الرئيسية / ترجمة / ميشيل فابر: هل لا تزال المدرسة قادرة على تكوين العقل؟(*)

ميشيل فابر: هل لا تزال المدرسة قادرة على تكوين العقل؟(*)

نور الدين البودلالي

بقلم: ميشيل فابر

ترجمة: نورالدين البودلالي

المترجم: أهدي هذه الترجمة للصديقين: أستاذي المكي ناشيد و زميل الجامعة عمر مرابط

من المفارقات الغريبة ملاحظة أن اللحظة عينها التي توفر فيها للمجتمع وسائل تحقيق مُثل مرحلة الأنوار العليا التربوية، حيث يصبح العقل فيها يتمتع بشعبية حقيقية –حسب تعبير كوندورسيه- طفى الشك حول القيمة المعرفة التكوينية والتحريرية التي تسند تلك المثل العليا. و مع ذلك فهاتان الظاهرتان مترابطتان: إذ الحداثة تميل بشكل متزامن نحو تحقيق تساوي الشروط الاجتماعية و العلمنة. لكن هذه المتطلبات تدخل اليوم حالة توثر نظرا لكوننا نفتقد السرد الأعظم لعملية الانعتاق التي كان من شأنها قيادة دمقرطة التعليم.

لنلاحظ، ونحن نتجنب الافراط في إثارة العواطف بشكل درامي الذي تُسهم  بشكل عام في الإكثار من هذا النوع من الأسئلة، أن الأمر لا يعني هنا نهاية التعليم بقدوم مجتمع بدون مدرسة. المهم هنا هو إثارة التراجع الكبير الذي شاب الاعتقاد بالقيمة التكوينية والتحريرية للمعارف المدرسية. و باختصار، هل يقبل التعليم بتبرير قيمي أم يكتفي بالتبرير الأداتي (Forquin, 1991)؟ البعض يرثي، رفقة حنة أرندت (1972)، حالة تعليم دون تربية، وآخرون يفرحون له –كميشيل برنار (1989)-. السؤال هو ماذا تبقى منه اليوم؟

الفكرة التربوية

بين نظرةٍ قديمة كانت تقرأ الأزمة كتجسيد لفن المحاكاة mimesis (Charbonnel, 1991) و كوضعية قتالية تعرِّف المدرسة إما بإحدى صورها المثلى (كوندورسيه) أو بأحد أشكالها الواقعية (جيل فيريه)، نرى من الأجدر أن نسلك طريقا وسطا ونتساءل مع دوركهايم (1938) عن أصل إيماننا بالقيمة التكوينية للمعارف. لقد كشف دوركهايم عن المشروع المعياري للمدرسة، بعد أن وضح شروط إمكانياته الاجتماعية و التاريخية؛ المشروع الذي يمكننا أن نحيل عليه مدرسة اليوم.   

عمل دوركهايم (1938، I، ص. 33) على تجميع هذه «الخلية الجرثومية» للمدرسة، أحيانا تحت مبدأ واحد -فكرة الوحدة- وأحيانا يرجعها في محددات ثلاث: وحدة، شمولية و داخلانية. والحقيقة أن ما قدمته المسيحية مع المدرسة الديرية أو المدرسة الكاثوليكية يدخل بالتحديد في إطار مبدأ الوحدة: وحدة المكان، ووحدة الفكرة (المتعلقة بالعقيدة المسيحية)، ثم وحدة الزمان (استمرارية الأثر التربوي). معلوم أن التربية القديمة تميزت بالتشتت: تعدد الأمكنة، تعدد المعلمين و، أخيرا، تناثر المعنى التربوي. لذا، كيف يمكن التيقن، انطلاقا من هذا التعلم المتروك للصدفة، أن بمقدور التلميذ تحصيل كل ما يتوجب تحصيله من تربية جيدة؟ إن بقيت مسألة الموسوعية، الشمولية، معلقة، فذلك لأن العصور القديمة، بحسب دوركهايم، تعتبر التربية، بطريقة سطحية تماما، تثقيفَ مواهب لغاية جمالية أو نفعية بحثة. وهكذا يبقى المرء برانيا extériorité دون بلوغ أعماقه الروحية التي عجز اليونانيون والرومانيون بناء تصور عنه.

مع المسيحية، تصبح الشخصية حالة باطنية ليس الذكاء، و لا المهارة و لا المشاعر سوى تمظهرات خارجية لها. وبناء عليه ستصبح التربية، منذ ذلك الحين، إحداثُ الأثر في هذه الشخصية العميقة، وخلْق لدى التلميذ هابيتوس habitus أخلاقي بل أو «استعداد عقلي وإرادي شامل يمكّنه من رؤية الأشياء من زاوية معينة». من هنا كانت فكرة التحويل التي لا تقود فقط إلى تغييرٍ في الرأي أو المعتقد، بل، أكثر من ذلك، إلى تحول عميق في طريقة التفكير والوجود. تشكل عملية التحويل هذه «المخطط التجريدي للعملية التربوية» التي ستعمل الأجيال القادمة على علمنتها دون توقف. التحول من تعليم ديني مسيحي إلى تعليم ديني وضعي، إلى فعل التمثلات التي تنشِّط اليوم بيداغوجياتنا البنائية، سيجعل التربية تُفهم ك«تحول بطئ». لذا لا يمكن لهذه الغاية القصوى من المدرسة أن تكون نفعية أو جمالية فقط، بل تربوية حقا. فالمدرسة مجبرة على تكوين الفرد و في هذا الإطار سوف تجد المسماة «مواد[ا] تدريسية» معناها الحقيقي.

الأكيد أن دوركهايم يرجح كفة المسيحية على حساب القدماء. وقد برهن ميشيل برنار (1989) على ذلك بشكل بارع: إذ عانت التربية اليونانية من ثلاث أنواع من الانزياحات: من المدينة نحو الفرد، من الفعل نحو اللغة، ومن المفرد نحو الكوني. فأصبحت التربية، من الناحية الشكلية، موضوع تضخيمٍ بلاغي، أي موضوع تقديس. وهو ما سيعبر عنه أفلوطين بقوله: «على كل إنسان أن يجعل من نحث تمثاله الخاص مهمته الأساسية». ومهما كانت دقة تحليل دوركهايم في إطاره التاريخي، فقد ساعدنا على اكتساب مبدأ معياري للمدرسة الذي يجب أن يتجسد في المعطى التاريخي لكل عصر. ابتداء من ذاك الحين،  كل ما نسميه أزمةً مدرسية هو الذي سيُحدد بدقة ما سيؤثر على الفكرة التربوية في أبعادها الثلاث المتعلقة بالوحدة، الشمولية و الجوانية، حين يعتري معناها غموضا. جراء ذلك ستبرز كل الصيغ الجديدة (سكولائية القرون الوسطى، النزعة الإنسانية، البيداغوجية الواقعية لفترة الثورة) كردود فعل عديدة عن هذه الأزمات. وحتى إن حصل، على الرغم من ذلك، تطور ما، فلأن كلا من الشخصيات الكبيرة قد أغنت الفكرة الجرثومية للأشكال أو المحتويات الجديدة و الدائمة. لقد نظم العصر السكولائي التعليم و حدد لفترة طويلة «نموذج المنهج الدراسي»، الذي تمثل في المنظومة الثلاثية trivium (النحو و البلاغة و الجدل) و المنظومة الرباعية (الهندسة، الحساب، الفلك، الموسيقى). ثم قلدت الثورة المدرسة بمهمة وطنية، المتمثلة في «جعل الطفل يقوم بوظائفه الاجتماعية كاملة» (Durkheim, 1938, II, p. 149). وفي النهاية عمل القرنان 19 و20 جاهدين لتحقيق يوتوبيا المدرسة للجميع. فهل من الضروري جعل الكونية مكوِّنا رابعا للفكرة التربوية؟

الأمر بيِّن، هذه الإضافات المختلفة لا تشكل مكاسب نهائية بل بالأحرى إثراءات، و مضاعفات لأولى الإشكاليات التي عانت منها المدرسة، حيث يتحدد كل شرط منها حسب حالة توثرها مع الشروط الأخرى.

ما بعد الحداثة أو حل الفكرة التربوية

هذا المثال الأعلى المعياري للمدرسة سيجد تعبيره الفلسفي في ال«السرديات العظمى grands récits» الحداثية (كوندورسيه، كانط ثم كونت)، التي تم تداولها  على المستوى المؤسساتي سواء من خلال تأسيس جامعية ببرلين، النموذج الأصلي للجامعة الحديثة، أو مدرسة الجمهورية الثالثة. فالجوانب الثلاثة التي تشكل هذه العقيدة credo التي تعظِّم الفعل التربوي بجعله يحقق الإنسانية في الإنسان تكمن في كون المعرفة تكوِّن العقل، و تحرِّر و توحِّد. وقد سبق لدوركهايم أن لاحظ وجود توثر، في أصل الفكرة التربوية، بين المقدس والمدنس، حيث لم يمكن بإمكان المسيحية الانتشار إلا بمساعدة الثقافة القديمة. لكن أليس من الممكن أن يؤدي عدم الإيمان المابعد-احداثي بالسرد الأعظم إلى إتمام عملية العلمنة هذه؟ إذا كان الأمر على هذا النحو، فرهان الدمقرطة لا يمكن أن يتحقق إلا خارج نطاق الفكرة التربوية: إذ ستقوم المدرسة المابعد-حداثية بتعليم الجميع دون أن تكوِّن أحدا.

بعيدا عن أن تحيل، في العديد من التحاليل، ال«مابعد» في مفهوم مابعد الحداثة، ، على خطاطةِ تجاوزٍ (التي تشير إلى تصور حديث للزمن)، فإنها تشير إلى عمليات تحليلٍ، و تفكيكٍ للحداثة تمكننا من قراءتها في إطار مخطط رباعي للتفريع clivage، لتجاور غير تفاضلي، لتمركز متجدد على الآن والهنا و وللتيه (Fabre, 1996). كيف يمكن لهذه الخطاطات أن لا تؤثر في الفكرة  التربوية بمجموع سماتها؟

كل العمليات التشخيصية تستحضر التفريع: انفصال العقل عن الذات (Touraine, 1992)، العقل الأداتي عن العقل التواصلي (Habermas, 1988)، الرغبة عن الفكر ذي البعد الواحد (Marcuse, 1968)، الاستهلاك عن الانتاج (Bell, 1979). بناء عليه ما مآل وحدة التأثير إن أصبحت المدرسة تنتمي إلى عوالم متعددة: الدولة المركزية، الديموقراطية المحلية و السوق (Derouet, 2000)؟ الواقع أن المابعد-حداثة تفجر العقلانية إلى رهانات  jeux de langage لغوية متعددة (جمالية، أخلاقية، سياسية، علمية) تخضع كل واحدة منها لقوانينها الخاصة (Lyotard, 1983). إنها تفكك وحدة الحقيقة و الجمال و الخير ليس فقط بتحمل مسؤولية انفصال التقدم والسعادة، بعد أحداث أوشفيتز و هيروشيما، ولكن أيضا بفك الارتباط بين العقلاني و المعقول. كيف يمكننا الاستمرار في الإيمان بالقدرة التكوينية و التحررية للمعرفة، حين يصبح من المتعين على العلم الذي لا يحكمه ضمير الاعتماد على حذر لجان الأخلاق؟ بيد أن الحداثة (من كوندورسيه وكونت إلى باشلار) قد امتدحت مُثنية على أخلاق الروح العلمية من خلال افتراضها المرور المستمر من القانون الفزيائي إلى القانون الأخلاقي (كيرلان، 1998). وبذلك أمكنها القدرة على أن تفكِّر المدرسةَ في إطار مثال يجمع بين الإبيستسمي و الجمالي و الخلقي: حياة جميلة، حياة حسنة، تواقة أكثر للحقيقة. هذه الوحدة هي التي انهزمت اليوم.

حساسية المابعد-حداثة يجعلها تتخلى عن الزمان لفائدة المكان. الخطاطة الزمانية للتقدم، التي استفحلت فترة الطلائع الفنية و وانحلت نهايةً في الدُّرْجة (الموضة) (ليبوفتسكي، 1987)، انزاحت لتفسح المجال أمام الخطاطة المكانية القائمة على التقابل التي لا تتناسب  علاقات التكافؤ والنسبية فيها بسهولة مع فكرة الضرورة الثقافية، أو مستوى المعرفة أو تراتبيتها. علامة التميز في السوق الثقافي إما تكون مجردة (الثمن) أو ذاتية خالصة (الرغبة). تستثمر هذه الخطاطة الحاضر باعتباره الوقت الوحيد القابل للاستخدام ويضفي على الصحافة، باعتبارها سيدة اللحظة –بحسب نيتشه-، صبغةَ رفعةِ المفكر. وعليه، ما الفائدة من التكوين إذا كان كل شيء مباح؟

المكان وليس الزمان هو الذي أصبح يحمل من الآن عبء استعاراتنا. لكنه يفعل ذلك بشكل متزايد ضمن وظيفته الأداتية (شبكات، أماكن غير محددة) أكثر من وظيفته التثبيتية ancrage (الأماكن). ومع ذلك فعلى أفق مماثل تندرج المعرفة المابعد-حداثية. إنها تتكاثر، قليلا أو كثيرا، بشكل فوضوي، تتشيَّأ كمعلومات متراكمة في «بنوك للمعلومات»، تنساب عبر شبكات التواصل، تباع وتشترى، وذلك حسب ما تكتسبه من سلطة. فتصبح المعرفة خارجية تماما عن الأفراد، إذ يكتفون فقط ب«ربط الاتصال» بالشبكات العنكبوتية المعرفية (Lyotard, 1988). فهل لايزال بالمقدور أن نجعل التعلم في إطار كوجيتو فردي موضوعا للتفكير؟ ماذا تبقى من تلك الحميمية الداخلية، من ذاك التحول الذي طالب به دوركهايم؟ لقد جعل هايدغر من التقنية الوجه المحدِّد للكائن المعاصر، والتي بضيائها تمنحه كل شيء. لم يعد الواقع يشكل عالم الأفكار، ولم يعد «صورة» لذات عارفة، لكنه يتزود بموارد بمقدوره تدبيرها على نحو أفضل.

ليس هذا التدبير بأي حال سياسة. على العكس من ذلك، وفي غياب مشروع شمولي، يبقى خيار عصرنا –من وجهة نظر ابستيمولوجية، سوسيولوجية أو سياسية- تدبير المشاكل المحلية. فيُطلب من المؤسسات و الفاعلين التربويين امتلاك ثقافة المشروع. لكن كيف يمكنهم بمثل هذه المشاريع التغلب على «هزات» اقتصادية بسيطة؟ معلوم أن التكوين يتطلب استثمارا يبعده عن صفة الفورية.

عن هذه الصورة، التي أصبحت الآن معروفة بشكل جيد (Lecourt, 1999)، بات من الممكن وضع خطاطة لأهم التغيرات التي يعرفها التعليم. بداية نسخة جمهورية سوداوية، تمحورت مند ثلاثين سنة، بلا كلل و لا ملل، حول الفكرة التي يحتجُّ بها ألان و أريندت دون تسجيل أي تقدم، إلا إذا استثنينا تكريسها للمانوية (Fabre, 2002a) و إرهاقها المدرسة التي «دنسها العالم» (Snyders, 2002). باختصار، «إن المدرسة مؤسسة حداثية والمجتمع مابعد-حداثي» (Finkielkraut, 1987). لذلك فإن مقاومة هذا غالبا ما سيؤدي –بالإضافة إلى اصلاحات «البيداغوجيين» الذين هم أصل كل شر- إلى رؤية اختلاط مدرسة جول فيري  بمدرسة كوندورسيه.

نسخة «مُبهجة و، حقيقا، سعيدة»! بالفعل، مابعد الحداثة هي فرصة. بعد أحادية العقلانية، حل زمن عقلٍ متعدد، منفتح على التنوع اللغوي، على التعدد القيمي، وعلى الوضعيات التركيبية. فإن تعلق الأمر بالمقاومة، فعليها أن تكون في مواجهة امبريالية اللعبة اللغوية،  بحسن الأداء العلمي والاقتصادي. من هنا يتم امتداح عقلية الامتيازات، والتحول المابعد حداثي للتحرر (Lyotard, 1996). هي خطوة أخرى نحو الاحتفالية! فانتصار الفردانية يعني نهاية المجتمعات الشمولية، والتسلطية وتحقيق المُثل الديموقراطية التي سبق لتوكيفيل أن أشاد بها بالنسبة للحداثة (Lipovetsky, 1992). إذا كانت أخلاق التضحية قد عفا عليها الزمان، فإن «شفق الواجب» يجعلنا أخيرا منفتحين على هم الانشغال بالذات وبالحياة الجميلة، بعيدا عن المحرمات. هذا ما أدى إلى وجود ذات متشظية وراضية بذلك. «عصر الفراغ» هذا نتج عن عدمية «ناعمة soft»، عن لامبالاة مفرطة: بالمعنى، والتواصل، والمعلومات. يتشظى العقل إلى جذمورات rhizome و ال« شبكة العنقودية net»  تحدد وجه المابعد-حداثة، محايثة تماما اللُّغوس. أما المدرسة فإما أن تكون موصلة إليها أو لا تكون!

النسخة الثالثة تنطوي، هذه المرة، على نقد حدثيّ عن الحداثة. صحيح أن الحداثة التاريخية قد فشلت نتيجة تفوق العقل الأداتي الذي يُخضع السياسة للخبرة ويجعل العيش المشترك و الديموقراطي أمرا بالغ الصعوبة. لكن هل يتطلب ذلك ضرورة التخلي عن مشروع الحداثة المعياري، نقصد المشروع التنويري؟ لم يتوقف هابرماس (1988) عن التحدث عن الفرص الضائعة للحداثة التي أصبح من اللازم الآن اغتنامها من خلال استعادة الباراديغم [النموذج المعياري] المفقود لعقل متسق و متعدد في نفس الوقت، دون التضحية لا بمصلحة التفاهم المتبادل و لا بمصلحة التحرر نصرةً للمصلحة الأداتية المسيطرة في المجال التقني. إذا كان للمدرسة من معنى اليوم، فهو يتجلى في السهر على جميع أشكال هذا العقل من خلال الحرص على استعادة الطابع التحرري للمعرفة. نجد نهجا مماثلا لدى توران (1992) حتى وإن كان تقديره فيه للأنوار ظل مختلفا بشكل محسوس. بالتأكيد، فشلت الحداثة التاريخية لدى التيار الحداثي حيث سَحقت العقلانيةُ التقنية والعلمية الذاتَ! دعونا نستعيد من جديد مشروعها الأولي ضمن حوار العقل والذات الذي تم تدشينه مع عصر النهضة و الإصلاح والذي بقي حيا مع ديكارت. من الضروري تعويض المدرسة الحداثية بمدرسة الفرد: عوض تحرير النزعة الخصوصية يجب تعزيز حرية الفرد؛ عوض كونية الثقافة يجب الانفتاح على التعددية والغيرية؛ عوض نخبوية الجمهورية يجب تحقيق المساواة الحقيقية في الفرص. في مدرسة من هذا النوع يحافظ الدور التكويني والنقدي للمعرفة على استمراريته، لكن في خدمة مصير خاص بذات التلميذ (Touraine, 1997, p. 327-341).

ما هي الشروط التي يمكن معها للمعرفة المابعد حداثية أن تكون مكوِّنة؟

يدعونا البعض إلى العودة إلى نموذج مدارس آبائنا، و البعض الآخر إلى ابتكار مدرسة أخرى وآخرون إلى تخيل أمر آخر غير المدرسة. لنعيد طرح السؤال من جديد دون أن تأخذنا العزة بصرامة التحاليل أو أن تفتننا الحلول المتطرفة. لكن علينا، أثناء المعالجة، أن نحاول تبديد بعض أشكال سوء الفهم.

لنعيد صياغة محصلات ليوتار: أ) عدم تجانس الرهان [اللعب] اللغوي يصعّب التفكير في مسألة وحدة التعليم؛ ب) تكاثر المعارف يحول فكرة التكوين الموسوعي (الشمولية) إلى إشكالية حقيقية؛ ج) شيْأنَة المعرفة وخارجانيتها يجعل من عملية استردادها الذاتي تحديا (الداخلانية) بحجم ما تُعوض قيمُ الحقيقة قيم الكفاءة في الأداء، عاملة على إبراز الارتباط الوثيق بين المعرفة والسلطة.

سنقوم، إضافة إلى الرؤية السوسيولوجية للمعرفة هذه، بنقد بعض الاعتراضات الابستيمولوجية. 

إذا كان عدم تجانس رهانات [ألعاب] اللغة، حقا، يدمر وحدة الأفكار المتعالية، فهل يؤدي بالضرورة إلى تشتت المعنى؟ سنحتاج بالتأكيد إلى التمييز بين العلم و الحكمة. لم يعد يدفعنا الطموح لصهر الوحدة التربوية في عقل واحد ووحيد، وبالأخص العقل العلمي. إن الحقيقة والجمال والخير تختلف ويلزمنا أن نفكِّر ال«الخلاف différend»، عدم قابلية التعدد المنطقي للقياس: أكان أخلاقيا، قانونيا، علميا… لكن ألسنا، بالتحديد، مضطرين (كما سبق لهوسرل و باشلار أن دعونا لذلك) إلى القيام بتقطيع مجالات العقلانية إلى جهات كبيرة؟ أليس منهجنا الدراسي نفسه مؤسسا على ثنائيات موروثة عن المنظومات الثلاثية و المنظومات الرباعية؟ لقد اقترح باشلار عدم توحيد الثقافة الحديثة بشكل مصطنع، وإنما الاعتراف لها و، أيضا، العمل بثنائية العلم و الشعر العسيرة، الليل والنهار. و، بمحاكاة هابرماس، ألا يمكننا ابتكار منهج جديد قائم على ثلاث اهتمامات معرفية: تقنية، تواصلية و تحريرية، يتأسس فيها هذا الأخير على العلوم الاجتماعية؟

بين الوحدة المتماسكة المفقودة إلى الأبد (هوساي، 1992) وتكاثرٍ للمعنى، علينا ابتكار «تعددية متماسكة»، تنوعية جد متوازنة. لن يكون عدم تجانس ألعاب اللغات مهلكنا إلا إذا لم يحكم مفهومنا عن التراتبية أي مبدأ: كأن نجعل مثلا لعبة الشطرنج في نفس ترتيب اللعبة السياسية أو الاستراتيجية. هي إذن نظرية النظم théorie des ordres (على غرار نظم باسكال) اللازمة لتنظيم أشكال هذا التعدد. لقد كان من مهمات السرديات العظمى أن تقترح علينا واحدا. كيف يمكننا وضع تصور عنها وعلى أي أساس؟ اقترح أوليفييه روبول ترتيب القيم حسب أولوياتها اعتمادا على ثلاثة معايير: ما يُنمي، ما يحرر، ما يوصل (1989،1992).

هل سيؤثر تكثير المعارف المابعد-حداثية على فكرة الشمولية من خلال جعل تربية الكائن ككل و إدماجه في مختلف مجالات المعرفة أمر غير ممكن؟ لكن المعرفة الموسوعية ليست معرفة بكل شيء، بل الاطلاع على مختلف مسارات المعرفة، و على «مختلف الوضعيات العقلية ليكونوا (التلاميذ) في يوم ما مستعدين لتصدي لمختلف أصناف القضايا»  (Durkheim, 1938, II, p. 225). من هنا اقترح تقرير بورديوه-غروس (1989) الإعداد لأساليب التفكير الاستنتاجي، والتجريبي، والتاريخي والنقدي. بالتأكيد هناك العديد من الشكوك حول هذا المشروع. غالبا ما تتم مقابلة المضامين بالمناهج المفترض كونها عامة أو ذات الصلة، كما لو كان من الممكن تعلم وضعية الفيزيائيين حتى دون احتكاك ولو صغير بالقضايا الفيزيائية. أو، على العكس، وكأن التعليم الوثوقي [الدوغمائي] لل«حقائق» يمكنه أن يحل محل التعليم العلمي. إن إعادة تعريفِ موسوعةٍ ترتكز على وضعية المعاريف عليها –الإعادة- أن تقوم ب: أ) تحديد أنماط المعرفة المرهونة بتطبيق عام قدر الإمكان، أي أنه يشكل أساسا لتحصيل معارف أخرى، ب) أن يكشف لكل منطقة معرفية عما يربطها بالإشكالات العويصة الأساسية للمادة المُدرَّسة التي تستطيع لوحدها أن تضفي عليها معنى، ج) تقدير حاجة كل مستوى تعليمي لدرجة التقنية (ومن ثمة زوج المضامين-المناهج) القادرة على ضمان جدية هذا الإعداد. لكن، وبعيدا عن هذه المواقف الخاصة، أليس من الأجدر تحديد ما يُحتمل بقاؤه لدى التلاميذ حين ينسون كل شيء؟ و عوض افتراض مهارات عرضية غير مؤكدة لكونها أُفرغت من كل محتوى محدد، بدل الرهان على عمليات النقل الافتراضية، من الأفضل أن نجعل الثقافة المدرسية تتحدد في مجموعة من الأهداف الخطية أو العقلية (B. Rey, 2000). وبتصور العالم كونه قابلا للكتابة مع كل ما يترتب على سلطة الكتابة، التي أتقن غودي وصفها، ألا يكون، في النهاية، تبني موقف عقلاني (ومعقول) إزاء العالم ما يمكن أن ننتظره من «نظرة مُتفقِّهة regard instruit»؟

ألا تجعل عملية تصنيم المعرفة، خارجانيتها، صعبا، إن لم يكن مستحيلا، كلَّ استعادة ذاتية للمعرفة في إطار الكوجيتو، و بالتالي كل تحويلٍ للمعلومة إلى معرفة داخل الفعل التعلمي؟ مرة أخرى يمكننا إثبات أن سوسيولوجية المعرفة تجعل العمليات الفعالة لإنتاج وإعادة إنتاج المعرفة غير ذات قيمة. إذ إن بدت المعرفة –من وجهة نظر خارجية- تُعرِّف نفسها ككائن مفتت ومتكاثر، فإن الابستيمولوجية المعاصرة، أكانت ذات نزعة براغماتية (Laudan) أو عقلانية (Bachelard, Popper)، تعمل على تذكيرنا في اللحظة المناسبة بضرورة وجود علاقة جدلية بين النظام والمشكلة. فإن اتفقنا جدلا أن العلم يتطور من خلال صياغة وحل المشكلات، فلا يمكننا أن نستبعد بالمطلق الذاتَ عن العملية. بهذه الطريقة أعاد باشلار (1949) النظر في أطروحات صديقه كَفايِّس البنيوية من خلال افتراض ضرورة وجود كوجيطو كمثال لأشْكلةٍ مَوْضِعية ومؤقتة. صحيح أن الأمر يتعلق بكوجيطو متواضع لا يرقى إلى الكبرياء الديكارتي. لكن إذا كانت الرياضيات تعرف الفيزياء أفضل من الفيزيائي نفسه (Bachelard, 1971)، وإذا شكلت بحق سلطة مراقبةٍ متعالية عن الذاتية الفردية، فإنه لا يكون هناك إنتاج للمعرفة إلا حين تضع ذاتٌ فرديةٌ أو جماعيةٌ مشكلةً في حسبانها.

هذه التوظيف الإبستيمولوجي للمشكلة هو الذي يحدد، بعمق، مكانة الباحث في صنع العلم ومكانة التلميذ في عملية التعلم، وذلك حتى تستطيع المدرسة أن تنمي، بطرائقها الخاصة، نفس هذا المعنى للمشكلة. عملية أشكلة المعرفة هذه ستكون –في ذات الوقت- العملية التي ستمكن من إعادة تأسيس القيمة التكوينية والتحريرية للمعرفة. نعرف الإضافات التي طعّم بها باشلار هذا الموضوع من خلال صياغة فكرة عملية التعلم التي يتم اعتبارها تحليلا نفسيا للمعرفة. يمكن لمدرسة الذات الاستفادة منها، شريطة أن تَأخذ على محمل الجد وظيفة المعرفة و العقل خلال تكون الفرد (Touraine, 1997)، و هي ليست حال بعض محاولات البيداغوجية المابعد-حداثية (Pourtois et Desmedt, 1997). ألم يطالب باشلار من المدرسة أن تغرس فينا هذا المعلم الباطني، مثال «الاشراف الفكري للذات» التي ستمنعنا من تصديق أول فكرة تأتينا أو نثق بأنفسنا. إنه المعنى الذي يمكن أن تأخذه اليوم، دون شك، فكرة التحويل، «تغيير الموقف» الذي يفرض علينا طرح و بناء مسائل تجبرنا على تقديم تضحيات جديدة من خلال اتخاذ مسافة كافية عن الإشكاليات المُؤسَّسة.

إعادة تأهيل ال«مدرسي»  

يستدعي هذا النقد الإبستيمولوجي تغييرا ديداكتيكيا. وقد عمل ليوتار وكأن المعرفة العالمة تؤثر مباشرة على الفكرة التربوية دون وجود وساطة. في حين أن كل مادة دراسية تتمتع باستقلالية نسبية (Reboul, 1992). و تاريخ محاولات إحداث ديداكتيك متعجلة جدا أو فاشلة بشكل صريح (كمغامرة الرياضيات الحديثة، والغزو الذي قامت به المناهج البنيوية اللسانية، والسردية، والتاريخية…) يذكرنا بضرورة توضيح الفرق بين الاهتمام بالقيمة الابستيمولوجية للمعارف الواجب تدريسها و تلك المرتبطة بفائدتها الاجتماعية أو بقيمتها التكوينية. أكثر من ذلك لابد من ترك الفرصة للفضاء المدرسي الذي انتقده الاتجاه النسبي من محاور عديدة (Forquin, 1991).

ترتبط جبهةُ النقدِ الأولى بنزع الشرعية عن المعرفة المدرسية وتحويلها إلى مجرد مظهر من مظاهر التمييز الاجتماعي، كما هو ملاحظ من خلال التبسيطات الخرقاء لأعمال بورديوه. إن الثقافة تفقد كل قيمتها الجوهرية حينما تتراجع قيمتها العملية أمام قيمتها التداولية الرمزية، فتُختزل إلى البعد الجمالي الذي اعتقد دوركهايم تلمُّسه لدى القدماء. إلا أن هذه الصورة الزائفة ضبطت في ألعاب السلطة. فالشرعية هي اجتماعية بكل بساطة: إنها تحديدا شرعية «الرأسمال الثقافي» إزاء «ناقلي المعرفة الصغار» (Biais, Gauchet, Ottavi, 2002). كان بإمكان هذا النقد السوسيولوجي أن يساهم في تأسيس بيداغوجية ديموقراطية من خلال إدانة الظواهر التمييزية: المغالاة في المعايير، الأساليب المسلكية، الإفراط في الرسميات. بل إنها غذت خطابا تبخيسيا لقيمة كل ما هو مدرسي، وحصره في حدود التعسف الثقافي. لكن كيف يمكن نسيان طابع التدمير الذاتي لنزعة نسبية جد مغالية؟ إذا ما تم اختزال كل معرفة فيما تنتجه بالضرورة من تمايز اجتماعي، فلن يكون لعلم الاجتماع التمايُزي سوى التأثير الميداني، من دون أي قيمة إبيستيمولوجية.

الجبهة الثانية لنزعة النقد النسبوي تتعلق بتثمين الثقافة «الشابة»، التي يمكنها ، في الحالة هذه، أن تطرح نفسها كبديل لل«ثقافات العظمى». فالطفل المعرَّض للرسائل الوسائطية، قد يعتقد معرفة كل شيء. وقد يظن الراشد أنه لم يعد محتاجا لشيء يمكن تعلمه (Biais, Gauchet, Ottavi, 2002, p. 179). يمكن تفهُّم لما أصبح صعبا إبداء الرغبة في التعلم والنمو في عالم تزايدت فيه أعداد الأطفال بكثرة (Post man, 1982) و يبقى فيه الراشدون غير ناضجين (Reboul, 1989; Boutinet, 1998). لكن هذا الطرح يثير مسألة العلاقة بين ثقافة التلميذ وثقافة المدرسة حين تبدو فيها فكرة القطيعة الابستيمولوجية تضعف. فإن لم يتبقى هناك تقسيم واضح بين الرأي العام و العلم، إن لم يبق أي مبدأ للتدرج الثقافي، فلِم إذن محاولة تعريف موزار لتلاميذ لا يحبون سوى موسيقى التكنو؟ ما الفائدة من تدريس فيزياء نيوتن المعارضة للبداهة إذا كانت المعارف اليومية العادية كافية في أغلب الاحيان للخروج من الأزمات؟ وإن أبان التلاميذ، باعتبارهم فاعلين اجتماعيين، عن معرفة اجتماعية، ما الذي يمكن للمدرس أن يفعل أكثر من أن يدعي –في أحسن الأحوال- تعقيد تمثُّلاتهم؟

هذه الأمثلة غير المتجانسة بشكل متعمد تظهر المرونة التي يجب أن تكون عليها القطيعة الابستيمولوجية باعتبارها ترعى المبدأ التراتبي. دعنا نقول أن من واجبنا أحيانا التفكير بشكل مرحلي وأحيانا باعتماد السجل. أما الحداثة فتحب التفكر بشكل مرحلي. إنها تفرض معرفةً متدرجة: الناجح يتطور والراسب يتراجع. أما المابعد-حداثة فتبدو أنها نسبية بشكل عفوي: كل شيء مباح، أراء التلاميذ و المعرفة المدرسية، وذاك حسب السياق. سيما أن ما نزعم كونه كونيا، كالمعاريف العلمية والعقل ذاته مثلا، قد تكون في النهاية مجرد نسيج من العادات الثقافية (Rorty, 1994). أن نفكِّر في سجل ما (على غرار السجل اللغوي) فذاك يعني تصوراً تراتبيا مرنا. نزيد قوة ونحن ننتقل من السجل العائلي إلى آخر أكثر تطورا، لكن استعمال أي منهما يبقى متعلقا بالسياق. من المؤكد أن سجلا لغويا متبلورا يسمح أكثر بتفكير جد متطور، إلا أن التحدث باللهجة العادية في ساحة الاستراحة لا ليس تراجعا بل يشهد على تكيُّف ناجح. قد نتعرف على موزار و نعجب به، نعترف بتفوقه على المستوى الرسمي وغناه الثقافي لكنننا نفضل الراب. قد يحصل البستاني على ورود جميلة جدا دون أن يكون على علم بالتركيب الضوئي، ومع ذلك، فله قابلية للفهم جد عالية من المعرفة القائمة على التجريب. ففكرة السجل تُمفصل بهذا عمليةَ تحديد التراتبية والسياق وتضع في إطار علاقةٍ جدليةٍ القيمةَ الجوهرية لكل من المواضيع الثقافية و التكيف مع المواقف. فهي تدمج التعددية و معنى السياق لكن بطريقة غير نسبية.

وعليه، من الممكن، حسب السياق، اعتبار تمثلات التلاميذ كأحكام مسبقة وجب اجتثاثها، كحقائق جزئية وجب تعميقها أو كدرجات أدنى من المعرفة، لكنها صالحة بالنسبة لمستواهم. وقد أجاب تلاميذ العلوم الاقتصادية والاجتماعية عن سؤال يتعلق بأسباب البطالة قائلين أحيانا «المَكْننة» وأحيانا «المهاجرين». هل يمكننا، إذا وضعنا الأخلاق جانبا، التعامل بالطريقة نفسها مع هذه التمثلات؟ من دون شك تشكل الإجابة الأولى حقيقة جزئية يجب تعميقها (حينها نكون إزاء التفكير باعتباره سجلا)، لكن أليس من واجب التعليم الذي يطمح أن يكون نقديا، كما هو الحال بالنسبة للعلوم الاقتصادية والاجتماعية، أن تحاور بشدة بالإجابة الثانية من خلال تفكيك آليات الأحكام المسبقة ذات الطبيعة الاجتماعية؟ حينها نفكر بحسب التحقيب (Fabre, 2001b). بعبارة أخرى إن كان من الضروري أن تكون فكرة القطيعة الابستيمولوجية بالفعل مرنة كي تأخذ بعين الاعتبار تنوع المعاريف، فما الذي تريده مدرسةٌ لن تدرس الصغار إلا ما يعرفونه مسبقا مع حصرهم داخل ثقافتهم الخاصة، و أحكامهم المسبقة أيضا؟

لنذهب أبعد من هذا. هل يمكن لمدرسة، مهما كانت مرنة وتعددية، أن تتجنب طرح سؤال العلاقة بالأعمال الفكرية؟ هل لنا أن نأمل في أن «نكبر» و ننمو دون أي اتصال بمن هم أكبر منا؟ إن مقابلة ثقافةٍ تراثيةٍ بثقافة مكَيّفة ليست ذات قيمة إلا عند وقوفها ضد التجاوزات الشكلانية التي تغطي العمل الزائد للتعليقات، أو ضد التجاوزات الوظيفانية التي تستوعب هذا التكيف بطريقة نفعية فقط. العمل الثقافي ليس طَرْسا [نمحيه لنعيد كتابته] palimpseste، إنه بالأحرى نافذة مفتوحة على العالم (Steiner, 1991). وبالعكس، التكيف مع العالم هو القدرة على فهمه في عمقه الثقافي ككل. أكثر من ذلك علينا، و كما فعل سنيدرس (2002)، تصور جدليةٍ للاستمرارية و للقطيعة تسمحُ بمرافقة التلميذ، تدريجيا، للانتقال من ثقافته إلى حين بلوغه التحف بدل التأفف، بطريقة نخبوية، من كل ما ليس في المستوى المطلوب.  

قد يعترض معترض أن الفاعلين في النظام المدرسي لا يوافقون في النهاية على جعل المعرفة المدرسية تعتمد الأدوات والوسائل، حتى وإن كان الدافع هو هاجس كسب الدرجات والشواهد. لكن سؤال «ما الفائدة؟» -كما طرحه إيميل– يخفي وراءه بحثا عن المعنى الذي، عند التسرع، قد نخطئ عند حصره فيما يُفترض من نفعية لدى التلاميذ أو في الاكتفاء بتدارسها من قبل بيداغوجية الدافعية الخارجية. وقد يتعلق الأمر، بشكل أقل، بمحاولة إثارة الاهتمام بكل الوسائل الممكنة بحسب تعاليم «الطريقة الجذابة» و انشغالها المهووس بالواقع عوض منح المعرفة المدرسية محتوى نظري حقيقي (Astolfi, 1992). لذا علينا أن نميز بين أداتية المعرفة و بين معرفة-أداة! تتلاقى إسهامات البراغماتية و اسهامات الابستيمولوجية العقلانية عند العلاقة الجدلية الكائنة بين المعرفة والمشكلات (Dewey, 1967, Bachelard, 1949). إذ لا وجود لمعرفة إلا خلال علاقتها بالمشكلات: تلك التي تحلها المعرفة و تلك التي تسمح ببنائها. يسري هذا حتى على ما تعلق بتعلم تاريخ اليونان القديمة أو تاريخ الأدب أم بالحياة اليومية. لذلك لا حاجة لمواجهة معالجة المشكلات بالمعرفة امتعالية. أوليفييه روبول، الذي كان يدعو إلى بيداغوجية انسانية للكفاءة (إن لم نقل كفاءات)، عرّف المعرفة بأنها «التعرف على الذات».

وعليه، إن شعر التلاميذ بالملل في المدرسة، فلربما لأن المعرفة المدرسية بها القليل من المشكلات، الغير أصيلة بما يكفي. باشلار يعرف التطور الثقافي بأنه الإزالة التدريجية لما يحدث على المعرفة من طوارئ. هذا لا يعني الدفاع عن التعليم الشكلاني، وإنما إحداث وضعيات تعلمية من شأنها السماح للتلميذ ببلوغ نظام المسببات: أي «معرفة-لماذا» (Reboul, 1983). إذا كانت أخلاق المابعد-حداثة قد أبرزت فكرة الأصالة، التي أحسن تايلور (1994) إبراز حدودها ووعودها كذلك، فبإمكان للتلاميذ التفاعل مع أخلاق مدرسيهم الذين سيمكنونهم من الإمساك بمنحى المشكلة و بلورتها، من خلال معالجة بعضها على وجه التدقيق في إطار محتويات محددة، سواء أكانت أخلاقية أم لا.

بذلك يمر ابتكار صورة جديدة عن الفكرة التربوية عبر إعادة تأهيل المجال المدرسي باعتباره مجالا لنقل المعارف و تعلمها. دائما ما تبدو المدرسة سيئة حينما يتم مقارنتها بالحياة العامة (بالحرف، بالعلوم، بالتعليم غير النظامي). و كأن المدرسة (متعة التعلم) لا تشكل في الحقيقة شكلا ساميا من الحياة. وقد حث باشلار (1949, p. 23) بشدة المدرسة كي تقلد الصرح العلمي و توجهه الإشكالي. لكن هذا كان بغاية تحويل المدرسة إلى «النموذج الأكثر سموا للحياة الاجتماعية»، المتمثل في الدراسة مع انكار الذات: أي المعرفة دون سلطة. أما بالنسبة للمدرس الأبدي فإن تشجيع وصيانة «الاهتمام الناكر للذات» بالمعرفة أمر يخص البيداغوجيا. وكان باشلار قد وجد من العبث معارضة الهم البيداغوجي بالهم المعرفي مادام أن معنى الأولى في مجموعه يتحدد في ضمان الطابع التكويني والتحريري للثاني. لا مراء في كون إعادة تأهيل الشأن المدرسي يتطلب إعادة إدماج البيداغوجيا و تاريخها في الثقافة العامة. وقد أدان دوركهايم (1938)، في بداية القرن، كراهية البيداغوجيا، إذ كان يسيء للفرنسيين. لقد كانت البيداغوجيا تشكل بالنسبة إليه ما يشبه «نظرية-تطبيق»، و تأمُّلٌ في التربية بغية تطويرها، وأنها الشرط الضروري لتجديد الفكرة التربوية (Fabre, 2002b).     

خاتمة   

ألا يزال بإمكاننا أن نؤمن بالقيمة التكوينية والتحريرية للمعارف المدرسية، بعد إفلاس القصص العظمى للحداثة؟ هل سيكون الآن بمقدورنا التدريس دون أن نزعم بشكل قطعي أننا نربي أو نكوِّن؟ ما الطريقة لمنع الاتجاه الآخر من الحداثة من عرقلة حركة تحقق الشروط العامة للمساواة، الاتجاه المتمثل في علمنة المثل التي –فُهمت بشكل خاطئ- تختزل الفعل التربوي في وظيفة نفعية بحثة.

في الرد على انتقادات علم الاجتماع المعرفي، وضعنا مسارات لصياغة تعريف معاصر للفكرة التربوية: بناء تعددية متماسكة (الوحدة)، ترسي فكرة الموسوعية على الوضعيات المعرفية و على الأهداف (الشمولية) و مراعية لضرورة صياغة المعرفة صياغة إستشكالية Problématicité (التحويل).

إن نقدا حديثا لمابعد-حداثة لمن شأنه أن يعني المزج بين المبدأ الديموقراطي المتعلق بالمساواة أمام المعرفة و المبدأ التراتبي لعدم التساوي في الحصول على المعرفة. هذا يفترض التأكيد صراحة على مبدأ النظام ordre الداعي للتعددية و عدم النسبوية في نفس الآن: ليس كل شيء مباحا ومستحقا، و ليس العقل سوى عادة غربية و ما تتلفه الحداثة لا يمكن أن يُصلح إلا بواسطة فائض عن العقل، حتى وإن كان لزاما التمييز بين العقلاني و المعقول. فالمعارف متعددة، والأشكال الثقافية كذلك. لا بد من الاعتراف بقيمها الخاصة، توظيفاتها وفقا للسياقات، لكن أيضا ترتيبها حسب درجة إشعاعها على العالم، بحسب قوتها التحريرية و نسبة عالميتها. من هنا تأتي فكرة السجل الذي يسمح بمركزة الجهود البيداغوجية بناءً على جدلية الاستمرار والقطيعة بين ثقافة التلاميذ والثقافة المدرسية.

المدرسة لا يمكنها ادعاء تكوين العقل إلا إذا رأت في نفسها القدرة على جعل التلميذ يستطيع «تغيير موقف»ـه كما يطالب بذلك دوركهايم و يحدده باشلار في معنى المشكلة.

المصدر

(*)Fabre Michel. L’école peut-elle encore former l’esprit ?. In: Revue française de pédagogie, volume 143, 2003. Philosophie et éducation. pp. 7-15;

المراجع المعتمدة

ARENDT H. (1972). – La crise de la culture. Paris : Gallimard (Idées).

ASTOLFI J.-P. (1992). – L’école pour apprendre. Paris: ESF.

BACHELARD G. (1970). – La formation de l’esprit scientifique. Pans : Vnn (1re éd. 1938).

BACHELARD G. (1970). – Le rationalisme appliqué. Paris : PUF (1re éd. 1949).

BACHELARD G. (1971). Le nouvel esprit scientifique. Pans : PUF.

BELL D. (1979). – Les contradictions culturelles du capitalisme. Paris : PUF.

BERNARD M. (1989). – Critique des fondements de l’éducation. Pans : Chiron.

BLAIS M.-C., GAUCHET M., OTTAVI D. (2002). – Pour une philosophie politique de l’éducation : Six questions d’aujourd’hui. Pans : Bayard.

BOURDIEU P., GROS F. (1989). – Principes pour uneréflexion sur les contenus d’enseignement. Le Monde de L’éducation, avril.

CHARBONNEL N. (1991). – Les aventures de la métaphore : La tâche aveugle. Strasbourg : Presses Universitaires de Strasbourg.

DEROUET J.-L. (éd. ) (2000). – L’école dans plusieurs mondes. Bruxelles ; Pans : De Boeck ; INRP.

DEWEY J. (1967). – Logique: La théorie de l’enquête. Pans : PUF.

DURKHEIM É. (1938). – L’Évolution pédagogique en France (2 vol.). Pans : Alcan.

FABRE M. (1994). – Penser la formation. Pans : PUF.

FABRE M. (1996). – L’utopie bachelardienne de la formation à l’épreuve de la post-modernité. Penser l’éducation, n°1 .

FABRE M. (1999). – Situations-problèmes et savoir scolaire. Pans : PUF.

FABRE M. (2001a). – Bachelard ou la formation de l’homme moderne. Pans : Hachette.

FABRE M. (2001b). – Les enjeux démocratiques du travail sur les représentations : le cas des sciences économiques et sociales (SES). In A. Vergnioux et H. Peyronie(eds), Le sens de l’école et de la démocratie. Berne : Peter Lang.

FABRE M. (2002a). – Les controverses franco-françaises sur l’école : La schizophrénie républicaine. In Chnstiane Gohier (dir.), Éduquer et Libérer. Québec : Presses de l’Université Laval.

FABRE M. (2002b). – Existe-t-il des savoirs pédagogiques ? In D. Hameline, J. Houssaye, M. Soétard, M. Fabre, Manifeste pour les pédagogues. Paris : ESF.

FINKIELKRAUT A. (1987). – La défaite de la pensée. Paris : Gallimard.

FORQUIN J.-C. (1991). – Justification de l’enseignement et rne° la9t7i,v ioscmteo brcuel-tnuorvele. mRberveu-deé cfermanbçraei.s e de pédagogie,

HABERMAS J. (1988). – Le discours philosophique de la modernité, douze conférences. Paris : Gallimard.

HOUSSAYE J. (1992). – Les valeurs à l’école. L’éducation au temps de la sécularisation. Paris : PUF.

KERLAN A. (1998). – La science n’éduquera pas : Comte, Durkheim, le modèle introuvable. Berne : Peter Lang.

LAHIRE B. (1998). – L’homme pluriel, les ressorts de l’action. Paris : Nathan.

LECOURT D. (1999). – La Querelle de la modernité. In Contre la peur. Pans : PUF.

LIPOVETSKY G. (1983). – L’ère du vide, essais sur l’individualisme contemporain. Paris : Gallimard.

LIPOVETSKY G. (1987). – L’empire de l’éphémère. Paris : Gallimard.

LIPOVETSKY G. (1992). – Le crépuscule du devoir. Paris : Gallimard.

LYOTARD J.-F. (1979). – La condition post-moderne. Pans : Minuit.

LYOTARD J.-F. (1983). – Le différend. Pans : Minuit.

LYOTARD J.-F. (1988). – Le post-moderne expliqué aux enfants. Paris : Galilée.

LYOTARD J.-F. (1996). – In A. Hocquard, Éduquer à quoi bon ? Paris : PUF.

POSTMAN N. (1982). – II n’y a plus d’enfance. Paris : Insep éditions.

POURTOIS J.-P. et DESMET H. (1997). – L’éducation postmoderne. Pans : PUF.

REBOUL O. (1 983). – Qu’est-ce qu’apprendre ? Pans : PUF.

REBOUL O. (1989). – Philosophie de l’éducation. Pans : PUF (Que sais-je ? ).

REBOUL O. (1992). – Les valeurs de l’éducation. Pans : PUF.

REY B. (2000). – Que leur restera-t-il quand ils auront tout oublié ? In Pour une culture commune. Paris : Hachette éducation.

RORTY R. (1994). – Objectivisme, relativisme et vérité. Pans : PUF.

SNYDERS G. (2002). – De la culture, des chefs-d’oeuvre etdes hommes, à l’école. Vigneux : Matrice.

STEINER G. (1991). – Réelles présences, les arts du sens. Paris : Folio-Essais.

TAYLOR C. (1994). – Le malaise de la modernité. Paris : Éd. du Cerf.

TOURAINE A. (1992). – Critique de la modernité. Paris: Seuil.

TOURAINE A. (1997). – Pourrons-nous vivre ensemble ? Égaux et différents. Paris : Fayard.

VATTIMO G. (1987). – La fin de la modernité : Nihilisme et herméneutique dans la culture post-moderne. Paris : Seuil.

شاهد أيضاً

طوماس بيكيتي: بحث في أصول التفاوت بين الناس

حاوره : ميشال التشانينوف ترجمة : يوسف اسحيردة يُقَدِّمُ طوماس بيكيتي، من خلال كتابه الجديد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *