الرئيسية / فكر وفلسفة / حوارات / كليمون روسي : التفكير في المأساوي (التراجيدي) يجعلنا أكثر فرحا

كليمون روسي : التفكير في المأساوي (التراجيدي) يجعلنا أكثر فرحا

حاورته : لويزة يوسفي

ترجمة : يوسف اسحيردة

فيلسوف خارج التصنيف، كليمون روسي هو مُؤلف عمل مهم وفريد في المشهد الفكري الفرنسي. في مواجهة الأوهام التي تخدعنا وتعزينا، يُفضل الواقع العاري، دون تجميل أو تنميق. فكر تراجيدي شكَّل أيضا، وهنا المفارقة، نشيدا لفرح العيش. في هذا الحوار يستعرض كليمون روسي الخطوط العريضة لفلسفته :

لويزة يوسفي : تؤكد في كتبك بأن البشر يمضون حياتهم في الفرار من الواقع : كل ما نُؤمن به، ونحبه، ونأمل فيه، ونخترعه ليس سوى “نُسخة” كاذبة وخيالية للواقع. لماذا نُفضل الوهم على الواقع؟

كليمون روسي: نعاني جميعا من صعوبة بالغة في قبول الواقع، لأنه شيء عابر وعشوائي. هذا الأمر يضعنا في مواجهة أفق لا يسر كثيرا: كل شيء مُعرض للفناء، ليس فقط الكاتب ولكن عمله نفسه سَيُهمل يوما ما عن طيب خاطر. مسألة أن نكون، نحن وأبناؤنا وكل من أحببناهم، معرضين للزوال المطلق، يُشكل في نظري عاملا حاسما في كون الإنسان يريد الفرار من هذا الواقع. المتعة التي تغمرنا ونحن نتمعن في امرأة جميلة، أو في وردة جميلة، أو في عمل موسيقي أو فني، هذه المتعة تظل مُطاردة من قبل فكرة كوننا ننخرط في شيء لا مستقبل له. من الوسائل المُتاحة من أجل التخلص من الواقع العنيد، نجد المكر من خلال محاكاة الواقع، عن طريق خلق “نسخة للواقع”، والإيمان بإمكانية وجود واقع آخر.

لويزة يوسفي : أنت تنادي بالتحلي بالمزيد من الصراحة. لكن، ما فائدة ذلك بالنسبة للإنسان. ما فائدة مواجهة واقع مأساوي في الأساس، ومُعرض للموت؟

كليمون روسي : التفكير المأساوي يساعدنا، بالضبط، في الاستفادة من الفرح الموجود، بعيدا عن الانشغال القَلِق بما يطبع هذه الأشياء والتجارب العابرة من ضعف مآل. كن صديقا للحاضر العابر، في افتقاد للماضي وافتقاد للمستقبل. إنها الطريقة الوحيدة من أجل القبول، لا بعدم اكتراث، ولكن من خلال فرح صارم وانتصاري، بالمآل المشترك لجميع المُتع الحاضرة دونما اهتمام بما حصل أو قد يحصل. كل ما يخيفك في الماضي والمستقبل، سوف يُنتزع منك وهكذا ستُمنح الحاضر، لأن الحزن لن يعرف طريقا إليه.

لويزة يوسفي : هل تظن أن الفلسفات التي بحثت عن تفسير الواقع، عن إعطائه هيئةً ومعنىً، قد فشلت في جعل البشر سعداء؟

كليون روسي : بكل تأكيد. غالبا ما بحث الفلاسفة عن تعريف الحقيقة بما هو، في نظرهم، حقيقي أكثر من غيره في هذا الجانب أو ذاك من الواقع. عند ماركس، نجد البنية التحتية،عند أفلاطون، نجد الفكرة الأبدية. ومع ذلك، فعزل هذه الحقيقة كَلَّفهم التضحية بأكثر من نصف العالم، أي العالم الحسي. عملية البتر هذه، هي بمثابة قرار إدانة، يدعم، في نظري، ما يدعوه نيتشه ب”الحقد”. قَوْلُ “نعم” لكل ما هو جيد في الحياة، و”لا” لكل ما هو سيئ، يُدخلنا في جدلية الجيد والسيئ، والحقيقة الجيدة والحقيقة السيئة، وفي نَسْخ الواقع. كيف يمكننا بعدها الولوج إلى فرح واثق من نفسه؟ ولكن، في نهاية المطاف، أسمع سؤالك. إذا كُنْتُ سأستمتع أكثر بواقع مُبْهَمٍ قليلا، فما المانع في ذلك؟ هنا نلتحق بتصور باسكال حول الترفيه : ” في ظل عجز البشر عن القضاء على البؤس، والموت، والجهل، فقد قرروا عدم التفكير في هذه الأشياء من أجل تحقيق سعادتهم”.

لويزة يوسفي : هل هذا معناه أنك تنصح بفلسفة الإذعان؟

كليمون روسي : بداية الحكمة هي الإذعان. يضم الإذعان فِعْلا تَطَهُّريا من جميع الحلول المزيفة للقلق، وبالتالي فرصة لالتقاء مع الواقع. في الحقيقة، لا يتركنا القلق وشأننا إلا عندما نتوقف عن محاولة علاجه. لا يُمكن هزيمة القلق إلا من خلال التوقف عن محاولة هزيمته. في مواجهة القلق، لا يملك المرء إلا أن يقول: ” تفضل، تصرف كما لو أنك في بيتك.” واحد من شعاراتي العظيمة في الحياة هو: ” لا تقلق، لا شيء على ما يرام” أو ” ما دمت لا تنتظر خيرا، فلن تشعر بالإحباط”.

لويزة يوسفي : ومع ذلك، فقد سبق وتَحدَّثْتَ عن فرح مُعْجِز تُوفره عملية القبول بمأساوية الواقع. كيف تشرح الأمر؟

كليمون روسي : لا أجد أي تفسير لهذا الابتهاج. كل ما أود قوله، هو أنه التصرف الوحيد الكفيل بجلب السعادة للبشر. هل من سبب للعيش أفضل من أن تجد في ذلك مناسبة للشعور بالسعادة؟ فيما يخصني، يكفيني هذا الأمر وزيادة. ومع ذلك، فأن تجد في الأمر مناسبة لتحقيق السعادة، رغم كل ما يجده العقل في ذلك من فضائع، يتطلب نوعا من الإعجاز، الذي أدعوه بالفرح. الأمر بمثابة نوع من المساعدة ما فوق الطبيعية التي لا أجد لها تفسيرا.

لويزة يوسفي : أنت تعتقد بوجود بنية طوطولوجية (أ=أ) للواقع، أي أنها تستبعد تماما المُمكن. هل بمقدورنا أن نرغب في شيء حقا داخل عالم بدون مُمْكنات؟

كليمون روسي : سأذهب أبعد من ذلك وأقول : فقط في عالم تنعدم فيه الممكنات حيث يُمكن للمرء أن يضمن رغبته. لست مقتنعا تماما مثل أفلاطون ولاكان بأن الرغبة تستدعي افتقادا. بالعكس، كلما كان حضور الممكنات أقل، كلما كان حضور الواقع أكثر. وكلما كان حضور الواقع مُكَثَّفًا، كلما كانت ممارسة الرغبة أكثر عَمَلِية وأكثر تحقيقا للمتعة. أمر مُدهش أن يُنكر أغلب الفلاسفة هذه البداهة. الفكرة التي مفداها أنه ليس باستطاعتنا الرغبة إلا في الأشياء غير الموجود، لا يمكن أن تصدر إلا عن أشخاص أودت بهم متاعب الحياة نحو الجنون. عندما يقول ليفيناس بأن المداعبة الحقيقية لا تلمس شيئا، أتساؤل ما إذا كان عليه زيارة طبيب نفسي! لسنا فقط قادرين على الرغبة فيما هو موجود، وإنما على وجه التحديد، ليس بمقدورنا الرغبة إلا فيما هو موجود. ربط الرغبة بالافتقاد دليل على معاناة وانعدام فادح للتوازن. أولئك الذين يفكرون بهذه الطريقة يُصَعِّبُونَ المأمورية على أنفسهم، إذ لابد للشيء أن يكون بعيد المنال حتى يستدعي بعض الاهتمام منهم! الفلاسفة يحبون الانعكاسات. لكنهم بذلك يحكمون على أنفسهم بالحرمان. بين بُرتقالة جيدة هنا وانعكاسها على زُجاج المرآة، أُفضِّلُ مُجددا تلك الموجودة فوق طاولتي.

لويزة يوسفي : في أحد أعمالك، “اللامرئي”، تقول بأننا لا نرغب أبدا في شيء لوحده وإنما في أشياء عديدة أخرى تحوم حوله وتظل بعيدة عن متناولنا. أليس هذا اعترافا بكوننا لا نرغب إلا فيما نفتقده؟

كليمون روسي : ليس صحيحا، فالأمر يتعلق، بالأحرى، بملاحظة كون الرغبة تعمل بشكل مُتسلسل : باقي موضوعات الرغبة تجذبني، ليست لأنها بعيدة المنال، ولكن لأنها تجعل الموضوع المعني بالأمر، أي “الرغبة الرئيسية” مرغوبة أكثر. الرغبة والفرح ينزعان نحو كثافة أكثر مع فُرَصِ إشباعهما الفعلية. لنأخذ على سبيل المثال النُّبُوءة. كما تُلاحظين، ففقط عندما نُحاول تجنبها حيث تتحقق. قد يتصور المرء بشكل طبيعي بأن عرافة معبد ديلفي قد خدعت أوديب. وبأن أوديب قد تعرض لعملية نصب مثل أي بائس. فقد مَرَّ عبر طُرق مُعقدة وسيئة أودت إلى ضياعه، في حين أن تحقيق النبوءة كان ليتم بطريقة بسيطة جدا ومُختصرة. ومع ذلك، فهذا التفكير هو الفكرة الواهمة بامتياز. في حقيقة الأمر، تُوجد أكثر من طريقة يُحقق من خلالها أوديب النبوءة. كُلُّها مُعقدة، أكثر غرابة وأقل احتمالية من نسخة سوفوكل (كاتب قصة أوديب). عندما نقوم بِتَخَيُّلِ هذه الاحتمالات، فتفكيرنا يذهب نحو شيء غير موجود. ما فعله أوديب، هو الواقع بعينه، كما يحدث للجميع، دائما وأبدا. هذا هو الواقع: تَحقيقُ نبوءاتٍ. ليس القدر شيئا آخر سوى الواقع. لا وجود للمُمْكَنات بمعزل عن الواقع. هنري بورغوسون قالها بشكل مثير للإعجاب في كتابه “مدخل إلى الميتافيزيقا”. يظن المرء بأنه يفكر في شيء ما من خلال جملته المُبهمة ” أُوه، ولكن تُوجد ألف نُسخة لهذا”. نعم، لكن أية واحدة على وجه التحديد؟ المُمكن لا يُصبح مُمْكِنا إلا عندما يُصبح واقعا.

لويزة يوسفي : ألا يجرنا هذا الأمر نحو الاعتراف بالمَكْتوب، وبأننا لا نملك أي دور لنلعبه في هذا العالم؟

كليمون روسي : نحن فعلا لا نملك أي دور لنلعبه ! الواقع هو الأمر الوحيد الذي لم يفلح الإنسان في التأقلم معه. فهو يشعر بأنه لم يُستأذن. ما الذي جئنا لنفعله هنا؟ وفي ماذا يعنينا هذا؟

لا أملك أي تصور للحقيقة، من حيث المضمون. ربما هذا هو السبب الذي يجعل الأشخاص الذين لا يعتبرونني فيلسوفا، على حق. لو كنت فيلسوفا فعلا، لأكملت الفلسفة من حيث تركها كانط. من المُرجح أن أكون غير مهتم إطلاقا بالمشكلات الفلسفية. ما يهمني هو التصرفات البشرية. لماذا نبصق أو لا نبصق حين يقوم الإدراك الحسي البشري بدغدغة أنوفنا، ها هنا المشكل الذي يقود تفكيري. لكن، في الواقع، ما هي الفلسفة؟ لا يُوجد سوى هايدغر لكي يجيبك دائما بأنها تجاوز للفارق الأونطولوجي وانعتاق من نسيان الوجود، لكن وجود ماذا؟ هذا ما لم أستطع فهمه حتى الآن.

لويزة يوسفي : في الحياة اليومية، ماذا يعني “القبول بالواقع”؟ وهل تنجح أنت في فعل ذلك؟

كليمون روسي : لا نقبل بالواقع إلا في المناسبات الكبرى، عندما تكون هناك مشاعر مُكتفة للغاية أو عندما نواجه مشكلة عويصة. هذا لا يحدث إلا ثلاث أو أربع مرات في حياتنا. فمثلا عندما أُخطئ هدف المطرقة وأوجه ضربة إلى إصبعي، فأنا لا أقبل بالواقع، بل أصرخ بأعلى صوت : “تبا”.

رابط المقال الأصلي : https://www.scienceshumaines.com/penser-le-tragique-pour-go…

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *