الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / هل يمكننا القضاء على ظاهرة التحرش بإصلاح التعليم؟ وجهة نظر…

هل يمكننا القضاء على ظاهرة التحرش بإصلاح التعليم؟ وجهة نظر…

د. خديجة زتيلــي

د. خديجة زتيلــي

      فاضتْ نفسي عن جوانبها أمس واليوم وأنا أشاهد بكثير من الألم والمرارة فيديو يُوثق تحرّش مجموعة من الشباب المصري بفتاة مُتبرّجة في الشارع وعلى مرأى ومسمع من المارّة، وهم يَصْرخون ويقومون بتعذيبها نفسيّا ويوجهون لها الشتائم والكلام البذيء، ولم تنج المرأة بنفسها منهم وتنسل من الحشد الذي كان يُحيط بها إلاّ بصعوبة بالغة يملؤها الرعب والفزع، فهي تغادر المكان المشؤوم ولكن أحداث المكان والزمان سوف لن تغادراها وربما تحتاج إلى وقت طويل ومُعالج نفسي لتجاوز محنتها تلك. وفي واقع الأمر فإنّ هذه المشاهد المُخْزية ذات الصِلة بحرفة اللُصوص وقُطاع الطرق والمرتزقة تتكرّر كثيرا في عالمنا العربي، الذي لا يزال يُعاني من الانسدادين التاريخي والفكري ومن سُطوة الفقه الذكوري المتطرّف، الذي لطالما كان ولا يزال يُحرّض على مثل تلك الأفعال المُشينة سرّا وعلنا.

     إنّ تعبئة عُقول الناشئة والشباب في منطقتنا العربيّة بالأفكار المتطرّفة في أي مجال من مجالات الحياة، وحشْو أدْمغتهم بالإيديولوجيات التي تُمجّد آراءها وتحارب تلك التي تُخالفها الرأي باستخدام العنف والسيف وإراقة الدماء لهو أخطر ما يُعبر عن فساد المجتمعات وانحطاطها ونزولها إلى الحضيض الأسفل. سيزعم هؤلاء المعتوهين الذين يدّعون الفضيلة والاسْتقامة والخلق الحسن بأنّهم حُرّاس منظومة القيم والأخلاق، وأنّ مفاتن النساء تؤذي أعينهم وتُحرك الشيطان بداخلهم ومن واجبهم التصدي لها، وغيرها من المسوّغات الأخرى التي تُبرّر البشاعة والظلم وتُكرّس الانْحطاط والتخلّف والرياء الاجتماعي والأخلاقي والشطط الذي يُعشّش في العقول، فضلا عن النظر إلى المرأة على أنها جسد للإمتاع والمؤانسة ليس إلاّ، ما يجْعلنا نتساءل: متى يتمّ في مُجتمعاتنا العربيّة والاسلاميّة استصدار قوانين رادعة بشكل فعليّ وتطبيقها بصرامة ومن دون تردّد على كلّ من يقوم بتلك الممارسات الشاذة؟ فقد بات من الضرورة بمكان وأكثر من أي وقت مضى أن تُسلّط  المنظومات القانونيّة العقاب على الجاني لا أن تُعاتب وتعاقب الضحيّة و تتساهل مع الجلاد، وإنّ هذا لا يتأتى إلاّ متى تمّ فصل الجريمة عن الاعتبارات الشخصيّة والعاطفيّة. 

      كم تمشيتُ في مدن أوروبيّة زُرتها من دون خوف أو قلق، تارة كنت فيها لوحدي وأحيانا أخرى مع عائلتي، كان التجوال يمتدّ بي إلى ساعات متأخّرة من اليوم وأعود إلى سكني بعد زيارة لمكتبة في أطراف المدينة أو معرض للكتب أو متحف تَلُفه الأشجار والغابات أو  محلّ تجاري أو من مطعم… ولم يزعجني يوما أحدهم أو طالتني الشتائم بسبب لباسي أو جنسي أو عرقي أو انتمائي، فما الذي يجعل هؤلاء الناس ومن بينهم المتشرّدين والذين بدون مأوى لا يقتربون منك ولا يزعجونك؟ إنّه القانون من دون شك، فهذا الأخير هو من الصرامة بمكان في هذه المجتمعات ولا مكان للعواطف والاعتبارات الشخصية فيه، وأي انفلات أخلاقي يُعرّض صاحبه إلى العقوبة والغرامات الماليّة. فمنظومة القيم السائدة التي يكبر المرء في كنفها ابتداء من الأسرة ومرورا بالمدرسة تُحارب مبدأ عدم المساواة بين الجنسين، وتكرس الاختلاف ومبد التعايش معاً، فتغدو المرأة شريكا اجتماعيا فعليا ولا يمكن أن يطير المجتمع نحو الحلم والآفاق البعيدة من دونها.

      فكيف لا تؤذيني هذه المفارقات العجيبة يا ترى فأشعر بالغربة والخوف وأنا بين أهلي وجيراني، وبالطمأنينة والسكينة والسلام في ديار الغريب البعيدة التي لا تخلو بطبيعة الحال من عيوب أخرى؟ ولذلك أعود وأكرّر ما قلته في مقالات سابقة: لا بدّ لنا من مُراجعة المنظومات التربويّة في البلاد العربيّة وإصلاح التعليم لتجويده وجعله مواكبا للعصر ، فبإمكان التربية الصحيحة أن تغيّر وجه العالم وتقف في وجه فظاعاته، وإنّ كل تنوير ليتوقف على التربية، وقد حان الوقت لكي نُصلح ونُراجع منظوماتنا التعليميّة في منطقتنا العربيّة التي تعاني من الوهن والتدنّي والفساد وعدم مجاراة التحديث والتطوّرات العالمية الكونيّة، والتي يوجه إليها اليوم الاتهام بأنها أنتجتْ التطرّف وأناسا غير أسوياء. علينا إذن بإصلاح التعليم فهو المدخل لإصلاح العقول ونهضة الأمم، وخارج هذا الإطار  يهوي الإنسان إلى قاع سحيق وإلى حالة من الضياع وفقدان الهويّة الإنسانيّة، فيستفحل الجهل والتعصّب والتطرّف بجميع أشكاله وتتكرّر  مشاهد التحرش ضد النساء وغيرها من مظاهر الفساد الأخرى في مجتمعاتنا.

شاهد أيضاً

إلى الحجر الصحي من الحجر الصحي: روسو وروبنسون كروزو و”أنا” كاثرين مالابو

To Quarantine from Quarantine: Rousseau, Robinson Crusoe, and “I” Catherine Malabou ترجمة جميلة حنيفي جامعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *