الرئيسية / كتاب كوة / علي محمد اليوسف / تعالق الوجود والموجود في فلسفة هيدجر

تعالق الوجود والموجود في فلسفة هيدجر

علي محمد اليوسف

يقول مارتن هيدجر سؤالنا لماذا كانت الموجودات ولم يكن العدم؟ هو أن نفتح ونفضّ الموجود في تردده وتقلبه بين الوجود والعدم. فمن حيث أن الموجود يعمل بقوة على مقاومة الامكانية المتطرفة والصارمة للعدم, فانه – أي الموجود –  يقف في وسط الوجود, لكنه لم يدرك أو يلحق مطلقا بالعدم أو يهزم أمكانية العدم.(1)

الموجود الحي (الانسان) يعي جيدا أنه محكوم بالفناء والزوال وليس من أمكانية الموجود المتاحة له أجتناب تعايش العدم الافنائي معه يداخله كحتمية سلبية تحزم الموجودات الحية بلا أستثناء لا يمكن الخلاص منها.. والموجود سواء أكان في بداية أو وسط أو نهاية الوجود فهذا لا يغير شيئا من أمر علاقة العدم السلبية بالموجودات, والوجود غير قادر الخلاص من هيمنة العدم عليه فهو لا يلحق العدم ولا يحاول هزيمته من حيث أنه بخلاف الموجودات فأن العدم غير متعيّن كموضوع مواز للموجود الحقيقي أو مكافيء له.. العدم نوع من تعبير الطاقة السلبية غيرالمحسوسة غير المحدودة ولا المتعينة ولا المدركة التي تستهدف الموجودات بالافناء الحتمي ..وأدراك الموجود للعدم ليس واردا أبدا ليس كند موجود مكافيء ولا كقرين بالمفاضلة غير الحقيقية بينهما اي بين الموجود والعدم..

من العسف غير المنطقي أن نحاكم بقاء وحضور الموجودات من عدمه بمعيار العدم فقط بل وبمعيار الحضور والغياب ايضا.. وأدراك الموجود للعدم هو أدراك حدسي لا يخضع الى تراتيبية أدراك العقل للاشياء والموجودات الحسية..ألعدم ضربة خاطفة من الاثبات الحدسي في معرفة نتائجه وليس معرفة ماهيته ولا صفاته..وحدس الموجود للعدم لا يعني أمكانية متاحة في معرفته كمعادل رديف للوجود..بل العدم هو وجود غير مدرك متمم لوجود الموجودات بلا رغبة منها ولا دراية تتجنبها يلازمها بالافناء…

يذهب هيدجر الى أن السؤال لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم, يجبره على أن يطرح تساؤله التمهيدي الافتتاحي اللاحق التالي (كيف للموجود أن يقف مع الوجود؟) برأي هيدجر(الموجود في كليته لا يوجد ولا يكون بالقياس الى أن الموجود في كليته غير قابل للتحقق منه, لذا فهو في حكم مماثل للعدم كوجود غائب لا يتسنى لنا معرفته ولا التأكد من حضوره الا بعد تلمسنا نتائجه في أستهدافه الموجودات في وجودها الحقيقي)(2), ويفرق هيدجر بين الوجود والموجود, (بأن الموجود هو متعيّن بالادراك وتعبير اللغة عنه, ومن مجموع الموجودات يتكون الوجود الذي لا يمكننا أدراكه في كليته الضائعة الموزعة على الموجودات المكوّنة له ) (3)

قبل تكملة أقوال هيدجر عن الموجود والوجود نود تأكيد ما سبق لنا ذكره ومقارنته بأقوال هيدجرفي السطور السابقة وأضيف هنا على محمل العجالة ثلاث قضايا وردت في تعبير هيدجر ليست صحيحة كما مر بنا قبل قليل:

  1. أن العدم ليس وجودا متعينا ملحقا بالموجود بل هو جزء غير مدرك من تكوين الموجود يداخله ويزامنه..فالموجود على حد تعبير هيدجر هو مدرك متعيّن نجده في تعبير اللغة عنه وهو ما لا ينطبق على العدم لا كمتعين مدرك حسيا ولا كتعبير لغوي في الدلالة عليه كموجود.
  2. عدم أدراك (الوجود) في كليته الذي هو مجموع تكويناته من (الموجودات) وعدم الاحاطة بالوجود الكلي هو ليس كالعدم في عدم القدرة الاحاطة به كما يذهب هيدجر…فالوجود ليس مكافيء للعدم ولا يمكننا معاملتهما على أنهما ندّين متكافئين في المعيار الفلسفي والمنطقي للموجودات…فالوجود كمفهوم ميتافيزيقي ممكن أن يكون موضوعا للفلسفة كون الوجود ليس مصطلحا مجمعا عليه بالاتفاق على تحديد معناه… بل هو مبحث ممكن الاجتهاد به ووضعه موضع الدراسة والمناقشة وهو ما لا ينطبق على العدم فهو ليس مفهوما بمعنى هو موضوع فلسفي يمكننا تناوله تجريديا, بل هو نتيجة نلمسها حدسيا كدلالة واستنتاج في أصابته الموجودات بالافناء وليس الوجود بالافناء.

فالوجود كمفهوم ودلالة هو يمثل مجموع موجوداته ولا يمكن أدراكه في الكليّة الوجودية بل من الممكن أدراكه بموجوداته التجزيئية المكوّنة له.. فعندما نقول بناية أوغيرها من موجودات حسية مدركة فأن أدراكنا كلية البناية كوجود متعذر أدراكه بكليته في سبق أمكانية أدراك مدركات موجوداته التي هي مكوناتها من طوابق وغرف وحديقة وموقع وخدمات الخ.. وهكذا مع كل مفهوم كلي غير مدرك بكليته ولكنه مدرك بجزئياته التكوينية في موجوداته, فعندما نقول اخلاق فهذا مفهوم غير متعين كموجود.

لذا كان من الخطأ مقارنة الوجود الكلي بالعدم كما ورد على لسان هيدجر, فالعدم يختلف عن الوجود أنه لا يدرك لا بكليته غير المعروفة ولا بتجزئته الى مكونات فرضية كموجودات غير موجودة ولا متحققة أيضا…فالعدم وحدة متكاملة من حتمية أفناء الموجودات لا تنقسم على نفسها وليست مدركة بغير نتائجها فقط…العدم مصطلح غائم متفق عليه وليس مفهوما يمكن تناوله فلسفيا فهو يابى التعبير عنه باللغة والكلمات ولا بأية وسيلة أخرى من وسائل أدراك الموجودات..

وتعبير هيدجر أن عدم أدراكنا كلية الوجود يجعلنا نجعله رديفا مكافئا لعدم أدراكنا العدم والتعبيرعنه كلام غير دقيق يحتمل الخطأ ..فلا يمكننا معاملة الوجود كمفهوم ميتافيزيقي انطولوجي معاملة العدم غير المدرك انطولوجيا..وعندما نقول الوجود الانطولوجي فنحن نقصد تكويناته من الموجودات, فالوجود مفهوم ميتافيزيقي غير متعين كموضوع ادراكي في كليته بل كموجودات تستمد انطولوجيتها من مجموع مكونات الوجود من التي يمكننا أدراكها والتعامل معها..

  • في المنهج الفينومينولوجي الادراك للموجود الكلي يكون حدسيا عقليا بينما يكون أدراك الموجودات التي هي مكونات الوجود الكلي الانطولوجية فيمكننا أدراكها حسّيا عقليا وليس حدسيا على أعتبارها متعينات موجودية فيزيائية يحدها الزمان والمكان الادراكي العقلي لها.

ولنقارن ما ذهبنا لتأكيده في الفقرة ثانيا أعلاه بهذا القول لهيدجر( أن الوجود الذي لا تكف جهودنا عن ملاحقته والبحث عنه وأستقصاء طبيعته أنه تقريبا أمر مماثل للعدم, لكننا نرفض دائما المناقشة والجدال جملة وتفصيلا في مسألة أن الموجود في كليته لا يوجد ولا يكون)(4)

لنا تعقيب بسيط جدا يلاحظ أن هيدجر أستبدل تعبير (الوجود) الذي لا يدرك بكليته وناقشناه في ثانيا الفقرة أعلاه, وأستبدله بتعبير (الموجود) الذي لا يدرك بكليته, وأحتمال أن يكون التعبير ورد خطأ نقلا عن هيدجر من قبل المترجم… فالموجود جزء مكوّن من الوجود يدرك بكليته بخلاف الوجود الذي لا يدرك بكليته كونه مفهوما وليس موجودا حقيقيا واقعيا.

والمشكلة الكبرى التي يحذر هيدجر منها قوله (فيما يتعلق بمفهوم الوجود أنه يبقى أمرا لا يتم العثور عليه بيسر وتقريبا فهو يشبه العدم كثيرا, ثم في نهاية المطاف فأن كلمة الوجود هي عند الكثيرين ليس أكثر من كلمة فارغة المعنى فهي لا تعني أي شيء حقيقي) (5) عبارة هيدجر هذه في منتهى الدقة في التعبير فكل من الوجود والعدم كمفهومين كليين غير مدركين انطولوجيا ومن هنا يمكننا أحالتهما الى الميتافيزيقا في تضييعنا عدم الالمام المحدد بمدلولاتهما كمفهومين مجردين..

اذا ما أخذنا عبارات هيدجر السابقة على محمل النقاش فالوجود وغيره من مفاهيم ومصطلحات متداولة بالفلسفة أنما هي جميعا مجازات في التعبير اللغوي التجريدي للدلالة عنها.. والتفكير وتعبير اللغة هما تجريد مجازي عقلي في الادراك,, وتجعل من أمر الدخول في معترك البحث عن تطابقها كوجود أو غيره مع دلالة تعبير اللغة عنها لا يكفي أبدا في الوقوف على حقيقتها الكاملة.. فالوجود هو تعبير مجازي تجريدي ليس بالضرورة يكون التعبير الفلسفي عنه كافيا لمعرفة حقيقته الانطولوجية كون الوجود تجريد انطولوجي لا يمكننا حدّه أدراكيا, بأختلاف الموجودات التي تمنح التكوين المضموني للوجود في أجتزاءاته وليس في كليته العصّية على التعيّن الادراكي, فالموجودات متعينات يمكننا أدراكها.. أما الوجود فهو مصطلح فلسفي غائم ومتعدد الدلالات شأنه شأن العديد غيره من المفاهيم الفلسفية التي لا تدرك بكليتها كمفاهيم مجردة.. وقد يكون مبحث الوجود ميتافيزيقيا رغم دلالته الانطولوجية في مجمل موجوداته..

كيف للموجود ان يقف مع الوجود؟

يشن هيدجر هجوما مفتعلا على نيتشة في تعبير هذا الاخير على أن الوجود هو محض (بخار ومغالطة).. فيرد هيدجر بقوله (اذا كان الامر كذلك, فان النتيجة الوحيدة  المحتملة لهذا الاستنتاج هو أن نتخلى عن طرح السؤال:لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم؟ لأنه لا جدوى فعلا من طرح هذا السؤال والبحث والتحقيق عن مفهوم هو ليس أكثر من محض غبار ومغالطة.)(6)

فعلا لقد كان نيتشة أكثر أمانة مع نفسه من هيدجر على الاقل أعتباره الوجود مبحث ميتافيزيقي كمفهوم لا أهمية كبيرة بالوقوف عنده على خلاف هيدجر الذي حاول أيقاف الوجود على أرجل خشبية أصطنعها من أجل أختلاق مفهوم تلفيقي للوجود غير صحيح …

في محاولة هيدجر توضيح هذا التعالق الفلسفي التجريدي بين علاقة الموجود بالوجود فهو يقوم بأسقاطه بأفتعال لا مبرر له على التاريخ السياسي الحديث لامريكا والاتحاد السوفيتي القديم والمانيا ممثلة عن دول اوربا وقائدة تتقدمها, وهي محاولة أسقاط فلسفي للوجود على مبحث متجرد بعيدا عن المنطق الفلسفي هو التاريخ السياسي الذي تقوم فلسفته السياسية على السيسيولوجيا والاقتصاد الميداني.. وبعد أستطراد لا علاقة له بموضوع الوجود الفلسفي نجده يعود ثانية الى مهادنة أفكار نيتشة الفلسفية الميتافيزيقية قائلا (هل الوجود بالنسبة لنيتشة كان ليس أكثر من وهم وضلال ينبغي أن لا يحدث مطلقا؟ وهل الوجود أذن أمر غامض غير محدد ومعروف يشبه الغبار؟)(7)

أن الحقيقة التي يحاول هيدجر الالتفاف عليها الواردة على لسان نيتشة, أنما هي تشكل مفترق طرق بين فهم الاثنين نيتشة وهيدجر التعبير عن الوجود, فعندما يذهب نيتشة الى وصف الوجود بعبارات ميتافيزيقية بأن الوجود كلمة لا معنى لها, أنما هو ينظر للوجود بمنظار كوني كوزمولوجي على أنه معطى طبيعي محكوم بالتآكل والتلاشي والزوال بمرور الوقت, ولا يمكننا الامساك أو التعريف به في متعينات تكون خارج زمانيته المحكوم بها وخارج فعالية العدم الذي يستبطنه في داخله, وعندما يعبر نيتشة أن الوجود بخار متصاعد فهو يعني به أن الوجود طاقة مستنفدة قابلة للتلاشي والذوبان والاضمحلال لموجودات انطولوجية لا يمكننا البت بادراكها, وأن كل شيء في الوجود والطبيعة الى زوال حتمي..والوجود  بفهم نيتشة هو عملية انتقالات وسيرورة دائمية محكومة بالتلاشي العدمي, على العكس من هيدجر الذي يرى الوجود عملية تصنيع تاريخي – روحي علينا أستحضاره أذا ما كان غائبا في نسيانه كوجود.. وهذه مفارقة لا تقر أن الوجود في كليته غير المحدودة غير المدركة أنما هو معطى كمفهوم لا يمكن أستحضاره بأسقاطه فلسفيا على التاريخ السياسي, وهذا التساؤل عن المعطى الوجودي لوجود الموجودات أنما يشبه حقيقة التساؤل لماذا  كانت الطبيعة ولم يكن العدم أو لماذا كان الانسان ولم يكن العدم..

ويضيف هيدجر (أنه يتعين علينا أن نعمل أن لا تبقى كلمة الوجود مجرد صوت ومعناها ليس ألا خواء أوبخارا.. وفي حال التركيز عليها فأنها سوف تنحل وتذوب وتتلاشى كما تتلاشى الغيوم في ضياء الشمس.)(8)

بهذه العبارات نجد هيدجر يعود الى تبني تعابير نيتشة المتطايرة في التهويم الميتافيزيقي في التعبير عن الوجود على أنه لا يشير الى معنى مدرك مادي يحدّه ويعطيه معناه الادراكي كموضوع ويعتبره عدما ربما كان يشابه العدم في معناه الفيزيائي ولا خلاف على ذلك..كما نجده في كلامه هذا يمّهد الى أطلاق مقولته أن الوجود ليس واقعة أنطولوجية عبّر هيدجر عنها أمام يأس المحاولة قائلا (أننا يتوجب علينا رؤية الاموربعيون مفتوحة غير متحيزة للاحكام المسبقة, علينا أعادة أحياء الحجّة المألوفة القديمة التي تتحدث عن الوجود بأعتباره أكثر المفاهيم عمومية وأنه يغّطي كل شيء حتى العدم )(9), ويستنجد هيدجر بقانون المنطق (كلما يكون المفهوم أكثر شمولية وأتساعا من مفهوم الوجود كلما يكون أكثر غموضا وغير محدد وكان مضمونه فارغا أيضا)(10) وهو تعبير ميتافيزيقي يقترب من نيتشة كثيرا..

لنلاحظ جيدا كم يحاول هيدجر جعل مفهومه الفلسفي عن الوجود أكثر أهمية من مفهوم الوجود كما تناوله العديد من الفلاسفة في فهم مغاير لهيدجر. ويتساءل (هل الوجود يمتلك ماهية مختلفة تماما عن الاخريات, ومن هنا يمكننا أن يكون الوجود أي شيء ما عدا أن يكون الوجود موضوعا للانطولوجيا, على شرط أن نأخذ هذا المصطلح بمعناه التقليدي, وكيف لنا زحزحة هذه الاشكالية المزمنة والمستعصية عن مواقعها)(11)

لا نعرف أي الموجودات يقصدها هيدجر التي يمتلك أو لا يمتلك الوجود ماهيته المختلفة عنها.. كذلك كيف يمكن زحزحة النظرة الفلسفية القارة المجمعة على أن الوجود هي معطى انطولوجي ميتافيزيقي أصلا حاله حال وجود الطبيعة ووجود الانسان ولا يمكن التفكير بأعتبار الوجود خارج الفهم التقليدي على أنه موضوع انطولوجي وواقعة طبيعية تاريخية حتى وأن جاء تناوله مثاليا ميتافيزيقيا, وأمام دعوة هيدجر الابتعاد عن النظرة المستحكمة بأن الوجود موضوعا أنطولوجيا, فهل نعود الى ترداد ماقاله نيتشة أن الوجود بخار متصاعد نحو السماء في زواله المتلاشي؟ أو ماهي الرؤية البديلة التي يراها هيدجر في أستهدافه الوجود أن لا يكون أنطولوجيا ميتافيزيقيا؟

الروح والاسقاط التاريخي

يستعير هيدجر من دون أشارته الواضحة لذلك مفهوم هيجل للتاريخ في الروح المطلق وأسقاطها على الفهم المثالي الجدلي تاريخيا, وبالتحديد المرحلة التي تلت أنتصار الثورة الفرنسية 1789م, فنجد هيدجر يقول( أن الروح أمر أساسي وحل يتأسس على جوهر وماهية الروح, التي هي تجنيد وتحريك قوى الموجود بحد ذاته, وأينما تسود الروح فأن الموجود بحد ذاته يصبح دائما وفي كل الاوقات أكثر أصالة في وجوده.)(12)ويعتبر هيدجر (طرح سؤال الوجود هو في حد ذاته يتم فقط وبكل معنى الكلمة ضمن فضاء ماهو تاريخي, ولماذا وفقا لذلك يعتبر سؤالنا ما اذا كان الوجود يبقى مجرد محض بخار بالنسبة لنا أم يصبح يمثل قدر الغرب بأكمله.)(13)

اذا ما قرأنا مابين السطور في عبارات هيدجر هذه نجده يفسر الروح بمعناها الميتافيزيقي التاريخي الجمعي للامة الالمانية من منطلق نازي حاول حبسه خلف عبارات الفلسفة المعبر عنه تلميحا بائنا, فهو أراد أن يجعل من المانيا الدولة التي قدرها التاريخي أن تقود اوربا من الظلام الى النور…الذي هو الموجود المتميز للقيام بهذا الدور المؤهل له, وينطوي في تلافيف هذا الشعار تحقق الموجود الالماني بأعلى صوره المتألقة قياديا ليصل الى حد التلاقي مع دعوة نيتشة في الانسان السوبرمان النموذج المستقبلي الذي طرحه ضمن فضاء فلسفي كوني ,بخلاف هيدجر الذي حاول تحقق الروح التاريخي للموجود في المانيا التي تقع على مسؤوليتها أنقاذ الغرب قاطبة والمقصود به اوربا تحديدا التي تتوسط المانيا جغرافيا القلب منها..

هيدجر أستعار من هيجل تحقق الروح التاريخي المطلق للموجود في أسقاطه على تاريخ المانيا لا كما بشّر بها هيجل ممثلة في دولة (بروسيا) القوية التي وضع كل آماله عليها… وكما كان هيجل منتشيا الى حد الهوس برؤيته نابليون يمتطي صهوة حصانه بشموخ وكبرياء في طلعته وكأنما يسحب التاريخ الاوربي القادم وراءه بعد انتصار الثورة الفرنسية..كذلك نجد هيدجر أستعار عن هيجل ذات التصور في أسقاطه تحقق الموجود التاريخي لاوربا بقيادة المانيا النازية..

ختام تعليقنا هذا التي سحبتنا اليه أستطرادات هيدجر في تفسيره معنى أن يؤخذ الموجود ضمن منظور تاريخي فقط وليس من منظور كلاسيكي أنطولوجي فلسفي يدينه… وأدانة هيدجر بولائه للنازية ليس من أختصاص مقالتنا الفلسفية بل هي من صلاحية حكم التاريخ فقط,… وقد تركنا العبارات التي ساقها هيدجر سياسيا بوضوح في كتابه لأننا لم نجدها تعابير فلسفية وأنما هي تخريجات ايديولوجية تطويعية لسرد أنشائي مبطن خلف مزيج من مفردات فلسفية مع أسقاطاتها تاريخيا معاصرا بما يخص المانيا واوربا عموما ولمن يشاء الوقوف عليها يرجع الى مصدرنا كتاب مارتن هيدجر ومدخل الى الميتافيزيقا أصدارات دار الفارابي.

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش

  1. مارتن هيدجر/مدخل الى الميتافيزيقا/ دار الفارابي/ترجمة وتقديم د.عماد نبيل ص49
  2. المصدر ص48
  3. المصدر ص49
  4. المصدر ص54
  5. المصدر ص54
  6. المصدر ص55
  7. المصدر ص 59
  8. المصدر ص60
  9. المصدر ص61
  10. المصدر ص 61
  11. المصدر ص61
  12. المصدر ص69
  13. المصدر ص 69

شاهد أيضاً

رينيه ميجور: جاك لاكان كطبيب نفسي او كيف لا تكون مجنونا

ترجمة نعمان الحاج حسين في خريف عام 1960 ، بدأت تدريبي في الطب النفسي في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *