معنى المدرسة

نور الدين البودلالي

بقلم:François Galichet

ترجمة: نورالدين البودلالي 

قد يبدو مفارقا التساؤل عن معنى المدرسة، ما دامت المدرسة هي، بالتحديد، التي يجب عليها توفير الفرصة لكل واحد لإعطاء معنى للعالم، و للأشياء و لوجوده الخاص. إلا أن هذا التساؤل له، مع ذلك، ما يبرره، إذ أن المدرسة، كمؤسسة، لم يكن لها دوما وجود حقيقي- فهي، حتى في وقتنا الحالي، بعيدة على التأثير على الجميع داخل كل المجتمعات. زد على ذلك أن هذه المؤسسة ذاتها تواجهها تحديات: قد نادى البعض منذ زمن مضى ب«مجتمع دون مدرسة»، أقدر، في رأيهم، على إنجاح نقلٍ عادل و منصف للمعارف. في الآونة الأخيرة وجد هذا التشكيك في المدرسة مبررات إضافية: إذ تعتبر «متجاوزة» إذا ما قورنت بأشكال جديدة للتواصل أقدر على نشر المعارف بسرعة، و مرونة و متجاوبة مع الحاجيات الفردية. في كلتا الحالتين إننا أمام يوتبيا؛ لكنها يوتبيا تزدهر فقط كلما أعطي للمدرسة معنى سلبي –فالحفاظ على هيمنة طبقة، أو نخبة، أو سلطة الدولة يعتبر تعسفيا.

ماذا تعنيه الفكرة القائلة أن المدرسة لها، أو يمكن أن يكون لها، معنى؟ كلمة «معنى» نفسها غامضة. بدءا قد يقصد من البحث عن معنى شيء ما تحديد مغزاه: نحن إذن في رحاب المجال الثقافي، المنتج للمعنى مادام أنه غير منفصل عن اللغة. بهذا يحيل «معنى المدرسة» على معنى التربية و الطفولة، باعتبارهما مظاهر نموذجية للنوع البشري، وسيكون على عاتق التأمل الفلسفي أو الأنثروبولوجي التركيز على توضيح الطبيعة الإنسانية.

لكن فكرة المعنى يمكنها أن تدل كذلك على اتجاه، و على توجيه: عندها ستصبح جزءا من مفهوم التاريخ (لطالما تم التساؤل عن «معنى التاريخ») في العلاقة بفكرة التقدم، و التطور المتصاعد لتحقيق المثال الأكمل. «معنى المدرسة» سيُنظر إليه، على حد قول كوندورسيه، في سياق «صورةٍ تاريخية للأشكال التي يعرفها تطور العقل الإنساني»، حيث تمثل المدرسة مرحلة جديدة، مرحلة حاسمة لتحقيق جمهورية عالمية لا تحكمها سوى قيم الحقيقة، و الديموقراطية و المساواة.

أخيرا، يمكن لفكرة المعنى أن تحيل على الدوافع الفردية حيث الأشياء « تأخذ معنى» بالنسبة لمن يواجه هذه الدوافع. حينها سنتكلم عن «إعطاء معنى» للفعل المدرسي، وهذا يعني ربطه بإشباع حاجةٍ راهنة، و مصلحةٍ حقيقية، في حين أن المهمةَ  ال« عديمةَ المعنى» فهي تلك المتعلقة، مثلا، بمهمة العبد الذي يجهل الغرض مما يبذله من مجهوداته أو مهمة عامل السلسلة المنفِّذ لعمليات نمطية دون أن تكون له رؤيا عن مجموع السيرورة الانتاجية الذي هو جزء منها. إنها أيضا، حسب كلاباريد، حالة التلميذ المُطالب بإنجاز أعمال لا تمثل بالنسبة إليه أي معنى واقعي وملموس.

اليوم يبدو أن فكرة المعنى نفسها هي موضع تساؤل في السجلات الثلاثة التي ميزنا بينها للتو. «نهاية الأيديولوجيات»، التي أعقبت بقليل «موت الإله» الذي أعلنه نيتشه، تحمل في طياتها تراجع جميع أشكال التعالي، ومعها تراجع كل الدلالات المرتبطة بها. لم يتبق سوى عالم منبسط، مفتت إلى عدة ميادين ذات معاني مجزأة إلى «قبائل» و جماعات يلغي تنوعها أي ادعاء بوجود معنى كوني و شائع. في نفس الوقت فقدَ التاريخ معناه هو الآخر: لقد قضى أوشفيتز و غولاغ نهائيا على كل وهم بالتقدم الخطي، أو رقيٍّ لا رجعة فيه نحو «غد أفضل».

 أخيرا، إن الدوافع الفردية التي يمكنها أن تعطي معنى لعمل كل واحد (خاصة عمل المتعلم) تلاشت بمجرد ما أصبح العمل نفسه يبدو «قيمة في طريقه إلى الزوال»، كما قال دومينيك ميدا. كل ما يمكن أن يعطي معنى لهذه القيمة –طعم الكمال، الوعي بالاشتراك في عمل جماعي بهيج، فضائل التضامن- يتلاشى في عالم تحكمه فقط قيم المنافسة الفردية و الاستهلاك.

أما في حالة المدرسة، فقد لُخص معناها، منذ زمن طويل، في مفهومين: التربية و التعليم. أما التعليم فلا يعني فقط نقل المعاريف، حتى وإن كانت موسوعية. ويرى كوندورسيه أن التعليم، بفضل هذه المعارف و استيعابها العميق، هو أيضا، وقبل كل شيء، تنمية القدرة على إصدار حكم مستقل مستنير و متحرر من الأحكام المسبقة و الاشتراط. إنه تكوين المواطن النيّر، الناقد، المسؤول، المتهيء للمشاركة في الحوار الديموقراطي. كما أن التربية لا تعني فقط التنشئة الاجتماعية، و استنبات عادات حميدة، و ترسيخ القوانين الأساسية للمدنية و النزاهة. إنها أيضا السهر على القيم الأساسية للجمهورية: العدالة، و التضامن و ما يقتضه الصالح العام.

منذ زمن طويل تم اختصار معنى المدرسة في هذين المفهومين، ذلك لكونها بدت الوحيدة القادرة على الاضطلاع بهما بشكل كامل. لكن السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت هذه هي الحال حتى الآن. أما التعليم فيبدو أن مصادر أخرى –كوسائل الإعلام و، خاصة، الإنترنت- تنافس اليوم المدرسة في هذا المجال المعرفي. قد يتم الاعتراض بحق أنه لا يمكن اختزال التعليم لا في المعلومة ولا في التواصل؛ إنه لا يتمثل بشكل كبير في تراكم المعارف بل في هيكلتها، و في صياغة الأطر والخطاطات الفكرية التي تيسِّر تنظيمها. لكن ما الذي يسمح لنا بتأكيد أن المدرسة هي الوحيدة القادرة على ذلك؟ على كل حال، لم يسبق لمونتينييه ولغيره كثيرين الذهاب إلى المدرسة؛ مدرسون خاصون précepteur منحوهم وسائل لاستقلالهم الذاتي. لماذا لا تجد وظيفة المدرس الخاص le préceptorat في تطوير تقنيات جديدة الوسائل قادرة على منافسة، إن لم نقل مدرسة بديلة؟ حاليا، تشكل هذه المستجدات المجال الذي يمكن تسميته ب«المدرسة الموازية parascolaire»: مستجدات تساعِد الآباء القلقين على مستقبل أبنائهم. غير أن التطور المستقبلي للمجال الدراسي الموازي يمكنه، بالنسبة للجامعة الافتراضية للدراسة عن بعد، أن يؤدي إلى وضع احتكار المدرسة لوظيفة التعليم موضع تساؤل.               

و أما بالتربية، فهنا أيضا تدّعي مؤسسات أخرى، منذ فترة طويلة، أنها تقوم هي أيضا بهذه المهمة، إن لم يكن على وجه أفضل من المدرسة. فمنذ بداية هذا القرن، ارتأت ثانويات إعدادية إنجليزية أن النوادي الرياضية تعد وسيلة لتنمية قيم الروح الرياضية والاحترام المتبادل و تظافر الجهود، بشكل أفضل منها بالأقسام التقليدية. بينما يتحمل اليوم منشطون و مدربون، بالأحياء الشعبية الصعبة، وظيفة تربوية غالبا ما ينجزونها بنجاح. هذا يعني أننا إزاء مجال «مدرسي تكميلي périscolaire»: هنا أيضا احتكار المدرسة في قائم بالفعل.

أمام منافسة المدرسة على هذين الامتيازين، وكونها محصورة بين الانفجار المزدوج للأنشطة المدرسية الموازية و الأنشطة المدرسية التكميلية، هل أصبحت مهددة بفقدان معناها؟

كتبت حنا أرندت، في مستهل إحدى تأملاتها في السياسة: «ترتكز السياسة على واقعة أساسية: التعددية الإنسانية»([1]). ثم أشارت إلى أنه بالنسبة للعلوم كما هو الحال بالنسبة للاهوت، «الانسان وحده هو الموجود، مثلما أن الأسد فقط هو الموجود في علم الحيوان». ألا يمكننا القول بشكل مماثل أن التعليم يفترض و يبلور تصورا موحدا عن الإنسانية؟ إن اكتساب حكم مستقل يعني قدرة الفرد دعمَ أرائه و أفعاله، استنادا لا على الميول الذاتية و المفردة، وإنما على مقومات  عالمية. إن التعليم، من حيث جوهره في ذاته، ينتقل من فرد إلى آخر في خضم العالمية، ومن ثم في إطار الوحدة. الدليل على ذلك كوننا لا نقول عن المرء أنه عليم، وإنما هو حاصل على تعليم: مما يفترض أن يكون هذا التعليم هو نفسه بالنسبة لجميع الناس أو أنه تتحكم فيه النزوات. لا و لن توجد هناك العديد من الرياضيات، و لا العديد من البيولوجيات و لا حتى العديد من علوم التاريخ.

بالطريقة نفسها، توحِّد التربية هي الأخرى. يمكننا القول بالتأكيد أنها تختلف باختلاف الدول والأنظمة و الثقافات. إلا أننا إذا اعتبرنا أن الديموقراطية تبقى الأفق الأمثل المشترك بين جميع التنظيمات السياسية –على الأقل تلك التي ترفض الانغلاق في خصوصية عرقية، دينية أو مذهبية- فإن التربية على القيم الديموقراطية توحد بالضرورة جميع الناس على اعترافٍ جماعي بحقوق الإنسان.

وعليه، فلا مكان للتعددية سواء في التعليم أو في التربية. لكنها، مع ذلك، تشكل جوهر السياسة بالنسبة لحنا أرندت. حينها ألا يمكن الدفاع على كونها أيضا المعني النهائي للمدرسة، ذاك الذي يظل قائما بعد أن تُؤخذ كل المعاني وتُتَبنى من قبل هيئات و مؤسسات أخرى؟ ما معنى جمع حشد من الأطفال في مكان واحد، في حين كان من الممكن أن يدرسوا على نحو أفضل من خلال دروس فردية باستعمال الكمبيوتر، و يربون بطريقة أمثل بالانخراط ضمن فريق لكرة القدم أو معمل للرسم؟ أي معنى نستجليه، إن لم يكن اكتشاف، لا هويتهم الإنسانية (التي يتكلف بها التعليم و التربية)، بل تنوعهم وتعددهم الغير القابلين للاختزال؟

وعليه سيكون المعنى العميق للمدرسة هو الحفاظ على وجود السياسي و حمايته. لا يمكن للناس ممارسة الشأن السياسي –بالمعنى الكامل و الإيجابي للكلمة- إن لم يكتشفوا مسبقا، بالمدرسة و من خلالها، أنهم مختلفون و أن اختلافهم هذا يمثل مشكلة. هنا تكمن بالتأكيد دلالة كلمة «école» التي، كما نعلم، تعني «رفه loisir» ( scholè)[المترجم: انظر https://fr.wiktionary.org/wiki/école]، والتي جاء احداثها معاصرا للديموقراطية. لقد كان اليونانيون يقصدون بذلك أن العمل يوحِّد الناس (إذ أنهم لم يحتسبوا العبيد أفرادا مميزين عنهم، بل اعتبروهم حشدا مجهولا من الكائنات القابلة للاستبدال)؛ كما رأوا أن الحرب تفرض أيضا تماهيا معينا في الحركات والأفعال، مثلها مثل الدين الذي، كما يشير إليه اسمه، يجمع و يمزج بين الناس ضمن تجمع من المعتقدات. وفي الترف ال«مدرسي» فقط يمكن للاختلاف أن ينمو و يتواجه مع اختلافات الآخرين في علاقات صداقة وصراع في آن (المحبة philia اليونانية).

إن السياسة، التي تقصد بها التعدد البشري، مهددةٌ دوما في جوهرها إما من طرف النزعة التوسعية المزدوجة إما للكونية العلمية، وإما للأخلاق. و السياسة إن كانت اليوم لاتزال قادرة على أن يكون لها معنى، فلكونها لا تختزل فقط إلى مجرد تطبيق للمعارف العلمية (الانجراف ال«تكنوقراطي»، الذي يجعل من كل القضايا السياسية مجرد مشاكل تقنية بسيطة)، و لا إلى مجرد الدفاع عن حقوق الانسان (الانجراف ال«واعظ»، المؤدي إلى تسطيح القضايا السياسية بإخضاعها لمنوية الخير والشر، العدل والظلم)، بل هي مدينة بذلك للمدرسة.    

في مؤلف آخر([2]) لها، ميزت حنا أرندت بين الذكاء و الفكر. فالذكاء هو ما يهدف التعليم إنماءه: سلامة الحكم القائم على أساس المعرفة الحقة. في المقابل، بالفكر ومن خلاله يواجه كل واحد مطلبا معياريا يصطدم بطلبات آخرين تبقى بالنسبة إليه غير مفهومة، و هذا ما لا يمكن الاعتراف به. لم يعد الأمر يتعلق بالتعلم و الفهم الجماعي، بل بالاندهاش و، في نهاية الأمر، بطرح السؤال الجوهري: لماذا أنا الموجود (و ليس آخر غيري)؟

المدرسة، و لكونها تنظم اللقاء الفعلي و ال«شخصي» بين من تجمعهم، هي حدها القادرة على تحقيق تجربة التعددية هذه، و من ثم ترسيخ إمكانية و ضرورة إيجاد علاقة سياسية بين الناس. يمكن لتجربة الغيرية هذه أن تأخذ أشكالا متعددة: حوار فلسفي، مراجعة خاصة بين التلاميذ، تقديم النصيحة و الإعلان عن الجديد، المقارنة بين نصوص حرة. لكن وعلى أية حال، فالسياسي هو موضوع النقاش، و السياسي هو الذي يعاش حقا في المدرسة ومن خلالها.

من الضروري القول أن معنى المدرسة، فيما عدا التربية والتعليم، هو تعلّم التفكير، قاصدين بذلك ليس فقط تنمية آلية الحكم أو الذكاء، وإنما عيش التعددية الإنسانية كفرصة، كبُعد لا يمكن لا للعلم ولا للأخلاق بلوغه، والذي بدونه لن يكون الإنسان، مختصرا في هويته المحضة بشكل عام، إنسانا حقا.


 المصدر

http://philogalichet.fr/wp-content/uploads/2011/10/Le-sens-de-l%C3%A9cole.pdf

François Galichet Professeur à l’IUFM d’Alsace

الهوامش

[1]- Hannah Arendt, Qu’est-ce que la politique ? Fragment 1, Points Essais, Seuil 1995, p. 39.

[2] -Hannah Arendt, Considérations morales, Rivages poche.

شاهد أيضاً

محمد شكري من طفلٍ يقتاتُ على النّفايات إلى كاتبٍ عالمي

محمد بدازي محمد بدازي، أستاذ مادة الفلسفة/المغرب mohamedbaddazi1992@gmail.com “قل كلمتكَ قبل أن تموت فإنها، حتما، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *