الرئيسية / منشورات / مجلات / العلاقة بين العقل والجسد في فلسفة العقل

العلاقة بين العقل والجسد في فلسفة العقل

 اسماعيل دحماني

 اسماعيل دحماني

ابتدأت فلسفة العقل فعليا بأعمال ديكارت أي في القرن 17، حيث استقر على مبدأ يقول فيه إن العالم ينقسم إلى نوعين من الجواهر وهي جواهر مادية وجواهر عقلية وهي تسمى ثنائية الجوهر. ويعتقد ديكارت أن لكل جوهر ماهية وماهية العقل هي الفكر أو الوعي، وماهية الجسد تستمد من أبعاده في المكان المادي. وهو ما يسمى بالامتداد ويختصر ديكارت تصوره بأشهر جملة من فلسفته:”أنا أفكر إذا أنا موجود”، هذه القضية حسب جون سيرل كان ينوي بها ديكارت أنه سيجعل نوعا من الإدراك الباطني لوجود محتويات العقل، وبما أنه لا يمكن لي أن أخطئ بوجود وعيي أنا، إذا لا يمكن لي أن أخطئ بوجودي أنا، لأن كوني كائنا واعيا أي التفكير أو العقل، هو جوهري[1]. حتى إدراكنا للجسد لا يكون بطريقة مباشرة، وذلك باستنتاج وجود وصفاته من محتويات العقل:

إذا ما العلاقة بين الجسد والعقل؟

هل يمكن الإقرار بوجود علاقة سببية بينهما؟

وكيف يمكن لأي شيء في العقل أن يسبب أي شيء في الجسد والعكس بالعكس؟

لمحاولة علاج هذه الإشكالات ننطلق من المثال التالي:

لنفترض أنني كنت أقوم بعمل ما وفجأة لامست يدي آلة حادة، سوف أحس بألم ما، هذا شيء طبيعي. إذا ما يمكن استنتاجه من هذا المثال هو أن شعوري بالألم هو حادثة عقلية نتيجة لحادثة مادية، إذا كيف يمكن لهذه الأشياء أن تحدث؟ هناك مثال آخر يمكن الاستعانة به كذلك هنا هو: قررت رع كتاب ما( هذا القرار يحدث داخل نفسي)، لكن فعلا رفعت يدي الكتاب. إذا كيف لقرار نفسي أن يسبب حركة شيء مادي؟ والسؤال العام لهذه الإشكالات إذا كيف يمكن أن توجد حركة سببية بين الاثنين؟

يمكن إذا إعادة السؤال بصيغة عصرية: كيف يمكن للعمليات الدماغية أن تنتج ظواهر على الإطلاق؟ وكيف للأدمغة أن تسبب عقولا؟ هذه الصيغة العصرية لم يتوقع حدوثها ديكارت لأنه يظن ويعتقد أن العقول تتميز بوجود مستقل تماما عن الأدمغة، فنحن نعتقد الآن ومع العلوم المعاصرة أن أعمال الدماغ تفسر وجود العقل أو بحد ذاته، إلا أن ديكارت لم يعتقد أن هذا التفسير ممكن، وهذا ما أكده جون سيرل في كتابه العقل مدخل موجز.  

يكمن خطأ ديكارت في إدراجه العقل مع الجسم باعتبارهما جواهر هذا الخطأ يطلق عليه رايل اسم خطأ المقولة[i]، حيث أن ديكارت صنف فئتين من الأشياء هما العقل والجسد، لكنه ارتكب خطأ عندما صنف العقل من نفس مقولة الجسد أي الجوهر.

يصف رايل الخطأ الديكارتي بعقيدة العفريت أو الشبح في الآلة ووفقا لهذا المبدأ كل من شبح (عقلنا) يسكن في آلة[2]، وهذا يعني كأن الجسم آلة فيزيائية مادية متصل بجوهر من طبيعة أخرى تتحكم فيها، هي العقل. فما هو العقل إذا؟

العقل ليس شيئا هكذا تعاملت سلوكية[ii] رايل اللغوية مع العقل واعتبرته اسما نطلقه على مجموعة واسعة من العمليات والحالات السلوكية لكنه ليس شيئا[3]، بل والعقل نفسه يمكن ترجمتهم إلى عبارات لغوية عن سلوك أو استعداد لسلوك تحت ظروف معينة.

كثيرة هي النظريات الثنائية التي حاولت حل مشكلة العقل والجسد ومن بينها كذلك نجد النظرية الحزمية التي في الأساس ترجع إلى صاحبها هيوم، اسم النظرية أخد من تعريف هيوم للعقل حيت أعتبره حزمة  من الادراكات الحسية، كما أن تعريف هيوم للعقل يشابه الذي جاء به صاحب السلوكية اللغوية رايل حيث اعتبر (هيوم) أن العقل ليس شيئا قائما بذاته، وإنما هو مجموعة من الأفكار والانطباعات المتتابعة في حركة عجيبة، تأتي وتزول ويحل محلها غيرها وتعود إلى الظهور مرة أخرى، وليست الذات حسبه كذلك سوى حزمة من الادراكات المختلفة التي تعقب إحداها الأخرى وبسرعة. إذا فالمعرفة البشرية في نظر هيوم ترجع إلى ادراكات العقل التي تنحل إلى نوعين: الانطباعات والأفكار، حيث الأولى تدخل العقل بعنف وقوة للمرة الأولى وتشمل الإحساسات والعواطف. أما الثانية هي ما في التفكير والاستدلال من صور باهتة من الانطباعات[4].

و هناك النظرية التفاعلية كذلك التي ترى أن العقل والجسم يرتبطان بعضهما البعض، وهي شكل معين للمثنوية، كان ديكارت أول من تبناه في التأملات وأهم من دافع في القرن العشرين عن هذه النظرية نجد كارل بوبر، تقوم هذه النظرية على فكرة أن الحالات العقلية تتفاعل سببيا مع الحالات المادية؛ أي أن الحالات النفسية والعمليات العقلية تؤدي إلى إحداث تغيرات معينة في الجسم، كما أن بعض التغيرات الفيزيولوجية في الجسم تكون علة لأحداث حالاتنا النفسية والعقلية، فالنفس تؤثر في الجسم، والجسم كذلك يؤثر في النفس[5].

هذه النظريات الثنائية حاولت بشكل أو بآخر أن تفسر علاقة العقل بالجسد الغامضة، فقدمت تفسيراتها القوية لكن الإبداع يكمن في النقد والنقد يعتبر أحد أهم عمليات النفي من وجهة نظري والنفي هو أساس بناء وتطور المعرفة عموما والمعرفة العلمية خصوصا[6]، لذلك سينتقد آرمسترونج[iii] النظريات الثنائية وذلك لأنها لم تستطيع تفسير العلاقة حيث بدأ نقده بسؤال هام وهو: هل النظرية الثنائية تستطيع أن توفر لنا تلك العلاقة الوثيقة بين العقل والجسد؟

في ايطار النقد والجواب عن السؤال اعتقد أن هذه النظريات لا يمكنها أن تفسر العلاقة بين الجسد والعقل، ولماذا نحن نعتقد أن العقل والجسد يكونان مرتبطان بإحكام؟ أما النقد الثاني تمثل في قوله أن صاحب النظرية يجد صعوبة في قبول التفاعل بين العقل والجسد لأنه من وجهة نظره وجب على القائل بالنظرية الثنائية أن يقول أن علاقة العقل بالجسد أو الجسم تكون مختلفة تماما عن تلك العلاقة التي تكون بين الطيار وطائرته، وحسبه لا يوجد صعوبة منطقية في قبول فكرة أن الحوادث غير المادية ربما تحدث وتسبب حوادث مادية، أو العكس بالعكس، ويحدد آرمستروتج  شرطين يجب أن تفي بهم النظرية الثنائية لتصبح نظرية تفاعلية:

  1. يجب أن أن يوجد أحداث مادية في المخ يتبعها أحداث أخرى وتكون الأحداث الأولى علة الأحداث الثانية في المخ.
  2. يجب أن توجد أحداث عقلية أولية سابقة تتبعها أحداث عقلية أخرى، وتكون الأولى علة الثانية[7].

إذا وبناءا على هذين الشرطين يرى الفيلسوف الاسترالي آرمسترونج أن الأحداث المادية تؤثر في الأحداث العقلية، ويكون هنا الحدث الأول علة للحدث الثاني، والعكس بالعكس كذلك.

خلاصة القول إن مشكلة العلاقة بين العقل والجسد كانت وأصبحت وستظل موضوعا للنقاش الفلسفي في فلسفة العقل حيث أصبحت هذه الأخيرة الآن مكانة «الفلسفة الأولى»، أي الفرع الفلسفي الذي يسبق منطقيًّا ويؤسس كل ما عداه من فروع الفلسفة، كما كانت قديمًا الميتافيزيقا حيث ظلت محتلة هذه لفترة قاربت خمسة وعشرين قرنًا من الزمان. أما الأسئلة بخصوص العقل عمومًا من أصعب الأسئلة الفلسفية، وهي كذلك أسئلة معقدة بالنسبة إلى العلوم الحديثة، كالعلوم الإدراكية وعلوم الأعصاب والحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي واللسانيات وعلم النفس بفروعه المختلفة.


[1]  جون سيرل:[2007]،العقل مدخل موجز، عالم المعرفة، الكويت، العدد343، ترجمة ميشيل حنا متياس، ص17.

[2] نفس المصدر السابق، ص17

[3] حنا فادي[2018] :مدخل إلى فلسفة العقل.. هذا إن كان موجودا أصلا، مجلة منشور.

[4] عماد الدين عبد الرزاق[2016]: جدلية العلاقة بين الجسد والعقل في الفكر الفلسفي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

[5] نفس المصدر السابق.

[6] يوسف تيبس[2014]:التصورات العلمية للعالم، قضايا واتجاهات في الفلسفة  المعاصرة، ابن النديم للنشر والتوزيع، دار الروافد الثقافية-ناشرون، ط1، ص20.

[7] عماد الدين عبد الرزاق[2016]: جدلية العلاقة بين الجسد والعقل في الفكر الفلسفي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود


[i] تعني الزلة التي يقع فيها مفكر ما.

[ii] ظهرت السلوكية لأول مرة كتيار منهجي في علم النفس، فزعمت السلوكية أن الحالات العقلية لا يجب أن تدرس في ذاتها كما لو كانت أشياء باطنية تنتمي إلى داخل الإنسان، لكنها يجب أن تختزل إلى السلوك الذي يمكن ملاحظته تجريبيا، فالسلوك الظاهر للعيان لا يشير إلى حالة عقلية باطنية أو يدل عليها، إنما هو نفسه هذه الحالة العقلية، التي ليس لها أي محتوى أكثر من أنها سلوك خارجي.

[iii]  ديفيد أرمسترونغ : ( David Malet Armstrong) هو فيلسوف أسترالي عاش في الفترة ما بين 8 تموز/يوليو 1926 – 13 أيار/مايو 2014، اشتهر ديفيد أرمسترونغ بآرائه في مجال ما بعد الطبيعة وفلسفة العقل، كما اشتهر في دفاعه عن علم الوجود المبني على حقائق، وعن المذهب الوظيفي في فلسفة العقل، وهو داخليانيّ فيما يخص نظرية المعرفة، ودافع عن مفهوم منطق الجبرية في القوانين الطبيعية واختير أرمسترونغ كعضو شرفي أجنبي في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم سنة 2008.

شاهد أيضاً

مجتمع الاستعراض: وسائل التواصل الاجتماعي بين الوهم و الحقيقة

التاه محمد حرمة  مقدمة:        ⁃     في ظل ما نشهده من إعلانات عن السعادة وما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *