الرئيسية / منتخبات / عامة / التعليم وقضايا المجتمع المصري

التعليم وقضايا المجتمع المصري


صبحي عبد العليم صبحي نايل

صبحي عبد العليم صبحي نايل

باحث بالفكر العربي المعاصر جامعة عين شمس – حاصل علي ليسانس اداب قسم الدراسات الفلسفية جامعة عين شمس ويعمل علي نيل درجة الماجستير

في هذه الفترة من كل عام يثار جدلا واسعا بين الأُسر والأفراد داخل المجتمع المصري، ونجد العديد من الأسر تبدي غضبها وامتعاضها، والقليل منهم يبدي سماحته وفرحه وتهليله. كما أن هناك أيضا الألاف من الشباب الحالمين تسحق أحلامهم ، ويتخلى كل منهم عن أحلامه ، ومستقبل لا زال في مراحل التشكيل بل انه لم يدخل هذه المراحل بعد .

 هذا ما يفعله نظامنا التعليمي الذي لا يحمل في ثناياه أي احتراما موجها للعقلية الإبداعية، وما تفعله الثانوية العامة بصفة خاصة هي محاولة التمهيد لصناعة جيل من التوحد والنمطية، التي لا تعرف التفرد والبصمة الخاصة. فالمؤسسة التعلمية بشقيها ( الأساسي و العالي ) تثبت كل يوم عجزها عن إنتاج كوادر قادرة علي الإبداع ومجاوزة الشكل السائد والمعتاد داخل جميع المؤسسات والسياقات ، مما يعني أنها تظل عالقة في هذا الوضع المتردي عاجزة عن تفنيد أزماتها ومجاوزة الوضع القائم ومحاولة حل المشكلات التي تغرق بها البلاد . فالآلية العامة داخل المؤسسة المعرفية – وهي احد اهم عوامل تشكيل الوعي لدي الفرد – تعمل علي صياغة نمط موحد من الوعي  – سواء كان بوعي ودراية من داخل المؤسسة أو عن غير وعي منها بذلك – يعرف من التابعية اكثر ما يعرف عن الإبداع والتفرد ، وتصبح ثقافة القطيع أشبه بغريزة داخل الفرد ( يسعي الهيا المجتمع بكل طوائفه ) ، ويعزز هذه الثقافة ويرسي دعائمها تاريخ طويل من ممارستها ، ومحاولات العديد من رجال السياسة مدح الانتماء إلي الجماعة، وذم التفرد والإبداع علي لسان الفقهاء اللذين تدينوا بدين السياسة. مما جعلها تتشكل في معتقد إيماني إن لم تكن غريزة داخل الفرد .

الإبداع والمؤسسة

ما يمكن أن يصطلح عليه بالإبداع ” كل ما هو غير مألوف وجديد بأحد أشكاله أو زواياه ” إن كان الأمر هكذا فلا يمكن لمؤسسة ما أن تعمل علي صناعة الإبداع ، أو نشأة مبدعين . ولكن تكمن عبقرية المؤسسة في احترامها للإبداع ومحاولتها لاحتضانه، وينجم عن ذلك وجود مساحة للإبداع، واحتراما محفزا له، يعمل بصورة غير واعية علي نشأة الإبداع  .

ان التاريخ لا سيما التاريخ المعرفي يتحدث عن أن الإبداع هو نمط الاستمرار والحياة . فكل حقبة تاريخية كانت تأتي ببصمتها الخاصة التي تساعدها علي الاستمرار في الحياة باليات وترتيبات مختلفة عن الحقب السابقة ، وتلبية احتياجاتها التي لم تظهر عند سابقيها . واذا انطلقنا من هذه الرؤية تصبح المجتمعات التي لا تحترم الإبداع ولا تعمل علي احتضانه بشكل من الأشكال أشبه بصحراء جرداء خالية من كل متع الحياة ، أو كمقبرة لا تعرف سوي الظلام .

والانطلاق من قضية أن الإنسان عدو ما يجهل ، فان المجتمعات الجاهلة تزدري الإبداع ولا تعمل علي احترامه أو الحث عليه باي شكل من الأشكال . كونه يأتي بشيء مخالف غير مألوف سواء علي المستوي المعرفي أو المستوي الأداتي ، في مجتمعات تركن دائما إلي ما هو مألوف تحتمي بما تركه السابقون ، ويقتصر عملها المعرفي علي إثبات صحة ما ورثته من مقولات دون الانتباه إلي  الواقع الصارخ بعدم صلاحها وصحتها في العصر الذي تعيشه . ويصبح معيار عبقرية الفرد ومعرفته” قدرته علي إثبات صحة ما ورثه من السابقين عليه”  والاجتهاد لوجود سبل ووسائل لخضوع النشء لما ورثه ، مما ينتج مجتمع مصاب بشلل عام عاجز حتي عن إطعام نفسه، لا يجد سوي أمجاد من سبقوه يكررها ويجترها من دون فائدة .

المؤسسة التعليمية والمجتمع

ان العلاقة بين المؤسسة التعليمية والمجتمع علاقة جدلية كلاهما يؤثر في الآخر، فتتكون المؤسسة من أفراد المجتمع، وتساهم بنصيب كبير في تشكل وعي أفراد المجتمع . وتتطور احتياجات المجتمع كل يوم ، ومن الطبيعي أيضا أن يتطور شكل الاجتماع ونمط الوعي داخله ، ويتمخض عن هذا حاجة المؤسسة التعليمية إلي التطور لتلبية احتياجات المجتمع ومحاولة تنشئة أفراد يساهمون في إقامة زويا المجتمع وسد احتياجاته التي يفرضها الواقع المتطور . وتراجع المؤسسة التعليمية أو ثباتها مع تغير المجتمع يجعل من التعليم عملية غير إنسانية ، لأنها تنافي الاحتياجات الفردية ولا تلتفت إلي الفرد بوصفه ذاتا، بقدر ما ترسا يعمل علي تحريكها لا اكثر . في هذه الحالة تصبح العملية التعليمية عائقا أمام الإبداع والتفرد ، وتصبح المؤسسة التعليمية بمثابة قالب يتشكل فيه الفرد – دون الانتباه إلي الاختلاف الذي هو طبيعة الجنس البشري – علي غير ما يهوى . لذا تكون محاولات التنصل والهروب من العملية التعليمية أشبه بغريزة داخل الفرد تعمل علي غير وعي منه ويكررها علي الدوام، كونها أضحت تمثل عبءً علي الفرد يسعي الي التخلص منه.   

وينبع عن ثبات المؤسسة التعليمية وعدم انتباهها إلي التغيرات الاجتماعية وجود فجوة كبيرة بين ما تنتجه المؤسسة وما يحتاجه المجتمع من كوادر بناءة، والتي تجعل من كلاهما صورة خالية من أي معني . فتتمثل العملية التعلمية لدي من يعانون الفقر كوسيلة للخلاص منه، وتتشكل لدي من لا يعانون الفقر كأحد من أشكال الوجاهة الاجتماعية، وتخرج عن دورها الطبيعي ” بوصفها عملية تنشئة لكادر يعمل علي سد احتياجات المجتمع وتطويره”، ويقتصر شكل إنتاجها علي ما يمكن أن يطلق عليه “تجار بشاهدات و أشكال مختلفة” فكل فرد يحاول استثمار شهادته بأكبر قدر ممكن ، وان يربح من وراءها اقصي ما يمكن من ربح. لذا يكون المعيار للشهادات العلمية ( قدرتها علي ضخ الأموال ) فكل شهادة يمكن ان تأتي بأموال اكثر من الأخرى تصبح من الشهادات العليا ، والتي لا تضمن ربحها العالي تصبح من الشهادات الدنيا .

ويغفل كلا المجتمع والمؤسسة التعليمية أنها مسألة مؤقتة مهما بلغت من طول المدة هي مؤقتة ، حتي بتنبه المجتمع إلي عدم صلاح العملية التعليمية كوسيلة للهروب من الفقر، أو كنمط من أنماط الوجاهة الاجتماعية . لان أمور التجارة والاستثمار اكثر صلاحا منها في هذا الأمر، كما انه لا توجد وجاهة اجتماعية كتلك التي يصنعها الثراء . حينها سيفضل الفرد الجهل والثراء عن التعليم ، وتنسحب المؤسسة التعليمية من المجتمع ، أو بمعني أدق تطرد منه .

التعليم والمجتمع المصري

المجتمع العربي بوجه عام والمجتمع المصري بوجه خاص يعاني العديد من المشكلات والأزمات الطاحنة ، كالبطالة ، والفقر ، والعوز، والاحتياج ، والتصحر الفكري، والتبعية ….، بيد ان المؤسسات الإعلامية والمؤسسات التعليمية والصحف والمجلات، والعديد من الكتابات الإبداعية والأدبية والبحثية تتغني بأمجاد الماضي غافلة تماما الحاضر الذي اصبح يمثل عبئا ثقيلا علي الجميع، مما يعطي دلالة علي حجم الهوة التي أصبحت بين الواقع والمنتج المعرفي ، وكأن كلٍ منهما يتخذ طريقا خلاف الأخر غير معترفين بالدور المتكامل بينهما، فالمنتج المعرفي يساهم بالنذر اليسير في تشكل الواقع ويتشكل منه أيضا ، فيعتبر كل منهما صدي للأخر. وما أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي من حرية (بأن منحت للفرد القدرة علي إعادة صياغة شخصيته علي هذه الوسائل كما يحب أن يكون ) أظهرت مدي كارثية الواقع المصري، إلي الحد الذي جعل الانتماء ينحدر إلي طور الاندثار وأصبحت الوطنية كما يراها الشاعر والروائي الإنجليزي أوسكار وايلد ” فضيلة الفاسدين ” كما يتجلى داخل تلك المساحة الضيقة من الحرية التي تسمح بظهور القليل من البصمات الفردية خلو المجتمع المصري من ابسط الأنماط الأخلاقية لدي أي مجتمع بشري، وفراغه من أي اعتبار ديني عدى التدين الشكلي بطبيعة الحال.

واصبح والواقع يفرض نفسه – كالمعتاد – بقوة الضرورة ، ومحاولات زرع الانتماء من خلال المناهج المقررة داخل المراحل التعليمية أضحت لا تجدي فتيلا، واخذ الفرد يحاول إنهاء فترته التعليمية باعتبارها فترة عقوبة سينتهي منها . واشد هذه الفترة قسوة هي شبح الثانوية العامة ؛ الذي يبتلع كل مجهود المجتمع وثروته بشراهة بالغة، ويعمل جاهدا علي تخرج أجيالا تحمل ألوانا عديدة من التشوه النفسي ، دون أن يسأل أي من المثقفين، أو القائمين علي صنع القرار، ما الذي تقدمه المؤسسة التعليمية باسرها وليست الثانوية العامة وحدها . الإجابة هي “لا شيء “، العديد من شباب الجامعات يدرك تماما آن احتياجات سوق العمل منافية تماما لما يدرسه، والمناهج الدراسية لا تصلح أن تكون ترجمة للواقع العملي الذي ينتمي إلى تخصصه، وأساتذة الجامعات يصرحون بذلك لفظياً. بل إن الأدهى والأمر من ذلك أن المؤسسة التعليمية أصبحت تمثل عائقا وعقبة قوية أمام الإبداع الفردي .

والتحدي المعهود لدي أساتذة الفكر والجامعات لمنتقدين المنظومة التعليمة ، بأن يقدموا بديلا، غافلين الدور المؤسسي والبحثي في هذا الأمر، فتطور منظومة ما اكبر من أن يكون أمرا فرديا من خارج هذه المنظمة، بل انه وفقا للمعاير العالمية والتجارب التاريخية عمل مؤسسي يشارك فيه العديد من الأفراد من لديهم خبرة بهذا الأمر ، ومن يمتلكون أبحاثا علمية تعمل علي مجاوزة هذه الأزمات وإظهار الثغور وكيفية معالجاتها. فضلا عن أن المؤسسة التعليمية تعترف من داخلها بفشلها عاجزة عن طرق أبواب التغير الملح عليها بل والمفروض أيضا، وطرح رؤي بديلة ومختلفة. فاستمرار المؤسسة التعليمية في جمودها وتعنتها لا يعني إلا استمرارا التخلف والتراجع تجاه الحضارة، وتنامي الفقر والجهل والعجز و العوز والاحتياج …، فالخروج من هذا الوضع الكارثي يتمثل في جزء كبير منه بالانتباه إلي مشكلات المنظومة التعليمية ومحاولة العمل علي حلها، وطرح المشكلات علي الساحة الفكرية والبحثية والتطرق إلي الواقع الذي لم يعد يتحمل أي تجاهل أو تغافل بعد .

شاهد أيضاً

مفارقة راسل الرياضية: تناقض قوانين راسل

تنبني مفارقة راسل على حكاية أن هناك حلاق (يقال من اشبيليا) لا يحلق إلا للرجال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *