الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / هل تنقد فلسفة الإعتراف البشر من نوازعهم الشريرة؟

هل تنقد فلسفة الإعتراف البشر من نوازعهم الشريرة؟

محمد بصري

بقلم : بصــــــــــري محمد باحث من القنادسة الجزائر

“قد لا يفيد الاعتراف شيئا قد يجعلنا تعساء فقط”  هاروكي موراكامي

تصنيف الناس الى أوغاد وأتقياء لا يحسم المسألة  الاخلاقية ولا يمكن أن ينقد جدلية الخير والشر من العبثية البشرية، فهما صنوان كالنور والظلمة، الوجود والعدم،  مندمجان ومنسجمان سرمديا ومتآلفان ابديا .تساءل أحد الملحدين يوما وهو تحت تأثير سكرته اللاإيمانية .هل يمكن للإله  ان يفني نفسه ؟ هل يستطيع الاله الذي تؤمن به الانسانية ان ينهي مسألة الشر ؟.المعضلة ليست بهذه البساطة الانطولوجية  كما يعتقد الكثيرون .إنها أعمق فلسفيا وهي أكثر المحن الفكرية التي لا يمكن البتة  أن تفتك اجابات من الميراث الديني والاكسيولوجي في  الثقافة البشرية. الفناء ليس من صفات الله  هو محطة اخيرة في انهيار الخلق .انه صفة للبشر الفانين أو هكذا كان يعلن المقاتل المغوار اخيليوسAchille الاغريقي  الاسبارطي وهو يجابه شرور القتل في طروادة . لا يمكنك ان تكتب عن الشر إلا وأنت عالق بين مشاعرك الخيرة .بالمقابل ليس بمقدورك أن  تتحول الى داعية سلام يبشر بالصفح وأنت تخفي بين اضلعك  شيطان رجيم . لان الشر ليس  جحيما أبديا  كما انه ليس  جنة  و منتزها فردوسيا،  فقط انه عالق بين ضفتين بين عالم المبادئ وبين واقع تصطدم به أحجيات العقل النظري المجرد.الشر هو نهاية الخيارات الصادقة  بل هو تحدي اناني للأسس  والقيم واليوتوبيا..

من مجتمع الاحتقار الى مجتمع الاعتراف

ملككم ليس ملكا عادلا- لأنه لو كان كذلك، لما طمع في أرض ليست ملكا له، انه استعبد شعبا لم يسيء اليه ” (ملك اثيوبيا مخاطبا الفرس،هيرودوث، التواريخ ،)1

الازدراء الذي تعرضت له شعوب  معينة  دون غيرها، هو ميراث ينبع من معادلة الشر القدرية التي ارتبطت بمصائر بعض الإثنيات والجماعات البشرية، قد يُعزى ذلك الى تجذير رمزي للعنف في مفاصل التاريخ. الشر الميتافيزيقي الذي يراقب تاريخا محروسا يمارس تطويقا لحركة  شعب ما  بعينه لان البشر لا يختارون مآلاتهم حين تتشابه البدايات بالنهايات. الانسان التوراتي أختار مصيره السياسي والديني والأمة اليهودية هي نموذج حي لتوتر تاريخي محموم بالصراع نحو الانعتاق من وصمة الازدراء والاحتقار والإذلال الذي بدأ مع التنكيل البابلي القديم  فترة  الامبراطور نبوخد نصر و نهاية بالمحرقة وفضائح سجن النازية  أوشفيتزAuschwitz  (1942/1944)  الالماني اللعين..هناك شعوب أرتبط مراسها الكوني بتراجيديا مؤلمة ومفزعة ، كما لو كانت تجربة نضال مميت قاتل. حينها يتحول الاحتقار الى انطولوجيا ميتافيزيقية دائمة تستعبد المخيال الجمعوي للشعوب،  يغدو ذلك متوارثا يُنجب في أقل التقديرات كراهية وسلبية في التفاعل الذاتوي او مايسميه  هيغل “التذاوت” .ربما هو الافق الوجداني الذي عاشته الشعوب اليهودية والتي رافقها طويلا في خضم تحولات تاريخية ليست باليسيرة وهو الذي يتفاعل في صناعة التركيبة الثقافية والسياسية للمجتمع اليهودي. عبّر جاك دريداjacques derrida (1930/2004)  وهو الفيلسوف اليهودي الذي لا يعرف عن يهوديته إلا النزر القليل، عن استحالة مطلقة للنسيان او التكفير او النقض.”إن هذه الفظائع تدخل في باب ما لا يقبل التكفير وما لا يقبل جبر الضرر وما لا يمكن محوه، والعضال irrémédiable، وما لا رجعة فيه irréversible، وما لا ينسى inoubliable، وما لا يلغى أو ينقض irrévocale، انها تتجاوز الحد النهائي والأخير.2

 استحالة  ترميم العلاقات التي عمقتها شروخ وجروح تاريخية بإمكانها ان تتحول الى دين قيمي  رهيب  يسكن لاوعي جماعي، مما يعطل اي تحول نحو حالة الصفح بالتالي استحالتها على الاطلاق.هذا التناقض الحضاري ذو الابعاد النفسية والدينية والاجتماعية يُولد حالة عدم اعتراف تاريخية يرى فيها المفكر الجزائري زواوي بغورة قارئا هيغلGeorg Wilhelm Friedrich Hegel (1770/1831) واكسيل هونيت Axel Honneth 18 جويلية 1949 انها نتاج حالة من الانكار والانسحاب والانكفاء الذاتي والثقافي .”إن الاعتراف لا يظهر إلا في صورة مواجهة مع الجهل والانكار،أو بتعبير آخر إن الاعتراف لا يظهر إلا في صورة المواجهة والصراع ضد حالات ووضعيات الانكار.3

 الاعتراف يدخل في شبكة مفاهيم خاصة ويتساوق مع الصفح  كما يتناقض مفاهيميا مع الاحتقار والكراهية والازدراء والإقصاء، رغم التناغم القيمي والسلوكي الذي يجمع هذه المفاهيم المدججة بالقوة في ترددها الاكسيولوجي والميتافيزيقي. لا صفح ولا اعتراف فلسفيا ومفاهيميا دون النبش والحفر في مفهوم الهوية. الهوية كإقرار بالخصوصية وكفهم للأخر.وهو سبب افلاس الحركات السياسية المشبعة بانفلات ديني زائف كما هو الحال للصهيونية التي تقتات على مظالم تاريخية جلها وهمية غير عادلة وتمعن في الاقصاء واستئصال تاريخ وهوية شعوب اخرى صاحبة الحق كفلسطين.

الصفح يغدو أمثولة سياسية حين يتقاطع مع المصالحة  كدعوى للتغاضي عن المظالم والجرائم .المصالحة ليست استحقاقا بل ترويض للمستحيل سياسيا حين ينتقل الصفح من المستوى الميتافيزيقي الى ضرب من الواقعية السياسية. الصفح بما هو مطلب انساني هو نموذج لإعادة تشكيل الذاكرة وتطويعها سياسيا او هكذا نقله دريدا Derrida من الهامش الى المركز.الصفح والغفران والتصالح مفاهيم عميقة في الفضاء اللاهوتي وهي تنحو منحى ميتافيزيقي لا يمكنها أن تتحول الى دعابة سياسية مؤقتة لان تنزيلها الى عالم القيم النسبية  أمر في غاية الصعوبة لأنه سيخلق مأزقا قيميا انسانيا اخرا.

الكراهية ضد الصفح :

تحرير الاعتراف من اللاهوت والسياسة او لنقل من اللاهوت السياسي معضلة فلسفية قيمية كونية، مادام هذا الاخير لم يتخلص من الكراهية. الاعتراف يغدو صليلا بدون سيوف وقعقعة بدون رعد في إنتفاء احدى موجباته وهي عالم ديمقراطي حقوقي والذي لازال حبرا على ورق كما يعتقد اماتيا سن Amartya Sen 1933   قارئا لجيرمي بنتام Jeremy Bentham (1748/1832).”مصرا على ان الحقوق الطبيعية هراء محض: وان الحقوق الطبيعية التي لا تسقط بالتقادم، بلاغة فارغة،وهراء متكلف صلف، أظن انه اراد أن يقول انه نوع من الهراء متصنع الرفعة”4.
الكراهية ظاهرة نفسية وانفعال عاطفي شديد يتحول الى كتل قاسية مؤثرة عندما يتم شرعنته وإمداده بخلفيات فكرية ومذهبية. الاسوأ ما في الامر عندما تتحول الكراهية الى ايديولوجيا ” عندما تتمذهب الكراهية ‘” .أي تتحول الى نظام ثقافي او حتى إلى منهاج تربوي. لان سقفها سيشتد اكثر فأكثر عندما يتم تمجيدها بناء اعلى افكار سياسية او دينية او قومجية حينها ستنفجر الى كرات من اللهيب الحارق لتجهز على معتنقيها وبالضد على اعدائهم. الصراع بين الشيوعيين والإسلاميين قرابة الخمسين سنة الماضية كان هيجانا ايديولوجيا معبدا بتعاليم طبقية وفقهية وصراعية ومادية الى درجة الوهن الشمولي الاسلام الحركي والسياسوي افرز مؤمنين جدد غير تقليدين هم يحاولون تسقيف وجودهم وحضورهم بالمرجعيات التراثية والراديكالية لكن يخونهم الفضاء الابستيمي والتحول السوسيوثقافي الذي يعيشون في أُتونه،  لذا فالحركات الاسلاموية  تعاني حالة بارانويا تاريخية وثقافية بين المجد الضائع والتسييس المذهبي لأفقها الفقهي والديني..العنف الديني المعاصر في كل الاديان حوّل الكراهية الى ظاهرة كونية ونقلها من فضائها النفسي الشخصي الى دوائر عقدية واجتماعية وسياسية. الكره المجاني عربدة وثقافة بائسة ونموذج لتدني قيمي بليد لا يعكس بالكاد إلا حالة نفسية فارغة ومزاج عقيم غير مؤسس.تتحول الكراهية الى كارثة وتسونامي اخلاقي عندما تأخذ طابعا رسميا، الى نسق له نظامه ومعاييره.الامثلة كثيرة في التاريخ “النازية ..الصهيونية…” الصهيونية استثمرت في ثقافة الكراهية لتظهر بلبوس الضحية.نحن ضحايا انفسنا عندما نسمح لشيطان الكره كي يخرج من مزابل اللاشعور ونوازع الانانية ليصبح نشيدا ترتله الاجيال لتحرق بعضها البعض.

كيف تبني الفلسفة كمنهاج ديداكتيكي مفاهيم كونية وإنسانية كالتسامح والصفح والاعتراف؟

كيف تساهم الدغمائية و الارثودوكسية  بنيويا في التأسيس للعنف ومن ثمة نشأة التطرف في ظل الغيبة الكبرى للفلسفة او التغييب المتعمد للفكر النقدي خوفا من الفلسفة والايدولوجيا لكن دعونا نقل: اليس التكوين العقدي الذي ساهم فيه التفلسف بظهور حركات انوارية وأفكار حركية، خير من تعتيم وتقزيم لاطروحات الشك والنظر والذي جلبت نتائجه تغول العنف والفكر الواحدي وبالتالي الارهاب. إن انتشار الخرافة وشيوع الراديكالية سوسيولوجيا ودينيا وطغيان التلقين وسيادة الفكر الاستبدادي يمهد كما يقول د.طلعت ع الحميد الى ظهور شخصيات مقهورة ضعيفة مستلبة سرعان ماتستسلم للمعلومة الخاطئة والفكرة المنحرفة وبدلا ممن ان تخرج المدرسة جيلا ناقدا تواقا للبحت تُفرّخ الارهاب في ظل انحراف المناهج حينها باتت الفلسفة زابورا يُتلى وتراتيل تحفظ صباحا مساءا وترانيم تقرأ كالأغاني الدينية في الكنائس الارثودكسية ويبقى دور الاستاذ المكبل بمناهج التلقين رجل دين يعلم الصمت مستميتا في بناء ثقافة الذاكرة الحافظة حينها تكون الهوية الدينية الراديكالية متقدمة على الهوية الوطنية وبدل تدريس الفكر النقدي الواعي يتم تمرير فكري عبثي سماته الاساسية هي الوثوقية ونصوص المحتوى والإجابات النموذجية والخطأ هو الخطيئة التي تورث اليات الاستعباد …… ان فلسفة بهذا المعنى كما يفيدنا مراد وهبة تنشئ عقلا ارهابيا وعقلا مستقيلا حسب الجابري يبحث عن اجاباته الراهنة في زوايا الماضي ونماذج وافدة من ثقافة غيره . التربية الفلسفية تنتج قيما حضارية وثقافية عميقة متأصلة في المجتمع لكن في غياب الادوات العاقلة والصحيحة في استثمار هذه الغايات ستنقلب الصورة وينهار البناء التربوي في ظل تلقين الاطروحات الواحدية نسبة الى امراض التوحد لذا يجب ان تكن العلاقة بين التربية والفلسفة والمجتمع تبادلية وليست تحكمية تسلطية .

ينبغي التأسيس فلسفيا ومدرسيا لمفاهيم جوالة كونية هي الاعتراف والصفح والاعتدال والتسامح والاختلاف..من خلال التأسيس لمجتمع الحقوق .مجتمع مدني لان العدالة كإيقونة وغاية لا تتأتى إلا وفق جهد حضاري تلعب فيه الفلسفة المدرسية دورا طليعيا ومرجعية روحية.لانقاد الوعي الجماعي من العوالق الاقصائية والنرجسية الذاتوية.

حاول المفكر الجزائري زواوي بغورة  الافادة بإنبجاس مجتمع ديمقراطي ليبرالي يعترف بالاثنيات . الاحتماء بالهوية  في تفاعل مع  الفضاء الجماعي تحت مظلة الحرية. تحرير الفردانية من الاديولوجيات الشمولية والاستبداد والثيوقرطية الدينية. إن الاعتراف في المجتمعات التي تعرف تعددا ثقافيا قد اصبح حاجة ملحة،وذلك للعلاقة الضرورية مابين الاعتراف والهوية.5 زوواوي بغورة الهوية والتاريخ دراسات فلسفية في الثقافة الجزائرية العربية. دار ابن النديم للنشر والتوزيع ص 168.

الاعتراف هو الخيط الرفيع لذي يجمع الصفح بالتسامح مادام العقل العربي والشرقي لم يستوعب الحدود بين الهويات، بين الاجناس بين قوامة الرجل وحضور المرأة ووجودها الفاعل .العقل الذي لا يعي مفاهيم مركزية كالتذاوت والديمقراطية سيعيش صفحات اخرى من تاريخه المأساوي الكلاسيكي. عمتم مساء ايها الفلاسفة.

المراجع:

  1. جون دوكر أصول العنف . الدين والتاريخ والإبادة. ترجمة  علي مزهر مراجعة  حسن ناظم.  دار الرافدين ص 71
  2. جاك دريدا. الصفح  ما لا يقبل الصفح مالا يتقادم  ترجمة مصطفى العارف عبد الرحيم نورالدين منشورات المتوسط ص 12.
  3. الزواوي بغورة . الاعتراف  من اجل مفهوم جديد للعدل دار الطليعة بيروت ص .35
  4. لامارتيا صن فكرة  العدالة the Idea of Justice  ترجمة مازن جندلي  الدار العربية للعلوم ناشرون . ص 500.
  5. زواوي بغورة الهوية والتاريخ دراسات فلسفية في الثقافة الجزائرية العربية. دار ابن النديم للنشر والتوزيع ص 168.

شاهد أيضاً

ترجمة المصطلحات الفلسفية الجزء 2

نور الدين البودلالي   بقلم: Siobhan Brownlie ترجمة: نورالدين البودلالي تعقد التمييز: المصطلحات التقنية والقاموس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *