الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / الأركيولوجيا / البيولوجيا : من كوفيه إلى داروين (الجزء الأول)

الأركيولوجيا / البيولوجيا : من كوفيه إلى داروين (الجزء الأول)


أسامة البحري

بقلم : أسامة البحري

قدم كارل لينوس ، بعمله “نظام الطبيعة ” سنة 1758 : ثلاثة و ستين نوعا من الخنافس السوداء ، و أربعة و ثلاثين نوعا من الحلزون المخروطي ، و ستة عشر نوعا من الأسماك المفلطحة ، و بهذا العمل يوجد نوع واحد من الحيوانات المتواجدة على قيد الحياة ، و في نفس السنة بلندن  و باريس و برلين ، ظهرت بقايا العديد من الحيوانات ك “ثلاثيات الفصوص” ، “السهميات ” “الأمونيتات” و كانت بقايا هذه الأخيرة “الأمونيتات ” و هي نوع منقرض من الرخويات البحرية ، يصل حجم أصدافها إلى حجم عجلة العربة ، و بالقرن الثامن عشر ستبدأ عظام الماموت بالظهور ، آتية من سيربيا ، ففي البداية كانت العظام تفسر بأنها عظام الفيل ، فقد تم العثور على ضرس منفرد في أعالي ولاية نيويورك و أرسل إلى لندن ، و وضع عليه “ضرس مخلوق عملاق” ، و كان أول إكتشاف لأول عظم للماموث ، و في سفر لونغويل إلى نهر أوهايو مع أربعمائة جنذي ، و “يتذكر أحد الجنود الفرنسيين الذي فقد أحد قدميه فيما بعد ، أنهم اضطروا إلى العيش في بعض الأحيان على ثمار البلوط –(إيليزابيث كولبرت : الإنقراض السادس – ص : 24)  و في فصل الخريف اصطدموا مع العديد من العظام الهائلة و الضخمة التي تشبه “صواري سفن محطمة (نفس المرجع) ” و تم حمل عضمة رجل ضخمة من العظام التي تم العثور عليها ، و يصل طولها إلى ثلاث أقدام و نصف قدم ، و ثم حمل ناب ضخم أيضا و عدة أسنان ، جذورهم تشبه يد الإنسان ، و تزن كل واحدة : عشرة أرطال ، إلى فرنسا ، و من ما لا شك فيه فقد أبهرت هذه العظام كل العلماء حينها ، و كانت لغزا محيرا ، فقد كانت عصية على التصنيف ، و خصوصا أن أسنان  و أنياب الماموث و الفيل كان متعرف عليها ، فهي مسطحة من أعلى و بها بروزات رقيقة تمتد من جانب إلى آخر ، و قد شكلت هذه الأسنان رعبا علميا حينها ، فمثلا كان جاين إيتيان غيتارد و هو عالم طبيعي قد “رفض أن يتكهن بمصدرها (نفس المرجع ) ، و ظهرت ايضا في نفس الوقت بقايا أخرى تشبه البقايا الأولى ، و هنا سيظهر تفسير لwilliam Hunter  ،  كبير الأطباء بالمملكة ، مسلما بأن هذا الحيوان من أكلة اللحوم ، نظرا لأسنانه المخيفة ، و سيسلم أيضا العالم الطبيعي الفرنسي “بوفون” بأن هذا الحيوان ليس فيل و ليس فرس نهر بل هو ثلاث حيوانات منفصلة “فيل و فرس نهر و ثالث مجهول النوع” و سلم بوفون بأن الثالث قد اختفى ، و أنه النوع الأخير ، و بسنة 1781  ، سيظهر توماس غيفرسون بأحد أهم أعماله “مذكرات عن ولاية فجينيا ” مثفقا مع بوفون في فكرة أن الحيوان الذي تم إكتشافه هو من أكبر الحيوانات ، و قد سلم توماس غيفرسون بأن هذا الحيوان ” يصل حجمه إلى خمسة أو ستة أضعاف الحجم التكعيبي للفيل ” و اتفق غيفرسون مع هانتر في أن هذا الحيوان حقا هو من أكلة اللحوم ، و من حسن حض البحث العلمي أن غيفرسون تعين حينها رئيسا ، فبعث ميريوذر لويس و ويليم كلارك إلى الشمال الغربي ، آملا أن يجدا هذا الحيوان الضحم و المجهول ، و بأوائل 1759 ، سيأتي كوفيه إلى باريس و كان عمره خمسة و عشرين عاما ، و اشتغل كوفيه في متحف باريس للتاريخ الطبيعي (الخليفة الديموقراطي لمتحف حجرة الملك ) ، و كان يذهب في أوقات فراغه للتنقيب ، و قضى كوفيه ساعات طويلة في دراسة العظام التي تم العثور عليها ، و كان يقارنها بعينات أخرى ، و في 4 أبريل 1796 : عرض نتائج بحثه في محاضرة عامة ، وضع فيها ، ما توصل إليه من شطر العظام التي تم تجميعها ، و التي كونوا بها فيلا ضخما ، و قد سلم كوفيه بأن العظام التي جاءت من روسيا خاطئة ، و الأسنان و الفكوك التي مصدرها سيبيريا تخالف جذريا أسنان و فك الفيل ، و قد تلقى كوفيه فيما بعد رسومات أولية لهيكل عضمي ضخم تم العثور عليه ، يبلغ طوله 12 قدما و إرتفاعه 6 أقدام ، فأطلق عليه كوفيه إسم : “ميغاثيروم” و تعني الوحش الضخم ، و تم العثور أيضا على فك ضخم مدبب و مرصع بأسنان ، تشبه أسنان القرش و نعتت ب “ماستريخت ” ، و لهذا سيقول كوفيه “يبدو لي أن كل هذه الحقائق المنسجمة فيما بينها ، و غير المتعارضة مع أي تقرير ، تثبث وجود عالم سابق لعالمنا ” و تم أيضا العثور على حفريات ماستريخت أخرى ، فأعادها مباشرة كوفييه بحث تحليله الأركيولوجي النظري ، إلى الزواحف البحرية ، و قد نعت كوفييههذا النوع ب”الموزامور” و قد جمع أيضا كوفيه مع طاقم من رفاقه ، بعد تنقيبهم : بقايا حيوان منقرض ، نعته كوفييه ب “حيوان منتمارتر متوسط الحجم ” ، و بعد الشهرة التي توصل لها كوفييه في تقاريره التي يكتبها عن ما يتوصل له و في إحيائه للماضي المدفون ، بدأت تصله العديد من الرسومات التفصيلية و البقايا من أماكن أخرى ، كهاسبورا و شتوغارت و لايد و بولونيا ، فكتب كوفيه ، شاكرا إياهم “لا بد لي أن أقول إنني تلقيت الدعم بحماس منقطع النظير …. من قبل جميع الفرنسيين و الأجانب الذين يشجعون العلوم أو يحبونها – نفس المرجع – ص 51” ، و بحلول 1800 ، أصبحت حديقة حفريات كوفييه تشمل 23 نوعا من الحيوانات المنقرضة كفرس النهر القزم ، ظبي بقرون ضخمة ، دب ضخم ؛ معروف الآن بدب الكهف ، سنة أنواع من المونتمارتر، و هذا دفع كوفييه إلى تساؤل خطير و هو “إذا كان كثير من الأنواع المفقودة قد استعيد في مثل هذا الزمن القصير ، فكم عدد الحيوانات التي يجب أن نفترض أنها لا تزال قابعة في أعماق الأرض ” ، و إلى جانب كوفييه سيظهر تشارلز ويلسون بيل الذي سيجمع عظاما ، وجدها أحد عمال المزارع ، و هي هيكل عظمي كامل لعملاق ، و قد سلم لكوفييه و نعته ب “ماستودون ” و في سنة 1812 ، سينشر كوفييه خلاصة لكل ما توصل له و كل ما شرحه و كل ما قارنه في أربع مجلدات ، تحت عنوان “أبحاث عن العظام الحفرية لرباعيات الأرجل ” ، و بهذا العمل سيأخذ كوفييه سمعة قوية ، ، فلم يكن يجرؤ إلا عدد قليل حينها ، من علماء الطبيعة على إعلان إكتشافاتهم قبل أن يفحصها كوفييه ، و قد كرم بعد شهرة عمله من طرف نابليون و تم إستدعاؤه إلى البلاط الملكي ، فأصبح بالتشجيع الملكي ، تجميع الحفريات بأوائل القرن التاسع عشر شائعا بالمجتمعات ، و بعد تطور ملحوظ للأركيولوجيا و الجيولوجيا ، تم العثور على البليسيوصور و الإختيوصور و الديناصور التي وجدت في رواسب الحجر الجيري ، و هذا دفع كوفييه إلى طرح فكرة خطيرة و هي أن ما تم التوصل إليه في البداية من دببة الكهوف و الماستودونات تنتمي إلى مخلوقات توجد الآن كالدب مثلا أو الفيل ، و لهذا فكلما نحفر في الطبقات الأعمق يجد الباحث مخلوقات ليس لها نظير ، و بقوة ما نبحث فإننا نصل إلى عالم أعقد من العالم الذي يتم التوصل له في طبقة معينة ، و هنا سلم كوفييه ضمنيا بالتطور التي سينطلق منها داروين ، رغم أنه لم يعطي لهذه النظرية قيمة ، لأن ما قضى فيه كوفييه وقته هو التشريح و المقارنة ، ثم التنظير من خلال ما هو ملموس ، فبفعل التشريح المستمر الذي قام به كوفييه إستطاع أن بميز بين عظام الفيل و الماموث ، ثم “التعرف على السلمندر العملاق الذي كان الآخرون يحسبونه إنسانا (نفس المرجع – ص 58) ” ، و قد نحث كوفييه مفهوما محوريا بالتشريح ، و يعني كوفييه بهذا المفهوم أن أعضاء الحيوان متناسقة مع بعضها و مكونة لكي تلائم و توافق طريقته في الحياة ، فمثلا الحيوان المفترس له أنيابه مصممة للإفتراس ، و معدته تناسب هضم اللحم ، و مخالبه في قياس النوع الذي يلائم ميوله نحو نوع غذائي في السلسلة الغذائية ، و حتى نظام تعقب الفريسة هو محدد بطريقة تلائم أعضاء إحساسه ، و يرى كوفييه أن الحيوانات التي توجد مختلفة عن الشكل البيولوجي لفصيلتها و نوعيتها التركيبية ، تتعرض مباشرة للدمار ، و في عهد كوفييه كان صديقه جان بابتيست لامارك و هو أحد المؤيدين لفكرة التحول بمتحف التاريخ الطبيعي ، سلم بفكرة أساسية و هي “عامل قوة الحياة ” الذي يشكل دافعا محوريا في تعقيد أشكال الحيوانات و النباتات ، فالطيور كما يسلم لامارك ، التي كانت تريد إصطياد فريستها في البحيرات كانت تضع أصابع أرجلها بالمياه ، و بقوة هذا التكرار ، طورت في النهاية “الأقدام المكففة ” و أصبحت كما يلم لا مارك “بطا” و بهذا سيعارض لامارك فكرة كوفييه و هي “الإنقراض ” و الأنواع التي سلم بأنها إنقرضت و لم يوجد لها أثر ، تدخل لامارك ليسلم بأنها تطورت و تحولت ، و كان كوفييه يسخر من فكرة لا مارك هذه حول التحول ، و برهن عليها بتشريحه لقطة مصرية محنطة ، فأجاب لا مارك بأن تلك القطة المصرية “تمثل فترة زمنية قصيرة ” فالتحول يقع مع الزمن ، و حبنما توفي لا مارك في عزائه لقب بالخيالي ، و بموت لامارك ، رفض كوفييه فكرة التحول ، و لكن صدى هذا المفهوم ظل حاضرا في إستمرارية بذاكرة كوفييه “فلم يكن لديه أي تفسير لكيفية ظهور الكائنات الجديدة ” و لا أي تفسير للحيوانات التي تعمر الأرض الآن ، و هذا شكل قلقا إبستيمولوجيا لكوفييه ، و لكنه تغاضى عن الأمر لأن ما كان يهمه ، هو زوال الأنواع ، و ليس أصلها ، و لكن في إحدى محاضراته حول “أنواع الأفيال الحية و المتحفرة ” سلم بأن الماموث و الماستودون و الكسلان العملاق ، إنقرضوا بسبب كارثة ، و قال “اضطربت الحياة على الأرض نتيجة أحداث مرعبة و كانت أعداد هائلة من الكائنات الحية ضحايا لهذه الكوارث ” ، و لهذا فكان منطلق كوفييه هو أن دافع الإنقراض هو أضخم بكثير ، فكتب كوفييه قائلا “لقد إنقطع خيط العمليات ، و غيرت الطبيعة من مسارها ، و لا يمكن لأي وسيلة تستخدمها هذه الطبيعة اليوم أن تكون كافية لإحداث ما قامت به في الماضي ” ، و لهذا انتقل كوفييه من التنقيب عن هياكل الحيوانات المنقرضة ، إلى دراسة الجيولوجيا ، فقضى في دراسته للطبقات الأرضية سنوات ، فتوصل هو و أحد زملائه إلى أول خريطة للطبقات بحوض باريس ، فرأى كوفييه ببداهة التغيرات الجيولوجية الكارثية ، فسلم بأن ما وقع من تغيرات “بحرية / برية ” و تغيرات من مياه بحرية إلى مياه عذبة ، لم تكن بطيئة على الإطلاق بل هي نتاج “ثورات مفاجئة على سطح الأرض ” ، فسلم كوفييه بأن ما وقع هو متواجد “خلف حافة التاريخ المسجل ” و بعد شهرة مقاله هذا ، و ترجمته إلى العديد من اللغات ، فسر هذا الإكتشاف “بطوفان نوح ” ، و تم دحض فكرة نوح هذه ، بالبراهين الفيزيائية المعاصرة ، التي سلمت بأن ما وقع ، هو مخلفات من ” الغمر الجليدي” ، و تم تعديل فكرة لكوفييه ، و هي أن ما وقع ليس فجائيا للماء ، بل يعكس حدوث تغيرات تدريجية في مستوى البحر و تأثير الصفائح التكتونية أيضا ، و لكن رغم ذلك كان المبدأ هو كوفييه ، فقد كانت جل أفكاره ، مبنية على أسس علمية محضة ، كفكرته حول ” الماستودون الأمريكي ” االذي أفني في الثورة ذاتها التي أدت إلى فناء الماموث و البهضم ، و هي اللحظة ذاتها التي سيظهر فيها الإنسان الحديث ، و في عصر كوفييه كان له صديق مهتم بالعلوم الطبيعية ، و كان يأخذ معه العديد من النسخ عن العديد من الحفريات الشهيرة إلى إنجلترا بعد أن يسمح له كوفييه بذلك ، و بعد مراجعة مدققة لتشارلز لايل لأعمال كوفييه ، سلم بفكرة أساسية و محورية أضافها ، و هي أن العالم يتغير تدريجيا و ببطئ ، أي من آلاف السنين ، لآلاف السنين ، و حتى الإنقراض حسبه حدث بوثيرة بطيئة جدا ، فالأنواع إذن حسب لايل لم تمت في فترة واحدة ، و “فكرة أن تاريخ الحياة كان له إتجاه معين ، أولا مع الزواحف ، ثم الثدييات ، فهي خاطئة – ص 64” مستقى حسب لايل من مصادر و مراجع و بيانات غير كافية ، ثم سيطرح لايل فكرة خطيرة  و هي أنه “إذا ما توافرت الظروف المناسبة ، فإن كل الأنواع التي تم العثور عليها ستعود إلى الظهور مرة أخرة -نفس المرجع – ص 64” أي أن الظروف المناخية – الإيكولوجية تلعب دورا أساسيا و محوريا في بقاء الأنواع ، و لهذا فحسب لايل إذا عاد المناخ الذي كان متوفرا آنذاك في عصر (الإغوانودون : و هو ديناصور ضخم منقرض) فحتما سيعود هذا النوع و ما شابهه في الحالة البيو-إيكولوجية إلى الظهور مرة أخرى ، و لهذا سيقول تشارلز لايل ليدحض كل التصورات السابقة “لا يوجد أساس في الحقائق الجيولوجية للنظريات الشائعة عن التطور المتتابع لعالم الحيوان و النبات ” ، و قد نشر تشارلز لايل جل أفكاره في ثلاثة مجلدات ، تحت عنوان “مبادئ الجيولوجيا ” ، و بهذا العمل أصبح تشارلز لايل مشهورا و يحتفى به ، فقد طبع عمله هذا في الطبعة الأولى في 4500 نسخة ، و بيعت كلها بسرعة ، و ” من بين القراء الذين تهافتوا على كتاب لايل مبادئ الجيولوجيا : تشارلز داروين ، كان عمره 22  سنة ، و قد تخرج من فوره في كامبريدج . دعي ليعمل رفيقا لقائد السفينة بيغل … كانت السفينة متجهة إلى أمركيا الجنوبية لمسح الساحل ، و لحل التناقضات المختلفة في الخرائط التي أعاقت الملاحة … أخذته الرحلة التي استمرت حتى بلغ داروين السابعة و العشرين من عمره ، من بلايموث إلى مونتفيديو عبر مضيق ماجلان ، و شمالا حتى جزر غالاباغوس ، عبر جنوب الباسفيك إلى تاهيتي ، ثم إلى نيوزيلاندا و أستراليا و تسمانيا ، و عبر المحيط الهندب إلى موريشيوس ، و حول رأس الرجاء الصالح ، ثم العودة ثانبة إلى أمريكا الجنوبية ، … و هذه الرحلة هنا صادف فيها داروين مجموعة متنوعة من السلاحف العملاقة ، و السحالي البحرية ، و عصافير الحسون بمناقير مختلفة الأحجام و الأشكال ، و اكتشف الإنتقاء الطبيعي – نفس المرجع – ص 66″ ، و إذا ما عدنا إلى عمل داروين ” أصل الأنواع ” سنجده بمقدمة عمله ، يقول ” عندما كنت أعمل كأخصائي في التاريخ الطبيعي ، على متن سفينة بيجل .. اصطدمت بشدة مع بعض الحقائق المتعلقة بتوزيع الكائنات العضوية التي تستوطن أمريكا الجنوبية – تشارلز داروين – أصل الأنواع – ص 5″ و بهذه السفينة قرأ داروين كتاب لايل “مبادئ الجيولوجيا ” ، و قد توقفت السفينة بسانتياغو ، و هنا بدأ داروين يجمع عيناته ، و من بين أفكار لايل الأساسية آنذاك ، هي أن بعض مناطق الأرض : ترتفع تدريجيا ، تماما مثلما تهبط مناطق أخرى ، و هذه العلاقات حسب لايل ، تؤدي إلى توازن العلاقات العامة بين البر و البحر  و استنتج داروين ، قائلا :”أول مكان فحصته جبولوجبا قد أقنعني بالتميز اللامحدود لوجهات نظر لايل ” ثم وقع زلزال في سفر داروين هذا ، رفع الساحل نحو ثمان أقدام ، و هو ما جعل من داروين يزداد إنبهارا ، من صدق فكرة لايل حول الزلزال المتكرر و ارتفاع سلسلة كاملة من الجبال لعدة آلاف من الأقدام ، فكلما زاد أستكشاف داروين للعالم ، بدا له أنه يسير وفق مبادئ الجيولوجية للايل ، و قرب نهاية رحلة السفينة التي كان بها داروين ، تمكن من نحث فكرته المدهشة التي أدخلته إلى الدوائر العلمية في لندن ، فقد رأى بأن لكي نفهم الشعاب المرجانية ، يجب أن نزاوج بين البيولوجيا و الجيولوجيا ، و لهذا سيسلم بأنه إذا تشكلت الشعاب حول جزيرة مرجانية ، و بهذا تجاوز داروين لايل في أفكاره ، و هذا ما دفعه إلى التعرف على تشارلس لايل مباشرة ، و في مجلد داروين حول الشعب المرجانية ، كتب قائلا : أشعر دائما كأن كتبي قد جاء نصفها من مخ لايل ” ، و قد انطلق داروين من منطلق التغير التدريجي للعالم الغير – عضوي كالنباتات و وديان الأنهار و سلاسل الجبال ، إلى العالم العضوي الذي سلم بأنه خاضع أيضا للتدفق المستمر و التدرج ، فما يقع في الجيولوجيا ، يقع بالبيولوجيا، و بهذا فإن ما يحدد الماضي هو الحاضر ، و في هذا الصدد يقول داروين  ” يمكن القول إن الإنتقاء الطبيعي يدقق يوميا ، و كل ساعة ، في كل أنحاء العالم ، بكل إختلاف مهما كان تافها ، فيرفض ما هو سيء ، و يحافظ على كل ما هو جيد و يضمه ، و ذلك عبر العمل على نحو صامت و تدريجي كلما و أينما لاحت فرصة ” و سلم داروين أيضا ، بأن “ظهور أشكال جديدة ، و اختفاء القديمة ، كانا مرتبطين كل منهما بالآخر ” و هذه العلاقة بين الماضي و الحاضر ، أساسه هو الصراع حسب داروين ، من أجل البقاء ” الذي يكافئ الأصلح و يستبعد الأضعف – إليزابيث كولبرت – الإنقراض السادس – ص : 70 ” ، و تتأسس فكرة داروين حول الإنتقاء الطبيعي ، على القدرة المكتملة على الإستمرار ، أي بإكتملاكه لأفضلية عن من لا يتمتعون بأفضلية ، و يضيف داروين بأنه من المحتوم عن من ليست لهم أفضلية ، التعرض إلى الزوال و الإنقراض ، فمثلا و كما يسلم داروين كمثال للتوضيح ” من المعروف تاريخيا أن السلالة القديمة من الماشية السوداء حلت محلها ذوات القرون الطولية ، و تلك بدورها ، إنقرضت بوساطة ذوات القرون القصيرة  – نفس المرجع – ص : 70 ” ، فقوة الإنتقاء الطبيعي حسب داروين تشكل ” قوة هائلة لدرجة أنه لم تكن هناك حاجة إلى أي قوة أخرى – نفس المرجع – نفس الصفحة ” و كتب داروين ساخرا من كوفييه ضمنيا ” أقحم موضوع إنقراض الأنواع ككل في غموض غير مبرر بشكل كبير ” و لهذا فمن منظور داروين تشكل الأنواع و تكونها ، يحدث عبر فترة طويلة جدا ، لدرجة أنه لا يمكن مشاهدته ، و في هذا الصدد يقول داروين ” نحن لا نرى أي شيء من هذه التغيرات البطيئة في أثناء حدوثها ” ، و يعرض لنا داروين مثالا حيا ، في الباب الرابع من عمله : أصل الأنواع  ، يقول ” أفضل طريقة سوف نتمكن بها من فهم المسار المحتمل للإنتقاء الطبيعي هو بأخذ حالة قطر ما يمر ببعض التغير الطبيعي البسيط ، على سبيل المثال في المناخ ، فإن ذلك سوف يتبعه حدوث تغيير في الأعداد النسبية للقاطنين في الحال تقريبا ، و من المحتمل أن تنقرض بعض الأنواع ، و قد نستطيع مما شاهدناه من الطريقة الحميمية و المعقدة ، التي يرتبط بها القاطنون بكل قطر ببعضهم إلى درجة أن أي تغيير في النسب العددية للقاطنين بغض النظر عن التغيير المناخي ، سوف يكون له تأثير خطير على الآخرين ، و إذا كانت حدود هذا القطر مفتوحة ، فمن المؤكد أن أشكالا ستهاجر إليه …و في مثل هذه الحالات فإنه سيكون هناك ميل إلى الإحتفاظ بالتعديلات الطفيفة ، التي تحابى بأي طريقة الأفراد التابعين لأي نوع عن طريق تحسين تكييفها مع ظروفها التي قد تم تعديلها ، و سيكون للإنتقاء الطبيعي حرية المجال للقيام بوظيفة التحسين -تشارلز داروين – أصل الأنواع – ص : 155″

شاهد أيضاً

مات الإله..أم مات الأب؟؟

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد.. ( مصر ) الفلسفة جزء من ذاتنا، هي الجزء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *