الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / أي كفاءات للدرس الفلسفي في ظل التحولات المعاصرة؟

أي كفاءات للدرس الفلسفي في ظل التحولات المعاصرة؟

محمد ميلان

بقلم الدكتور/ ميلان محمد/ مفتش التربية الوطنية لمادة الفلسفة / مليانه / الجزائر

مقدمة

    في إطار إصلاح المناهج التعليمية في الجزائر، حظيت مادة الفلسفة بالتعليم الثانوي بمكانة خاصة نظرا للقدرة الوظيفية التي تملكها في مخاطبة العقل وتكوينه والمساهمة في بناء إنسان الغد، انطلاقا من كون التفلسف مطلبا متأصلا في الإنسان، إذ لم يعد التعليم الفلسفي قائما على الحشو والتلقين، بل في جعل المتعلم قادرا على خوض تجربة التفلسف الأصيل بنفسه، وتمكينه من ثقافة فلسفية متنوعة، باعتماد طرائق تعليمية قائمة على الحوار العقلاني التواصلي بين المعلم والمتعلم، بغية تربية الناشئة على الفضائل والقيم الإنسانية  وفي ظل فلسفة تربوية تجعل من المتعلم محورا للعملية التربوية، ومن المدرسة مؤسسة لإنتاج المهارات والكفاءات وفقا لمبدأ التعلم الذاتي.

  والتعليم الفلسفي ينطلق من الإيمان العميق بقدرة الإنسان على فهم العالم والعمل على تغييره، من خلال التمكن من قدرات التفلسف واكتشاف مناهج التفكير الفلسفي وتوظيفها أثناء عملية التفلسف والكتابة واستثمارها في الحياة الفكرية والعملية .

 ولمواكبة هذه الإصلاحات والتحولات والخيارات، بات من الضروري أن تحظى مادة الفلسفة بالتعليم الثانوي بما تستحقه من أبحاث تربوية وبيداغوجية سعيا من جميع الفاعلين التربويين على الانفتاح على المستجدات التربوية رغبة منهم في بلورة مقاربات من شأنها أن تغني ديداكتيك الفلسفة، حتى تستطيع كمادة تعليمية أن تضطلع بدورها التربوي كاملا. 

كما ينبغي التأكيد على أن حركية المجتمع في تفاعله وتطلعاته المستقبلية محليا وعالميا، تلزمه أن يعيد النظر في مؤسساته الإستراتيجية ومراجعة الأدوار الموكولة إليها، حتى تستجيب لمتطلبات العصر وتحدياته المتعددة.

ولما كانت الفلسفة مادة تعليمية في نظامنا التربوي، تساهم مع بقية المواد الدراسية في هندسة الإنسان الجزائري، المتفتح على المعارف والقيم الإنسانية العالمية، المؤمن بالعلم والمتسلح بالروح النقدية، أي إنسان متجذر في أصالته، معتز بهويته وإنتمائه¬ قادر في الوقت ذاته على تأسيس العلاقات على التسامح، مؤمن بالإختلاف والتنوع في المواقف، متحرر من الوصاية الفكرية، متمكن من التفكير الذاتي، ونقل الافكار لغيره، والتأسيس لمواقفه..

إن ما قيل عن المواد الدراسية الأخرى ينطبق على مادة الفلسفة، إلا أن هذه المادة تجد نفسها أمام تحد تفرضه طبيعتها النقدية والمرنة، والمنفتحة في طبيعتها على الشأن الإنساني في تعدده وغموضه أيضا، وهذا التحدي يتمثل في كيفية تحسين شروط تدريسها لتكون على موعد مع مستوى الرهانات التربوية عليها، فرهانات تدريس الفلسفة تتجه إلى تعزيز ما تم التعاقد عليه على نطاق واسع في

جزائر اليوم، أي تكوين مواطن متشبع، ثقافة وسلوكا، بقيم التسامح والتعايش والاختلاف وتبدو ترجمة هذا الرهان على المستوى التربوي، على الأقل، مسؤولية الأطر التربوية لمادة الفلسفة باختلاف مهامها ومواقعها..،وما يعطي لهذه الرهانات قابلية للتجسيد والأجرأة، هو تزامن إعادة الاعتبار للفلسفة مع ظهور بيداغوجيا الكفاءات، كبيداغوجيا تنسجم مع طبيعة الفكر الفلسفي ومع خصوصية الدرس الفلسفي، فإذا استطاع هذا الدرس أن يكسب المتعلم كفاءات متعددة سوف نتحدث عنها لاحقا ، إلا أن الأسئلة التي تواجهنا متعددة تتعلق بمادة الفلسفة ذاتها التي تواجه كل أساليب الرفض والممانعة والحصار ، حتى على المستوى الرسمي الذي يتعلق بالتساؤل حول الجدوى من توظيف الفلسفة كمادة دراسية وحضورها داخل النظام التربوي و أن هناك اتجاها سائدا إزاء الفلسفة على هذا المستوى الشعبي لا يتخذ شكل الرفض والاستبعاد فحسب، بل يتخذ أحيانا شكلا  عدائيا: فالفلسفة على هذا المستوى لا تخرج عن كونها كفرا وإلحادا أو جدلا  لا طائل من ورائه في أحسن الأحوال. ولقد امتحنت هذا الفرض دوما بسؤال الطلبة الذين قمت بالتدريس لهم عن تصورهم للفلسفة حينما التحقوا بدراستها أول مرة، فكانت إجاباتهم لا تخرج عما ذكرت، بل كانوا يضيفون إلى ذلك أن هذا الموقف من الفلسفة هو موقف سائر الطلبة من غير دارسي الفلسفة، وسبب عدم إقبالهم على دراستها، وأن موقفهم أنفسهم قد تغير تماما بعد مرور عام على الأقل من دراستها، وإن كانوا يواجهون مشكلة تؤرقهم وهى استخفاف غيرهم بالفلسفة التي يدرسونها، وعدم القدرة على إقناعهم بأنها ليست كفرا أو جدلا  عقيما كما يتصورون،

إن السؤال الذي تطرحه وتتوارى خلفه شتى المواقف السابقة الرافضة للفلسفة، هو سؤال يمكن صياغته ببساطة على النحو التالي: وما الحاجة إلى الفلسفة في عصر العلم والتكنولوجيا ؟! ومن الواضح أن هذا السؤال ليس سؤالا  استفهاميا ، بل سؤالا  استنكاريا يعكس موقفا دوجماطيقيا ينطوي على جهل بمعنى الفلسفة ودورها، ليس فقط بالنسبة للعلوم الإنسانية، وإنما أيضا بالنسبة لثقافة المجتمع والأمة ككل.
وفي ظل تلك الإكراهات والتحديات هل يمكن للفلسفة أن تكتسب شرعيتها البيداغوجية والمعرفية والتكوينية ؟ هل ما تضمنته المرجعيات والوثائق المرافقة للمنهاج والكتب المدرسية ما يضمن ويؤسس لحضور الفلسفة ويجسد الاهداف والكفاءات المرتقبة ؟ ما مصير الدرس الفلسفي وأهدافه التكوينية في ظل التحولات المعاصرة ؟

مجمل الكفاءات العامة لتدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي:

أ/ الكفاءات المعرفية:

-اكتساب المتعلم ثقافة فلسفية متنوعة من مصادرها الأصلية وداخل سياقاتها المرجعية وإدماجها في مواجهة الوضعيات داخل المدرسة وخارجها.

– القدرة على تنويع وتوسيع مصادر المعرفة الفلسفية في تعددها.

-حيث، “يتوصل المتعلم إلى ممارسة التأمل الفلسفي في قضايا فكرية تتعلق بالإنسان ومحيطه وإلى ممارسة التأمل الفلسفي في القضايا الفكرية التي تتعلق بفلسفة العلوم وفلسفة التسامي إلى الوحدة.”

-التعرف على مواقف الفلاسفة وتصوراتهم حول مشاكل وقضايا عصرهم في الوجود والمعرفة والقيم.

– امتلاك رصيد معرفي وثقافة فلسفية متنوعة تتسم بالمصداقية والصلاحية والمتانة لتوسيع أفق الفكر والبحث والمعرفة.

-اكتساب كفاءات معرفية قاعدية تؤهلهم للدراسات العليا في التخصص.

ب/الكفاءات التواصلية:

– اكتساب المتعلم القدرة على التواصل من خلال أنشطة الحوار والإصغاء والمناقشة والإقناع والتعمق في التفكير.

-اكتساب قدرات القراءة والمناقشة والكتابة في مجال الأعمال الفلسفية.

-القدرة على تعزيز روح العمل الجماعي والتعاوني والتشاركي في الأنشطة الجماعية، كالمقالة الجماعية والعرض ومشروع البحث، وهذا يقتضي استحضار مهارات واستغلال مختلف معطيات السيكوبيداغوجيا وعلوم التربية من طرف الأساتذة لتفعيل التواصل البيداغوجي لتلبية حاجات المتعلمين، “لأن الدرس الفلسفي تكمن بدايته في إمكانية تدشين فعل تواصلي، أي في خلق علاقة الرغبة في التواصل لدى الطالب لكي ينخرط في الموضوع المطروح..فإننا بدون هذا الفعل يصعب علينا تصور بناء أي درس.”

وبهذا يتمكن المتعلم من إنجاز الأنشطة، مثل إدراك المعاني، الفهم التأويل الكشف عن الخلفيات واللامنطوق في النصوص والبناء المنطقي، بالتالي كتابة خطاب فلسفي يستجيب لمعايير الكتابة الفلسفية.

ج/ الكفاءات المنهجية:

-اكتساب منهجية التفكير الفلسفي، انطلاقا من رصد المفاهيم المركزية والتساؤل والتأسيس للإشكالية واستحضار الأطروحات في سياقاتها المرجعية وأساليب المحاججة والإقناع والنقد المؤسس. سواء كان ذلك في النص أو في الدرس، اعتبرها ميشال توزي Michel tozzi” أهدافا بيداغوجية لأنها عبارة عن كفاءات يمكن بلوغها بالنسبة للمتعلم، وهي نواتية، لأنها تتعلق بما هو أساسي في المادة.

– اكتساب القدرة اكتشاف البنية المنطقية للخطاب الفلسفي وعن تماسكه الداخلي.

-اكتساب المتعلم لرصيد مفاهيمي من خلال لغة الفلاسفة والنصوص والإشكاليات والقدرة على التفكير النسقي، وتوطين المفاهيم، وبواسطة تلك المفاهيم يتمكن المتعلم من توظيفها في مجالات غير فلسفية، كون الفلسفة بوظيفتها النقدية، دائمة التحاور مع حقول معرفية متعددة وهذا وفقا لمبدأ جيل دولوز (Giles Deleuze)1925- 1995- القائل:” أن للفلسفة حصتها من كل معرفة لا تعرفها إلا الفلسفة..وقد تستعمل المفاهيم كمفاتيح لأبواب سواها من المعارف.”

-اكتساب القدرة على معرفة أنواع الحجاج ومنطق تفكير الفلاسفة بمختلف أنساقهم ومذاهبهم وكذا التمرن على منهجية البحث العلمي وخصائص ومقومات الروح العلمية والروح الفلسفية.

د/الكفاءات القيمية:

– التشبع بالقيم الكونية للتفكير الفلسفي والعمل على ترسيخها في الفكر والعمل

كالحرية، التعلم الذاتي، التنوير، الحداثة، التواصل، التعايش، التسامح، الإعتدال، ثقافة الاختلاف، والحوار، الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان..

-تكريس حب الوطن وتعزيز الرغبة في خدمته.

-ترسيخ الهوية الجزائرية التاريخية والحضارية والوعي بتنوع روافدها العربية الإسلامية والأمازيغية ومدى تفاعلها وتكاملها.

-التسلح بالقيم الفكرية والعلمية والتكنولوجية بما يؤهل الأجيال من مواجهة أخطار وتحديات العولمة، والانتقال من مرحلة الاستهلاك والتفرج إلى مرحلة التجديد والمساهمة في الإبداع الحضاري “فالتجديد الحضاري فعل إنساني مرتبط بقدرة الإنسان على الإبداع..يدخل في إستراتيجية البناء الحضاري ككل، بل هو جوهرها وروحها، ويكون وراء أي نهضة حضارية.. وقد يكون سببا في أفولها.

-القدرة على تعديل المواقف والأفكار بناء على قوة الحجة وليس حجة القوة وذلك بنبذ التطرف والتعصب والعنف.

-“القدرة على المساهمة الإيجابية في الشأن الاجتماعي وتنميته وتحمل المسؤولية ومواجهة مواقف الحياة”

 في الحقيقة، لم يحدد منهاج الفلسفة تلك الكفاءات بشكل صريح ن حيث تضمن فقط تحديد أهداف وكفاءات أنشطة التدريس بشكل مختصر، وتعميما للفائدة ونتيجة لجهد الباحثين في حقل بيداغوجيا والديداكتيك ارتأينا إلى تفصيلها بما يستجيب لمكانة الفلسفة ودورها التكويني في النظام التربوي، ولنبين مدى قيمة وضرورة ورهانات الدرس الفلسفي.

إلا أن تجسيد تلك الرهانات وبلوغ الكفاءات تعترضة الكثير من الصعوبات منها:

-ضعف المحتويات وعدم انسجامها مع الكفاءات المطلوبة، الأمر الذي يتطلب تحيين المعارف الفلسفية حتى تستجيب لحاجات المتعلمين وتؤطر مشاكل عصرهم.

واتفق خبراء مراكش حول تدريس الفلسفة في الوطن العربي على رصد جملة من العوائق والصعوبات منها:

  1. إهمال استخدام النصوص الفلسفية كنشاط مركزي في تعليم التفلسف، والاكتفاء بالإشكاليات ” رغم أنها تمثل الوسيلة الأنسب للاتصال المباشر مع الفكر الفلسفي وتبين المضمون التقني للفلسفة كتابة واستدلالا.”
  2. ضعف التكوين التربوي والتعليمي لأساتذة الفلسفة بالتعليم الثانوي.مما يجعل الممارسة التدريسية عفوية لا تؤدي الغرض.. والدراسات ومعايشة الدرس الفلسفي بينت أن غياب هذا التكوين أو ضعفه يعرض الدرس الفلسفي لأغراض تفرغه من محتواه.
  3. إهمال الطرائق الحديثة والتنظيمات المستجدة في التدريس والتقييم واستعمال الوسائل السمعية البصرية واعتماد الإملاء والتلقين. مما جعل الدرس الفلسفي في عزلة عن المستجدات في البيداغوجيا والديداكتيك ومن تداعيات ذلك ضعف المستوى وتشكيل تصور خاطئ عن الممارسة الفلسفية حسب الباحث (زواوي بغورة ( الذي يشير إلى ضرورة فك العزلة الخانقة عن الفلسفة ويقول:” أنه لا يمكن الذهاب بعيدا عن هذا الاتجاه أي (الإصلاح( إذا بقيت المادة معزولة عما يجري من تطورات في العالم من حولنا في ميدان الأفكار وفي مجال تعليمية هذه المادة.
  4. ترسيخ الفصل التعسفي في النظام التربوي بين الشعب العلمية والشعب الأدبية والفلسفية في حين أن تطور المعارف أصبح يتطلب وجود مادة الفلسفة في الشعب العلمية ووجود مادة علمية في الشعب الأدبية.

الدرس الفلسفي والتحولات المعاصرة,

إن التحولات المعاصرة وعصر الرقمنة وهيمنة القيم المادية وتقنيات الاعلام والاتصال وثقافة الصورة والمشهد ، كلها عوامل ساهمت في تعميق أزمة الفلسفة .

· في خضم هذا الوضع الجديد ، تعالت بعض الاصوات على المستوى الرسمي ، تتهم الدرس الفلسفي بالغموض والتعقيد والتجريد ويحرض على التمرد والعصيان والثورة ولا ينسجم مع بقية المواد التعليمية التي تشجع على الحفظ والتخزين والاسترجاع وهذا دعوة الي التحنيط الفكري والمنهجي بدل تحرير فعل التفكير والتعلم الذاتي والإبداع والمساءلة والنقد والحوار.

· وضع درس الفلسفة في حقل ثقافي وتربوي غير فلسفي، همه الوحيد الحصول على النقط والمعدلات للانتقال ، وعند إقتراب الامتحانات ، يتحول الدرس الفلسفي إلى بضاعة قابلة للبيع والمتاجرة من خلال الانتشار الرهيب للدرس الخصوصي والوصفات الجاهزة التي تفرغ الدرس الفلسفي من محتواه الفكري التأملي والنقدي ، تلك هي المرحلة التجارية التي تحدث عنها( جيل دولوز ) و (فليكس غتاري) ” حيث صار الدرس الفلسفي مجرد حصة الغاية منها تسويق المعلومة والمتاجرة بالفكرة وتحصيل الثروة والارباح في ظل هيمنة نمط رأسمالي شمولي” يحدث  هذا اليوم داخل غرف الدرس الخصوصي يشرف عليه الكهنة والعرافين بتوقعات أسئلة البكالوريا.

· عزوف المتعلمين عن حصص الحوار العقلاني وصعوبة تلقي الدرس الفلسفي والبحث عن الجاهز مما صنع توجها سائدا يتعارض مع أهداف تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي وسط حالة الانبهار والصدمة الحضارية التي يعاني منها شبابنا.

· ومن هذا المنطلق ، أصبح الدرس الفلسفي يعيش نوعا من التراجيديا على مستوى القدرة على التفلسف والمساءلة والتفاعل مع النصوص والمفاهيم والاشكاليات ، وغموض وضياع وتعثر على مستوى الاداء والكتابة والتقييم والتقويم وغياب النموذج على مستوى الممارسة الصفية وفقا لهاجس تنفيذ البرامج التعليمية في الاجال المحددة ،حيث ساد الحشو والتلقين والإملاء .

· كما أصبح أستاذ الفلسفة يواجه صراعا من أجل الاعتراف وإثبات الجدوى في ظل جملة من المعيقات الثقافية المنغرسة في المشهد التربوي وشبكة من الاحكام المسبقه وذهنيات رافضة لكل تفلسف ، الأمر الذي يفسر وجود أزمة تهدد وجود الفلسفة وتقليص حضورها في الفضاء العمومي.

· كما أعتبر مدرب الحكمة على حد تعبير المفكر التونسي (زهير الخويلدي) ، “كمن يغرد خارج السرب يميل إلى الثرثرة والكلام المعقد ويكثر من التساؤل والتعجب ولا يعجبه شيئا ويرهق المتعلمين ويسقطهم في الضبابيه ويتصنع القلق والحيرة من أجل تحقيق بطولات وهميه على خصوم إفتراضيين”

· محتوى المناهج التعليمية في برنامج الفلسفة تتميز بالتعقيد والحشو والغموض ، ناهيك عن الكتب المدرسية التي ترتقي على مستوى الاداة البيداغوجية والمعرفية التي يستأنس بها متعلم الفلسفة ولاتراعي قدرات المتعلمين وملمحهم نفس المعارف والموارد لكل الشعب في المحاور المشتركة حيث تحول الكتاب المدرسي من أداة مساعدة إلى عائق بالنسبة للمتعلمين.

· خلو المرجعيات والوثائق المرافقة لمنهاج الفلسفة من أي مقاربات ديداكتيكية لتناول أنشطة التدريس ، مما تسبب في تمييع فعل التدريس حيث ساد الاختلاف المتوحش بين الأساتذة ، ناهيك عن غياب إستراتيجية موحدة للتكوين المستمر على مستوى هيئة التفتيش.

هذه بعض الجوانب التي ساهمت في تعميق أزمة الدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي عندنا .

  بعض الحلول الممكنة:

· لابد من تفادي الإصلاحات الشكلية وإجراء العمليات الجراحية التجميلية للمناهج التعليمية بمساحيق منتهية الصلاحية ، وفتح مجال للمنافسة في التأليف وفي التنظير في المعرفة وفي البيداغوجيا وتعيين اللجان المختصة لهذا الغرض وفقا لمعيار الكفاءة والخبرة والدراية وليس على أساس الولاء والمحاباة والمقربين من أصحاب القرار.

· تحييين المعارف الفلسفية في مختلف المناهج التعليمية ومراعاة الملمح والتوجه في إنتقاء الموارد التي تضع اليومي موضوعا للتفكير والمساءلة ، والدرس الفلسفي يخاطب الانسانية في الانسان ، ضد الشعوذة الفكرية والابتذال في أفق ممارسة التنوير والنقد والمساءلة.

· ترميم الجسور المحطمة بين الفلسفة والحياة في أفق تحقيق مصالحة حقيقية بين الفلسفة والفضاء العمومي ، ” فالفلسفة ليست في معناها العام سوى حياة ونقد للحياة ، او حياة وتحليل للحياة، أو حياة وتعلم الطريقة المثلى في الحياة ” من هنا لابد أمن يكون الدرس الفلسفي مفعما بالحياة يتضمن تفعيل علاقة الحوار بين المتعلم وقضايا الحياة والارتقاء بالتفلسف إلى مستوى مواكبة دائمة لكل المستجدات الاجتماعية والثقافية والعلمية وفقا للمبدأ التربوي ” التلاميذ يتعلمون مما يعيشون”.

· عقد مصالحة بين العقل والوحي والشريعة الاسلامية والاعتراف بالحاجة الانسانية الاكيدة إلى التجربة الروحية والعقائد الايمانية وفقا لمقولة فيلسوف قرطبة (ابن رشد )”  الشريعة حق والفلسفة حق، والحق لا يناقض الحق” هذا في أفق عقلنة الشريعة بغية القضاء على كل أشكال التعصب والاعتقاد الزائف. في سبيل نشر الفضيلة والصفاء الروحي والأخلاقي.

· العمل على إيجاد ديداكتيك وظيفي لتعليم وتعلم التفلسف و لتأطير ومقاربة أنشطة التدريس مع مراعاة هوية وخصوصية وروح الفلسفة وفقا لنسق بيداغوجي مفتوح يتميز بالمرونة بعيدا عن النزعة التقنية التي تتعارض مع الطابع النقدي والإشكالي للفلسفة وبعدها الاخلاقي والجمالي وقيمها الكونية، لضمان تحرير فعل التفكير ، بعيدا عن التنميط والترويض والتدجين بوصفها عادات مهنية متصلبة تقتل الابداع والتفكير والتجديد.

·إعتماد المقاربة النصية في تدريس الفلسفة بوصفه نشاطا مركزيا في تعليم التفلسف وإكتساب مهارات التفكير الفلسفي من مفهمة وأشكلة وحجاج ومعرفه فلسفية ذات سياقات مرجعية ، بدل إعتبار النص الفلسفي نشاطا تكميليا تنحصر وظيفته في تعميق معارف المتعلمين في مسألة ما كما ورد في الوثيقة المرافقة للمنهاج.

· العمل على إيجاد إستراتيجية موحدة على مستوى هيئة التفتيش تساير المستجدات والأبحاث والدراسات في البيداغوجيا والديداكتيك وإحداث مؤسسات متخصصة في تكوين أطر التربية  والتفتح على التجارب العالمية .

خاتمة:

   إن الدرس الفلسفي حتى يكون في مستوى الأهداف والكفاءات والرهانات لابد من تفعيل الحوار بين الفلسفة والبيداغوجيا في أفق تأطير ممارسة الدرس الفلسفي بمقاربات ديداكتيكية وبيداغوجية مطابقة لهويته وطبيعته وأفاقه، ومن الخطأ نقل المفاهيم المبنية في ديداكتيك المواد إلى الفلسفة دون حذر، فمثلما لا توجد وصفات جاهزة يمكن تقديمها للتلاميذ، تمكنهم من التفوق في مادة الفلسفة، لا توجد أيضا وبشكل أكثر حدة وصفات جاهزة يمكن تقديمها للأساتذة لإنجاز دروسهم بشكل فعال وموفق، إننا ملزمون أمام هذا الوضع بالتحليل والبحث عن أفضل الطرائق لتعليم الفلسفة.

  وتبقى المؤسسة التعليمية الرسمية هي الفضاء المؤسساتي الذي يوفر جميع الوسائل لتبليغ الخطاب الفلسفي للأجيال وفقا للمناهج والأهداف التي تتضمنها الوثائق والمرجعيات بما يستجيب للخيارات والتطلعات والرهانات للسياسة التعليمية في الجزائر، وأن الوظيفة النقدية والتنويرية للممارسة الفلسفية لا تتعارض بالضرورة مع الفلسفة كخطاب مؤسسي مدرسي، إذ يمكن تطوير الممارسة الفلسفية من خلال نقد المناهج ومنهجية التدريس والمضامين وأساليب التقويم والمقاربات الديداكتيكية عن طريق البحث وتقديم الحلول والبدائل التي من شأنها ان ترتقي إلى مستوى الأهداف والرهانات والدور التكويني لمادة الفلسفة بالتعليم الثانوي.

المراجع:

1-الوثقيقة المرافقة لمنهاج الفلسفة ، الجزائر.

2-القانون التوجيهي للتربية الوطنية. الجزائر.

3-جيل دولوز وفيليكس غتاري ماهي الفلسفة؟

4-عبد الله موسى ، جدلية الدرس الفلسفي بين المعرفي والتعليمي.مجلة الذاكرة والمؤسسة.

5-خبراء مراكش ، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي,

6-عمر التومي الشيباني، مقدمة في الفلسفة الإسلامية.

7-Michel Tozzi apprendre a philosopher

8-زهير الخويلدي ، من كتاب التفلسف والتعليم ورهانات المستقبل.

9-عز الدين الخطابي ، مسارات الدرس الفلسفي بالمغرب حوار الفلسفة والبيداغوجيا.

10-الزواوي بغوره، الخطاب الفلسفي في الجزائر ، الممارسات والإشكاليات.

شاهد أيضاً

فرانسواز داستور: من هو زرادشت نيتشه ؟ 1

ترجمة : الحسن علاج من هو زرادشت نيتشه ؟ لا يمكن طرح هذا السؤال ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *