الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الجسد في الإسلام

الجسد في الإسلام

عصام أخيري

عصام أخيري

تختلف الرؤى، وكذلك المنطلقات الفكرية لكل زاوية علمية في تحديد الماهية الكلية، النسبية للشيء، بغية سبيل تحقيق وجود فكري ذهني له، في عالم الفكر، والأفكار، ولكن هذه الرؤى تختلف حسب ما تستدعيه الخلفيات والأنساق المعرفية للشيء، فلا يمكن أن نستبين حقيقة الوجود النسبي للأشياء، دون واقع كوني، في إطار وجودي، عام.

لقد كان مفهوم الجسد في الإسلام، مفهوما لم تتركه الشريعة الإسلامية دون تبيان ما له وما عليه، أول ما عنت به الشريعة الإسلامية وهو القول المطلق في سبيل جسد متناسق الجمال الوجودي، تنقية روحه من الدنس، والظلم العظيم، فكانت مجمل ما تنزلت به آيات القرآن المجيد في مكة، بغية تحقيق هذا الأمر الإلهي في سبيل تنقية الجسد وروحه من دنس الشرك، وتحقيق مقاصد الشارع في عالم المشيئة.

بعد التنقية المعنوية، التي كان للقرآن المكي الأثر فيها، كانت لا بد من تنقية واقعية، تلمس حقيقة الواقع السوسيولوجي للعقل العربي في فترة ما بعد التنقية المعنوية، فالصلاة التي تقام بالروح، وتغديه له، لا بد وأن يكون الجسد في أناقة فخمة، وعزة جمالية الوجود، التي تليق بمقام الوقوف في حضرة رب الوجود الكوني، فقد أمر الله في التنزيل المدني، ما متعلقه بالنقاء الجسدي للمكلفين، مع البيان الكيفي لماهية هذا الجمال، الجسدي، وتبيانه في الحقيقة النبوية في جسد النبي صلى الله عليه، وسلم، وهنا تتبين لنا هذه الحقيقة الجمالية في ما قاله رب العزة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ  وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا  وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ  مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)  سورة المائدة الآية 6، فماذا بعد الحق إلا الضلال، و الضلال الفكري الذي نتج عن التصور الإيديولوجي الغربي،  في إباحة كل  ما له ضرر بليغ في  القوانين الكونية، والنظام الإجتماعي، فقد نتج عنها إباحة اللواط والسحاق والزنى العلني والخمر إلى غير ذلك كله من الموبقات،  الشيء الذي أدى وله أثر بليغ في الفساد الكوني، والإجتماعي، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) [رواه ابن ماجه].

إن كل منهي عنه في الحقيقة المطلقة، إلا وله غاية بعد حينها، والعبثية في القول مجرد هرطقة عقل تنتاب الفكر من حين إلى مدى بعيد، فلكل نهي علته التي من أجلها حرم، ونهي عنه تحريما، من المتبادر إلى الذهن الكيف، أو ماهية علة التحريم المتعلق بالخمر، فالقول أن الخمر يذهب العقل، وذهاب العقل عن الإنسان، كالأنعام بل أضل من ذلك، فالعقل مناط وجود الإنسان، وذهاب العقل يفقده التكريم الإلهي الذي كرمه وفضله على كل حقائق الوجود، سئل أبو بكر رضى الله عنه لما لم تشرب الخمر في الجاهلية وكان على غيره الأن، قيل رأيت ما يفعل الخمر بمروءة الإنسان فأردت أن أصونها، ولعل الواقع السوسيولوجي لكل مجتمع، ينبئنا بما تشاهده الموجودات البشرية من كرامات إنسانية تذروها الرياح،  في مكان سحيق.

     من مجموع التنزيل الإلهي للقرآن المجيد نجد أنه أولى عناية تليق بمقام الوجود الإنساني في الحقيقة الوجودية، فالدوافع السوسيولوجية، التي من خلالها يحقق الإنسان الوجود الذاتي، وفرض هيمنته على الإطلاق الزمني، نجد أن القرآن المجيد قد أسس مبادئ تخول له أن يحقق الهدف الوجودي، ضمن ساحة المعارك الفكرية، فالله الجلل يقول فيما أنزله تنزيلا:

(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة 195

(وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) النساء الآية 29

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) سورة الإسراء 70.

هذه مجموعة من الحقائق التي تبدي أهمية الوجود الجسدي للإنسان، فهو في ما تبينه، الحقيقة المطلقة، أنه حامل للأمانة التي لم تسطع المكونات الكونية أن تتحمل نتاج، وتكليف أخذها، فكانت من نصيب الإنسان، فحين نقارن ونحلل الفلسفة الطبيعية للإنسان، نجده في صراع يومي بين تحقيق رغبة الجسد، وبين رغبة النفس، وكلاهما لا يتفقان مع ماهية الغائية للوجود الإنساني، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) سورة الأحزاب الآية 72، وهذه هي  سببية الترابط الجسدي مع الروح، التي بينها الوجود  المطلق الحقيقي للإنسان.

مفهوم الأمانة في القرآن المجيد، إذ أن هذه الآية وإن دلت على شيء فإنها تدل على القول وحقيقة أن الإنسان مجرد حامل، لأمانة، هو مسؤول عنها، في كل ما لها وما عليها، يفسر الإمام القرطبي هذا القول، بما اجتهد به عقله، “””فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد”””، ولكن حقيقة الواقع التي تفرض نفسها، تغير من مفهوم الأمانة في كل عصر، فالأمانة في يومنا هذا، تحمل أبعادا دلالية في مختلف الميادين الفكرية، والسياسة، والإقتصادية، حتى أنه ليمكن أن  نقول أن لكل علم، رجال وكلوا بالأمانة بغية تحقيقها في عالم المشيئة، إضافة إلى ما له من الفرائض، الشرعية.

وبعد تحقيق البعد الوجودي،  في حقيقة التبيان الجسدي للقرآن المجيد، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغه  عن الله من الدين، والنصح لناس كافة، لم يذر جانبا من الوجود إلا وقد بين فيه قولا، يتفق مع متطلباته الفعلية، والنمطية، فالنبي صلى الله عليه وسلم بذاته، جَسَدٌ جسَّد، المقاصد الحاكمية للقرآن، على بيان المراد من الحقيقة الوجودية للإنسان، فقد اشتملت كتب الحديث على ما نقلته من أحاديث، تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أولى عناية بالجسد، وأحق وضمن له حقوقا، لم يضمنها مجتمع لأفراده قبل ومن بعد، في حديث ليس بالأمر الهين تجاوزه، إلتفاتة من النبي الموقر صلى الله عليه وسلم، إلى الحقيقة والبعد الجسدي الكلي  للإنسان، الذي به يصلح يفسد جسده،  يقول النبي صلي الله عليه وسلم، (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) [متفق عليه]، إن القلب حقيقة الفكر، ومنبع الوجود الفكري للأفكار، في صلاح القلب، تصلح أعمال الجسد الإنساني، وفي فاسده يفسد الإنسان بجسده.

من السنة التقريرية التي أقررها النبي صلى الله عليه وسلم، لبعض صحابته، ما رواه البخاري” عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدَّرْداء، فرأى أمَّ الدَّرْداء مُتَبَذِّلَةً، فقال لها: ما شأنُك؟ فقالتْ: أخوكَ أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنعَ له طعامًا، فقال له: كُلْ، فإني صائمٌ، قال: ما أنا بآكل حتى تأكُلَ، فأكل، فلما كان الليلُ ذهب أبو الدرداء يقومُ، فقال: نم، فنام، ثمَّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال: سلمانُ: قُم الآن، فصلَّيَا، فقال له سلمانُ: إنَّ لربِّكَ عليك حقًّا، وإنَّ لِنَفسكَ عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرَ ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «صَدَقَ سلمانُ» أخرجه البخاري والترمذي، فللجسد حق على الإنسان مهما بلغ من العبادة، ومهما كان له من التكاليف، والزهد في الحياة.

ينقل الإمام محمد الغزالي عن الشعراني أنه كان لا ينام قط، وكان همه الذكر، والعبادة، وقراءة القرآن، وكان يضرب أفخاضه بالصوت، كي لا ينام[1]، وهذا ما لم يأذن به الله، ولم ينزل به سلطانا، والجسد في الفكر الإسلامي يحتاج إلى مزيد من البحث والتوضيح، وما تم عرضه فهو مجموعة من القضايا التي يجب الإشتغال بها، وتحقيق غاياتها بالبحث، العلمي وخاصة في الواقع السوسيولوجي، وعلاقته بالفكر الإسلام.


[1]– أنظر  محمد الغزالي، ليس من الإسلام، دار الشروق، الطبعة الأولى، ص 172-173.

شاهد أيضاً

ما بعد الكورونا أو النموذج العالمي الرابع

بقلم محمد شوقي الزين في مقال قصير عنوانه «ما الذي سيَنتُج عن الكورونا؟»[1]، بحدس مستقبلي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *