الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / روبِن جورْج كولنْجوود: مُقدّمة في فلسفتهِ التاريخيّة

روبِن جورْج كولنْجوود: مُقدّمة في فلسفتهِ التاريخيّة

د. خديجة زتيلـي

د. خديجة زتيلـي

1 –  روبن جورج كولنجوود في الفلسفة المعاصرة

       بعْد وفاتهِ انتبهتْ الجامعات والدوائر العلميّة في الغرب (1) إلى أهميّة مؤلّفاته،  فقد أصبح محطّ أنظار الأساتذة والباحثين والطلبة الذين أنْجزوا رسائلهم الجامعيّة في فكره بشكل عام، ويتعلّق الأمر بالفيلسوف الإنْجليزي المعاصر روبن جورج كولنجوود  Robin George Collingwood (1889- 1943)، فقد طواه النسيان لفترة من الزمن ولم يلْق الاهتمام اللائق به في حياته، ولعلّ لذلك أسبابه التي يمكن إيجاز بعضها في: صعود مدّ الفلسفة التحليليّة في عصرهِ بتأثير من فلسفة لودفيج فتجنشتاين  Ludwig Wittgenstein (1889- 1951)المتأخّرة، والتراجع عن المواضيع الكلاسيكيّة في الفلسفة كمبحث الميتافيزيقا على سبيل الحصر، فقد كانت الفلسفة التحليليّة ضدّ فكرة بناء الأنساق على طريقة هيجل وتنظيم المعارف في منظومة معرفيّة شاملة، وجرّاء ذلك عُدتْ الفلسفات المثاليّة موروثا فكريّا لا يُجاري العصر ولا يَسْتجيب للإشكاليّات المعرفيّة المطروحة، كما وأنّ المثاليّة الجديدة التي وصلتْ إلى أوج قمّتها مع قرب نهاية القرن التاسع عشر في مقرّ الحركة جامعة أوكسفورد بدأتْ تتعرّض إلى هجومات عنيفة شنّتها عليها الواقعيّة الجديدة، فضلاً عن الموت المتتالي لرواد المثالية، برنارد بوزانكيت  Bernard Bosanquet في عام 1923، فرنسيس هربرت برادلي Francis Herbert Bradley في عام 1924 ماكتاجارت وود  J. M. E. Mc Taggart في عام 1925، وغيرهم..

  لم يُخْف كولنجوود امتعاضه من الطريقة التي تعاطتْ بها الفلسفة الإنجليزيّة مع موضوع التاريخ، واعْترف بأنّها لم تساهم مُساهمة فعّالة فيه وأنّ أيّ إضافات معرفيّة مُمكنة تبقى مُتواضعة ومتأخّرة قائلاً: «أمّا فلاسفة الإنجليز الآخرون الذين عرضوا لمشكلة التاريخ منذ عهد برادلي قلّما يُضيفوا شيئا له قيمة حتّى بضع السنوات الأخيرة.. وبوزانكيه الذي كان وثيق الصلة ببرادلي نفسه، عالج التاريخ باحتقار صريح، على أنّه ضرب من التفكير الخاطئ وأنّه ” قصّة الأحداث المتعاقبة التي نَرْمُقها بعين الشك”

       عُرف عن كولنجوود اهتمامه وشغفه بالدراسات التاريخيّة والآثار والفنّ والدين والسياسة والفلسفة، تخرّج من جامعة أوكسفورد، ولاحقاً تخصّص في تدريس الفلسفة والتاريخ الروماني بها وذلك ابْتداء من عام 1921، كان في زمانه حُجّة في حفْريات وتاريخ بريطانيا في العصر الروماني، كما أنّه شغل كرسيّ الميتافيزيقا في جامعة أكسفورد  عام 1935. تَعاطفَ الرجل مع المذهب المثالي في كتاباتهِ رغم انْسياقه في البدء وراء أفكار المدرسة الواقعيّة التي تربّى عليها في أكسفورد، ولكّنه سُرعان ما انْقلب على تعاليم هذه الأخيرة والْتزم بمثاليته التي عبّرت عنها نصوصه. من مؤلفاتهِ: ”الدين والفلسفة” Religion and Philosophy (في عام 1916)، ”مقال في المنهج الفلسفي” Essay on philosophical method (في عام 1933)، ”مبادئ الفن” Principles of art ( في عام 1937)، وبعد وفاته تمّ نشر كتابيْه: ”فكرة التاريخ” Idea of History  (في عام 1945)، و”فكرة الطبيعة”  Idea of Nature   (في عام 1946)، فضلاً عن مجموعة كبيرة من المقالات كتبها كولنجوود في التاريخ والآثار والدين، نُشر بعضها مُستقلاّ والبعض الآخر تمّ إدراجه في كتبهِ بعد أن تمّ  تبويبها بما يقتضيه السياق الفكري وطبيعة الموضوعات المطروحة. فعلى سبيل المثال تمّ إدراج مقالاته: ”فلسفة التاريخ” the Philosophy of History (عام 1930)، و”الخيال التاريخي” The Historical Imagination  (عام1935)، و”الطبيعة الانسانيّة والتاريخ الإنساني” Human nature and Human History  (عام 1936) في كتابه فكرة التاريخ

Robin George Collingwood

يقول كولنجوود في مقدّمة كتابه فكرة التاريخ: «أمّا أنا فاستعمالي لعبارة ”فلسفة التاريخ” تختلف ،، وأريد في أوّل الأمر إيضاح ما أفهمهُ من مدلول كلمة فلسفة بيانا لما أعني من عبارة فلسفة التاريخ، الفلسفة تحليل لعمليّات الفكر، تفصيل ذلك أنّ العقل الذي يشتغل بالفلسفة لا يقنع بمجرّد التفكير في الشيء المادّي، ولكنه في الوقت الدي يُفكّر فيه في الشيء المادّي يتتبع عملية تفكيره في هذا الشيء المادي،، إنّ الفلسفة تفكير من المرتبة الثانيّة، أو هي تفكير في صحّة أو خطأ عمليّات التفكير أو الأسس المتضمّنة في هذا التفكير،، نُريد أن نقول (قياسا على هذا) أنّ الفلسفة لا تعرض للتفكير بوصفه تفكيرا بمعزل عن الشيء، وإنّما تعرض للعلاقة بين التفكير وهذا الشيء»

2- السياقات التاريخيّة للمثاليّة الجديدة

     يتربّع هيجل في تاريخ الفلسفة الألمانيّة المثاليّة على القمّة (2)، وعلى حدّ تعبير هنري أيكن فإنّ «فلسفة هيجل بشكل عام نُقطة الأوج في تطوّر المثاليّة الألمانيّة في الفترة ما بعد الكانطيّة في ألمانيا، إنّها ولا ريب أعظم نُظم الفكر تأثيراً في القرن التاسع عشر» (3). والهيجليّة الجديدة هو الاسم الذي أُعْطي لفلسفة هيجل التي أُعيد إحياؤها وبعْثها من جديد في اسْكتلندا وانْجلترا في منتصف القرن التاسع عشر قبل أن تنتقل في ظرف وجيز إلى أمريكا (4) وتُمارس حياتها الجديدة هناك. ويُجاري رودلف متس هذا الرأي حين يقول: «نعني بالحركة المثالية الجديدة تغلغل المثالية الفلسفيّة الألمانيّة في الفكر الإنجليزي، ولم يصبح هذا التغلغل ملحوظا إلاّ في العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، أي بعد جيل كامل من وفاة هيجل» (5). وننبّه هنا إلى أن رجلا خليقا بالاحترام إليه يعود الفضل في التعريف بهيجل في إنجلترا وهو ج. ه. سترلنج G . H. Stirling  حين نَشَر (في عام 1865) مؤلّفا من مُجلديْن (6) عن هيجل، وأطْلق عليه عنوان سرّ  هيجل The secret of Hegel، وقد كان هذا الكتاب الأوّل من نوعه في ذلك الزمان وبفضله تمّ اسْتهلال حركة فكريّة جديدة، وهي ما بات يُطلق عليها لاحقاً ”المثاليّة الانجليزيّة” أو ”المثاليّة الجديدة”. فقد اسْتفاد سْترلنْج من إقامته الطويلة في هيدلبرج بألمانيا  وتَشبّع بمبادئ فلسفة هيجل في مرحلة كانت الهيجليّة فيها تُمارِسُ تأثيراً قويّاً على العقول وتُثير جدالات لا تَنْتهي. أعْقَب هذا الجهد الفريد لسترلنج الإقبال على الترجمات الإنجليزيّة الشارحة للفلسفة الألمانيّة وللأدب أيضا، وتطلّع العديد من المثقّفين إلى الطرائق الجديدة في المعرفة التي تُنسب إلى الألمان. ولا شكّ أنّ ذلك التُراث الفكري الألماني قد اسْتفاد منه الإنجليز أيّما اسْتفادة وخَلّصهم من عُقدة التمسّك بتُراثهم القومي وحسب، لكنّه في مراحل مُتأخرة تَمّ وضعه على محكّ النقد والمساءلة.

       ومن الأهميّة بمكان في هذا السياق الإشارة إلى أنّ كتب هيجل الرئيسيّة قد تمّت ترجمتها إلى الإنجليزيّة إبّان تلك الحركة الفكريّة الجديدة الوافدة وهي: ظاهريات الروح، علم المنطق، فلسفة الحقّ، محاضرات في فلسفة التاريخ، فلسفة الفنّ، محاضرات في فلسفة الدين. ولاحقاً أسْفر التلاقح بين الفكريْن الإنجليزي والألماني على عدّة مؤلفات انجليزيّة صُنّف أصحابها ضمن التيار المثالي في الفلسفة الإنجليزيّة وأطلق عليهم اسم ”المثاليون الجدد”، ونذكر منها كتاب هيجل، وكذا كتاب الفلسفة النقدية لكانط في جزئين لــإدوارد كيرد Edward Caird (1830-1908)، ومدخل إلى فلسفة الدين والأفكار الأساسيّة للمسيحيّة لــجون كيرد John Caird ( 1820-1898)، والمذهب الهيجلي والشخصيّة والفلسفة من كانط إلى هيجل لـأندروث سث برنجل باتيسون Andrew Seth pringle pattison (1856-1931)، وكتاب دراسات أخلاقيّة والظهور والواقع لـفرانسيس هربت برادلي Francis Herbert Bradly ، ومؤلّفات أخرى مهمّة لا يتسع المقام لعرضها. وإذا كان المفكّر والمؤرخ الألماني رودلف متس Rudolf Metz (7) ومعه الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل  Bertrand Russell قد اتّفقا على أنّ المثاليّة في الفكر الإنجليزي كان مصدرها ألمانيا، فإنّ ج. ميورهيد J . H. Muirhead  ذهب مذهبا آخر إذْ كابر ولم يَتَّفق مع رأي زميليْه. ففي كتابه التُراث الأفلاطوني في الفلسفة الإنْجليزيّة (عام 1931) يُحاول ميورهيد أن يُثبت أنّ الحركة المثاليّة في إنجلترا هي امتداد مُتّصل في مسيرة الفلسفة الإنجليزيّة، وأنّ الفلسفة المثاليّة في إنْجلترا لم تتأصّل بتغلغل فلسفة هيجل في إنجلترا، وأنّ فلاسفة من أمثال أريجينا Erigena   ودون سكوت  Dun scotus وأفلاطوني كامبردج والفلاسفة السكوتلانديين والمثاليين المطلَقين قد شكّلوا معاً مايُسمّيه، ”التُراث الأفلاطوني في الفلسفة الأنْجلو سكسونية” وهذه العبارة كانت عنواناً (8) لكتابه لاحقاً.

       ورغم أنّ الحركة المثالية الإنجليزيّة تتجاذبها وُجْهات نظر مُختلفة ومُتصارعة ومتناقضة أحيانا، فإنّ الفكر الإنجليزي الذي اشْتهر بمدارسهِ التجريبيّة الحسيّة والذي عَرَف بعض التيارات المثاليّة في  تاريخه الطويل، قد ازْدهر وتطوّر  وطرحَ ثماراً فكريّة جديدة بعد اطّلاعه على فكر هيجل والمثالية الألمانية بوجه عام، ولا شك أنّ ”القَبْلَ”  ليس كما ”البَعْدَ”. وكولنجوود واحد من الذين اهتمّوا بهذه الثقافة الوافدة إلى بلده وبمضامينها الفكريّة التي كانت جديرة بالاهتمام، ولا شكّ أنّ تفاعله معها وإسهامه في مناقشات بشأنها كان جليّا.

3- فلسفة التاريخ في إنجلترا

      اعتنتْ الفلسفات الأوروبيّة في وقت مبكّر من تاريخها الحديث بفلسفة التاريخ، وتتصدّر الفلسفة الألمانيّة الطليعة تليها الفلسفة الفرنسيّة والإيطالية، غير أنّ الفلسفة الإنجليزيّة تأخرتْ عن الركب بالقياس إلى زميلاتها، وكانت محدودة الأثر ويكاد لا يُذكر أحيانا، باسْتثناء الجُهود التي قام بها برادلي في كتابه الافْتراضات السابقة للتاريخ النقديThe pre-suppostions of critical History    (في عام 1874)، وقد أَنْجَز هذا العمل لنقد الأناجيل والردّ على مدرسة توبنجن الألمانيّة وعلى بعض عُلمائها وآرائهم  ومنهجهم المعتمد في دراسة الكتاب المقدّس، ولم يَدَّخِر صاحبه جهْدا للردّ على المدْرسة التجريبيّة والوضعيّة وعلى أسلوبيْهما في تناول التاريخ. ولعلّ هذا النفور كان مردّه إلى طبيعة الموضوعات التي اعتادتْ الفلسفة الإنْجليزيّة على مُعالجتها، وإلى خَوْضها في الفلسفة بعيداً عن الميتافيزيقا. كما قد يكون استمراراً لتقليد فلسفي رسّخه رنيه ديكارت René Descartes (1596-1650) في كتابه مقال/خطاب في المنهج عندما جعل معيار اليقين في جميع العلوم هو الرياضيات، فمال الاعتقاد في الفلسفة الأوروبيّة بعد ذلك إلى أنّ العلوم الطبيعيّة هي وحدها الجديرة بالبحث الفلسفي. ولا يقع الرفض للتاريخ على المستوى الأنطولوجي عند ديكارت بل على المستوى المعرفي، لأنّ التاريخ موجود بالفعل ولكن قيمته المعرفيّة هي التي يرقى إليها الشكّ نظراً لطبيعة الأحداث التاريخيّة المتبدّلة، ويمكن قراءة هذا المضمون الديكارتي في القسم الأول من مقاله في المنهج. ونتيجة لذلك كُله ظلّ التصوّر التقليدي لفلسفة التاريخ عند الفلاسفة الإنجليز لا يَخْرج عن كون التاريخ مَبْحثا ميتافيزيقيّا (9)، ولا يُمْكن أن تَخُصّه العقْليّة الإنْجليزيّة ببحوث ودراسات.

      فقد ترك أسلوب المعالجة الألمانيّة للتاريخ على يد هيجل Hegel وهردر Herder وكانط Kant انطباعا سيّئا لدى الإنجليز الذين لم يُحبّذوا المعالجات التأمليّة لمسائل الطبيعة التي ترسم لوحات كبيرة عن العالم، فمن شأن هذا المسلك في اعتقادهم أن يَصْرِف الدراسات الفلسفيّة عن المعرفة، فلا شيء يكشف  الحقيقة مثل التجربة الحسيّة. وهذا ما جعل الانجليز يتنكّرون للفلسفة الطبيعيّة على النحو الذي عولجت به من طرف الفلاسفة الألمان، وتحوّلتْ كراهيتهم من فلسفة الطبيعة إلى فلسفة التاريخ، وتمّ اعتبار هذين المبحثين من ضروب العبث (10). وحتى بعض مُحاولات الفلاسفة كتلك التي قام بها توماس باكل Thomas Buckle (1821-1862) في كتابه الحضارة البريطانيّة لم تخرج من جلباب العلوم الطبيعيّة لأنها حاولتْ تطبيق منهج هذه الأخيرة على الدراسات التاريخيّة. ولم تتخلّص هذه العقليّة الإنجليزيّة من عُقدتها إلاّ مع مطلع القرن الماضي.

4- كولنجوود في خضمّ هذا الجدل الفكري

      لم يُخْف كولنجوود امتعاضه من الطريقة التي تعاطتْ بها الفلسفة الإنجليزيّة مع موضوع التاريخ، واعْترف بأنّها لم تساهم مُساهمة فعّالة فيه وأنّ أيّ إضافات معرفيّة مُمكنة تبقى مُتواضعة ومتأخّرة قائلاً: «أمّا فلاسفة الإنجليز الآخرون الذين عرضوا لمشكلة التاريخ منذ عهد برادلي قلّما يُضيفوا شيئا له قيمة حتّى بضع السنوات الأخيرة.. وبوزانكيه الذي كان وثيق الصلة ببرادلي نفسه، عالج التاريخ باحتقار صريح، على أنّه ضرب من التفكير الخاطئ وأنّه قصّة الأحداث المتعاقبة التي نَرْمُقها بعين الشك» (11)، مُنتقدا تَجاهل التفكير التاريخي في الفلسفة الإنجليزيّة. وهذا النقد الكولنجوودي الذي أبان عن قصور في النظر لدي أبناء جِلْدتهِ، كان يتّجه صوب تصحيح علاقة مَعرفيّة مُتأزمة، ونحو ميلاد نصوص جديدة تُساهم في تغيير المفاهيم التي كانت سائدة، وينْضوي مشروعه الفكري تحت كتابه فكرة التاريخ الذي يُتوّج المرحلة الثانيّة من التطوّر الفكري لكولنجوود، وهي مرحلة النضج التي تمتدّ إلى عام 1937. 

5- إدانته للاتّجاه الوضعي في التاريخ

      لم يسْتَسغ كولنجوود التفْسيرات الوضعيّة للتاريخ التي شاعتْ في القرن التاسع عشر، تحت تأثير المذهب الوضْعي لأوغست كونت Auguste Comte  (1798- 1857)، التي تجعل الوقائع التاريخيّة لا تختلف عن الوقائع الطبيعيّة وتخضع لنفس خصائص العلم، ورفض أن يكون التاريخ مرادفاً للطبيعة، منتهيّا إلى القول: «كان من الضروري.. أن نَعرض بالتفنيد المتواصل لما يُمكن أن نُسميه فكرة ”وضعيّة” أو بتعبير أدّق فكرة وضعيّة خاطئة عن التاريخ، تَذهب إلى أنّه دراسة الأحداث المتعاقبة التي طواها ماضٍ سحيقٍ- أحداث تُفهم على الصورة التي يَفْهم بها رجل العلم أحداث الكون المادي..- وهذا التفسير الخاطئ لموضوع التاريخ، لا يُعبّر عن خطأ استقرّ في التفسير الفلسفي الحديث عن التاريخ فحسب، ولكنّه خطر دائم على التفكر التاريخي نفسه» (12). إنّ عالماً يَحْكمه  التغيّر لا الثبات والصيرورة النابعة من الحريّة، لا يُمكنه أن يكون مُجرّد تجميع لأحداث صمّاء خارجيّة لأنّه جملة من العلاقات الإنسانيّة المُعقّدة. فالطبيعة هي مجرّد ”أحداث” لكنّ التاريخ هو ”الأفكار”، وفي العلم يتمّ التركيز على إدراك العلاقات الخارجيّة للأشياء باعتماد الوصف، بينما التاريخ هو اكتشاف الفكر المتضمّن في الأحداث لأنّ التاريخ وثيق الصلة بالجهود الانسانيّة. ما يَسْمحُ بتأكيد التاريخ كموضوع للمعرفة، والموضوع هنا هو جهود البشريّة في الماضي، وإنّ علميّة التاريخ حسب كولنجوود سوف تتجلّى ليس في ادّعاءات المذهب الوضعي وتَهْويماتهِ بل في اعْتماد الوثيقة والاسْتدلال والتحليل والبرهنة والفهم، وتَمَثُّل أحداث الماضي بواسطة العقل (13) من أجل استعادة الخبرة الماضيّة وإنْ بشكل غير مُطْلق، وهذا لا يعيبهُ في شيء لأنّ المعرفة المطلقة غير ممكنة حتى في مجال البحوث العلميّة التي لا يمكن الحُكم بقطعيّة نتائجها.   

6- نظريّة المعرفة التاريخيّة

      يقول كولنجوود في مقدّمة كتابه فكرة التاريخ: «أمّا أنا فاستعمالي لعبارة ”فلسفة التاريخ” تختلف ،، وأريد في أوّل الأمر إيضاح ما أفهمهُ من مدلول كلمة فلسفة بيانا لما أعني من عبارة فلسفة التاريخ، الفلسفة تحليل لعمليّات الفكر، تفصيل ذلك أنّ العقل الذي يشتغل بالفلسفة لا يقنع بمجرّد التفكير في الشيء المادّي، ولكنه في الوقت الدي يُفكّر فيه في الشيء المادّي يتتبع عملية تفكيره في هذا الشيء المادي،، إنّ الفلسفة تفكير من المرتبة الثانيّة، أو هي تفكير في صحّة أو خطأ عمليّات التفكير أو الأسس المتضمّنة في هذا التفكير،، نُريد أن نقول (قياسا على هذا) أنّ الفلسفة لا تعرض للتفكير بوصفه تفكيرا بمعزل عن الشيء، وإنّما تعرض للعلاقة بين التفكير وهذا الشيء» (14).  وفي القول هذا إثبات أنّ الفلسفة ليست بناء قائما على التجريد، بل هي العلاقة المعرفيّة القائمة بين الفكر/ الذات العارفة وموضوع المعرفة، وأنّها تمارس على المعرفة دورا فعّالاً عندما تقوم بنقد المعرفة وفحص مناهجها، والذي يركّز عليه الفيلسوف ليس الماضي في حدّ ذاته، بل تلك العلاقة المتبادلة بين الفكر والماضي من خلال حوار مُستمّر متبادل بين الماضي ولمؤرّخ. ويحاول كولنجوود أن يتناول هذه الأفكار بشكل تفصيلي في كتابه الموصوف، الذي يُعدّ حسب قوله بحثا فلسفيّا «يتناول طبيعة التاريخ بوصفه نوعا خاصّا من ألوان المعرفة يعرض لموضوع خاصّ لا علاقة له في هذه المرحلة بمشكلة أخرى،،، ما التاريخ، ما موضوعه، ما طريقته وما قيمته؟ أسئلة يختلف الناس في الإجابة عنها» (15). تلك هي أسئلة الكتاب المطروحة وغيرها، ما يجعل من فلسفة التاريخ عند كولنجوود في سياقها الزمني حدثا فكريّا غير مسبوق.

 7- الفهم والتمثّل وإدراك الحياة والتاريخ

      يعود التنظير الفلسفي للفهم واستخدامه في الدراسات الانسانيّة إلى فيلهلم دلتاي  Wilhelm Dilthey (1833- 1911)، وفلسفة التاريخ المعاصرة تبدأ بدلتاي لكونه رائد منهجيّة الدراسات الانسانيّة المعاصرة، فقد قام بـ ”نقد العقل التاريخي” على غرار ما قام به كانط في ”نقد العقل الخالص”، وبعد قراءته لكانط قام بنقد مقولاته ووضع قائمة جديدة لها أطلق عليها اسم ”مقولات الحياة”، كما اسْتَحْدَث منهج ”الفهم”. وفي تقدير دلتاي فإنّ مقولات كانط صالحة للعلوم الطبيعيّة ولكنّها غير صالحة للعلوم الروحيّة، ولذلك اقترح مقولات بديلة تتناسب و”العقل التاريخي” كمقولات ”الحياة” و”التجربة” و”المعنى” و ”النمو”،، التي تجد تطبيقاتها في العلوم الروحيّة، وتتميّز مقولات دلتاي  بأنّها ليست محدودة عدديّا وأنّها كامنة في الحياة، بينما تُعدّ مقولات كانط محدودة ومشروطة قبْليّا، وهي تعتمد على منهج التفسير الذي يتناغم مع العقل الخالص الكانطي وتطبيقاته في العلم الطبيعي. ففي الكمّ نجد مقولات (الوحدة-الكثرة-الشمول)، في الكيف (الواقع-السلب-التحديد)، في الإضافة (الجوهر والعرض-العلّة والمعلول-التبادل)، وفي الجهة مقولات (الإمكان-الوجود-الضرورة).

       وبطبيعة الحال لا يمكن تطبيق المقولات الكانطيّة هذه على الدراسات الانسانيّة وعلى التاريخ. وتُعدُّ مقولة ”المعنى” من أكثر المقولات التي حازتْ على اهتمام دلتاي، فـ”المعنى” هو العلاقة الخاصّة التي ترتبط فيها الأجزاء بالكلّ في حياة (16)، وأبسط حالة يحصل فيها المعنى هو فهم الجُملة، هنا فهم الجملة ينتج عن معنى مُفرداتها. غيْر أنّ هناك تفاعلاً بين الكلّ والأجزاء يتحدّد من خلاله معنى المفردات ويزول التباس المعنى. والعلاقة نفسها نجدها بين الأجزاء والكلّ في مجال الحياة، فهنا أيضا فهم الكلّ أي معني الحياة يأتي من معنى الأجزاء (17). ولعبارة ”الحياة” عند دلتاي مدلولها الواسع إذْ تشمل السياسة، القانون، التاريخ، العلم، التشريعات، الاقْتِصاد، وكلّ ما يُبْدِعه الانْسان. ووفقاً لذلك فإنّ كلّ التجارب الإنسانيّة تُعدّ مَوْضوعاً للدراسات الانسانيّة والتاريخ (18).

      يَنْطَوي اسْتحضار دلتاي في هذه السطور على عدّة معاني لعلّ أهمّها صعوبة تجاوز نصوصه وما أحدثتهُ من ثورة في عالم الروح (العلوم الانسانيّة) وترْسيخها لمنهج الفهم، ثمّ ما مارستهُ نظريّة دلتاي من تأثير في المائة سنة الأخيرة، فمعنى التمثّل في التاريخ عند كولنجوود إنّما يعتمد على فهم التاريخ أساسا من أجل اسْترجاع الخبرات الماضية عن طريق الفكر. والتمثّل في العمليّة التاريخيّة هو نقل الخطاب الماضي إلى الحاضر بواسطة الفكر والاتّكاء على خبرة المؤرخ وثقافته الواسعة، ويكون ذلك بشكل واعٍ لأهدافه لأنّه لا يعني التقمّص. ويضربُ كولنجوود مثالا للتوضيح فيقول «أجد أني حين أتمثّل شخصية ”بيكيت” أكون على بيّنة من أنّي ”بيكيت” أي أعرف أنا شخصيّا الآن أني أتمثل تفكير ”بيكيت” وإذن فأنا ”بيكيت” في هذا المعنى» (19). والمؤرخ بهذا المعنى  لا يستطيع فهم بيكيت أشهر الأدباء المعاصرين دون أن يتعرّف على شخصيّة الرجل وثقافته ويتبحّر في علمهِ الغزير وفي مَعانيه، وإنّ تحوّل المؤرّخ إلى شخصيّة بيكيت، عبر آلية التمثّل والفهم،  إنّما يكون مؤقّتا ومشروطا لإدراك المعنى. والحال نفسه مع تمثّل أيّ فلسفة كفلسفة أفلاطون مثلا، إذْ المطلوب في نظر كولنجوود : «أوّلاً: أن أتمثّل هذه الفلسفة في عقليتي، وثانياً: أن أفكّر في أشياء أخرى أستطيع على ضوئها أن أحكم على هذه الفلسفة» (20). ولا يُعتبر التمثّل في هذا السياق استرجاعاً عشوائيّاً للماضي وأحداثه، ولا هو استسلام لسحر عقليّة أخرى، إنّما يُعدُّ جهدا إيجابيّاً للفهم والاستيعاب و للانتقال في خطوة لاحقة إلى عمليّة النقد التي بمقدورها إنتاج رؤى أخرى من شأنها أن تُثْري النصوص، أدبيّة كانت أو تاريخيّة أو فلسفيّة.

      لا شكّ أنّ كولنجوود قد تأثّر بدلتاي في مسألة الفهم ولكّنه عاب عليه أنّه لجأ في كثير من الأحيان إلى حلّ بعض المشاكل باللجوء إلى علم النفس، في حين أنّ التاريخ لا يمكن فهمه عل أسس سيكولوجيّة ويقتضي استبعاد التجربة التاريخيّة من المعرفة الحسيّة لكي لا تُصبح المعرفة التاريخيّة مُستحيلة. والخطأ الذي وقع فيه دلتاي على حدّ زعم كولنجوود أنّه «اعْتقد أنّ هذا الماضي التاريخي يعيشُ في الحاضر الذي يستطيع أن يكون على بيّنة من الماضي، اسْتنادا إلى إدراكه الحسّى المباشر لهذا الماضي، ولكن هذا الادراك المباشر ليس من قبيل التفكير التاريخي إطلاقاً» (21). قد يكون التبرير الكولنجوودي هذا مردّه إلى خطأ في فهم عبارة ”الحياة” في المعنى السيكولوجي للكلمة، فـ ”الحياة” كما قصدها دلتاي لم تكن تعني عنده الوظائف السيكولوجيّة التي يقوم بها الانسان، وإنّما كانت تعني الحياة في جميع مجالات المعرفة التي يُسهم في إبداعها الانسان وهي مجال نشاطه. وإذا كان هذا التأويل مفاده أنّ دلتاي ”سَكْلَجَ” التاريخ والدراسات الانسانيّة، فإنّ هذا الأمر لا يَصْدُق على مؤلّفاته بشكل كلّي وهو يقتصر على الكتابات الأولى، لأنّه ابْتعد عن النزعة السيكولوجيّة في الكتابات المتأخّرة كما يتّضح ذلك في كتابه بناء العالم التاريخي (في عام 1910). والذي ساعد دلتاي على ذلك المسعى هو المقولات الهيجليّة بعد أن اتّضحتْ له الحُدود الضيّقة لتوظيف المنْهج الاسْتبطاني في معرفة الذات . ففي هذا الكتاب يتراجع عن الكثير من الأطروحات التي كان قد اعتمدها في كتابه السابق مدخل إلى العلوم الثقافيّة.

8- علاقة الخيال التاريخي بالاستدلال العلمي عند كولنجوود

      التاريخ ليسَ رصداً للوثائق وحسب، وإنّما  هو فحص لها باعتماد التحليل والاستدلال والبرهان من أجل البناء الذي يرتبط بالخيال الإبداعي، لذلك ثمّة عرى وثيقة بين الخيال الإبداعي والاستدلال العقلي. ويُعبَّر عن الخيال التاريخي أحيانا بالمعاصرة التاريخيّة وهي معايشة للتاريخ بالفكر. ويحاول كولنجوود شرح ذلك عندما يقول: «نحن لا سبيل لنا إطلاقاً إلى الإحساس بعبق الأزهار التي كانت في حديقة أبيقور، أو إلى الإحساس بما شعر به الفيلسوف نفسه من نسيم عليل داعب شعوره.. كذلك لا نستطيع أن نُحسّ بنشوة النصر التي أحسّ بها ” أرْشميدس” أو المرارة التي شَعَر بها ”ماريوس” ولكن لديْنا من المسْتندات التاريخيّة صُوراً عن تفكير هَؤلاء الناس» (22). ما يعني مُحاولة تلبّس روح العصر من طرف المؤرّخ أو الدارس، والتي يُمكن إجمالها في الثقافة والآداب والعادات والتقاليد والعقائد والقوانين، وفي مُختلف المعارف الأخرى. فالماضي في حدّ ذاته لا يُمْكن الوُصول إليه، وما نعرفهُ عنه هو ما نملكه من تصوّرات عنه تتوسّل بالطرائق العلميّة لمقاربة الماضي وأحداثه. واستناداً إلى ذلك فإنّ كلّ الأفعال الانسانيّة عند كولنجوود تنضوي تحت لواء ”تاريخ الفكر” ولا وجود لحقيقة أخرى غير حقيقة الفكر.

       وإن كان هذا الطرح لم يُقْنع البعض كالمؤرّخ إدوارد كار مثلاً عندما اعتبر فكرة التمثّل غير مُسْتَساغة وتُخفي خطراً جسيماً، فلو أنّ المؤرّخ حسبه نظر  إلى الماضي بأعين الحاضر أفلا يَدْفعه هذا إلى خطر الوقوع في نظرة براجماتيّة عندما يقوم بتأويل الوقائع (23)، وملاحظات أخرى من لدنه ومن غيره من المفكّرين بشأن فكر كولنجوود الفلسفي والتاريخي. لا شكّ أنّ فلسفة التاريخ الكولنجووديّة تعتريها بعض الحماسة  والشطط في الرأي ولا يمكنها أن تفلت من النقد. ولكن في الوقت ذاته لا يمكن غضّ الطَرْف عن إنجازاتها ومواضيعها الطريفة في وقت توجهتْ فيه الفلسفة الانجليزيّة إلى مباحث أخرى، وإنّه ليس من قبيل المبالغة القول بأنّها كانت إضافة حقيقية للفلسفة الإنجليزيّة بشكل عام وللفلسفة المثاليّة بشكل خاص في القرن العشرين.

*****************************

هوامش المقال

(1) بدأت حركة الاهتمام بفكر كولنجوود بعد نشر كتابيْه: فكرة التاريخ، وفكرة الطبيعة ومقالات أخرى، وقد كانت لجهود ت. م. نوكس T.M . Knox  أهميتها البالغة في إخراجه إلى النور فإليه يعود الفضل في كتابة المقدمتين للكتابين المذكورين، وكذلك إلى جهود آلان دوناغان A.  Donagan ، وتوملان Tomlin .

(2) عبد الرحمن بدوي، المثالية الألمانية، (القاهرة: دار النهضة العربيّة 1965).

(3) هنري أيكن، عصر الإيديولوجيا، تر: محيي الدين صبحي، مراجعة عبد الحميد حسن، (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1971)، ص 85.

  (4)  G. Watts Cunningham, «Neo Hegelianism», The Dictionary of Philosophy, Ed by Dagobert. D. Runes                                                  .

(5)  رودلف متس، الفلسفة الإنجليزيّة في مائة عام، ج1، ترجمة فؤاد زكريا، مراجعة زكي نجيب محمود، (القاهرة: دار النهضة العربيّة، 1963)، ص 287. 

 (6)  المرجع نفسه، ص 308.

(7) مفكر ألماني وهو من أشهر المتخصّصين في التأريخ للفلسفة الإنجليزيّة المعاصرة، كتب وترجم إلى الألمانيّة عدّة كتب تتناول الفكر الإنجليزي، كتب عن برادلي وهيوم، وقد سعى لأثبات أنّ المثاليّة الجديدة الإنجليزيّة هي وافدة من ألمانيا.

 Anthony Quinton, «British Philosophy», in Paul Edwards, Ed, (8)  The Encyclopaedia of Philosophy, volume 1, (New York : The Macmillan Company and The Free Press, 1967, p 370.

W.H . Walsh, Philosophy of History : an introduction, (New (9)  York : Harper Toorchbooks), p 11.

Ibid, p 12.                                                                                                                                                     (10)

(11) روبن جورج كولنجوود، فكرة التاريخ، ترجمة بكير خليل، راجعه محمد عبد الوافي خلاف، (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط2، 1968)، ص 259.

(12) المرجع نفسه، ص 396.

(13) المرجع نفسه، ص 484.

(14) المرجع نفسه، ص ص 30-31.

(15) المرجع نفسه، ص 39.

W. Dilthey, Selected Writings, Ed, and Trns  by H. P. Rickman, (16)   (Cambridge : Cambridge University Press, 1976), p 236.

 Ibid, p 237.                                                                                                                                            (17)

 Ibid, p 192.                                                                                        (18)

(19) كولنجوود، فكرة التاريخ، ص 507. 

(20) المرجع نفسه، ص 514.

(21) المرجع نفسه، ص 309.

(22) المرجع نفسه، ص ص 506-507.

Edward. H. Carr, Qu’est-ce que L’Histoire ? Traduit de L’ anglais (23) par Maud Sissung, (Paris : Editions la découverte, 1988), p 75.

********************************

أكاديميّة وكاتبة من الجزائر  

khadidjazetili@hotmail.fr

شاهد أيضاً

“مينيرفا” التي تتغذى من السرقة العلمية

بقلم: م.ع.م و خ.ك    كنا، بمعية بعض الأصدقاء، في أحد مجالسنا المعتادة، نحاول أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *