الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الإنقلاب على المعرفة الدينية

الإنقلاب على المعرفة الدينية

بقلم / هناء السعيد.. مصر .

الموتي يحكمون الأحياء..
عبارة الفيلسوف زكي نجيب محمود التي تختصر الطريق لبيت الداء ، إنها أزمة معرفتنا في الدين التي كانت ولا تزال طريقا مرهقا إلي الله.
معرفة محرك بحثها ليس الكون ولا السماء، ليس التقدم ولا الحداثة، ليس الله ولا ما قضاه، إنما محرك بحثها ” قبور” موتاها، فالحي لا يملك دين ولا علم ليكون قوله معتبرا. هل خطابنا الديني يحتاج تجديد أم إعادة بناء؟

إنها المعرفة التي تعاملت مع الإنسان كألة ، يذكره الواعظ بضعف ونقصه ،ثم يلزموه بما لا يلزمه ، شرائع الدين لا تثقل أحد، شرائع الفقهاء ثقلت علينا ، فكل ما سكت عنه الإله رحمة وليس نسيانا، تذكروه تعنتا وليس تفسيرا.

سمات معينة في هذه المعرفة تجعلها تفشل في تحقيق دورها بخلق قرب حقيقي بين العباد والخالق ..منها :
_ مقدساتها ليست فقط المقدسات، مقدساتها التنزيل وشروحه ، مقدساتها النبي ومن تحدث باسم النبي ، ثوابتها بشرية ، حيث الفكر الجامد السطحي الذي احتل وحده تأويل النص وزعم بأنه الزاوية الأكثر صوابا في فهمه .
_ الشروحات ، التفاسير تحكم ، كل كبيرة وصغيرة يرجع فيها للنصوص الملحقة بالكتاب المقدس
مما يؤكد بأن المعني الواقعي لجملة ” لا اجتهاد مع وجود نص” ، أي لا داعي لبذل جهد جديد فهناك إجتهاد لدينا نعتبره نص نلتزم به ولن نخرج عنه !
_ السنة ، وإشكالية استخدام معناها، هي فقط ليست دين الرسول ، إنما اعتبار حياته بتفاصيلها التي تنسجم من فترة وجوده كذلك من الدين ، نادرا ما نجد من يعبر عن السنة بتدبر المعني من وراء تصرفات النبي ، المقصد الذي كان يرعاه حينها .
_الحياة أبعد من هذه المعرفة ، فهي لا تذكر إلا بالموت ، وعذاب بعد الموت، الترهيب الذي نعته أينشتاين ( بديانة الرعب ) ، التي افترضت كذلك أن أفجر ذنب تزيله ركعات قليلة ، غياب الجانب الأخلاقي وضمير الفرد الذي وجد له مستراح شرعي .
_ صراع المذاهب ، وما سوغه مذهب دون غيره شغل مساحة كبري من النقاش الذي أنسانا أن المذاهب ابتدعت لنفكر، لنخلق حل لمشكلاتنا ، لا من أي الحلول المتاحة ننتقي.
تلك المعرفة التي لا تعترف إلا بمن انتمي لها، من وقع خارجها ، وقع في حفرة من حفر النيران، معرفة الفرقة الناجية، معرفة أمرت أن أقاتل الناس ، معرفة لعن الله النامصة و المتنمصة ، معرفة تناقض نفسها، المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وتشرعن الغزو وتمجد الغزاة تحت لواء الدين ، معرفة تشبه تعبير د. نصر حامد أبو زيد بأنها ( تخلف قد يتوسل لغة الدين ) .

المعرفة التي عاقبت كل من خرج عليها بتجرع السم ، من سقراط وحتي من يتحرك الفكر في رأسه الآن كطائر يحلم بالتحليق عاليا، وتكبله خطوط حمراء عمرها قرون .
معرفة كذبت في أنها تحترم العقل، وقد وضعته أسفل النعل.
معرفة ذمت التقليد، واتخذته دينا إلي قيام الساعة ، معرفة توقر العقل فقط حين يمنطق إهانة المرأة بالضرب ، وظلمها بالتعدد، واغتصابها زوجيا وإلا حلت عليها لعنة الملائكة إن رفضت !!
لذا فأنا أؤيد جدااا ( الإنقلاب علي المعرفة الدينية ) كما سمي ذلك الكاتب العراقي عبد الرزاق الجبران، فإن محاولة تجديد هذه المعرفة مصيرها الفشل،لأنها أسست علي المقلوب، لم تكن سوية من البداية، وإن عدم إعلان الإنقلاب عليها يجعلنا نعيش وهم التجديد بأن نتصور حلول مؤقتة، مسكنات ونسمي هذا تجديد فينطبق عليه قول أدونيس ( الفكر الذي سميناه جديدا، ليس إلا ماء نشربه من الإناء القديم ذاته، وبالطريقة القديمة ذاتها ..)

لن تستطيع أن نمحو ذاكرة مجتمع، مستحيل أن يبدأ الفكر من الصفر، لكن من الممكن تحديد هدف بأن يتقي العقل الخرافات قدر الإمكان، يتمرد الإبداع قليلا علي شروط الموروث، نتخفف من سلطان العادات البالية التي تؤذي مصلحة الراهن ، ثواني لتأمل ماقيل لا موافقته مقدما، لدينا إرادة يمكنها تصور المستقبل، بنفس الإرادة يمكننا إعادة تصور مفاهيم التاريخ التي أخذناها علي محمل التقديس أكثر من اللازم.
قد نضع أقدامنا وقتها علي طريق صحيح إلي الإله ، وكما قال مولانا الرومي:
( إني أخاف أن لا تصل إلى الكعبة أيها الأعرابي، فالطريق الذي سلكته يفضي بك إلى تركستان ) .

شاهد أيضاً

كيف نقرأ نيتشه اليوم؟

قراءة في كتاب” ضيف الله فوزية ــ  كلمات نيتشه الأساسية ــ “[1] معروفي العيد[2] معروفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *