الرئيسية / ترجمة / ترجمة: لائكية (علمانية) بلا حدود

ترجمة: لائكية (علمانية) بلا حدود

أندري كانت سبونفيل

ترجمة يوسف اسحيردة

الصراع ليس حول المعجم! كَوْن كلمة “علمانية” لا تُترجم بسهولة في مُعظم اللغات، فهذا لا يعني أنها خصوصية فرنسية، الأمر الذي سيكون مدعاة للغرابة والقلق. لماذا سيكون الفرنسيون هم الشعب الوحيد على سطح الأرض الذي اكتشف هذه الطريقة السلمية للعيش معا، مهما كانت ديانة أو لادينية بعضهم البعض؟ العلمانية، كما أسسناها من خلال قوانين سنة 1905، هي أولا وقبل كل شيء فصلٌ للكنائس عن الدولة. في حين أن هذا الفصل، الذي وُجد في الولايات المتحدة الأمريكية منذ القرن 18، يُوجد اليوم – تحت أشكال مختلفة طبعا – في أغلب الديمقراطيات الحديثة. وهذا ليس صدفة : فهو جزء لا يتجزأ من سيادة الشعب (فمُمَثِّليه هم الذي يسهرون على تطبيق القانون، وليس ممثلي الإله)، ومن استقلالية الأفراد ( فالدولة لا تملك الحق في فرض أي أيدلوجية عليهم مهما كانت). العلمانية، من هذه الناحية، ليست سوى تسمية مُغايرة، دون تمييز، للحرية والحداثة. إنها مقابل اللاهوت السياسي والشمولية، وبصيغة أخرى، هي نقيض تداخل الاختصاصات المُصَيَّرِ كنظامٍ للحكم.

والصراع أيضا ليس حول الرموز. أن تُقرر الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل متأخر بالمناسبة، كتابة عبارة ” بالرب نؤمن” فوق عُملتها، أن تكون ملكة انجلترا عي نفسها رئيسة الكنيسة الانجلكانية، أن نجد صُلبانا في بعض المدارس العمومية الألمانية، هذا ليس معناه أن هذه البلدان ليست علمانية في شيء، عَمَلِيًّا أو من حيث الجوهر. سيكون الأمر كمن يجد غرابة في كون الإشارة إلى “الكائن الأسمى”، الموجودة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789، تنتمي بهذا الصدد إلى “الكتلة الدستورية” التي تعود إلينا! إن الأمر لا يعدو كونه إرثا تركه التاريخ الذي لا يتقدم بشكل مُستقيم أو دون أن يُخَلِّف وراءه، مثل كاسحة جليد، ركامه، والكثير من بقايا وشوائب مروره.

لُب الموضوع، في نظري، يُوجد في مكان آخر، وهو يرتبط بثلاثة معايير حاسمة. لكي يكون بلد ما علمانيا، مهما كان المعجم الذي يستخدمه للتعبير عن ذلك، يجب أولا أن تكون الدولة، من خلال الاشتغال الملموس لمؤسساتها، غير خاضعة لأي سلطة دينية؛ بعد ذلك، أن يتم اعتبار جميع المواطنين سواسية، بغض النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم؛ وأخيرا، أن تضمن الدولة لكل واحد منهم الحق في ممارسة دينه بكل حرية، أو تغييره أو حتى عدم اعتناق أي دين. هذا هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية كما في المملكة المتحدة، في ألمانيا كما في فرنسا، التي هي بالتالي دُول علمانيا، من هذه الناحية، لكن ليس في العربية السعودية أو في إيران، في الصين أو في كوريا الشمالية، والتي هي دول تتعرض فيها حرية الضمير، خاصة في المجال الديني، إلى التهديد أو الرفض بشكل مستمر ( سواء كان هذا الأمر باسم دين مُفضل أو إلحاد دولة). أتُوجد طريقة أفضل من هذه، من أجل التعبير عن حقيقة كون العلمانية، من هذا المنظور الشاسع، تقع ضمن متطلبات كل ديمقراطية حقيقية، ليبرالية وحديثة؟

سيعاتبني البعض على ابتعادي عن العلمانية “على الطريقة الفرنسية”…..هذا لأنها تبدو لي جد محدودة، على المستوى العالمي، وأحيانا ضيقة جدا، في نظر هذا أو ذاك من المتحمسين لها. العديد من هؤلاء يريدون حصر الدين في المجال الخاص، وبالتالي منعه من أي ظهور عام. أجد في الأمر فهما مَعْكُوسًا للعلمانية. فكَوْن الجمهورية لا تمتلك دينا، لا يمنع أبدا شخصا جمهوريا من امتلاك واحد، وإظهاره في المجال العام إن هو أراد ذلك ! في نظري، الحجاب الإسلامي مثلا، يُعتبر أمرا مُحزنا، لكن دولة علمانية لا تملك الحق في منعه. فيما يخص البرقع، هذا الشيء الفظيع، فقد سعدت بمنعه في المجال العام – فقط لأنه يَضُّر بصورة النساء، وحتى بأمن الجميع، وليس لأنه يشكل إهانة للعلمانية !سيكون الوضع كما لو تم منع اليهود من ارتداء الكيباه ( القبعة التي يضعوها اليهود فوق رؤوسهم) في الشارع، أو منع الكاثوليك من القيام بموكب مسيحي، أو الملحدين من إعلان كُفرهم، أو الفوضويين (الأناركيين) من إبداء شعار ” لا سادة ولا آلهة” على قمصانهم. غريبة هي العلمانية التي تريد تقليص حرية الضمير والتعبير، عوض حمايتها.

العلمانية تَحِقُّ على مؤسسات الجمهورية، لا على الأفراد ( باستثناء أولئك الذين يزاولنا وظيفة مؤسساتية، لكن فقط في إطار هذه المزاولة). إظهار المرء لديانته أو للادينيته، لا يُعتبر خرقا للعلمانية، بقدر ما هو استفادة من أحد الحقوق التي تُخولها.

المصدر:

Le monde des Religions, n°77, Mai 2016

شاهد أيضاً

طوماس بيكيتي: بحث في أصول التفاوت بين الناس

حاوره : ميشال التشانينوف ترجمة : يوسف اسحيردة يُقَدِّمُ طوماس بيكيتي، من خلال كتابه الجديد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *