الرئيسية / منتخبات / تغطية / القراءة حاجة نفسية

القراءة حاجة نفسية


عبد الحفيظ ايت ناصر

بقلم : عبد الحفيظ ايت ناصر

أن تطرح سؤالا على كتاب قبل الشروع في قراءة متنه ، قد يبدو لك هذا الفعل فعلا ذكيا. ولكن إن أعدنا  النظر إكتشفنا أنه ظلم في حق الكتاب وتقيد له ، وعدم السماح له بولوج أفاق معاني أخرى ، والحكم عليه في أفق ضيق لا يتعدى أفق السؤال المطروح وهذا تقييد لرؤية القارئ -طارح السؤال- على السواء وللوعي الموجه لفعل القراءة في تلك اللحظة.

لن يتمكن الوعي من قراءة شيء خارج نطاق السؤال المطروح وهذا إختزال لرحابة النص ، أما  الأخطر من هذا فإنه في حالة عدم وجود إجابات عن طبيعة هذا السؤال، فالوعي الكاذب الذي ينشأ عن منزع لا شعوري يعبر عن عقد النقص عند القارئ وحاجاته النفسية ، يُسقِطُ في ذاتيةٍ مفرطةٍ تقود فعل القراءة. وقد يكون السؤال المطروح أبعد ما يكون عن وعي الكاتب أثناء مزاولته لفعل الكتابة ألذي يوازي فعل التفكير.

هذا هو الافتراض القائل بان القارئ هو كاتب النص الفعلي والأكيد ان هذا الافتراض يفتح إمكانات جديدة أمام النص ، ولكن ولسوء الحظ فكل طريقة في القراءة يمكن أن نسميها منهجا فهي خلفية تقود فعل القراءة وتقيد الوعي وتحد من الرؤى التي يُمَكِّنها فضاء القراءة الرحب للقارئ، وتحكم على رؤيته بالقصور. والمنهج شكل من اشكال الوصاية فيه يصبح القارئ خادما لمكر المنهج وليس لفعل القراءة الحر.

من هذا المنطق تخيلوا معي أنني أريد أن أتغزل في حبيبتي شعرا وليس في جعبتي إلا بيت قاله المتنبي في سيف الدولة و بيت قاله إمرؤ القيس في فرسه وبيت قاله ابن الفارض في العشق الإلهي ، هل من مشروعية تخول لي التغزل فيها بإحدى  هذه الابيات من منطق اني قارئ هذه الابيات فأنا كاتبها الفعلي وأغفل كل عناصر السياق. أكيد أن غزلي مرفوض وسيرفضه كذلك المدافعون عن هذا المنحى من نزع القراءة.

إن ما يقال عن بعض الأفكار التي تم استنتاجها او استنباطها بقراءة تأويلية بأنها مسكوت عنها في متن النص الواقع عليه فعل القراءة لهي وجه من وجوه الحاجة النفسية للقارئ ان لم نعتبرها شكلا من اشكال عقد النقص ، هنا يأتي إشكال طبيعة فعل القراءة وكيف يمكننا اعتبارها حاجة نفسية بتعبير اجابي؟!؟

ويمكن تحديد طبيعة الفعل القرائي من خلال ثلاثة مستويات:

  1. القراءة الاستهلاكية : وهي أولى درجات القراءة ومستوياتها ، هنا تكون القراءة شكلا استهلاكيا، ذلك أنه لا تنشأ علاقة حوار مع النص،  ولا تفاعل معه. وهنا لا يمكننا الحديث عن توليد طاقة منتجة لأن عنصر الحوار هنا هو المحدد الأساسي لطابع ومستوى القراءة. واذا تحقق هذا الشرط ندخل  في الاشكال الأخرى من الفعل القرائي.
  2. القراءة تحت ضوء المناهج المختلفة

هنا -في هذا المستوى- يحضر الطابع الحواري ولكن بشكله السلبي ، سأمثل لهذا الشكل القرائي بشخص يضع نظارات مطبوعة بالأحمر والأكيد أن رؤيته ستكون مطبوعة باللون الأحمر قطعا، وهكذا لن يرى غير ما تريه له نظارته أي منهجه كضرب من المجاز وهذه اشد الحالات ظلما للفعل القرائي وهذا ما أسميه الرؤية بالقفى أي أن الرؤية تكون محكومة بخلفية وأحكام مسبقة تمثل ذاتية او منظومة الأفكار المتضمنة في المنهج في اصله، الامر الذي يعمق من أزمة الموضوعية التي تمكن ولا أقول تتحقق في المستوى الثالت.

(3 القراءة فعل تفكير

في هذا المستوى يمكن أن تتحقق الموضوعية لأن الشكل الحواري يأخذ شكله الإيجابي في إطار العلاقة القرائية ويتخذ منحى الأخذ والعطاء ،اذ القارئ البالغ هذا المستوى لهو متحرر من جميع الاحكام المسبقة ، وهذه هي القراءة البناءة لأنه في إطار الفعل القرائي لا يتم البحث عن معنى محدد دون غيره ولا عن مسكوت عنه تعسفا في النص وإنما هي علاقة تشاركية بين القارئ والنص والسياق من أجل بناء فكرة جديدة تحت ضوء الحوار الذي يكتسي في هذا المستوى صيغته النقدية .

وتكون درجة القراءة هذه هي الكفيلة بدفع القارئ الى نقد ذاتي والتفكير في طبيعة تفكيره الأمر  الذي يعمل على تصفية رؤاه من شوائب أي شيء يمكن أن يعتبر خلفية او حكما مسبقا ، إلا أن هذه المرحلة تقتضي تضحيات من قبيل التجرد من النرجسية الفارغة والاستعداد لتقبل الجروح المعرفية التي تكسر الكبرياء الخاوي ولا يمكن لأي منهج ان يحقق لنا هذه الامكانية وهذا عائق يقف امام كثير من الحقول المعرفية لأنها لا تقبل ان تتجرد وتنسلخ عن نظرتها الأحادية الجانب.

وإذ ذاك فهذه  الامكانية يمكن ان تتحقق داخل الفلسفة لأنها المجال الذي مازال يحتفظ ببعض نظرته الموسوعية واكبر خسارة يمكن ان تتعرض لها هي خسارة طابعها الموسوعي.

كما أن هذا المستوى يمكن بلوغه عن طريق تحقيق الصفاء النفسي والروحي كون الفلسفة نفسها وليدة هذا الصفاء .

القراءة إذن حاجة نفسية لأنها تولد الصفاء النفسي والروحي وليست بهذا المعنى شكلا من اشكال تعويض عقد نقص وتغطية خوافي لا شعورية وهي فعل تفكير غايته المساءلة الحرة والإنتاج الحر على السواء وتحرر من الاحكام المسبقة والقراءة دون نظارات ملونة وهذا هو الرهان الأساس.. القراءة كالصداقة يجب أن تكون غاية في ذاتها تتضمن قيمتها فيها لا أن تدخل في إطار علاقات نفعية سلبية والاشكال التبريرية الموهمة بالضرورة دون إستحضار كل عناصر السياق كما أن تيار الوعي الذي يجب عليه الأخذ بهذه الضرورة يجب ان يكون ناشئا عن قراء من المستوى الثالث..اعلى درجات الفعل القرائي.

بقلم : عبد الحفيظ ايت ناصر

شاهد أيضاً

عصر المؤخرات

      عبد الرحيم رجراحي         من ذا الذي لم يَلْفِ صاحبة مؤخرة مكتنزة تمشي متبخترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *