضطرابات وكل ما من شأنه أن يعكر صفوها، تكون سعادة الإنسان. لهذا نجد أن فيلسوفا مثل “سينيكا” يقول” تعلم الفرح أريد ألا تنفك البهجة أبدا أريدها أن تكثر في بيتك – وستكثر شرط أن تكون في داخلك. وجه نظرك نحو الخير الحقيقي ” (2)

ولعلنا نشاهد اليوم أن المجتمعات المعاصرة المملوءة بالعيادات النفسية والمراكز الإصلاحية ودورات التأهيل النفسي قد كشفت لنا المخبوء حيث زادت أزمة الإنسان مع ذاته ومحيطه وذلك ناتج إلى سوء تأويله للأمور. حيث تتحكم زاوية النظر في خضوع الإنسان لتأويله الخاص والاستسلام له. فالصراع بين ما أراه أنا ممكنا والواقع الذي يشي بالعكس يجعل أفق الصراع ينخر ذاتي مما يحولني إلى عبوات ناسفة قد تدخلني في نفق مظلم وضيق لا مخرج منه. إن أقصى الظروف قسوة قد تكون مناسبة بالنسبة لي وفي هذا مثال عن ولادة الأعمال الأدبية الكبرى (رواية الأبله لدويستويفسكي وحديثه عن الخمس دقائق قبل إعدامه وكيف قسمها ليستمتع بها إلى حين صدور القرار المفاجئ الذي سيبطل قرار إعدامه.)

إن العودة إلى الذات لا تبدو تراجعا أو استسلاما بل هي تأمل في منطلقات تفكيري في الأمور حتى لا تمرض ذاتي وتتمزق بشكل مدمر. فتقبل الوقائع بشكل أسوء هي من الوسائل التي يقاوم بها الفرد تمرجحات الطبيعة التي تشتغل وفق منطقها.

ولا تغدو الفلسفة هنا منطقا لتغيير العالم والثورة عليه أو رفضه انطلاقا من الحلم بعودة الماضي الجميل، بل تظهر في شكل تمارين روحية وقائية  وعملية تسعى لتحرير الفرد من تناقضات الواقع وشعوره بالأذى واللوم وهو الأمر الذي قد ينعكس إيجابا عليه مما يمكنه من العيش بطمأنينة وخلق نوع جديد من استيطيقا العيش .

المراجع :

(1) مجلة فكر ونقد، ترجمة حميد طاس، عدد5 يناير 1998 ص  140-142

(2) الفرد والمجتمع عند ميشال فوكو- حسين موسى- دار التنوير- للطباعة والنشر والتوزيع – سنة الطبع 2009 ص:33

شاهد أيضاً

الفيرُوسات وإدارة الحياة

سامي عبد العال سامي عبد العال يعدُّ تاريخ الفيروسات جديراً بالبحث والتقصي، ولا سيما أنَّه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *