الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / فوكو وشجاعة قول الحقيقة – القول الصريح عند سقراط وأفلاطون- (المقالة الثانية)

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – القول الصريح عند سقراط وأفلاطون- (المقالة الثانية)

بقلم: ادريس شرود

تقديم

    أعطى ميشيل فوكو أهمية للأعمال وللتحولات التي يتوجب على الذات القيام بها حتى تصير جديرة بأن تكون ذاتا صريحة وصادقة وحرة. فقد استنتج من الأبحاث التي قام بها حول كتابات بعض الفلاسفة اليونان والرومان أن العلاقة مع الحقيقة هي مباشرة أخلاقية وتتمظهر في تلك العلاقة المشروطة بين الفعل والقول. إذ أن ولوج الحقيقة وممارستها يفترض إقامة علاقة خاصة مع الذات ومع الآخرين والعالم. كما لا يكفي أن تكون أي ذات كما عند ديكارت Descartes ، بل من الواجب معرفة الذات والإهتمام بها وبنائها، وتمرينها على قول الحقيقة لنفسها وللآخر كما عند سقراط وأفلاطون. ففي الفلسفة السقراطية والأفلاطونية ستظهر قيمة قول الحقيقة وأهميتها بالنسبة للحياة. فهذا سقراط يقدم نفسه على أساس أن مهمته ووظيفته هي دعوة الناس إلى الإهتمام بذواتهم…، إنها مهمة أوكلها الله إليه وهو حريص على إبلاغها بكل شجاعة مجازفا في ذلك بحياته(1). أما بالنسبة لأفلاطون، فقد ربط الإهتمام بالذات بضرورة الـتأهيل لممارسة أعمال ووظائف في المدينة (حكم الآخرين مثلا)، الشيء الذي يتطلب تدخل الآخر/معلم أو مربي (عند اليونان) أو مستشار (عند الرومان) بالإرتكاز على قول الحقيقة والكلام الصريح والصادق والحر.

1- الباريسيا أو القول الصريح عند سقراط

    يمنح فوكو للفيلسوف اليوناني سقراط موقعا متميّزا في تاريخ الفلسفة(2)، على اعتبار أنه من أسس الفلسفة الغربية، وأسهم في تغيير النظرة إلى الفلسفة وتطوير فروع علمية كالأخلاق والمعرفة والمنطق. لكن ما يميز سقراط هو اعتبار حياته مثالا نموذجيا للحياة الفلسفية، أو مثالا لما ينبغي أن تكون عليه حياة أي شخص مُجملا(3). فدعوته إلى الإعتناء بالنفس وبالفضيلة وتنبيه مواطنيه بضرورة الإهتمام بالمعرفة وبالحقيقة، أهّله لأن يصير الشخصية التي وسمت معاصريه بطريقة في العيش، ويفتح الطريق أمام كيفية جديدة لمعرفة الفلسفة كخياروجودي: كيفية في العيش مختارة تفترض تحّولا وعودة أو تغييرا للاتجاه(4).

يتطلب هذا الخيار الوجودي السقراطي اهتماما خاصا للذات بنفسها وربطها بالحياة، وربط الحياة بالقول الحقيقي (الباريسيا). فالإهتمام بالذات يتطلب الوعي بحالة الجهل التي يكون عليها الفرد؛ جهله بمعرفة نفسه وبالآخر وخضوعه للآراء والأحكام المسبقة والمعتقدات السائدة. هكذا يتموضع مفهوم الباريسيا مع سقراط داخل إطار أعم وهو تصور “الإهتمام بالنفس” وقاعدة “اعرف نفسك”. ويعني ذلك بالنسبة لسقراط، ضرورة تنفيذ أمر الآلهة عن طريق مساءلة الناس، سواء كانوا شبابا أم شيوخا، مواطنين أو غير مواطنين، وأن يقول لهم: اهتمّوا واعتنوا بأنفسكم(5). تطلبت هذه المهمة من سقراط دفع الآثينيين إلى العناية بأرواحهم والإهتمام بأنفسهم حتى يصيروا أفضل أخلاقيا وعقليا(6). إن عملية تنبيه وإيقاظ مواطني آثينا وحثّهم بضرورة الإهتمام بأنفسهم وقول الحقيقة لهم، ستفرض على سقراط التحلّى بالشجاعة اللازمة وتحدي كل أشكال المنع (محاكمة، نفي، إعدام،…)، مع تجنب أي موقع سياسي تكون له وظيفة التأثير على الذات والآخرين والحد من قول الكلام الصريح والصادق والحر.

هكذا أسس سقراط لتجربة فلسفية تقوم على تصور إيتيقي يجمع بين الجدل وتوليد الأفكار وقيادة الروح، وبين الرغبة في قول الحقيقة ووجوب الإنصات إليها، غاية في تكوين الذات وبناء أسلوب في الحياة بارتباط مع ما سماه فوكو ب”إستيطيقا الوجود”. كما منح سقراط الممارسة الفلسفية السلاح الأكثر قوة وصلابة ألا وهو: “الحقيقة والجرأة على قولها”. ففي هذه التجربة، تظهر مهمة الفيلسوف كمُوجّه للأفراد نحو الحقيقة عن طريق اختبار معارفهم ومعرفتهم بأنفسهم وإبداع علاقة مغايرة مع ذواتهم. هكذا كان سقراط يشغل نفسه بالنقاش والمحاجاة مع من يقدر لهم التحاور معه، لا بهدف أن يغيّر من آرائهم أو يدفعهم إلى تبديل وجهات نظرهم، بل بُغية محاولة التوصل إلى الحقيقة ومعرفتها معرفة يقينية(7)، والتحوّل إلى شخصية فاضلة وخيّرة إلى أقصى حد.

مع سقراط، تصير الفلسفة معرفة قائمة على التمييز بين الصائب والغير الصائب، وبين الخير والشر، وبين الحقيقي والخاطئ، وتظهر ك”طريقة في الحياة” و”حقيقة تقاوم” شرط الإلتزام بالقول الحقيقي والصريح والصادق والحر.

تتحدّد إذن الباريسيا السقراطية، من منظور فوكو، كإمكانية للإهتمام بالذات وإقامة علاقة نقدية معها، وحسن قيادتها استنادا إلى تملّك فعلي للحقيقة وممارسة لها أثناء الحياة، أخذا بعين الإعتبار حقيقة الواقع الخاضع لرأي عام مهيمن، غارق في الجهل بنفسه وبالآخرين، ورازح تحت تأثير أحكام وآراء مُسبقة، ومُثابر على محاكمة الذات والآخر والوجود. من هنا يصبح الرهان الحقيقي للباريسيا السقراطية هو الحياة كموضوع اهتمام وانشغال على الطريقة الإغريقية الأصيلة، والتي تقتضي إبداع ذات وتكوين خُلق(êthos)؛ أي طريقة في وجود الذات وفي التصرّف، غايتها نسج تناغم حقيقي بين القول والفعل، بين اللوغوس(logos) والبيوس(bios). إن الامر في الباريسيا السقراطية، يتعلّق بتمفصل عضوي بين الذات والحقيقة والحياة؛ إذ على الذات أن تقوم بعمل ما على نفسها بهدف إعداد خطاب حقيقة وإبداع أسلوب حياة. يتحدد إرساء القول الحق والممارسة الفلسفية عند سقراط بالبحث عن صدقية تضع نصب أعينها اهتمام الآخرين بذواتهم. إنه اختبار الأرواح الذي يمارس نفسه، مع المجازفة بوجوده الخاص ومع وقوفه بعيدا عن كل منبر سياسي. ما ينبغي في اهتمام الآخرين بذواتهم هو أن تشرعن بطريقة وجود تكون منسجمة مع قيم شجاعة الروح وصلابتها(8). تلك الشجاعة التي جسّدها سقراط وهو يرفض المشاركة في عمل قضائي غير قانوني أثناء الإعتقالات التعسفية التي قام بها طغاة(9).

2- الباريسيا أو القول الصريح عند أفلاطون

    يجب التأكيد على أن قول الحقيقة عن الذات موجود في الثقافة الإغريقية والرومانية، ودليل على وجود منافسة على تبادل الآراء وإرادة قول الحقيقة في الإجتماع والفكر والفن والسياسة. الشيء الذي ساعد على نمو وتطور مجموعة من المعارف والكفاءات والممارسات، وطرائق في القول هي بالتحديد ما يسمى ب”الباريسيا” أو “الصراحة الصادقة الحرة” أو “القول الصريح”.

يجب التذكير أن الباريسيا الأفلاطونية ارتبطت بسياق سياسي وتاريخي مطبوع بانحطاط المدن الإغريقية والديمقراطيات الإغريقية، وتأسيس الملكيات الهلينستية وانتقال النظر في المشاكل السياسية من “الأغور Agora” إلى “الإكليزيا Ekklêsia “؛ أي من “البلدية” إلى “بلاط الملوك”. الشيء الذي سينعكس على مهمة الفلسفة في الحياة السياسية وعلى دور الفيلسوف الذي سيتحوّل إلى مستشار (conseiller) سياسي، وعلى مسألة استمرار مفهوم الباريسيا في سياق سياسي مختلف ونظام حكم جديد. يؤكد أفلاطون على إمكانية طرح مشكل الباريسيا في أي شكل من أنظمة الحكم، لكن مع الأخذ في الحسبان طبيعة الدولة ومؤسساتها، وطبيعة وجوهر السياسة. لهذا يؤكد فوكو على حق الفلسفة المطلق على الخطاب السياسي(10)، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه سواء في الأنظمة الأرستقراطية أو الديمقراطية أو الملكية أو الأوليغارشية.

يتأسس مفهوم الباريسيا عند أفلاطون على مبدإ الإهتمام بالنفس، ذلك الإهتمام الذي يقود مباشرة إلى الإهتمام بالآخرين (بالآثينيين)(11). فالعلاقة بين الإهتمام بالنفس والإهتمام بالآخر، تقوم عند أفلاطون في سياق محاورة الشباب/المحاورات السقراطية، على تلك الرغبة في الدخول في اللعبة السياسية وعقلنة الفعل السياسي وممارسة الحكم. فالمكانة التي يحتلها الشاب الارستقراطي  اجتماعيا واقتصاديا، وطموحه لاحتلال مكانة سياسية داخل المدينة، يفترض القيام بعمل ما على ذاته (الإهتمام بالذات) كي يصير قادرا على الحكم (حكم الذات وحكم الآخرين). إن الأمر لا يتعلق هنا -كما هو معتاد في الأمور السياسية- بالتزود بالخطابات الحقيقية حول السياسة وكيفية ممارسة الحكم والقوانين التي يجب تطبيقها، ولكن بقول الصراحة والحقيقة بخصوص السلطة والعلاقة معها. إنها الإمكانية التي يمكن أن تمنحها الفلسفة للعقول الحرة حتى تفكر بقوة في السلطة عن طريق التوجه الشجاع نحوها وقول الحق وما هو صدقي وصريح بخصوصها.

من المهم الإنطلاق من فكرة أن النظام السياسي الجيد يقتضي الأخلاق الفاضلة للحاكمين، والتي تتطلب التحول إلى الذات وإدراك الحقيقي وقول الكلام الصريح والحر، الشيء الذي يفترض إخضاع الأمراء إلى تربية أساسها تعلّم الإعتناء بالنفس وحكمها، وتملّك معرفة وتقنيات ضرورية لتحديد الحكم الخيّر للمدينة ولحكم الآخرين، وممارسة السلطة السياسية باتّزان وحكمة.

تتوزع نصائح أفلاطون للأمير بين المداخلات التي تبيّن كيفية ممارسة الحكم، وتلك التي تنتمي إلى المجال الفلسفي. يمكن هنا الإستشهاد بالمقارنة التي يقيمها أفلاطون بين مهام مرشد الامير وطبيب الناس الأحرار. فالطبيب يتميّز بثلاث أمور أساسية:

– أولا: القيام بالملاحظة والتشخيص والحوار مع المريض لتعيين الدّاء الذي يعاني منه.

– ثانيا: لا يقتصر الطبيب بالتصريح بنتائج التشخيص وتحديد قائمة الأدوية، بل يفاجئ المريض بنتائج التشخيص وبالنظام الصحي الملائم الذي يجب اتباعه للحصول على الشفاء.

– ثالثا: إقناع المريض ليس فقط بضرورة أخذ الادوية، بل باتباع نمط حياة صحي، مادام العلاج يمر عبر تغيير نمط الحياة.

يتحدّد مفهوم القول الصريح عند أفلاطون انطلاقا من النصائح التي يقدمها للأمير الراغب في ممارسة الحكم، والتي ترتكز على تدخلات ذات طبيعة فلسفية وليست سياسية. وهذا يعني تجنب الكلام عن البرنامج السياسي المطلوب تطبيقه داخل المدينة/الدولة، بل النظر في وضعية متأزمة خاصة تستوجب التشخيص.

في هذا السياق، يأتي الحوار المثير بين أفلاطون ودنيز Denys الذي ورث السلطة في سيراكوس Syracuse وطلب نصائح أفلاطون، والتي ركّزت على:

– أولا: تقديم مجموعة من النصائح حول تنظيم المدينة.

– ثانيا: تقديم نصائح لدنيز  Denysكفرد مقبل على ممارسة السلطة، وبالتالي عليه القيام بعمل ما على ذاته غاية في أن يصير حكيما ومعتدلا.

– ثالثا: على دنيز Denys تحقيق نوع من الإنسجام مع ذاته، من أجل تحقيق توافق وانسجام بين مختلف المدن ومدينة سيراكوس، وبينها هي نفسها.

– رابعا: من خلال هذه النصائح، على دنيز Denys تحويل طريقته في العيش، من خلال السيطرة على رغباته وأن يصير سيّدا على ذاته.

فانطلاقا من “الإنصات” لهذه النصائح، سيتمكن دنيز Denys من ضمان الإنسجام لحكمه، ليس من خلال تطبيق شكل من “العقلانية السياسية” ولكن انطلاقا من الدور الذي يمكن أن يلعبه قول الصراحة حول وضعية سياسية محدّدة. يصبح الرّهان الفلسفي لأفلاطون حسب ميشيل فوكو، ليس هو أن تقول لرجل السياسة ما يجب فعله، ولكن التموقع سياسيا من خلال الخطاب، عن طريق تقديم خطاب حقيقي وحر حول الممارسة السياسية وقول صريح وصادق لرجل السياسة. تلك الصراحة التي ترتكز على الوظيفة التشخيصية والنقدية وتقديم خطاب حقيقي حول السلطة. هكذا يتقدّم القول الصريح/الباريسيا عند أفلاطون ككلام نقدي ملتزم موجّه للسلطة وللأمير المُقبل على ممارسة الحكم. ففي الرسالة الثامنة، وأثناء تقديم أفلاطون نصائح لأصدقاء “ديون Dion”، يؤكد على أن كلامه تعبير عن رأيه الخاص وعن ما يفكر فيه ويعتقد بأنه في صالح المدينة، كما أنه انعكاس مباشر لحياته/Son Ethos باعتباره فيلسوفا معني بما يجري في المدينة. فهذا الإلتزام هو الذي يفرض على الفيلسوف قول حقيقة ذات مفعول على الواقع، وليس تقديم وصفة خطابية تتضمن قوانين أو خصائص نظام حكم يعكس الامل في بناء “المدينة المثالية”. إن الأمر يتعلق بنسج علاقة متميّزة بين الفيلسوف والسياسة، وتقديم كيفية وجوده الفلسفي son mode d’être philosophique داخل ممارسة السلطة.

إن ديون Dion هو من جاء بأفلاطون من أجل أن يُرشد المستبد بمبادئ الفضيلة الفلسفية. خلال المحادثة يقرر أفلاطون، مخاطرا بحياته، أن يعبّر عن احتقاره للحياة الإستبدادية: يغضب دنيز Denys ويحكم عليه بالعبودية(12). تبين هذه الواقعة، مدى ارتباط مفهوم الباريسيا عند أفلاطون بضرورة قول الحقيقة للحاكم والإقدام على ذلك بشجاعة، في الوقت ذاته يعكس هذا المفهوم العلاقة بالذات وإرادة النطق بالحق وإشكالية إدارة الحكم: أي التجربة التي تنضوي فيها الأبعاد الثلاثة التي درسها فوكو طيلة حياته الفكرية؛ الذات والحقيقة والسلطة.

خاتمة

    قدم ميشيل فوكو مفهوم الباريزيا عند سقراط بارتباط مع مفهوم الإهتمام بالنفس وضرورة الإعتناء بها وعدم إهمالها. في هذا السياق حاول سقراط دفع محاوريه إلى الإهتمام بانفسهم (محاكمة سقراط Apologie de Socrate) وذلك عن طريق العناية بأرواحهم (محاورة ألسيبياد) وبطريقة حياتهم (حوار للشبيبة la Lachès)، وإرساء قول الحق وممارسته بعيدا عن كل منبر سياسي، مع البحث عن طريقة وجود تكون منسجمة مع قيم الشجاعة. في حين ربط فوكو مفهوم الباريسيا عند أفلاطون بالقول الفلسفي ليس باعتباره لوغوسا (logos) ولكنه فعلا ergon، يستمد حقيقته ومشروعيته من واقعة الصراع ضد السلطة ومن الممارسة المستمرة للروح.

يفتحنا مفهوم الباريسيا عند سقراط وأفلاطون على بُعدين أساسيين في الخطاب الفلسفي:

– البُعد الإيتيقي (سقراط): فرض البحث عن أفضل طريقة لممارسة السلطة، النظر في طريقة تربية الأمير والإعتناء بذاته وروحه حتى يصير أهلا لحكم الآخرين. هذا ما دفع بسقراط  إلى البحث في الشروط الإيتيقية الضرورية لقول الحقيقة ونسج علاقة أخرى بين الفيلسوف والسياسة و بين الفلسفة والروحانية، وبالتالي إدراك الفلسفة كممارسة للذات في علاقتها بالحقيقة، وكطريقة في العيش وكيفية في الوجود. فلم يعد الأمر إذن بالنسبة لسقراط يتعلق بالإهتمام بالنفس، بل بشجاعة قول الحقيقة.

– البُعد السياسي (أفلاطون): ممثلا في ضرورة توجيه خطاب إلى روح الأمير المقبل على ممارسة الحكم، الشيء الذي يفترض اهتماما خاص بذاته يؤهله إلى الإهتمام بالآخرين وبشؤون المدينة. يتميّز هذا الخطاب الموجّه للأمير بالصراحة ، في الوقت الذي يتحلّى مُرسله بالشجاعة وتبخيس “فضيلة” الخوف عند قول الحقيقة بخصوص السلطة، كما أن رهان الخطاب هو قول الصراحة الفلسفية بخصوص الممارسة السياسية ورجال السياسة، وتقديم خطاب صريح وحر بخصوص السلطة وجعل طريقة الوجود الفلسفية تلعب دورها أثناء ممارسة السلطة(13).

الهوامش:

1- ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، تقديم وترجمة محمد ازويتة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء- المغرب، 2015، ص12.

2- بخلاف نيتشه الذي يقول في “قضية سقراط”:”لقد عرفت كيف أكتشف، لدى سقراط وأفلاطون، أعراض فساد الأصل دلائل تدهور الهلينية، الإغريقيّين المزيفين”المضادين للإغريق (ميلاد التراجيديا 1872)”، فريديريك نيتشه: أفول الأصنام، ترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 1996، ص18.

شكّك نيتشه في “إغريقية سقراط”، وقال بانتمائه ل”المتذبذبين والمنحطّين”. رأى فيه رجل الشعب، سمج، ذو نمو معاق بفعل التهجين. لم يستسغ معادلة سقراط: عقل=فضيلة=سعادة، و”جدله” الذي اعتبره “شكل من أشكال الإنتقام”، ودعوته إلى “السيطرة على الغرائز”، وموقفه السلبي من الحياة وإصدار أحكام قيمة عنها. انظر: فريديريك نيتشه: أفول الأصنام، ص20.

يقول نيتشه بصدد سقراط:”وقد وددت أن يكون بقي صامتا في اللحظات الأخيرة من حياته: – ربّما إذّاك سينتمي إلى طراز أسمى من العقول. هل كان ذلك الموت أم السم، التقوى أم المكر- شيء ما أطلق لسانه في هاته اللحظة وقال:”يا كريتون، إني مدين بديك لإيسكيلاب” هاته “الكلمة الأخيرة” المضحكة والفظيعة تعني للذي يعرف أن يسمع: “ياكريتون، إن الحياة مرض !” هل ممكن [أنّ] رجلا مثله كان متشائما – وقد عاش مرحا ومثل جندي في أعين الكل !” إنه لم يفعل شيئا إذن سوى إظهار رباطة الجأش تجاه الحياة، سوى إخفاء حكمه الأخير وشعوره الأكثر حميمية يوم كان حيّا. سقراط، سقراط عانى من الحياة إذن ! ولقد انتقم منها بواسطة هذه الكلمات الغامضة، الفظيعة، التقية والتجديفية ! هل كان لابد أن ينتهي سقراط إلى الإنتقام؟ هل كانت ذرّة سخاء تنقص فضيلته الوفيرة ! آه يا أصدقائي ! يجب علينا أن نعلو حتى على الإغريق !”. فريديريك نيتشة: العلم المرح، نبذة 340 “سقراط محتضرا”، ترجمة وتقديم حسان بروقية – محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 1993، ص200.

لكن، يجب الـتأكيد أن نيتشه كان مفتتن بسقراط بفعل “حبه للحياة”، يقول:”إذا جرت الأمور على ما يُرام فسوف يأتي زمن يأخذ فيه المرء ’’تذكارات” سقراط، وليس الكتاب المقدس، كمرشد للأخلاق والعقل، ويستخدم مونتيتي وهوراس كرائدين ومعلمين لفهم سقراط، أكثر الشفعاء بساطة ودواما. إن مسارات شتى الطرائق الفلسفية للحياة وأكثرها تباينا لترتدّ إليه… سقراط يفوق مؤسس المسيحية في امتلاكه صنفا من مرحا من الجدّية وتلك الحكمة المُفعمة بالصعلكة التي تشكل أنقى حالة للنفس البشرية (نيتشه: إنساني، إنسلني جدا)، أورده، بيير هادو: الفلسفة طريقة حياة، التدريبات الروحية من سقراط إلى فوكو، نقله إلى العربية عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2019، ص123 و124.

إن موقف نيتشه الإيجابي من سقراط، يتوافق مع تصوير زينوفون له “راقصا”، ومع صورة سقراط؛ “صورة الفيلسوف المُحب للحياة” عند الشاعر الألماني هودرلين.

يعيد ميشيل فوكو إذن الإعتبار لسقراط بخلاف التأويلات الكلاسيكية لأقواله وهو يواجه خطر الإعدام أثناء محاكمته. ومن هذه الأقوال “؛ وصيته لأتباعه بتقديم أضحية عبارة عن “ديك” لتهنئة أسكليبيوس  Asklépiosعلى شفائه من “هذا المرض الذي هو الحياة”. ارتكز فوكو في عملية رد الإعتبار لسقراط إلى التأويل الذي قدمه جورج دوميزيل George Dumizil صاحب تأويل مغاير للحدث. فهو يرى أن ثناء سقراط على أسكيبيوس Asklépios راجع إلى شفائه – الشفاء من مرض الخطابات الخاطئة وعدوى الآراء الشائعة والمهيمنة، وعدوى الآراء المسبقة – بواسطة الفلسفة.

+أسقليبيوس أو آسكليبيوس: هو بطل وإله للطب في الديانة والميثولوجيا الإغريقية القديمة. يمثل أسقليبيوس جاني الشفاء من الفنون الطبية. بناته: هيجيا (“النظافة”، إلهة الصحة الجيّدة والنظافة والصحة العامة)، آياسو (إلهة التعافي من المرض)، أسيسو (إلهة عملية الشفاء)، آغليا (إلهة توهج الصحة الجيدة)، وباناسا (إلهة الدواء العام والعلاج العام الشامل). كان مرتبطا مع الإله الروماني/الأتروري فيديوفيس والإمتحب المصري. كان واحدا من أبناء أبولو، تشارك مع أبولو على لقب “الشافي” عصا أسكليبيوس، هو عامل متشابك مع الثعبان، وهو رمز للطب اليوم. هؤلاء الأطباء والحاضرين الذين خدموا هذا الإله كانوا يُعرفون باسم العلاج في أسكليبيوس. ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

– أما بيير هادو، في مقالته “صورة سقراط”، فيقول: “في سقراط صورة متناغمة، التي تجمع الخصائص الإلهية والبشرية في دقة ولطف”، بيير هادو: الفلسفة طريقة حياة، التدريبات الروحية من سقراط إلى فوكو، ص184.

3- سقراط: موسوعة ستانفورد، ترجمة ناصر الحلواني، موقع حكمة، 02 يناير 2018.

4– Luis Paz : L’origine socratique du mode de vie cynique,                                                                                    http://www.faunicas.net/socrate_cynique/       

5- ميشيل فوكو: تأويل الذات، دروس ألقيت في “الكوليج دو فرانس” لسنة 1981-1982، ترجمة وتقديم وتعليق د الزواوي بغوره، دار الطليعة-بيروت، الطبعة الأولى، يناير 2011، ص14.

6- ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص15.

يستجيب مبدأ الإنهمام بالذات عند سقراط لثلاث ضرورات تهم (ألفيبيادس)، هي:

– الضرورة السياسية: من أجل أن يحكم (ألفيبيادس) على الوجه الأكمل، تسيير المدينة ومحاربة الأعداء، يلزمه أن يفكر في ذاته، وأن يهتم بها على الوجه الصحيح، وبالتالي الحاجة إلى المعلم.

– الضرورة البيداغوجية: من أجل أن يحكم (ألفيبيادس)، على الوجه الصحيح، تلزمه تربية حقيقية يقوم بها معلم مقتدر، وليس ذلك العبد الجاهل، كما تأخذ هذه التربية أفقا نقديا، محوره، التخلص من كل العادات السيئة والآراء الخاطئة.

– الضرورة التصحيحية المرتبطة بالجهل: ليست المشكلة في كون (ألفيبيادس) جاهل، ولكن في كونه لا يعرف أنه كذلك… وبالتالي من الضروري العناية بالذات والإهتمام بها.  ميشيل فوكو: الإنهمام بالذات، جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، ص11.

7- ديوجينيس اللائرتي: حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الأول، ترجمة وتقديم إمام عبد الفتاح إمام، راجعه على الاصل اليوناني محمد حمدي إبراهيم، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2006، ص144.

8- فريديريك غرو: فوكو، ترجمة محمد وطفة، ك – كلمة ومجد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2008، ص154.

9- Michel Foucault :Le gouvernement de soi et des autres, cours auCollège de            France (1982-1983), Edition établie sous la direction de François Ewald et     Alessandro Fontana, par Frédéric Gross, Seuil/Gallimard, Janvier 2008, p199. 

10- Michel Foucault :Le gouvernement de soi et des autres, cours au Collège de            France (1982-1983),p200.

11- يؤكد ميشيل فوكو على مسألة “الإهتمام بالنفس” في المجتمع اليوناني، بينما نجد ميولا واضحا ل”الإهتمام بالآخرين” وتغلبا على “الإهتمام بالنفس” في المجتمع الروماني. لأنه يوجد على الأقل فرد متجه إلى الآخرين وهو بالطبع الأمير. الأمير هو الرجل السياسي بامتياز، الوحيد في الحقل السياسي في العالم الروماني الذي يتعارض أو يتقابل مع ما كان يحدث في المدينة اليونانية، ألا وهو الإهتمام كلية بالآخرين. ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص192.

12- فريديريك غرو: ميشال فوكو، ص149.

13- فرض نظام الحكم في ظل الإمبراطورية الرومانية إشكالية تأهيل الأمير أو الإمبراطور لممارسة السلطة وتدبير شؤون الإمبراطورية (وليس المدينة-الدولة الإغريقية). هكذا تم إثارة مسألة قول الحقيقة لحاكم متميز وقوي؛ إنه الإمبراطور،  يقول فوكو:” في الوقت الذي نكون فيه تحت حكم الإمبراطور، وهو شكل سياسي أكبر من دستور المدينة، بل أكثر من التنظيم العام  للدولة، فإن ما يهمّ في مثل هذا الحكم هو حكمة وفضيلة الأمير وصفاته الأخلاقية … . إذن، ما أن نكون في هذه الوضعية حتى تُثار بالتأكيد مسألة الإدراة والتوجيه الأخلاقي للأمير. فمن سيُسدي النصائح إلى الأمير؟ من سيكون مربي الأمير؟ من سيحكم روح الأمير الذي سيحكم العالم كله؟ هنا بالطبع مسألة الصراحة تجاه الأمير أو مصارحة الأمير. إن الصراحة مرتبطة بوجود السلطة الشخصية، وبالدائرة الخاصة بالأمير، وتُعتبر هذه الظاهرة جديدة في الوسط الروماني. ويرتبط هذا المشكل الجديد في الوسط الروماني بمشكلة تقديس الإمبراطور. فلم تكن المسألة السياسية الأساسية في الإمبراطورية الرومانية في تلك الحقبة هي حرية الرأي، وإنما كانت مسألة كيفية قول الحقيقة إلى الأمير: من يقول الحقيقة للأمير؟ من سيقول إلى الامير ما هو عليه ليس بوصفه إمبراطورا، وإنما بوصفه رجلا وإنسانا”، ميشيل فوكو: تأويل الذات، ص356 و357.

شاهد أيضاً

الذاكرة الفلسطينية في المواجهة بين مفتاح ودبابة

د. رياض كامل مقدمة أصدر الروائي إبراهيم نصرالله مؤخّرا “ثلاثية الأجراس” (2019)، وهي عبارة عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *