الرئيسية / Non classé / مداخل الإصلاح الديني

مداخل الإصلاح الديني

حسن العلوي

  سنكتفي في مقاربة هذا الموضوع الكبير، على مداخل هي عبارة عن رؤوس أقلام نظرا للحيز المختار وهو صيغة مقال. المدخل الأول هو ضرورة التمييز في مسار كون وتكوين الإسلام بين مرحلتين؛ الأولى يمكن تسميتها بمرحلة القرآن وإسلام القرآن، حيث كان الإسلام هو القرآن، والقرآن هو الإسلام لا يتميزان عن بعضهما البعض ولا يختلفان.

والمرحلة الثانية هي مرحلة السنة والحديث والسلفية، أي مرحلة ما نصطلح عليه “بإسلام الرواية”، او بتعبير جورج طرابيشي “اسلام الحديث”(1). المدخل الثاني يتعلق بالمرحلة القرآنية للإسلام، وبشكل محدد يتعلق بالقرآن باعتباره “النص” الذي يمثل بالأصالة التجربة الدينية الإسلامية، ويعبر على لسانها، وطريقة تعامله مع واقع النشأة والظهور، هل هي طريقة إيجابية أو سلبية؟ هل هي طريقة دينامية تطورية، أو طريقة جامدة؟

كما يتعلق بطريقة تعامله مع نفسه، ومع ما كان يقرر من أحكام، هل اعتمد منطق الجمود والثبات على الاحكام غافلا لما يجري في الواقع، أو أنه كان يراعي الواقع ويتفاعل مع تغيراته بالمواكبة والاستجابة لما يتطلب واقع الحياة وحاجاتها؟

  المدخل الثالث يتصل بمرحلة السنة، باعتبارها تجسد المسار الثاني لنشأة الإسلام وتكوينه؛ وهي المرحلة التي دشنت مسارها يوم السقيفة، باستدعاء منطق القبيلة والعشيرة، والاعتماد عليه في حسم “الحق” في خلافة النبي في قيادة المجتمع العربي. ورد في تاريخ الإسلام للذهبي أن أبا بكر رد على الحباب بن المنذر الأنصاري عندما قال: “منا أمير ومنكم أمير”. فقال: “لا (…) قريش أوسط العرب دارا وأعزهم نسبا”. وقال: “لن تعرف العرب بهذا الأمر الا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا”(2).

وبعدما تفجر الصراع بين المنتصرين، أي من داخل القبيلة والعشيرة نفسها، تولد عن الصراع بين “فتيان قريش” بتعبير عبد الله بن عمر، الشكل الأول لمفهوم “السنة”، الذي كان العنوان العام للمرحلة الثانية لمسار كون وتكوين الإسلام.

وذلك عندما وضع عبد الرحمن بن عوف القرشي، الذي كان يدير الصراع على السلطة، شرط العمل ب “سنة الشيخين” لإسناد السلطة، بعدما انحصر التنافس حولها بين علي الهاشمي، وعثمان بن عفان الأموي، أي بين أبناء العمومة الأعداء. ففي تاريخ الإسلام للذهبي. قال: “ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله، وسنة رسوله، وسنة الخليفتين بعده”(3).

   المدخل الرابع يرتبط بما أسميه، “مرحلة محاولة توطين العقل في الثقافة”، وهي المرحلة التي كان عنوانها الأبرز الذي تأسس علية مشروع “التوطين” هو “تناهي النصوص، ونمو الحياة وتجدد الوقائع”. يقول الشاطبي على لسان أهل الرأي: “فلأن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد…فلابد من حدوث وقائع لا تكون منصوصا على حكمها”(4). اعتمد هذا العنوان أساسا منطقيا لضرورة اعتماد العقل لملء منطقة الفراغ التي لم يغطها “النص”، كي لا تتعطل الحياة الإسلامية.

   هي إذن أربعة مداخل؛ يمكن الانطلاق منها لإنجاز الإصلاح الديني في المجال التداولي العربي الإسلامي. والآن لنقف عند كل مدخل من تلك المداخل على حدة فنقول: المدخل الأول هو تمهيد منهجي لا بد منه للمدخلين المواليين بعده، وتتضح قيمته فيما يقتضيه من ضرورة التنبيه إلى أن الإسلام، باعتباره تجربة دينية، مر في مساره التكويني عبر مرحلتين، مرحلة المؤسس التي ساد فيها “اسلام القرآن” وحده، ومرحلة ساد فيها ما يسميه عبد الله العروي بإسلام: “قراءة أسياد قريش”(5)، أو باصطلاحنا “اسلام الرواية” والبيان السلفي، تحت عنوان “السنة”.

ولا شك أن مراعاة هذا المسار، يمكن الإصلاح من التمييز بين ما يمثل الإسلام بالأصالة، وما ينتمي إليه بالإلحاق والإضافة، وهو ما يتضح أكثر في المدخلين الثاني والثالث.

   منطلق الإصلاح في المدخل الثاني، هو كيفية تكوين اسلام القرآن، وطريقة تفاعل القرآن مع واقع النشأة؛ الواقع العربي المحلي، والواقع الإقليمي المحيط. فكيفية التكوين، وطريقة التفاعل، حكمهما “منطق” تعبر عنه عبارات صريحة وواضحة وهي فيما يتعلق بالتكوين: الإمضاء والإقرار، والإلغاء والتغيير، والتعديل. يقول الشاطبي عن هذا المنطق: “صححت الشريعة منها ما هو صحيح، وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل، وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه”(6).

وبخصوص طريقة التفاعل، فعبارات: النسخ، والمحو، والإنساء هي أفضل ما يعبر عنه الوارد في الآية: “ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها”(7)، والآية: “يمحو الله ما يشاء ويثبت”(8). وخلاصة هذا المنطق القرآني في التكوين والتفاعل، هي أن القرآن كان يراعي الواقع ويواكبه بالاستجابة لمتطلباته، ولهذا لم يكن يجد أي حرج أو مانع في تغيير ما سبق أن قرره من أحكام، وينتقل منها إلى أحكام جديدة مخالفة.

كما أنه كان يختار الأفضل مما كان يمضيه من أعراف و”أحكام” بيئة النشأة، ويتبناه ويدمجه في بنيته القيمية والأحكامية. يقول الشاطبي: “ألا ترى أنه كان للعرب أحكام عندهم في الجاهلية أقرها الإسلام”. ومثل لها بأمثلة منها: “توريث للذكر مثل حظ الأنثيين”(9)؛ بمعنى أن اسلام القرآن مناقض لمنطق الانغلاق والجمود الذي تم تأسيسه في مرحلة اسلام الرواية والحديث.

  يقوم المدخل الإصلاحي، لمرحلة “اسلام السنة” على استحضار الظروف التاريخية للقول بالسنة، وهي ظروف الصراع الذي تدرج من الصراع السياسي (اشترط العمل بالسنة لإسناد السلطة) إلى الصراع الثقافي، يقول المحدث الحميدي: “كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي، فلم نحسن كيف نرد عليهم، حتى جاءنا الشافعي ففتح لنا”(10).

 وعبر هذا المسار الذي قطعته السنة، من النشأة السياسية إلى النشأة الثقافية، نمت وتطورت وتبلورت كما يلي: من “سنة الشيخين”، إلى “سنة الرسول”، وانتهاء ب “سنة السلف”، التي يقول عنها الشاطبي: “وما رآه السلف الصالح فسنة أيضا(11).

تحولت السنة بهذا المفهوم المتعدد المرجعيات، على “نص” تأسيسي جديد وإضافي في التجربة الدينية الإسلامية. نافست النص التأسيسي الأصل فيما اسسته من احكام، بل زادت عليه إلى درجة أن أكثر القيم والأحكام “الدينية” إلى اليوم مصدرها السنة. ف: “أخبار الآحاد هي عمدة الشريعة، وهي أكثر الأدلة”(12).

ظروف نشأة “السنة”، وتعدد مرجعياتها، إضافة إلى أن النبي لم ينقل عنه أنه دون شيئا اسمه السنة كما فعل مع القرآن، هذه العوامل أدت في عصر ما بعد التأسيس إلى الخلاف بين المسلمين، حول “السنة”. يقول الشاطبي: “إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم خارجين عن السنة…فاطرحوا أحكام السنة”(13). وتولد عن الخلاف ميلاد فكرة “الاشتراط” التي تطورت فيما بعد عصر التدوين، فاصطلح عليها ب: “علوم الحديث”.

يقول النص المؤرخ للميلاد: “لم يكونوا يسألون عن الاسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى حديث أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر على حديث أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم”(14).

وذلك كمحاولة لإضفاء المصداقية عليها، للأسباب السالفة، وبسبب الطريقة المعتمدة عليها في النقل والتداول، وهي طريقة النقل الشفهي ونقل المعنى. تتيح فكرة الاشتراط، و”علوم الحديث”، المداخل الفضلى أمام مشروع الإصلاح لمقاربة قضية “السنة”، بعدما تحولت إلى “نص”، ومصدر لكثير من قيم وأحكام “الدين(15).

فما دام أن “السنة” هي التي تم انتاجها وفق شروط “علم الحديث” ومعاييره، فالمدخل الإصلاحي على مستوى “السنة”، يتأتى بالعمل على إعادة النظر، والمراجعة النقدية لشروط انتاج “السنة”، وفحص مدى كفاءتها العلمية في القدرة على انتاج “متن” يتمتع بالمصداقية اللازمة.

   المدخل الرابع يضع مشروع الإصلاح أمام حقائق تاريخية، وتجارب حية عاشها المسلمون في الماضي، يمكن التأسيس عليها، واثبات حقنا اليوم في النقد والمراجعة، كما مارسه القدماء منها:

-عدم تغطية “النص” الديني، حتى بعد إضافة “السنة، للحياة، وهو الأمر الذي فرض قديما اللجوء إلى العقل، واعتماده أداة للفهم، ومصدرا لإنتاج الأحكام لمنطقة الفراغ التي لم يغطها “النص”.

-اختراع منطق، ومنهج لقراءة “النص” قائم على “تعليل” الشريعة، وربط الاحكام بعللها وجودا وعدما، أهمها “التعليل” بالمصلحة. هذا المنطق سمح للمسلمين في الماضي، تجاوز الأحكام التي لم تعد مناسبة لحياتهم.

-أتاحت ظروف نشأة السنة، وخضوع انتاجها للاشتراط، إمكانية تجاوزها والطعن فيها بسهولة، ولهذا اعتبر “علم الحديث” المدخل الأفضل لمقاربة الإصلاح في مجال “السنة”، ما دام أنه به يتحدد مصير السنة قبولا ورفضا. يقول القرافي المالكي: “لا يوجد عالم إلا وقد خالف من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام أدلة كثيرة، ولكن لمعارض راجح عنده”(16)

وفي السياق ذاته يقول ابن عبد البر: “ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرده دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله، او باجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده”(17).

الهوامش

1-هو جزء من عنوان كتابه: اسلام القرآن وإسلام الحديث.

2-الذهبي، تاريخ الإسلام، ج3، ص 6-7.

3-الذهبي، تاريخ الإسلام، ج3، ص 304.

4-الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج4، 62.

5-عبد الله العروي، الإصلاح والسنة، ص 149.

6-الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج2، 52.

7-سورة البقرة، الآية: 106.

8-سورة الرعد، الآية: 39.

9-الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج2، 228.

10-الشافعي، الرسالة، ص 19.

11-الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج3، ص 38.

12-الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج3، ص 58.

13-نفسه، ج4، ص 11.

14-لم يكونوا يسألون عن الاسناد.

15-الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج4، ص 58.

16-قاعدة في الجرح والتعديل ضمن أربع رسائل في علوم الحديث، ص30-31.

17-ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، ج2، ص1080.

شاهد أيضاً

طوماس بيكيتي: بحث في أصول التفاوت بين الناس

حاوره : ميشال التشانينوف ترجمة : يوسف اسحيردة يُقَدِّمُ طوماس بيكيتي، من خلال كتابه الجديد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *