الرئيسية / ترجمة / لقاء مع الذكريات: حوار مع إدغار موران Edgar Morin*

لقاء مع الذكريات: حوار مع إدغار موران Edgar Morin*

ترجمة:محمد مروان

بمناسبة صدور كتاب السيرة الذاتية ل إدغار موران تحت عنوان“لقاء مع الذكريات” (Les souvenirs viennent à ma rencontre) ،تمكنّا من إجراء هذا الحديث المطول معه،فكانت فرصة لتسليط الضوء على فكره واستحضار لحظات حياة نسجتها خيوط تاريخ القرن العشرين.وبالإضافة إلى الزمن الذي يضفي شكلاً خاصاً على الكتاب،تحتل الأمكنة واللقاءات مكانة أساسية في سرد هذه السيرة.كتاب الذكريات هذا يكتسي قوة منهجية خاصة،وذلك لكونه يقدم بنية تأخذ في نفس الوقت شكلاً خطياً مستقيماً وشكلاً دائريا(الزمن التعاقبي والزمن الدائري).

تيفين ساموايو Tiphaine Samoyault:فيما يخص منهجيتكم،تقولون بشكل لا يخلو من سخرية:”للأسف،أنا من عائلة جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau“.ما هي خصوصية كتابكم هذا،مقارنة مع ما كتبتموه من نصوص سيرذاتية أخرى؟

+ إدغار موران:لقد كتبت نصوصا سيرذاتية،لكنها كانت متمركزة على نحو خاص حول تطوري الفكري الثقافي.لذلك،كان الجزء الخاص بالمعيش مقلَّصا إلى أبعد الحدود.هنا،كانت نقطة الانطلاق هي أن أتذكر وأُذكّر بأشخاص،رجالا ونساء،أكنّ لهم قدرا كبيراً من المودة والتقدير والإعجاب،وغالبيتهم مغمورون،خاصة الأشخاص الذين انخرطوا في المقاومة.لقد كنت أودّ كتابة كتاب تحت عنوان”:أصدقائي،أبطالي”.وأثناء التفكير في ذلك،استعدت قطَعاً وأجزاء كبيرة من الذكريات.هكذا،تركت الذكريات تترابط مع بعضها البعض،لتشكل دائرة تشمل كل هؤلاء الأشخاص الذين عرفتهم.لا يتعلق الأمر بمذكرات كرونولوجية متعاقبة ولا بذكريات شاملة.لكن،لنقل إنها الجزء الأكثر شخصية وحميمية من ذاتي،وهو الذي أريده ويهمني أكثر.وبهذا المعنى أقول إنني إبن لروسو،فالعديد من الناس يسردون حياتهم ويعملون جاهدين على نحت تمثال خاص لهم،في حين أسعى أنا إلى هدم التمثال،وتوضيح أنني أعيش في نفس الوقت عالم الأفكار وعالم الأحداث بأشيائه الصغيرة،وهما معاً يشكلان نسيج الحياة.ولعل هذا هو ما قمت به في مذكراتي سابقا،لكنني هذه المرة،أقوم به على مستوى أكبر،أي على مستوى المدى الطويل لوجودي.

 –تيفين ساموايو:لكننا،في نفس الوقت،لا نحس بأن الكتاب خاضع لمنطق الزمن(التعاقب)وحده.

+إدغار موران:في البداية،قمت بصياغة ترتيب بيوغرافي.كنت أودّ الانطلاق من سنوات ما قبل-الحرب،من”الحرب الزائفة”،ومن الاحتلال والمقاومة.بعد ذلك،انغمست أكثر في التخيل،وتركت الذكريات تلتقي ببعضها البعض بشكل إرادي حر وتبعاً لتقلبات الذاكرة.

كريستيان ديكامب Christian Descamps:نقف في هذا الكتاب على نشأة فكرة”التركيب complexité”في مختلف الحقول،في التاريخ،في الفلسفة وفي العلوم.تنتقلون باستمرار من البيوغرافيا إلى القضايا الكبرى للفلسفة،من خلال اتباع خط قائم على علم بدون ألف ولام التعريف.

+إدغار موران:أعتقد أنه،بالنظر إلى أني لم أرث أي ثقافة عن العائلة،أو الأب،وجدت نفسي مضطرا لبناء ثقافتي الخاصة.كان العصر الذي ولدت فيه سنة 1921 يعرف اضطرابات عديدة،حيث كانت تُعرَض على المواطنين حلول في غاية التنافر وحيث كانت المشاكل المقلقة بشكل تصاعدي تفرض نفسها على الناس.هكذا إذن،كان من الطبيعي أن أتأدى إلى التساؤل حول المجتمع والسياسة والإنسان ومصيرنا المشترك.ولما كنت مفتقرا لموقف خاص وواضح،كنت أتقبل أفكارا متناقضة.حين يقولون:”يجب الثورة على كل شيء”،أجيب:”نعم”.وعندما يقولون:”الثورات تؤدي إلى نتائج معاكسة لأهدافها،يجب القيام بإصلاحات”،أجيب أيضا:”نعم”؛كان ذلك صحيحا في الحالتين معاً.كنت أتوصل أحيانا إلى تركيبات.مثلا،في سن الثامنة عشرة،انخرطت في حزب صغير يناضل ضد الفاشية وضد الشيوعية الستالينية.كنت أعتبر الأمر جيداً نوعا ما.كما كنا نعتقد أيضا في ضرورة تجديد الديمقراطية.أحيانا كنت أتوهم التركيب synthèse،وعندما وقعت الحرب اقتنعت بسخافة كل ذلك،فلم يكن هناك حل ثالث.في هذه اللحظة بالذات،أصبحت راديكاليا،وقمعت أمورا كثيرة داخلي،وأصبحت شيوعيا.كنت أتفاعل بحساسية كبيرة مع الأحداث وما تحمله من دلالات.أعتقد أيضا،أني لاحقاً،اكتسبت قدرة على مقاومة ما يمكن تسميته الهيستيريا السياسية أو الحركات الجماعية.

تيفين ساموايو:تقولون هذا،مثلا،بصدد هايدغر Heidegger:لم تريدوا وصمه أو تحقيره تماماً،رغم التزامه.

+إدغار موران:بالفعل،فضلت عدم السير في حقول الطابوهات واللعنات.

كريستيان ديكامب:يتخلل مفهوم التركيب مختلف مؤلفاتكم،سواء في المجال التاريخي أو المجال النظري.لقد وضعتم تخصصا معرفيا يعيد النظر في كيفية اكتساب العلم طابعا تركيبيا.فالروابط المختلفة بين العلوم تتصارع فيما بينها وتؤدي في الغالب إلى تناقضات بناءة ومثمرة.

+إدغار موران:حين نفكر نوعا ما في العلم،وهذا ينطبق على الكل،نجد أنه عرضة للتغير أكثر مما هو الأمر عليه في اللاهوت.فقد اختفت جميع نظريات القرن التاسع عشر باستثناء اثنتين.وعلى الرغم من ذلك،سادت قوة دوغمائية تؤمن بإمكان إرجاع الكل إلى عناصر أساسية والقول بحتمية كونية.إن دراسة السلوك الحيواني عرفت تحولا بفعل التجارب التي أثبتت أن الوصف الدقيق هو أكثر خصوبة من الرغبة في صياغة قانون يسجن موضوع العلم في حدود هرمسية غامضة.الكل متعالق،إذا نحن ربطنا بين مختلف العلوم والمعارف.لكن،للأسف،لا زلنا متمسكين بأسطورة توحيد كبرى،في حين إن الخاصية الأساسية للكون هي استحالة إرجاعه إلى مبدإ واحد،أساسي وجوهري.

تيفين ساموايو:مع ذلك،عندما بدأتم كتابة(مؤلفكم)المنهج،انطلقتم من علم خاص هو السوسيولوجيا(كنتم آنذاك قد بدأتم الاشتغال مطوّلا على بلدة بلوزيفي Plozévet).

+إدغار موران:ارتبط تكويني أول الأمر بالحصول على إجازة في التاريخ والجغرافيا،ثم على إجازة في القانون.كما تابعت دروسا في الفلسفة،وكنت ذا ثقافة روائية،شعرية وأدبية شاملة.صحيح أن السوسيولوجيا كانت هي مدار اهتمامي،لكنني تكوّنت أكثر في التاريخ.لقد التحقت بشعبة السوسيولوجيا في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS،لكن ذلك كان جزءا فقط من رؤيتي التي أعتبرها أنتربولوجية.أنا أعتبر نفسي دارسا إنسانيا humanologue:أي أهتم بمعرفة ما هو إنساني(من خلال الثالوث:الفرد،المجتمع،النوع)،ومعرفة المعرفة كذلك.كانت الشيوعية هي مصدر إلهامي بهذه التجربة:أنا الذي كنت أعتبر نفسي ذكيا،حائزا على مختلف عناصر ومكونات المعرفة،كيف سمحت لنفسي بكبت بعض الأفكار واختلاق أسباب لتبرير هذا الأمر-الشيوعية الستالينية-التي كانت عقيدة في نهاية المطاف؟هذا الوهم لفت انتباهي كثيرا بحيث لم أكن أعتبره مشكلا شخصيا،وإنما مشكلا حياتيا عاما يهم الجميع.

كريستان ديكامب:في الستينيات،أجريتم بحوثا ميدانية في بلدة بلوزيفي،حيث نقف على دخول الحداثة إلى إحدى بلدات بيغودن bigouden.فهمتم آنذاك براعة الناس الذين يمتهنون في الغالب مهناً متعددة من أجل الاستمرار في الحياة إبان اندثار الصناعات التقليدية البسيطة.

+إدغار موران:إننا ندرك بوضوح أن إتقان مهن متعددة هو شكل من أشكال مواجهة تدفق اقتصادي تصعب مقاومته،وهو ما أعرض عنه العديد من الباحثين.لقد شاركت في بحث متعدد التخصصات،لكن برامج البحث التقليدية كانت تحجب عنا أمورا مهمة:أن النساء المهتمات بالنظافة والصحة لعبن دورا رئيسيا،خاصة على مستوى تطور الإيقاعات والعادات.من ناحية أخرى كان هناك ضعف اهتمام بالشباب.إلا أن بذور 1968(أحداث مايو 68)يمكن الوقوف عليها في هذا المكان مثلما هو الأمر عليه في المراكز الحضرية.لذلك،ظلت العلاقة بين الشباب والراشدين خفية.لقد انصب عملي على محاولة إجراء بحث حول هذا البلد الذي قضيت فيه أكثر من عام،بعيدا عن الخطاطات الجاهزة قدر المستطاع.كنت ألاحظ مثلا وجود صيدليين اثنين،وبقالين،وطبيبين:عندما كسبنا ثقة المبحوثين،علمنا أن الواحد منهما خاص بالحمر والثاني بالبيض.فقد ظل المجتمع محافظا على هذه القطيعة التي تطبعه.

كريستيان ديكامب:في هذه المرحلة كنتم قريبين جدا من كاستورياديس Castoriadis.

+إدغار موران:لقد سلكنا نفس الطريق في”الميتا-ماركسية méta-marxisme”.كنت أرغب في تجاوز ماركس Marx مع إدماجه واحتوائه.وما كان يقربني أيضا من كاستورياديس هو كونه يمنح المتخيل مكانة مركزية.عندما كتبت”الإنسان والموت“(1951)،اكتشفت أمرا في غاية الأهمية:كنت أعتقد بداية أن الحتميات ذات أساس اجتماعي واكتشفت الدور الهائل الذي يلعبه المتخيل.النقطة الثانية المشتركة بيننا هي فكرة الإبداعية.

كريستيان ديكامب:الإبداعية ليست مجرد تطوير لأشياء معطاة سلفا،وإنما هي خلق أصيل وجذري.نلمس حضورا لهذه الموضوعة في أفكاركم حول التنظيم الذاتي.

+إدغار موران:في تلك المرحلة المسماة بنيوية،حيث لا أحد يقبل الحديث عن الذات،عن التاريخ،كنا مغايرين ومخالفين جدا.لكننا حافظنا دوما على مواقفنا.فقد كان كاستورياديس محللا نفسيا،وذا توجه اقتصادي أكثر مني.لم نكن نستخدم نفس المصطلحات،نفس المعجم.وفيما يخصني،كنت أفضل مفهوم التنظيم-الاقتصادي-الذاتيauto-éco-organisation  .

كريستيان ديكامب:رؤيتكم للعلوم تأخذ في الاعتبار أزمة الأسس.والواقع أن العلوم المعاصرة تخترقها قضايا وأسئلة فلسفية.

+ إدغار موران:بالفعل،هناك أزمات أسس الكون،والمجتمع والمعرفة مترابطة فيما بينها ويجب علينا التفاعل مع خصوبة وثراء هذا التركيب أو التعقيد.

كريستيان ديكامب:كنتم،أنتم المعجبون بهيراقليطس Héraclite،تفضلون اتباع طريقة قادرة على احتواء واستيعاب التناقضات.

+إدغار موران:يفرض علينا التاريخ أن نجمع بين ماركس وشكسبير Shakespeare.فالغطرسة لا تظهر فقط في سلوكات مجانين العظمة،وإنما هي التي دفعت مجتمعنا الغربي نحو القوة العظمى الشاملة والمفرطة.لا يمكننا إقامة تعارض بين الجنون والعقل؛هناك تداخلات بينهما يصعب تصديقها.لقد كشفت مدرسة فرانكفورت بما فيه الكفاية عن أوهام العقلنة.لذلك يبدو لي أنه من المهم جدا الجمع بين أفكار تبدو متعارضة.فالإنسان العاقل Homo sapiens هو في نفس الوقت الإنسان المجنون Homo démens.ولعله من المهام الأساسية للفكر،الكشف عن إمكانية التكامل بين أفكار متعارضة.لقد ورثت هذا عن هيغل Hegel،لكن بعد تعديله.إننا نتغذى ونعيش على المتناقضات التي لا تقبل التجاوز دائما بواسطة الجدل.ورثت هذا عن باسكال Pascal أيضا،ذلك الأنتربولوجي الوحيد الذي أدرك أن ما هو إنساني هو نسيج من التناقضات.نجد حضورا لهذا في الأدب كذلك.

تيفين ساموايو:غالبا ما يستخدم مفهوم التركيب الذي قمتم بصياغته نظريا،في مجال الدراسات الأدبية.هل تفترضون صلاحيته في مجالات أخرى؟

+إدغار موران:الرواية مركّبة،والأدب مركّب،لذلك يمكن أن يكون المتخصصون فيهما في حاجة لهذا المفهوم.إلا أنه بالنظر إلى أن ما يميز التخصصات المعرفية هو الفصل بين الخيوط التي تربط بعضها ببعض،فإن التركيب يظل في الغالب محجوبا عنا،باستثناء علم مثل الإيكولوجيا الذي يدرك أنه لا يتقدم إلا بمعية العلوم الأخرى.وغني عن البيان أنه لهذا السبب لم يجد له موطئ قدم بعدُ في رحاب الجامعة.

تيفين ساموايو:من المؤسف أن نرى إلى أي حد ظلت الجامعة سجينة الفصل بين التخصصات.ففي نفس الوقت نجد أن لمؤلفاتكم وقع اجتماعي وثقافي كبير،لكن الجامعة تنآى عن مشاركتها.

+إدغار موران:الجامعة الحديثة لم تر النور إلا بعد كارثة الثورة الفرنسية و(عصر)الأنوار.فقد عمل هومبولدت Humboldt في بروسيا على إزاحة وإقصاء اللاهوت وإنشاء التخصصات.والنموذج الحالي هو نموذج مصطنع،شأنه في ذلك شأن اللاهوت.ونحن نحتاج إلى ثورة ذهنية كحد أدنى لتغييره.هناك إدارة يزداد ثقلها باستمرار.في أواخر حياته،انصرف رولان بارث Roland Barthes عن السيميولوجيا المجردة متوجها نحو الأدب المشخص،نحو لذة النص.ولعل الرواية هي الأكثر تركيبا.وكما أوضح ذلك ميلان كونديرا Milan Kundera،فالأدب هو المرصد الوحيد الذي يسمح بمعاينة الوضع البشري في مختلف مظاهره.عندما أكتب،وحتى عندما كتبت مؤلف المنهج،فأنا ألعب بالكلمات،أشعر أني كاتب.

كريستيان ديكامب:إن الطلاق بين العلوم والفلسفة لم يحدث إلا في وقت متأخر.والواقع أن كبار الفلاسفة جميعهم،كانت لهم ثقافة علمية حقيقية،وذلك إلى حدود إدموند هوسرل Edmund Husserl على الأقل.والعديد من الفيزيائيين المعاصرين يجهلون أعمال غاليلي Galilée،وكم من فيلسوف لا يعرف أي شيء عن علم عصره.

+إدغار موران:نشهد اليوم تفقيرا في مجال الثقافة العلمية والإنسانيات humanités.وجاك مونو Jacques Monod وفرانسوا جاكوب François Jacob يشكلان استثناء.إنه من الجوهري أن نحافظ على مبدإ الانعكاسية(انعكاس المعارف على بعضها البعض).لنأخذ مثلا كارل بوبر Popper،باشلار Bachelard،توماس كون T.Kuhn،هولتون Holton …لا يفكر العلماء كثيرا في هؤلاء الذين يفكرون في العلم.أنا لست ضد التخصص؛وإذا كنت أصف نفسي بأني عابر للتخصصات،فلأنني بالفعل،في حاجة إلى تخصصات،لكنها تخصصات تتواصل فيما بينها لمعالجة القضايا الكبرى.وإذا كان الأمر خلاف ذلك،فلن نحصل سوى على علاقات بين خبراء:فهؤلاء يسجنون أنفسهم في الغالب،في حدودهم المكتبية-التقنية bureautico-technique .

كريستيان ديكامب:يوجد التركيب في مجال التاريخ،وفي السياسة.لنأخذ مثالا على ذلك:لقد انخرطتم إلى جانب ماسكولو Mascolo وناضو Nadeau ضد حرب الجزائر.هنا واجهتم العلاقات المعقدة والبناءة بين جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية الجزائرية.في نهاية الخمسينيات خاطبكم الناشر الشهير جيروم ليندون Jérôme Lindon قائلا:”ليس الوقت مناسبا لتعقيد الأمور”،فكان ردّكم:”ليس الوقت ابدا مناسبا للتركيب”.

+إدغار موران:هذا ما يحدث لي في الغالب:أن أكون واحدا من الأقلية في معسكري.لقد تم تقديم صورة كاريكاتورية عن مصالي الحاج Messali Hadj.وعندما كنت شيوعيا وكان يتم وصف التروتسكيين بالخونة،كنت أتمرد وألتزم الصمت.في مقابل ذلك،أشعر بالفرح لكوني استطعت تحمل بعض لحظات العزلة.عندما شاركت في المقاومة وكان مساعدي ألمانياً،كنت أناضل ضد الصورة الكاريكاتورية عن الألمان باعتبارهم أغبياء وعنيدين”boches”.

تيفين ساموايو:كان لديكم نفس الوضوح في الموقف إزاء قضية كرافتشينكو Kravtchenko أيضا.

+إدغار موران:إذا كنت قد نجحت في بعض الأمور،فذلك راجع إلى كوني تعلمت مقاومة الضغط الذي تفرضه التوجهات العامة.هكذا،وأثناء تنامي التوجه العام نحو الحرب الأولى على الخليج،كتبت مقالات لأقول:لم لا نقترح لقاء دوليا بهدف معالجة مختلف قضايا الشرق الأوسط؟هذا الأمر أقلق نوعا ما فرانسوا ميتران François Mitterrand الذي أقام حفل عشاء خاص على شرفي ليقنعني بضرورة مسايرة الأمريكان !هذه القضية أصبحت سمّاً تاريخيا.

كريستيان ديكامب: في الستينيات تابعتم حركة”yéyé”(حركة موسيقية شبابية ظهرت سنة1961 في فرنسا).وفي 1968،كتبتم بالاشتراك مع كلود لوفور Claude Lefort وكورنيليوس كاستورياديس كتاب”La brèche“(الفجوة).كنتم شديدي الاهتمام بكل ما يعتمل في الواقع من أحداث.

+إدغار موران:لم تكن مقولة الشباب آنذاك مقولة سوسيولوجية.قبل 68،استشعرَت بعض مقالات(كتاب)”الاشتراكية والبربرية Socialisme et Barbarie“المراجعات الجذرية العميقة للأدوار التقليدية.وبعض الأفلام،أفلام جيمس دين James Dean مثلا،كانت تكشف لنا عن عدم رضى وتذمر الشباب.ينبغي الانتباه للرموز والعلامات الصغيرة والدقيقة.

-تيفين ساموايو:علاقتكم بالسينما شكلت فضاء للتعريف بقضايا الشباب.وساهمتم بشكل مباشر في ذلك مع جان روش Jean Rouch في(فيلم)”يوميات صيف Chronique d’un été“(1961).هذا الاهتمام كان يضعكم على هامش رجال العلم،ووقفتم فيه على حركات غاية في التعقيد والتركيب.

+إدغار موران:لقد كانت أمورا ملهمة.فقد اكتشفت الواقع في المتخيل،والمتخيل في الواقع.اكتشفت حرب 1914 في(فيلم)”لا جديد في الغرب،صلبان الخشب“.وفهمت بأن السينما فن هائل لا يقدَّر حق قدره في المجال الثقافي.

-تيفين ساموايو:بعد فيلم”يوميات صيف”،لم تكن لديكم رغبة في الإسهام في أفلام أخرى.

+إدغار موران:بلى،لكنني انتبهت إلى أن المنتج،بعد الفيلم المشار إليه،كان يريدني أن أشارك في فيلم مستوحى من كتاب”عن الحب“ل ستاندال Stendhal.وافقت في البداية،ثم رفضت بعد ذلك،لأن الحب يعالج في المتخيل أفضل بكثير.كنت أنوي الاشتغال على فيلم من خلال”إلى أين يتجه العالم؟Ou va le monde”،فيلم يتكون من مشاهد كبرى لوجوه تتكلم فقط.بدأت مع فرانسوا بيرو F.Perroux،لكن الأمور لم تسر على ما يرام لأنه كان أكثر صمماً مما أنا عليه الآن.بعد ذلك انتقلت إلى الفكر المركّب.

تيفين ساموايو:في سردكم عن كتابة”المنهج“تقدمون هذه الفكرة على أنها نوع من الإلهام أو الجذبة.

+إدغار موران:أعتقد أن هذه هي حالة أي كاتب.إنها جذبة هادئة،أو حالة نفسية معدلة بحيث تجعل الإبداع والتخيل ممكنين.وأنا أزداد إيمانا بهذا الإرث ما بعد الشاماني post-chamanique للجذبة.

كريستيان ديكامب:كانت السريالية تعلي من شأن الحب.وهذه الحركة الأساسية معترف بها من طرف الجميع وفي مختلف البقاع.في الثمانينيات كان لديكم مشروع إقامة قصر السريالية.

+إدغار موران:بالنسبة لي،تعتبر السريالية حركة على درجة عالية من الأهمية،لأنها أكّدت أن الشعر يجب أن يعاش..وقد كان شوستير Schuster المقرب من بروتون Breton،يفكر في إقامة قصر السريالية الذي لن يكون متحفا وإنما فضاءا حيّاً.كما كانت إليزا Elisa،أرملة بروتون،مستعدة لتقديم الشيء الكثير.وعندما فاتحتُ ميتران في الموضوع،لم يبد أي حماس يذكر،فالسريالية لا تدخل في تكوينه الثقافي.حاولت جاهداً،بمساعدة ميشيل دوغي Michel Deguy،لكن دون جدوى.إلا أن هذا لايعني حتماً أن الفكرة قد ماتت.

كريستيان ديكامب:إحدى مقارباتكم الأولى للتركيب تزامنت مع حضوركم لدرس جورج لوفيفر Georges Lefebvre عن تاريخ الثورة الفرنسية.أدركتم أن رؤية المؤرخ للماضي مشروطة بسياقه التاريخي الخاص.باختصار،إن المؤرخ،مثل أي ملاحظ آخر،يجب عليه ملاحظة ذاته وهو يمارس الملاحظة.

+إدغار موران:ركز أولار Aulard على تاريخ للثورة من وجهة نظر برلمانية مفرطة.وجوريس Jaurès وضع تاريخا اشتراكيا(…)وفوري Furet الشيوعي المناهض للستالينية،رأى في الثورة الفرنسية كارثة عظمى كان يمكن لفرنسا تفاديها.لكن لا شيء انتهى.(ثورة)1789 لا تفتأ تعود.

كريستيان ديكامب:لنذكر في الختام شخصا تحبونه كثيرا،إنه نيلز بور Niels Bohr،يقول:”الحقيقة السطحية هي منطوق نقيضه خاطئ،والحقيقة العميقة هي منطوق نقيضه هو أيضا حقيقة عميقة”.

+إدغار موران:أحب نيلز بور كثيرا.والواقع أن كل ما أفكر فيه صدر عن جهة ما.فأنا لم أخلق أي شيء يذكر،بالمعنى الدقيق للكلمة.ما هو أصيل،هو فقط طريقتي في الجمع بين الأفكار.

*المصدر الأصلي للحوار:En attendant Nadeau, Entretien avec Edgar Morin, par Christian Descamps et Tiphaine Samoyault,10 septembre 2019.

شاهد أيضاً

الطوارئ الفيروسية وعالم الغد _ الفيلسوف الكوري الألمانيّ بيونغ تشول هان

بيونغ تشول هان مفاتيح كورونا: لماذا نجحت آسيا وفشلت الدول الغربية في السيطرة على الوباء؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *