الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الخلطة النفسية للسير عكس السير

الخلطة النفسية للسير عكس السير

بقلم / هناء السعيد.. ( مصر ) .

الضغط النفسي يكون كبيرا حين تجد نفسك “شاذا ” بمعيار القطيع، كان يمكن أن تستسلم حتي لجهلهم الجماعي الذي لن يكلفك شيء ، مقارنة برغبتك في إتخاذ طريق آخر ، أقل صخبا واقل عشوائية من طريق الأغلبية ،الثمن الذي يجعلك وحيدا ، منبوذا، مضطهدا أو .. قتيلا .

ولنا في من اختلفوا وكسروا النمط مواساة ، بإمكاننا استلهام خلطة ووصفة واقعية لما يجب أن تكون عليه نفسياتنا عندما نقرر ممارسة النشاط “الإبراهيمي” ، من التساؤل والشك وتحطيم الرمز الأجوف الذي تسجد له العقول وهو يضر ولا ينفع.

المفكرون عزاء ، لأنهم باختصار سرب خارج السرب ، لأنهم تعرضوا فعليا لكل ما قد يتعرض له صحاب وجهة مختلفة لا يستندها آمان الجماعة،ولا يباركها قدسية ثواب الإتباع ولو كان أعمي !!
لدينا مجانين زنادقة لكن يملكون نفس صلبة في مجابهة كل هذه القسوة ، إنه نمط التفكير المبطن بمعرفة طبيعة الطريق ونهايته وتوقعاته التي لابد أن تكون بائسة قدر الإمكان.

التفكير يمنحنا السكينة ، التحليل يهديء الذهن ويوضح ما هو جوهري للحياة وما يمكن أن يضيع دون ندم كبير ..كما قال دوبوتون في (عزاءات الفلسفة ) الذي ألهمني بجواب سؤالي
كيف نؤهل أنفسنا لتحمل عواقب التفكير في زمن التكفير ؟!

وبتأمل سير الزنادقة الأوائل نجد مثلا رؤيتهم أن ” الإحباط” الوضع الإفتراضي لردات الفعل السلبية علي رأيك ،وهو المحطم للنفسيات التي لا تفهمه بشكل جيد ، منبعه تعارض الأمنيات مع الواقع المر ، لست إلها لتقول للمجتمع كن فيكون ، لذا علينا أن نخلق للأماني حيل لتسلق جدار الواقعية الأليمة ، نمط يقلل الغضب لأنك آمنت بأن اللا إكتمالية هي أحق الحقائق .
القدر يدور ، لذا غريب اليوم هو مألوف الغد ، زنديق اليوم، إمام ملته غدا.. الغد يجعلك تؤمن بأن بعض الأفكار ستأتي في زمن ، لتثمر في زمن غيره، للأسف أرضنا الفكرية تنبت ما يعتني بزراعته عليها ، فاكهة أو ماريجوانا ، ليس عليك سوي إلقاء البذور ، والإستعداد لأن تدفن معها حيا أو ميتا .
ليست النساء فحسب يمكن وصفهن بالقوارير، الإنسان في هذا العالم المخيف قابل للكسر ، لذا فإن توقع حدوث كل التقلبات يقي من التحطم الكامل، يقي من العجز الكلي الذي لا قيام بعده .

السعادة ليست مكلفة ، كل شيء أصبح غاليا ، إلا سبل إسعاد روحك التي ستواجه الكوارث علي مسافة فكرتك ، خلوة ، صديق حميم ، طعام لذيذ ، علاقة حب صادقة ، نوم هاديء، نفس عميق ، كتاب مثير يكفي للسعادة .
تجاهل الجسد ومطالبه ، أسوأ ما يؤثر علي العقل، يكفي أعداؤك من الخارج، لا تجعل عدوك منك ، لست ملاكا يمكنه التسامي فوق جسده، أفتخر بأنك تتمتع بجسد مشبع بالدنيوي بطرق إلي حد ما ” أخلاقية” ، القديس طيع في التقليد ، الإبتكار يحتاج حرية ، القديس ليس حرا ،الجسد المحتاج مقيد .

غير فكرك عن طبيعة العمل الفكري، الفكر ليس مهنة ، هو مهمة جميعنا مؤهل لها ، بعد تأهيل نفسنا العصية علي التمرد ، الفكر ليس عدو الحب ولا الجنس ولا الرقص ولا الشهوات المتباينة الجامحة، ولا حتي عدو لدخول الخلاء ، الفكر ليس “فوقية” عن أرضيتك، إنما هو حسن إدارة لها بخلاف من يفعل ذلك بشره أو دون ترتيب أولوياته .. لا تشعر بأنك نبي لمجرد إعمال عقلك، الأنبياء يأكلون الطعام، يمشون في الأسواق، ويقدرون النساء .

ستجد من يشبهك، أطمئن، الفضولي يجذب الفضولي الذي يشبهه، ستتغلب علي الوحدة والغربة بمجنون من نفس فصيلتك.

في كل بلوة عبرة، فقط تحتاج التمرين علي صنعة تحويل الطوب الذي تم إلقاؤه علي رأسك ، إلي مبني سريالي يحيرهم أكثر .

الدين ..!!
بمعني أدق لا أضمن لك الآن نمط تدين يعينك و يقويك، المفتي سيخدر عضدك ولن يشده، الوعظ تلفيقي تبريري “مأدلج” ، الموقف المناهض لمثل هذا التدين ستجد فيه روحانية أكثر، روحانية الباحث عن الله وسط صور لا تمثله، وسط من أساءوا له ويبكون في محرابه بمنتهي ” البجاحة” وسط الوعيد بالعذاب جزاء البحث، البحث في تاريخنا سوء خاتمة، والتاريخ طالما حكم بما يخزي.

واخيرا .. السلام علي من فتح صندوق أمته الأسود ، وجهر بما فيه، لأن الجهل والعمي أكثر ألما من نظرة المجتمع لك كعاق لأعرافهم البالية.

شاهد أيضاً

عالم لا تُحتمل خفته

هناء السعيد بقلم /هناء السعيد .. ( مصر ) . فى تأمل للعالم المُعلق بإذن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *