الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / رينيه ديكـــارت: الإرادة والعـقـــل

رينيه ديكـــارت: الإرادة والعـقـــل

برهان شاوي

الباحث عن (رينيه ديكارت 1596 ــــ 1650) وعالمه الفكري سيجد أن توصيفًا شائعًا له يتكرر عشرات المرات وبكل اللغات بأنه (أبو الفلسفة الحديثة)، وباللغة العربية نجد العديد من الكتب التي تبحث في فلسفته وحياته ومنهجه والتي تتحمس له كثيرًا باعتباره الفيلسوف الذي أسس الفلسفة العقلانية والتي قسمت تاريخ الفلسفة إلى ما قبل (ديكارت) وما بعده.

العديد من الباحثين والأكاديميين حسبوه عقلانيًّا معاديًا للكنيسة ورجال الدين وأنه كان يتجنبهم خوفًا منهم لأنه أساسًا معاديًا لهم، حيث ذكر (هاشم صالح) في كتابه (معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا، دار الساقي، 2010) في مقاله (ديكارت الملاحَق من قِبل الإرهاب الأصولي): (من يعرف أن ديكارت كان يخشى رجال الدين إلى أقصى حد، وأنه عاش طوال حياته تقريبًا وهو يتحاشى سَيْفَهم الـمُصلت فوق رأسه؟ نقول ذلك على الرغم من كل الاحتياطات التي اتخذها، وأساليب التقية التي اتّبعها لكي ينجو من شرهم. ولهذا السبب غادر بلاده فرنسا التي كانت ممتلئة بالأصوليين المتعصبين على طريقة المذهب الكاثوليكي، وذهب للعيش في بلد بروتستانتي أكثر حرية أو ليبرالية هو: هولندا. ولكن هناك كان يغير منزله باستمرار ويعيش متواريًا عن الأنظار إلى حد كبير لكي يكتب ويفكر بحرية، فديكارت كان يعرف أنه اكتشف حقائق ضخمة في مجال العلوم والفلسفة، ولكن سابقة لأوانها).

ويذهب الكاتب إلى أن (ديكارت) حينما نشر كتابه المهم (مقال في المنهج) في العام 1637 في هولندا كان بدون توقيع، على الرغم من أنه اتخذ فيه كل الاحتياطات اللازمة وصرح أكثر من مرة بأنه متقيد بمبادئ الدين، بل وأنه أهدى كتابه الكبير (التأملات الميتافيزيقية) لفقهاء السوربون الكبار لكي يكسب رضاهم، إلا أن (د. راوية عبد المنعم عباس) في كتابها المسلسل (أساطين الفلسفة الحديثة والمعاصرة ـــ ديكارت والفلسفة العقلية، دار النهضة العربية، بيروت، 1996) تؤكد عكس ذلك: (دفعت رغبة الفيلسوف للراحة والاستقرار، بجانب حبه للترحال والتجوال إلى اتخاذ هولندا مقرًّا له. وكانت بلدًا يتمتع بصيت طيب مذ أن كانت مركزًا لنشر الثقافة والعلوم والفنون، وملجأ للأحرار والمثقفين، كما كانت تتميز بالهدوء الذي شغف به (ديكارت) هروبًا من ضوضاء باريس وحياتها الاجتماعية التي كانت تستنفد وقته).

لا نريد أن نخوض في تفاصيل وضع (ديكارت) من هذه الناحية، سواء كان مطاردًا من الإرهاب الأصولي أم أنه عاش في هولندا لعشرين عامًا بقرار ذاتي، لكن ما هو ثابت لنا أن (ديكارت) كان إنسانًا مؤمنًا بالله وبخلق العالم من العدم، وكان في أعماقه مسيحيًّا متدينًا، لكنه أيضًا مفكرًا حرًّا، اختلف مع رجال الدين في زمانه، وأنه كان يخشاهم فعلًا، لا سيما بعد أن ألف كتابه (العالم) الذي أراد من خلاله أن يفسر العالم، باعتبار أن المادة امتداد وحركة، ثم فسّر فيه ظواهر الضوء، وأضاف له جزءًا ثانيًا عن (الإنسان)، ولم يكد (ديكارت) ينهي كتابه في العام 1633 حتى سمع بما جرى للعالم الفلكي (غاليليو غاليلي) في منتصف العام نفسه، فخشى هو من نشر كتابه خوفًا من أن يلقى مصير (غاليليو) نفسه الذي اتفق معه في رؤيته الفكرية والعلمية والفلسفية.

إن حياة (ديكارت) بحد ذاتها هي قصة نضال من أجل حرية الفكر والتعبير بغض النظر عن الاتفاق والتباين معه ومع فلسفته. بالرغم من أن فلسفة (الحرية) لا تشكل الأساس الذي بنيت عليه رؤيته الفلسفية، فهو من هذه الناحية أقرب لرجال اللاهوت؛ لأن فهمه للحرية قائم على التعارض ما بين (الإرادة) و(العقل)، من حيث إنه يعتمد إلى عقيدته الدينية في تأسيس هذه النظرة.

الإرادة مصــدر الخـطــــأ

يؤكد (ديكارت) في كتابه (المبادئ): (إن الإرادة أوسع نطاقًا من الذهن وأنها لذلك مصدر لأخطائنا)، كما أشار في كتابه (التأملات) ما يوضح هذه الفكرة قائلًا: (اتضح لي أن ما أقع فيه من خطأ لا ينشأ من قوة الإرادة ذاتها التي أنعم الله بها علي، لأنها رحيبة جدًّا، وكاملة جدًّا في نوعها، ولا في قوة التعقل، أو التصور، لأني لما كنتُ لا أتصور شيئًا إلا بواسطة هذه القوة التي منحني الله إياها لهذا الغرض، فكل ما أتصوره إنما أتصوره بلا شك كما ينبغي، ولا يمكن أن أكون ضالًّا، أو مخدوعًا، وإذن فما منشأ الخطأ عندي؟ إنه ينشأ من أن الإرادة أوسع من الفهم نطاقًا، فلا أبقيها حبيسة في حدوده، بل أبسطها على الأشياء التي لا يحيط بها فهمي، ولما كانت الإرادة من شأنها ألّا تبالي، فمن أيسر الأمور أن تضل، وتختار الزلل بدلًا من الصواب، والشر عوضًا عن الخير، مما يوقعني في الخطأ، والإثم).

وتؤكد (د. راوية عبد المنعم عباس): (على هذا النحو يعتبر (ديكارت) أن الإرادة هي مصدر الخطأ؛ لأن فعل الذهن مع ما يتميز به من وضوح، وصحة، لا يمكن أن يدفعنا للخطأ أو الإثم من حيث كونه محدودًا. أما ما يصدر عنا من خطأ فمرجعه اندفاع الإرادة، ولا مبالاتها، وعملها بدون توجيه العقل. وعلى هذا النحو يبرز أمامنا نوعين من الفكر؛ أحدهما يتعلق بفعل الذهن، والآخر بفعل الإرادة، وقد عبّر (ديكارت) عن ذلك في (المبادئ) بقوله: “ليس فينا إلا نوعان من الفكر، هما: إدراك الذهن، وفعل الإرادة”).

إن هذا التصور لــ (فعل الإرادة) يستمد حيويته من جذر العقيدة الدينية لمفهوم (الخطيئة) التي وردت في الكتاب المقدس، حيث إن (ضعف الإرادة) لآدم وحواء وهما يقفان أمام الشجرة المحرمة وتناولهما ثمارها، يدل على ضعف إرادتهما. ومن هنا فأفعال الإرادة تلعب دورًا كبيرًا في حدوث الخطأ بما تسبب عن وجود الشر منذ بدء الخليقة، أي أن (حرية الاختيار) التي تميز الإرادة البشرية هي المسؤولة عن حدوث الخطأ. وفي كتابه (التأملات) يؤكد (ديكارت) إلى وجود قدرتين في الإنسان، هما: قدرة المعرفة وقدرة الاختيار. حيث يقول: (نظرت إلى نفسي نظرة تعمق واستقصاء، وأخذتُ أتحرى عن خطئي الذي يدل وحده على أن فيَّ نقصًا فوجدتُ أنه يعتمد على إشراك علتين، هما: قدرتي على المعرفة، وقدرتي على الاختيار أو حرية الحكم، أعني ما لدي من قوة الفهم، والإرادة معًا).

إن (ديكارت) يفسر علاقة حرية الإرادة بالخطأ باستعمالنا القاصر لهذه الحرية، فهو يرى أن أعلى مراتب الكمال لدى الإنسان هو أنه حر الاختيار، لكن مشكلة الحرية لديه لا تنفصل عن مذهبه في (الشك) المنهجي، وهذا يعني أن الإنسان حينما يشك فإنه يكون في حالة رفض أو قبول لشيء أو لأمر ما، ولما كان (الشك) فعلًا ذهنيًّا وعملية فكرية، وأن الفكر الواضح والمتميز له صلة وثيقة بقدرة الله الحقة، فهذا يعني أن الله هو أساس الحرية، وهذه الفكرة طورها فيما بعد كل من (سبينوزا) و(ياسبرز).

الحــــريــة الإنسانيــة والحـــرية الإلــهيــــــة

يفرّق (ديكارت) بين نوعين من (الحرية)، هما: (الحرية الإنسانية)، و(الحرية الإلهية)، والأولى مستمدة من الثانية من حيث إن (الله هو أساس الحرية الإنسانية) كما جاء في (المبادئ). وهو يؤكد (إن الخطأ من حيث هو خطأ ليس شيئًا واقعيًّا مردّه إلى الله، إنما هو نقص فحسب، فإذا أخطأتُ لم أكن بحاجة إلى ملكة من عند الله لهذا الغرض خاصة، وإنما مرجع خطئي هذا إلى أن ما منحني الله من قوة على تمييز الصواب من الخطأ هو عندي قوة متناهية محدودة)، وبالتالي فلا يجب أن ننسب أخطاءنا إلى مشيئة الله وإنما يرجع ذلك لإرادتنا البشرية ولعيوب في سلوكنا، وبالتالي فإن الله الذي وهبنا (العقل) و(الإرادة) ليس مسؤولًا عن أخطائنا التي نقترفها.

وهنا يقترب (ديكارت) كثيرًا من طروحات (المعتزلة)، بل هو يذهب أبعد في محاولة التوفيق بين (الحرية الإنسانية) و(التقدير الإلهي السابق)، وهو يحاول في (التأملات)، بالتحديد في (التأمل الرابع) أن يفسر هذه المسألة ويلقي التبعية في الخطأ على إرادة الإنسان اللا متناهية التي تسيء استعمال الحرية، وبالتالي فإن سوء استعمال الحرية هو علة وقوع الإنسان في الخطأ، ولا مسؤولية للخالق عن ذلك ولا شكوى من أنه لم يهبنا ذكاءً كاملًا وموهبة تامة لأن عقول المخلوقات ذات طبيعة متناهية، وهو يؤكد:

(في الاستعمال السيئ لحرية الاختيار يقع الحرمان الذي هو قوام صورة الخطأ، وهذا الحرمان يقع في الفعل الصادر مني وليس في القوة التي أنعم الله بها عليَّ، أولًا من الفعل من حيث إنه يتوقف عليه فلا ريب أنه ليس لدي داع للشكوى من أن الله لم يهبني ذكاء أوفى أو نورًا فطريًّا أكمل مما وهبني، ما دام من طبيعة الذهن المتناهي ألّا يكون محيطًا بأشياء كثيرة، ومن طبيعة الذهن المخلوق أن يكون متناهيًا، ولكن الخليق بي من كل وجه أن أشكره تعالى على نعمائه إذ رزقني كل ما أتصف به من كمالات يسيرة دون أن يكون لي عليه فضل، وينبغي أن أباعد بين نفسي وبين أن أتوهم أنه ظلمني فانتزع مني، أو منع عني الكمالات الأخرى التي لم ينعم بها علي).

لكن (ديكارت) في رؤيته الأخلاقية يقترب من (الأشاعرة) في مسألة (التفويض) الإلهي، ففي رؤيته إلى (الخير) و(الشر) يؤكد أن (الخير) مبعثه نفوسنا التي تتوجه إليه إرادتنا إذا ما تحلت بالأفكار الواضحة المتميزة، التي يوضحها في كتابه (مبادئ الفلسفة) بأنها الأفكار السليمة الواضحة، والتي لكي نصل إليها ينبغي تجنب أربع علل للخطأ والتي هي، أولًا: الأحكام المبتسرة المتلقاة في مقتبل العمر، ثانيًا: عدم نسيان هذه الأحكام، ثالثًا: إجهاد الذهن من إطالة الانتباه إلى الأشياء المعروضة للحكم، رابعًا: ربط الأفكار بلغة غير دقيقة لا تعبر عن حقائقها.

وهنا نجد أن (ديكارت) في فلسفته الأخلاقية يذكر بموقف (أفلوطين) حيث يرتبط (الخير والفضيلة) بــ (العلم)، بينما (الشر والرذيلة) هو نتيجة لــ (الجهل). وهو يؤكد بضرورة السيطرة على (الرغبات)، لأنها (أصل الشر والرذيلة) و(منبع الخطأ).

وقد أوضح (ديكارت) في كتابه (رسالة في انفعالات النفس) الذي كتبه قبل سنة من وفاته بأن قلق الإنسان ومعاناته ناتج عن تردد الإنسان، وهو لا يرى داعيًا للقلق إزاء ما يجري في الحياة، إذ إن قلقنا يزول إذا ما سلمنا بأن ما يجري في الحياة لا يخضع للصدفة بل يخضع لعناية الله وقدره.

الأخـــلاق الـمـــؤقتــة

في كتابه الشهير (مقال في المنهج) يضع (ديكارت) قواعد المنهج في البحث عن الحقيقة والتي يصنفها في أربع،
هي: قاعدة البداهة واليقين والتي تؤكد: (إنه لا يقبل شيئًا على أنه حق، ما لم يعرف بالبداهة أنه كذلك؛ بمعنى أن يتجنب التعجل في الحكم والأخذ بالأحكام السابقة. كذلك، فلن ندخل في أحكامنا إلا ما يمثله العقل في وضوح وتميز يزول معهما كل شك).

القاعدة الثانية هي قاعدة التحليل والتقسيم: حيث يؤكد (ديكارت): (نقسم كل مشكلة من المشكلات التي نبحثها بقدر ما نستطيع إلى ذلك سبيلًا، وبمقدار ما تدعو الحاجة إلى حلها على أفضل وجه).

أما القاعدة الثالثة فهي: الترتيب والتركيب: (يجب أن نرتب أفكارنا، فنبدأ بأبسطها ثم نتدرج قليلًا حتى نصل إلى معرفة أكثر تعقيدًا، وأن نفترض ترتيبًا بين الأفكار التي لا يسبق بعضها البعض الآخر بالطبع).

أما القاعدة الرابعة فهي: الإحصاء: يؤكد (ديكارت) هنا التالي: (أن أعمل في جميع الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات العامة ما يجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئًا له صلة بموضوع المشكلة المعروضة للبحث).

وعلى أساس هذه القواعد وضع (ديكارت) قواعده الأخلاقية التي أطلق عليها اسم (الأخلاق المؤقتة)، حيث رسم الطريق العملي الذي يجب السير عليه كي يعيش الإنسان سعيدًا مع ذاته ومع الآخرين، وأن يظل ثابتًا في أفعاله، ملتزمًا باتباع قواعد العقل مهما اضطره عقله أن يتردد في أحكامه، وهذه القواعد يرسمها في كتابه (مقال في المنهج) كما يلي:

فالقاعدة الأولى تنص على أن يخضع الإنسان لقوانين بلاده، وعاداتها، وأن يؤمن بدينها الذي وجد نفسه عليه، وأن يجاري العرف، والأوضاع القائمة.

أما القاعدة الثانية فتنص: على ألّا يشترط الإنسان أي يقين في الآراء المتعلقة بالميدان العملي، على أن يلتزم في سلوكه بالسير حسب الرأي الذي اختاره لنفسه، وأن يبحث في مختلف الميادين دون أن يتقيد فيه إلا بإحكام العقل الواضح، وأن يكون ثابتًا في أفعاله، متجنبًا للشك، والتردد.

أما القاعدة الثالثة: إن على الإنسان أن يجتهد في معالجة نفسه، والحد من رغباته، وشهواته، لا في مغالبة الحظ، أو في مقاومة القدر، إن أفكارنا ملك لنا نستطيع التحكم فيها كما نشاء، ومن ثم لا نأسف على أي حرمان من الأشياء التي ليست في مقدورنا فننعم بالغنى والقوة والحرية، وسائر ضروب السعادة.

إن موقف (ديكارت) الأخلاقي وفهمه للحرية هو موقف نابع من عقيدته الدينية، لأنه كما رأينا يربط (الإرادة) بــ (الخطيئة الأولى) التي تؤكدها الكتب المقدسة والأديان، وكذلك في محاولته لفهم الإرادة الإنسانية وعلاقة حرية الإنسان بالخير والشر، لذا فإن (ديكارت) كتب في إحدى رسائله داعيًا الإنسان إلى محبة الناس جميعًا والتي هي جزء من محبة الله، وهو الباعث عليها (تلك المحبة الفطرية الطبيعية فينا التي لا ثواب عليها لأنها هبة من الله) داعيًا إلى الثقة بالله، والاعتماد عليه، وتسليم وجوهنا إليه، حيث يقول: (إن من يسلم وجهه لله يخرج عن أنانيته، ومصالحه الذاتية)، وهنا يقترب كثيرًا من (الأشاعرة). ونجد فيما بعد هذه الفكرة تتطور بشكلٍ خلّاق عند (سبينوزا) الذي يطورها في كتابه (الأخلاق) إلى (الحب الإلهي) و(محبة الله) لأن (الله محبة).

فصل من كتابي: ” وهم الحرية” لبرهان شاوي

شاهد أيضاً

الطوارئ الفيروسية وعالم الغد _ الفيلسوف الكوري الألمانيّ بيونغ تشول هان

بيونغ تشول هان مفاتيح كورونا: لماذا نجحت آسيا وفشلت الدول الغربية في السيطرة على الوباء؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *