الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الباريسيا السنيكية (المقالة الثالثة)

الباريسيا السنيكية (المقالة الثالثة)

بقلم: ادريس شرود

تقديم

     تعتبر تجربة الفلاسفة السنيكيين وجها آخر للممارسة السقراطية للباريسيا وامتدادا للخطاب الفلسفي السقراطي، والصورة المعارضة للفلسفة الأفلاطونية. فهي تجربة مختلفة تقدّم كيفية أخرى في التفلسف وفي إدراك الحياة الفلسفية والممارسة السياسية. فإذا كان سقراط يدعو المواطنين الآثينيين إلى الإهتمام بأنفسهم حتى يتمكنوا من حكم أنفسهم والآخرين بشكل أفضل، وإذا كان أفلاطون يدعو إلى المعرفة وضرورة بلوغ الحقيقة من خلال شرط علائقي للنفس بالإلهي ولعلاقة النفس بوصفها عنصرا للإلهي، فإن الفيلسوف السنيكي يقدم الحقيقة كفضيحة ويجعل من جسده الخاص ومن حياته مسارح للحقيقة من خلال تمفصل قوي بين القول الحق والصريح وطريقة وجود منسجمة مع قيم الشجاعة والحياة العارية. تجد التجربة السنيكية خصوصيتها الحيوية أيضا في ذلك الإدراك الجمالي للوجود مع تلك الرغبة القوية في جعل الحياة، ليس فقط، موضوعا للمعرفة وللصراحة ولكن أيضا كمادة قابلة للتشكيل وكشيء فني، وكذا الإعتقاد الراسخ بوجوب الإشتغال على الذات من أجل بنائها وخلقها كعمل فني.

1- باريسيا الفيلسوف السنيكي

    دفع اهتمام ميشيل فوكو بالذات والحقيقة إلى البحث في استمرارية التجربة السقراطية أو “الباريسيا السقراطية” عند الفلاسفة السينكيين الإغريق، منقّبا عن العلاقة التي ربطت بين القول الصريح وإمكانية إدراك الحقيقة في الحياة. سيقوم فوكو بأشكلة العلاقة الوجودية بين الذات والقول الصريح (الباريسيا) والحياة عند الفلاسفة السنيكيين، مستحضرا تحاليله لموضوعة الحياة الحقة وجمالية الوجود.

تنطوي التجربة السنيكية حسب فوكو على خصائص تميّزها عن التجارب الفلسفية التقليدية خاصة التجربتين السقراطية والرواقية اللتين استهدفتا الوصول إلى الفضيلة عن طريق العقل (اللوغوس) المنشغل باكتساب المعرفة. إذ تقوم هذه التجربة على اختصار الزمن والإرتماء مباشرة في أحضان الفضيلة عن طريق مواجهة الحياة والإتيان بأفعال وممارسات وإنجاز أنشطة وتمارين. في هذا السياق يقول أنتستاين Antisthène:”تقوم الفضيلة على الأفعال، فهي لا تحتاج للخطابات الطويلة وللمعارف”.

يترابط الفعل والتجريب عند الفيلسوف السنيكي بفضيلة الإرادة، المبنية على “البراءة” و”التحكم في الذات”. فمن جهة البراءة؛ لا يخضع هذا الفيلسوف لأية ارتباطات أو تعاقدات تحول دون معرفة حقيقة العالم، أو تشوش نظرته المباشرة للوجود وللموجودات. أما من جهة التحكم في الذات؛  فهو يقيم علاقة متفرّدة مع نفسه، عن طريق رفضه لأشكال التربية والتعليم التي تقترحها المدارس الفلسفية التقليدية، مقابل اهتمامه الزهدي بنفسه وب”الحياة الحقيقية”، ورغبته في اكتساب الفضيلة بعيدا عن إملاءات الوسائط البيداغوجية من دروس وكتب وخطابات.

سُئل ديوجين السينوبي عن أجمل الرجال فقال: الباريسيا. فبالنسبة له، الحياة الحقيقية هي ممارسة الباريسيا، والعيش والتحدث وفق مفهوم الحياة الحقيقية. ولب هذه الحياة هو ممارسة واحدة “إشهار” الحقيقة بالكلمات والأفعال(1)، ليس فقط في وجه شعب آثينا(سقراط)، أو الأمير(أفلاطون)، بل في وجه الإنسانية(الفيلسوف السنيكي). إن الفيلسوف السنيكي “كشّاف” و”مُراقب” البشرية، فهو يحذرها بصدق وشجاعة من كل ما يتهددها من مخاطر، وأين يتربّص بها الأعداء(2)، ويتصرف ضد العالم بتعبير فريديريك نيتشه. لكن اكتساب الصدق والشجاعة تطلب من الفيلسوف السنيكي عيش تجربة تتآلف فيها ممارسة الباريسا بعلاقة الذات بذاتها. فالأهم في هذه التجربة، حسب دمتريوس، هو أن على الإنسان أن يخاف قليلا من البشر، وأن عليه أن لا يخاف من الآلهة، وبإمكانه أن يحتقر البهرجة والزينة، والنزق والطيش – أي المصائب وزينة الحياة معا- وأن عليه أن يعرف أن “الموت لا يسبب أي ألم، وأننا ننتهي ونفنى”(3). كما أن عليه أن يكتسب ويملك معرفة بأشياء العالم وأشياء الطبيعة الإنسانية؛ أي معرفة تراعي كل شيء في العالم (الآلهة، الكون، الآخرين…) وعلاقته بنا، ونستطيع أن نحوّله إلى وصفات تحوّل وجودنا، أو ما نحن عليه(4).

في خضم هذه العلاقات، ينحث الفيلسوف السنيكي علاقة ثلاثية مع الذات والآخر والعالم(5)، تتطلب منه الإهتمام بنفسه، والإنتباه للطبيعة وإخضاع حياته لقوانينها، وقول كل الحقيقة دون الخضوع للتعاقدات والقواعد والقيم السائدة، مع الحرص على ذلك التوافق المطلوب بين الأقوال والأفعال بين الحقيقة والحياة. هكذا ينسج الفيلسوف السنيكي رابطة قوية بينه وبين الحقيقة، تشكل أرضية صلبة لإبداع طريقة في الحياة مؤسسة على الحقيقة نفسها. لكن امتلاك هذه الحقيقة يتطلب اهتماما خاصا ومتميزا بالجسد والروح/الفكر والقيام بتدريبات وتمارين تهم تحقيق هدفين:

أولا: تكوين وتقوية الشجاعة andreia ، ويُفهم من هذه الشجاعة: مقاومة الأحداث الخارجية، والقدرة على تحمّلها من دون معاناة ومن دون انهيار، ومن دون أن يدعها تجرفه معها؛ ومقاومة الأحداث الخارجية، والشرور والمآسي، وكل مشاق الحياة. ومن جهة ثانية، تكوين وتقوية الفضيلة الأخرى التي هي القدرة على أن يتمالك المرء نفسه sêphrosunê. لنقل إذا كانت الشجاعة تسمح بتحمل ما يأتي من الخارج، فإن التمالك (في النفس) يسمح بالتقدير والتحكم في كل الحركات الداخلية، وحركات النفس ذاتها(6).

2- إيتيقا مغايرة: الإنهمام بالذات وضرورة الحرية وقول الحقيقة

    تبين جينيالوجيا السلوك النبيل عند الإغريق، ارتباط التصرف اللائق بممارسة الحرية ولزوم الإنهمام بالذات. لقد كانت الحرية الفردية بالنسبة للإغريق شيئا أساسيا على عكس ما يقوله الرأي الشائع والمأخوذ بشكل أو بآخر عن هيغل Hegel (…). كان الإنهمام بالحرية مسألة أساسية ودائمة طيلة ثمانية قرون كبرى من الثقافة القديمة. لدينا هنا إيتيكا بالكامل يدور كله حول الإنهمام بالذات مانحا إياه شكله المميّز والخاص (…). إن الإيتيك في العصر القديم، باعتباره ممارسة متبصّرة للحرية يدور حول هذا الأمر الأساسي “اهتم أنت بذاتك”(7). لكن الإهتمام بالذات يتطلب من الكائن القيام بعمل ما على الذات نفسها، في حين يتطلب العيش بحرية الإنتباه اليقظ للمحددات السياسية والإجتماعية والقيمية.

في هذا السياق، ميّز ميشيل فوكو بين الباريسيا الإيتيقية عن الباريزيا السياسية، اعتبارا للتطورات التي  حصلت مع الأزمة التي أصابت الإجتماع السياسي للمدينة الإغريقية وللقيم الديمقراطية، والتي دفعت فيلسوفا مشهورا كسقراط إلى هجر السياسية ورفض الممارسة السياسية للباريسيا واعتبار الفلسفة إطارا مناسبا ومطلوبا لممارسة الباريسيا. إن قول الحقيقية داخل “الجمعية Assemblé” سيعرّض صاحبه لأخطار أكيدة، خاصة إذا تم استحضار المعارضة المحتملة للقول الصريح في الديمقراطية الآثينية وتبعاته (عبودية، نفي، موت، …). إن المطلوب في هذه الحالة، هو استبدال الباريسيا السياسية والممارسة السياسية القائمة على نوع من السلطة على الآخرين بباريسيا أخرى؛ باريسيا إيتيقية قائمة على الإهتمام بالنفس والعناية بالجسد/الجسم والفكر، والإنتباه إلى السلوك وكيفية التصرف تجاة الذات والآخر بموجب الحقيقة والجرأة على قولها وعيشها.

سيجد فوكو في التجربة السنيكية، كيفية أخرى لإدراك “الحياة الحقيقية”؛ حياة إيتيقية مؤسسة على السيادة الكاملة والتجرّد المفرط من كل ما هو فائض عن اللزوم وغير ضروري وخارجي. فالفيلسوف السنيكي -حسب فوكو- يجعل من جسده ومن حياته، مسارح للحقيقة؛ إنه من يجعل من حياته شاهدا حيّا ومفارقا عن الحقيقة(8) ويظهر الحقيقة إلى الوجود بشكل علني غير مضمر، ويمارس حياته بشكل عار كليا (…). يعلن عن نفسه بكونه الملك الوحيد على الأرض(…). ولا يتم ذلك برغبة مجّانية للإستفزاز، وإنما بغاية إحداث القلق في وعي من يفكرون بممارسة حياة جيّدة ومستقيمة(9).

 وعلى عكس الإيتيك السقراطي والرواقي الذي يتأسس على إبراز مجموعة من الفضائل،  فإن الإيتيك السنيكي يقوم على اعتبار العلاقة مع الحقيقة شرطا بنيويا وعلى المجازفة في قولها؛ حيث تظهر شجاعة الباريسياني كخاصية إيتيقية مبثوثة في أسلوب حياة وفي كيفية وجود، هي نتيجة لعمل إيتيقي للذات على نفسها ولتوليف عقلاني وجمالي بين الحياة والذات والحقيقة. في الوقت ذاته، يضع هذا الإيتيك الحياة على محك الإمتحان من قبل الحقيقة: يتعلق الأمر برؤية إلى حد ما تحتمل الحقائق، كما تستحق، أن تعاش، وأن نجعل من الوجود نقطة تمظهر لا يطاق للحقيقة(10). كما تصير الحياة مع الإيتيك السنيكي موضوعا لعمل زهدي وشاعري مؤسس على العودة إلى الذات رغبة في تحويلها والعيش ب”طريقة أخرى”، ولعمل نقدي غايته بناء “ذاتية جديدة” منفلتة عن تراث مثقل بالأوامر وعن سلطة مبدعة للقيود.

سيعمل فوكو على التمييز بين أربعة بؤر لمعنى(الحقيقة) والنظر في كيف أن الأسلبة الوجودية لهذه المعاني ستشكل في ذاتها استفزازا:

– المعنى الاول: الحقيقة هي ما هو غير مستور،| غير مخفي وواضح بالكامل.

– المعنى الثاني: الحقيقة هي ما هو خالص بدون إفساد ولا اختلاط.

– المعنى الثالث: هي ما هو مطابق وقانوني.

– المعنى الرابع: الحقيقة هي ما هو ثابت لا يتغيّر، نزيه ومطابق لذاته.

يعكس تطبيق هذه المعاني الأربعة خصائص الحياة الفلسفية السنيكية، القائمة على البساطة والإستقامة والوضوح، وعلى التطبيق الفعلي والمباشر لقيم الحقيقة في الحياة. فهي تصف اللوغوس الحقيقي: خطاب بدون رياء أو إخفاء، خال من كل رأي خاطىء، قانوني ومستقر(…). يلزم أن نفهم الآن كيف أن (الحياة الحقيقية) للكلبيين تكون فعلا تطبيقا فعليا لمعاني حقيقة الوجود بصيغة جذرية عنيفة وصاخبة(11).

3- الفيلسوف السنيكي بين “الحياة الحقيقية” و”جمالية الوجود”

    ميّز ميشيل فوكو بين عصر مسيحي تطبعه أخلاق هي بمثابة انقياد لنسق من القواعد – هي الآن في طور الأفول والزوال، حسب فوكو- ، وعصور قديمة تطبعها أخلاق كانت أساسا بحثا عن إيتيك شخصي. لذلك يلزم الإستجابة لبحث يمكن وسمه بجمالية الوجود [مرتبط طبعا بالإيتيك الشخصي](12). يرى فوكو أن أخلاق العصور القديمة كانت أساسا ممارسة [وقد اتخذت] أسلوبا للحرية؛ فأثناء ممارسة الفرد لحريته وانشغاله بذاته، تظهر تلك الرغبة في تدبير الحياة الخاصة كعمل فني شخصي وإبداع إيتيك وجود. يتعلق هذا “الإيتيك” أساسا بإبداع كيفية وجود وقواعد سلوك تتوافق مع بعض المعايير الجمالية، وإضفاء قيم على الحياة وجعلها موضوعا للمعرفة والفن، وهذا يعني جعل الحياة شيئا فنيا. يتوقف فوكو عند لحظة سقراط، ليؤكد على نشوء رابطة بين الحقيقة والحياة و”جمالية الوجود”؛ حيث الرغبة في قول الحقيقة وضرورة اختبارها في الواقع وتجليها في الحياة، مع الأمل في الفوز ب”حياة جميلة وسعيدة وفاضلة”. هكذا أخذت تتطور داخل المدينة اليونانية فنون عيش جديدة وكيفيات وجود مغايرة وأشكال أخرى للإهتمام بالذات تتآلف فيها حياة بعض الأفراد مع القول الصريح والصادق والحر.

أصبح الوجود المشروع عند اليونان إذن، هو عيش “حياة حقيقية” تجمع بين فضيلة الصراحة والصدق والحرية وذات لا تهاب قول الحقيقة. وبهذا أضحت الحقيقة تتمظهر مباشرة في الحياة وداخل الأفعال والممارسات والسلوك الخاص، مثلما نجد في تجربة الفلاسفة السنيكيين. ففي هذه التجربة، نلتقي مع أشكلة جديدة للذات والحياة والحقيقة، ومع تصور جديد للفلسفة وممارسة فلسفية مختلفة عن باقي المدارس الفلسفية الكلاسيكية. فإذا كانت الفضيلة تتحقق عن طريق اكتساب المعارف في هذه المدارس، فإن الفيلسوف السنيكي يُشيّد طريقا مختصرا نحو الفضيلة والمرح والسعادة .

لاحظ فوكو التقارب الواضح بين الباريسيا السقراطية والباريسيا السنيكية؛ فهناك علاقة بين جمالية الوجود السقراطية القائمة على الربط بين الخطاب والحقيقة والحياة، وتطبيق الحقيقة في الحياة عند السنيكيين. لكن فوكو يجري تمييزا مثيرا بين التجربتين، بحيث يرى في التجربة السنيكية طريقة أخرى لإدراك عملية “عبور الحياة” بحرية واستقلال وشجاعة (شجاعة قول الحقيقة، وإقبال على الحياة). تتمثل هذه الطريقة في التجلي المباشر للحقيقة في الحياة؛ فالأمر لا يتعلق بضمان توافق بين الخطاب والأفعال كتعبير عن حقيقة الكلام، بل تفعيل الحقيقة في الحياة بشكل مباشر وفاضح.

تجد الباريسيا السنيكية خصوصيتها في الإنفكاك عن أفكار وتصورات فلسفية مهيمنة على الإجتماع الإغريقي وسياسة المدينة اليونانية. ذلك أن الفيلسوف السنيكي يسعى إلى تحقيق توافق بين ممارسة الذات وممارسة الحقيقة، في انسجام تام بين كيفية متميّزة في استعمال الكلام وقول الحقيقة وطريقة خاصة في الحياة تستجيب لثلاث وظائف كبرى:

– وظيفة وسائلية (لكي نغامر بقول الحقيقة، يلزم ألا نكون مرتبطين بشيء).

– وظيفة الإختزال (يتعلق الامر بتنظيم حقل عام للوجود يخلصه من كل التعاقدات غير النافعة والآراء الأخرى التي لا أساس لها من الصحة).

– وظيفة التجربة أو الإختبار (على الحياة أن تظهر داخل حقيقة شروطها الحقيقية)(13).

تجد هذه الوظائف الثلاث تطبيقها الفعلي في حياة الفيلسوف السنيكي؛ فهو يعيش متجرّدا من الممتلكات المادية وغير خاضع لأية تعاقدات اجتماعية، يمارس حياته في العراء والوضوح التام، ويزاوج بين كلام صريح (قاسي وفظ ومستفز) وكيفية وجود تبدو جد مُربكة. كما يجازف بقول الحقيقة وإبراز الحياة داخل شروطها الأساسية؛ إنه يلعب دور “الكشّاف”/”كشّاف الحقيقة” و”المسؤول عن الإنسانية” وعن “الكونية الإيتيقية”.

4- ترابط القول بالفعل وتلازم الحقيقة بالممارسة عند الفيلسوف السنيكي

    يُوقّع الفيلسوف السنيكي الكلام باسمه الخاص، ويتوجّه به للناس في الأماكن العمومية (ساحة، معبد، سوق، شارع، أبواب، ملاعب،…)، في حين يعارض بصرامة كل القوانين والقواعد والإجراءات التي تحد من قول الحقيقة، سواء المقررة من طرف سلطة سياسية أو الخاضعة لرقابة اجتماعية أو أخلاقية أو دينية. فالمطلوب هو قول الأشياء بوضوح أكثر، بعيدا عن أي تزيين بلاغي وتجنبا لكل تأويل، حتى يحفظ القول قوّته والحياة أصالتها البدئية (في البدء كانت الحياة). أما بالنسبة لتلازم الحقيقة بالممارسة، فالأمر يتعلق بتفعيل الحقيقة في الحياة، بمعزل تلك الصيغة المشهورة والمطلوبة عند الفلاسفة الكلاسيكيين والتي تقوم على الإنسجام بين الخطاب والفعل.

يمارس الفيلسوف السنيكي حياته في تجانس مطلق مع ما يؤمن به كحقيقة، في احترام تام لذاته، مجسّدا هذا الإحترام في تفضيله للممارسة والتجريب وشغفه المفرط بالقول الصريح والحر. فهو يعرض حياته الخاصة وفضائله (ضبط النفس، الإعتدال، الشجاعة، الحكمة…) كمثال حي لتطبيق الحقيقة في الحياة بشكل مباشر وفاضح أمام  العامة والخاصة.

يمنح الفيلسوف السنيكي أولوية للجسد للتعبير عن أفكاره ومواقفه وعرض حياته وتفاصيلها اليومية بحرية وصراحة، وهو في ذلك يرفع الستار عن الحقائق المنسية والحريات المسلوبة والأحاسيس المقموعة، مقدما تصوره الخاص للوجود المشروع للذات والآخر:

– بالنسبة للحياة الحقيقية: يدركها الفيلسوف السنيكي في محايثتها وصيرورتها، مُديرا ظهره لأشكال التوسّط (كتب وخطابات، ،معتقدات ومذاهب، قواعد وقوانين، تقاليد وعادات وأعراف…) وللتأويلات -العزيزة على قلوب الكتّاب والمعلمين وموجّهي الضمائر…- وحتى لعلاقة الذات بالحقيقة في التجربة الفلسفية الهلينستية والرومانية (التقليد السقراطي والرواقي مثلا) القائمة على طريقة مغايرة لإدراك الذات وحقيقة الحياة وجمالية الوجود. فالحياة السنيكية تتميز بالترابط القوي للقول بالفعل وبتلازم الحقيقة بالممارسة، إنها مسرح إنتاج الحقيقة والوسط الذي تتدفق فيه الأحداث الخالصة وتجري فيه تراجيديا الوجود.

– بالنسبة للوجود المشروع للذات وللآخر: يقدم الفيلسوف السنيكي تصورا معاكسا ومستفزّا لتصورات الفلاسفة المعاصرين له (أفلاطونيين، رواقيين، أبيقوريين، لاهوتيين …) حول دور الفيلسوف في المدينة ورسالته للإنسانية. فهو يبادر إلى قول الحقيقة للذات وللآخرين، كاشفا عن رفضه لتعاقدات الناس ومواضعاتهم الأخلاقية والسياسية وللتصورات الفلسفية السائدة حول الوجود الإنساني ولأسلوب الحياة الذي تتبناه القوى السياسية المهيمنة.

هكذا سارع حُرّاس جل المدارس الفلسفية الكلاسيكية إلى إدانة سلوك الفيلسوف السنيكي، والمتمثل في اقتراف جريمة رفض وتحويل القيم والقواعد والقوانين الجاري بها العمل في المدينة اليونانية والمقاطعة الرومانية وتزوير “العملة الرائجة”. رافق عملية الإدانة تنظيم هجومات ضد الفلسفة السنيكية وإجراء “محاكمات” للفلاسفة السنيكيين والإستهزاء من الحياة السنيكية وتبخيسها وتهميشها. 

5- المقاومة الفلسفية وتفعيل الحقيقة في الحياة

    تتأسس المقاومة الفلسفية عند السنيكي على تصور مغاير لدور الفلسفة في المجتمع، فقد ربط أنتستاين Antisthène، في إحدى شذراته الشهيرة، بين الفضيلة والفعل حيث قال:”تقوم الفضيلة على الأفعال، فهي لا تحتاج للخطابات الطويلة وللمعارف”. وهذا يعني أن الفيلسوف السنيكي لا يدرك الفلسفة كرغبة في المعرفة أو كبحث في الميتافيزيقا  أو في العلم كما عند أرسطو، أو كتأمل في الكون، أو كخدمة مقدمة للمدينة كما الأمر عند أفلاطون، ولكن باعتبارها فنا للعيش وكيفية في الوجود(14).

يرتكز فن العيش والوجود عند الفيلسوف السنيكي على إعادة النظر في مبادئ الحياة كما صاغها فلاسفة المدارس الفلسفية الكلاسيكية، والتساؤل عن قيمة الأخلاق والفضائل التي سادت المجتمعين اليوناني والروماني. بالمقابل يقوم السنيكي بعملية تغيير وتحويل لهذه المبادئ والأخلاق والفضائل بالتشكيك أولا في قيمتها مادامت لا تعكس الحياة الواقعية والوجود الحقيقي، والإنخراط ثانيا في عملية إسقاط للأقنعة التي تقوم عليها الحياة المُتحضرة بتفعيل الحقيقة في الوجود اليومي للناس. تتأسس عملية تفعيل الحقيقة في الوجود عند الفيلسوف السنيكي على التسلح بقوة الإرادة والتحكم في الذات والجرأة على قول الحقيقة ، واتخاذ مواقف أخلاقية صارمة، وممارسة تمارين وأنشطة تضمن عبورا مختصرا إلى الحياة الحقة المبنية على تمفصل القول الفلسفي بالتجربة الوجودية. فالتجربة هي الحقل الذي تترابط فيه عملية الإنهمام بالذات وولوج الحقيقة.

تستهدف عملية تفعيل الحقيقية في الحياة، الإلتقاء مباشرة مع الحياة دون المرور بمتاهات المعرفة والمحتويات النظرية، بالإرتكاز على نواتين أساسيتين:

– الأولى: تتمثل في الإستعمال الخاص للغة، والمبنية على الصراحة والتحريض والخشونة والإندفاع في مساءلة الآخرين(15).

– الثانية: تتمثل في طريقة الحياة، المتميزة بخصائص مثيرة تهم نمط العيش من مأكل وملبس ومأوى، وعلاقة كل ذلك بالمجتمع والسلطة والثروة والأخلاق والدين.

لا يتعلق الأمر في هذه الطريقة بتنظيم حياته حسب الخطاب، كامتلاك سلوك قويم مع الدفاع عن فكرة العدالة، ولكن بجعله مقروءا داخل الجسد مباشرة، داخل الحضور المُعلن والمُتوحش لحقيقة عارية، وأن يجعل من وجوده مسرحا مستفزا لخزي الحقيقة(16). من هنا وجب اعتبار باريسيا الفيلسوف السنيكي كإيتيقا مؤسسة على اختبار الحياة من قبل الحقيقة؛ أي عيش الحقيقة وليس مجرد قول الحقيقة. والحقيقة تظهر في المعرفة والنظام و”عُري الحياة”(17)، وفي الإمتثال لواجب اقتفاء الحقيقة ورفض النفاق والكذب، ومواجهة أحداث الحياة عن طريق اختبار الذات وامتحانها كذات تقول الحقيقة. إن الأمر هنا لا يتعلق بتأسيس أخلاق تبحث عن الخير وتنعطف عن الشر، بل بإيتيقا يتلازم فيها القول بالفعل والحقيقة بالممارسة، حيث الوجود نفسه يصير شكلا فاضحا ومرئيا للحقيقة.

6- فضيحة الفيلسوف السنيكي و”وقاحته” أو صدقية الإهتمام بالآخرين

    تتعلق صفتي الفضيحة والوقاحة عند الفيلسوف السنيكي بإقامة رابطة مغايرة بين الذات والحقيقة، وعلاقة متميّزة بالآخر مبنية على الشجاعة والمخاطرة والمجازفة. فالسنيكي يقيم علاقة خاصة مع ذاته، مبنية على الزهد والإكتفاء الذاتي والإقتصار على ما هو أساسي في الحياة، وإرادته موجهة لخدمة حياة مغايرة وعالم مغاير محايث، ضدا على “العالم الآخر” الأفلاطوني؛ “عالم المثل/عالم الأفكار” و”عالم الأشكال الخالصة والحقائق الابدية”، وضدا على “الحقيقة الافلاطونية”، وعلى النظرة الحاقدة لأفلاطون الذي وصف ديوجين السينوبي بأنه “سقراط  مجنون”. تتعارض الحياة المحايثة السنيكية مع كل “حياة أخرى”، ومع كل حياة مُطمئنة ومُستكينة، حيث الرغبة في عيش “الحياة الحقيقية” ولو تتطلب الأمر “العيش في خطر” أو على هامش المجتمع. لذلك تتموقع باريسيا الفيلسوف السنيكي فيما وراء الباريسيا الإيتيقية والسياسية؛ باريسيا سقراط وأفلاطون، وهي تتوافق مع وجود عاري معروض أمام أنظار الجميع، لا يخضع للتعاقدات السائدة ولترتيبات السلطة السياسية والإجتماعية والأخلاقية والدينية. لكل هذا، لم يتحمّل الفلاسفة أنفسهم والسياسيين والعوام سلوك الفيلسوف السنيكي -وقاحته وفضيحته- المُستفز والعنيف سواء تعلق الأمر بطريقة الإهتمام بنفسه وخصوصية زُهده، أو بكيفية معاملته للناس في الأماكن العمومية والخصوصية.

قد تُربك القارئ عملية ربط باريسيا الفيلسوف ب”الوقاحة والفضيحة”، ذلك أن الكلمتين تُثيران أحاسيس منفّرة وشعورا بالتقزز بالنسبة لعقول مُثقلة بالتردّد والخوف والتملق والشفقة. بالمقابل نؤكد على أن إثارة “فضيلتي الوقاحة والفضيحة” عند الفيلسوف السنيكي هي عمل مُثير ومُتميّز للذات على ذاتها وتعبيرعن صدقية تضع نصب أعينها اهتمام الآخرين بذواتهم. إنه اختبار الارواح الذي يمارس نفسه، مع المجازفة بوجوده الخاص ووقوفه بعيدا عن كل منبر سياسي. ما ينبغي في مهمة اهتمام الآخرين بذواتهم هو أن تُشرعن بطريقة وجود تكون منسجمة مع قيم شجاعة الروح وصلابتها(18). تتآلف في وقاحة الفيلسوف السنيكي طريقة حرّة في الحياة وشجاعة في قول الحقيقة؛ أي امتلاك أسلوب للوجود الخاص وحرية الكلام العام. يعتبر فوكو وبشكل أدق أن الوقح هو من يشكل من جسده الخاص به ومن حياته، مسارح للحقيقة… . وأن الوقاحة هي من يستنبط ’’الحياة الحقيقية’’… . وعلى ما يبدو فإن الحقيقي هو ما ليس مضمرا: فالوقح هو من يقوم بكل شيء بشكل علني (من مثل الأكل وممارسة الجنس… إلخ). والحقيقي هو أيضا ما ليس بمزيج: فالوقح هو من يمارس حياته بشكل عار كليا. إنه يميل إلى العراء التام حتى ولو جعله ذلك قبيحا وبائسا. الحقيقي هو المستقيم. والوقح هو من لا يأخذ دليلا له سوى الطبيعة… . أخيرا الحقيقي هو السيد: والوقح هو من يعلن عن نفسه بكونه الملك الوحيد على الأرض. هكذا نرى جيدا ما تعنيه العملية الوقحة: هي أن نجعل من الحقيقة فضيحة دائمة… . الوقح هو كلب الحقيقة ليس لأنه يحميها كحارس وإنما لأنه ينبح بكلمات حقيقية ولأنه يعضّ من خلال هذه الكلمات، ولأنه يعتدي على الناس من خلال الحقيقة(19). إن الوقح الإغريقي بتعبير ميشيل فوكو، هو بمثابة الحارس العالمي و موظف الإنسانية الإيطيقية(20). وستكون عملية المجازفة والمخاطرة عند قولها تعبيرا عن “الحياة الحقيقية” وتطبيقا فعليا لمعاني حقيقة الوجود ولكن بصيغة جذرية، عنيفة وصاخبة.

خلاصة

    منح ميشيل فوكو الفلاسفة السنيكيين مكانة متميّزة وحاسمة في تاريخ الفلسفة، وأكد على أن الفلسفة السنيكية تقدم لنفسها فكرة عن الحقيقة كتحدي للحياة، وأنها عمل إيتيقي على الذات ودعوة لتحويل العالم. يتعلق الأمر في هذه الفلسفة باكتشاف طريق لن يكون مجرّد تخمينات تأملية وخطاب حقيقي حول العالم، بل مجموعة مقترحات عملية موجّهة للذوات من أجل تحويل وجودهم وتغيير العالم(21). يتميز الفيلسوف السنيكي بشجاعته وقوله الصريح والصادق والحر، وبعلاقته المغايرة بالحياة، وبطريقة وجوده العارية والفاضحة – إنها طريقة مغايرة لطريقة الوجود الإيتيقية لدى الفيلسوف الرواقي- ؛ إنها حياة مكشوفة وعلنية، ساخرة ومُزعجة، مُستفزّة وعُدوانية. لكنها حياة مفعمة بالإرادة والقوة، بالشجاعة والرغبة في عيش “حياة أخرى”؛ حياة فلسفية حقيقية في “عالم مختلف”.

يؤكد فريديريك غرو Frédéric Grosعلى أن موضوعة القول الصريح وشجاعة الحقيقة، قد جعلت فوكو قريبا من ذاته؛ أي قريبا من وظيفته كمثقف خصوصي، مفروض فيه أن يقول الحقيقة، كلّ الحقيقة، وأن ينخرط في تغيير حياة الأفراد وأفكارهم؛ فمن أولويات والتزامات المثقف -حسب ميشيل فوكو- “تغيير شيء ما في عقول الناس”، كما من غايات قول الحقيقة إحداث القلق في نفوس الناس واستفزازهم، وليس ابتغاء الإجماع والرأي المشترك . فرض هذا الإلتزام الوجودي التفكير بقوة في علاقة الأفراد بأنفسهم وبعلاقاتهم بالآخرين، وتحليل مختلف أنظمة الحكم وأنماط العيش وأساليب الوجود في ظهورها واستمرارها واختفائها. في هذا السياق، سيقيم فوكو تعارضا بين التجربة الفلسفية والحياتية للفيلسوف السنيكي وتجارب الفلاسفة الكلاسيكيين (سقراطيين، أفلاطونيين، أبيقوريين، رواقيين…). هكذا سيُدخل كيفية أخرى لإدراك تاريخ الفلسفة ليس كتاريخ للمذاهب الفلسفية، ولكن ك”تاريخ لأشكال، وطرق وأساليب الحياة، تاريخ الحياة الفلسفية كمشكلة فلسفية، وأيضا كشكل إيتيقي وبطولي في نفس الوقت”، تاريخ للحياة الفلسفية باعتبارها كيفية وجود وشكل إيتيقي. وهنا يفرق فوكو بين تقليد فلسفي ذو نزعة مذهبية وتقليد فلسفي وجودي، وبين الطريق الطويل والطريق القصير الذي يؤدي إلى “الحياة الحقيقية”. ولعل النقطة المركزية في هذه الحياة، هو شجاعة قول الحقيقة، والتي لا تعني الصراحة وحرية الكلمة فقط، وإنما تقنية استعمال الأشياء الحقيقية بغرض التحويل والتعديل والتحسين فيما يتعلق بالذات؛ أي تغيير وتحويل كينونة الذات بتعبير ميشيل فوكو.

الهوامش:

1- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم “الباريسيا” عند ميشيل فوكو: “قول الحقيقة” بين الديمقراطية وحكم الذات.

تروي الدعاية كيف قابل ديوجينس على الطريق سيسرموس Cicermus الفائز في الألعاب الأولمبية وحوّله إلى الزهد الكلبي. وقد حضّ ديوجينس الملاكم على السعي وراء ما هو شريف حقا، وأن “يصمد أمام الضربات، لا ضربات الرجال التافهة، بل ضربات الروح، وليس من خلال جلد السياط أو اللّكمات، وإنما من خلال الفقر، والسمعة السيّئة، والأصل الوضيع، والمنفى. فعندما تتمكن من احتقار هذه الأشياء، تعيش سعيدا، وتموت بطريقة محتملة”. أما البديل، فهو “المعاناة بلا نهاية”. يستحق هذا اللقاء التفكير فيه بعمق. فالعيش بمقتضى القيم الحق، يعطي سيسرموس الحق في الكلام الواضح الصريح، إنها حرية التعبير المشهورة عند الكلبيين. ريتشارد فين: الزهد في العالم الإغريقي – الروماني، ترجمة علي للو وناجح شاهين، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، أبو ظبي، 2012، ص43.

2- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم “الباريسيا” عند ميشيل فوكو: “قول الحقيقة” بين الديمقراطية وحكم الذات.

3- ميشيل فوكو: تأويل الذات، دروس ألقيت في “الكوليج دوفرانس” لسنة 1981-1986، ترجمة وتقديم وتعليق د. الزواوي بغوره، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2011، ص224.

4- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص225.

5- للتوسع أحيل القارئ الكريم إلى مقالتي: معنى أن تصير سينيكيا؟، موقع أنفاس من أجل الثقافة والإنسان، 22 ديسمبر 2017.

6- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص398 و399.

7- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، تقديم وترجمة محمد ازويتة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء-المغرب، 2015، ص44.

8- فريديرك غرو: ميشال فوكو، ص155.

9- فريديريك غرو: ميشيل فوكو، ص156.

10- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص105.

يقول فوكو بصدد الإيتيك الرواقي:” لقد كان الإيتيك الرواقي فعلا إيتيكا للتطابق المنظم بين الفعل والخطاب، شكلا لامتحان الحقيقة من قبل الحياة: يتعلق الأمر بمعرفة ما إذا كان يمكن لهذا الوجود، الذي نعلم ضرره وقساوته بحسب تقلبات الزمن، أن تتم رؤيته منظما وخاضعا لقواعد محددة، انطلاقا من مبادئ الحقيقة. إنه إيتيك النظام والتأديب”، ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص105.

11- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص103.

12- جمالية الوجود: حوار مع ميشيل فوكو، ترجمه محمد زويتة وحميد طاس، موقع حكمة، 4 يونيو 2015.

13- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص102.

14- ظهرت الفلسفة السنيكية كاستجابة موضوعية لوضعية سياسية واجتماعية وأخلاقية عاشها المجتمع الإغريقي والروماني. فقد انخرط الفلاسفة السنيكيين في إبداع فلسفة مغايرة تقوم على الرغبة القوية في التفلسف بشكل مختلف، وعلى شجاعة قول الحقيقة، وعلى التحويل الجذري للفرد والمجتمع والعالم.

أما الآن، فنلاحظ عودة قوية لمساءلة دور الفلسفة ورهاناتها، في ظل إحساس قوي بتضاؤل الإهتمام بها (زهير الخويلدي: أين هو الجمهور الفلسفي؟، موقع أنفاس من أجل الثقافة والإنسان، 31 مارس، 2019)، و بالتالي التساؤل عن أهميتها في الحياة الواقعية للناس (ليزا سعيد أبو زيد: هل الفلسفة حقا تطبيقية؟ موقع حركة خارج السرب، 2 أبريل 2019)، وعن قدرتها على مساعدتهم على مواجهة صعوبات الحياة اليومية (سعيد ناشيد: التداوي بالفلسفة، دار التنوير، الطبعة الأولى، 2018، ص25) وعلى المساهمة في بناء الحضارة المعاصرة (سعيد ناشيد: التداوي بالفلسفة، ص15). تبدو هذه التساؤلات مشروعة ولها راهنيتها الفعلية في ظل تفشي مظاهر التدهور والإنحطاط السياسي والإجتماعي والأخلاقي، الشيء الذي يفترض الإنتباه:

– أولا: إلى الدور الذي يلعبه “المنافسون الوقحون” للفلسفة كالإعلام والتسويق التجاري وقوانين الرأسمالية ومبادئها الليبرالية التي تسعى إلى نشر البلاهة والفظاعة والطرق السافلة في التفكير (انظر: ادريس شرود: مهمة الفلسفة: مقاومة البلاهة والفظاعة، موقع أنفاس من أجل الثقافة والإنسان، 18 مارس 2016).

ثانيا: إلى شعار المرحلة الذي يقول ب”أولوية الديمقراطية على الفلسفة” وبأن “الديمقراطية هي الحل”؟

ثالثا: إلى ماهية الفلسفة، باعتبارها معرفة أو خطابا عقلانيا وتنويريا أو تطبيبا وعلاجا روحيا،…؟

رابعا: إلى الأعداء الحقيقيين للفلسفة وللحياة؛ ذلك أن اعتبار “الفلسفة مواجهة مفتوحة ضد الوهم الذي يلازم العقل، ضد الشقاء الذي يلازم الحياة، وضد العنف الذي يلازم الحياة المشتركة” (سعيد ناشيد: التداوي بالفلسفة، ص138) هو تغييب مقصود لأعداء الفلسفة الحقيقيين. كما أن الدعوة الرشيقة إلى الوقوف في وجه الإنفعالات السلبية (وهم، شقاء، عنف…)، وإلى “عدم الإنحياز”(إلى صف ألأخيار ضد الأشرار، إلى صف الثوار ضد الطغاة، الأقليات ضد الأكثرية، الضحية ضد الجلاد)، (انظر وظيفة الفيلسوف عند سعيد ناشيد: التداوي بالفلسفة، ص171)، يجعل من الفلسفة تمرينا في القراءة والكتابة صادر عن إرادة حسنة ورغبة في “الإصلاح” و”المصالحة”، لكنها فلسفة لا تعاكس أحدا أو تحزنه – أشير هنا إلى قصة اعتراض ديوجين على امتداح فيلسوف أمامه -أفلاطون- فقد واجه هذا الإمتداح بالسؤال التالي:” ما لديه من عظيم يظهره، هو الذي انصرف زمنا طويلا من دون إثارة حزن أحد” – .

خامسا: إلى تلك المراهنة الخاسرة مسبقا حول “الكليات ” كالعدل والخير والجمال والسعادة والحب والوفاء…، فالأكيد أن “المبدأ الأول في الفلسفة هو كون الكليات لا تفسر أي شيء، بل ينبغي أن تكون هي موضع تفسير” بتعبير جيل دولوز.

سادسا: إلى أحكام رائجة حول دور الفلسفة باعتبارها “مادة للتدريس” أو “ثرثرة لا قيمة لها”، تستدعي التفكير والنقد والتحويل. وهنا يمكن التساؤل عن أثر اكتساب المحتويات النظرية في الحياة العملية، وعن الدور السلبي الذي لعبه “الموقف العامّي” من الفلسفة؟

سابعا: إلى الدور الفاعل الذي يتوجب على الفلسفة أن تقوم به في الحاضر، باعتبارها ممارسة للصراحة والصدق والقول الحر وفنا للعيش وكيفية في الوجود. هذا الدور يفرض على الفيلسوف أن يصير شاهدا على عصره ليس بأقواله وكتاباته، بل بأفعاله وممارساته وتجسيده المباشر للحقيقة في الحياة.

15- “من المعروف أن الفلاسفة السنيكيين كانوا يراقبون السياسيين ويتشبثون بالإستقلالية تجاه كل سلطة داخلية كانت أم خارجية، ويستهزؤون من التفاخر والتعاظم الذي يبديه الحكام في حياتهم كما أثناء ممارستهم للسلطة، بل يعتبرون أنفسهم أسيادا وملوكا. لكنهم لا يكتفون بالمراقبة والإستهزاء، بل يشنّون “حربا فلسفية” ضد سلوكات وتعاقدات ومؤسسات عصرهم”، ادريس شرود: الحياة السنيكية: الفيلسوف البطل وسؤال السيادة والمقاومة”، موقع أنفاس من أجل الثقافة والإنسان، 17 أبريل 2019.

16- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص102.

17- ساين لارسن: ملاحظات حول مفهوم “الباريسيا” عند ميشيل فوكو: “قول الحقيقة” بين الديمقراطية وحكم الذات.

18- فرديريك غرو: فوكو، ص154.

19- فرديريك غرو: فوكو، ص155 و156.

20- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص103.

يقول إميل برهييه:”حتى إذا أصلح [الكلبيون] أنفسهم فإنما ليقودوا غيرهم من الناس وليكونا لهم قدوة؛ وما وجودهم في هذه الدنيا إلا ليراقبوا ويرصدوا، لا أنفسهم، بل الغير، وعند الإقتضاء ليؤاخذوا الملوك أنفسهم، على ما لا يعرف الشبع من شهواتهم”، إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، الفلسفة الهلنستية والرومانية، الجزء الثاني، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، لبنان-بيروت، الطبعة الأولى، 1982، ص15.

21- Foucault, la « vraie vie » et les Grecs, Entretien avec Frédéric Gros, Réalisé par    Jacques-Olivier Bégot

http://www.les-lettres-francaises.fr/tag/kant/
RépondreTransférer

شاهد أيضاً

هل من المعقول أن يظل البيض عبيدا لماضيهم الاستعبادي؟

عزيز الصاميدي لنتخيل معا: لوويك شاب في السادسة عشرة من عمره، بشرته بيضاء. ازداد وترعرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *