الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / أي براديغم للدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي؟

أي براديغم للدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي؟

محمد ميلان

بقلم الدكتور/ ميلان محمد مفتش التربية الوطنية لمادة الفلسفة – مليانة / الجزائر.            

   إن الفلسفة كمادة تعليمية داخل المؤسسات التربوية بالتعليم الثانوي تواجه بلا شك صعوبات على مستوى تبليغها وتدريسها وتقبلها في عصر الرقمنة وهيمنة الصورة وزحف التكنولوجيا، من هنا تقوم بالنسبة إلينا مشروعية الحديث عن التجديد البيداغوجي ومحاولة التأسيس لديداكتيك يساير حاجيات المتعلم، وكذا التحولات السريعة التي يشهدها المجتمع والمحيط العالمي، في أفق تجاوز تدريسا تحكمه علاقة آلية تقليدية:«مرسل للمعرفة – متلق للمعرفة»، وأن الطابع النقدي للفكر الفلسفي، لا ينبغي أن يوهمنا بأن الفلسفة لا تحتاج إلى تطوير ديداكتيكي لنقل مفاهيمها ومناهجها وتصوراتها وقيمها ومعارفها، “بل أن ذلك التطوير شرط لتحصيل تعلمات نوعية وكفاءات تجعل من المتعلم قادرا على أن ينخرط في مجتمع المعرفة والتنوع الثقافي بروح الحوار والنقد والتسامح.

   يعتقد ميشال توزيMichel Tozzi)) وهو من ابرز المشتغلين بديداكتيك تعليم التفلسف، انه لابد من إحداث ثورة كوبرنيكية في مجال البيداغوجيا حتى نتمكن من صياغة ديداكتيك التفلسف، ويتساءل:” ألا تكون الديداكتيكا إذن دراسة للشروط التي سيتمكن التلميذ بمقتضاها من تملك الطريقة الفلسفية ؟ إن الأمر يتعلق حقا بثورة كوبرنيكية…لأن التعليم الفلسفي المعمم مطلب ديمقراطي إنه يقتضي كشرط للإمكان المسلمة الأخلاقية المتمثلة في « قابلية كل فرد للتربية الفلسفية» لكن ذلك المطلب الحقوقي يعتبر تحديا بيداغوجيا، فالمسألة تتعلق بتعليم التفلسف والتفكير الذاتي، والتفلسف لا يكون حقا إلا إذا مورس بكيفية ذاتية، وعلى هذا الأساس يمكن التفكير في بناء نموذج ديداكتيكي تغذية تجربتنا في ممارسة التدريس والدراسات المنجزة في حقل البيداغوجيا وعلوم التربية وتعليمية الفلسفة والاستئناس بتجارب أثبتت فعاليته ووظيفيتها، وتكييف هذا النموذج مع الواقع السوسيوثقافي ومواصفات المتعلم والمنهاج والمقررات والتوجيهات الرسمية والمرجعيات المتعلقة بالسياسة التربوية الوطنية، ومن هذا المنطلق، يكتسب التنظير الديداكتيكي القوة والمشروعية،” أما إذا كان هذا التنظير الديداكتيكي الفلسفي مفتقدا لأية ممارسة أو تجربة فصلية يتخذها كمنطلق له، فإنه لا يمكن أن يكون إلا تنظيرا فارغا أجوفا ومفتقدا للأصالة والإبداع.

   فالديداكتيك تقدم جملة من القواعد والعمليات الإجرائية التي ترتكز عليها العملية التعليمية وهي ترتبط بالكشف عن أفضل الطرق والوسائل لإيصال المعلومة إلى المتعلمين بتمكينهم من تلقيها وفهمها وتوظيفها في الكتابة الفلسفية، القراءة الفلسفية وفي المناقشة الفلسفية وفي الحياة، وهكذا يتم الانتقال من عملية المعرفة إلى المعرفة العملية، وقد جاء في معجم علوم التربية ” أن ديداكتيك الفلسفة هو دراسة وضعيات وسيرورات تعليم وتعلم الفلسفة قصد تطويرها وتحسينها، والتفكير في المشكلات الديداكتيكية التي يثيرها تعليم هذه المادة وتعلمها. تشتغل ديداكتيك الفلسفة انطلاقا من حقول معرفية عديدة ومتنوعة أهمها: حقل المادة الدراسية..حقل البيداغوجيا.. وحقل السيكولوجيا..

   وهكذا يتفق معظم الباحثين أن الديداكتيك هو فن التدريس إنطلاقا من معارف محددة بتوظيف المقاربات البيداغوجية ومعطيات علوم التربية وعلم النفس التربوي،” فالديداكتيك يهتم بالجانب المنهجي المتعلق بتوصيل المعرفة واكتسابها في علاقته بالمحتوى التعليمي، وينطلق من أن طبيعة المعرفة الموضوعة للتدريس تلعب دورا محددا بالنسبة للتعلم وبالتالي التعليم.. ومن هنا يعتبر فهم علاقة المعرفة المقدمة في بعدها المعرفي أساسيا بالنسبة للمختص في التعليمية. ويشير ف. ميريو( Philippe Meirieu) في مقدمة كتاب تعلم التفلسف في ثانويات اليوم ليمشال توزي (Michel Tozzi) “أن المشروع الديداكتيكي وجد للعمل على تسهيل التبليغ المحدد لمعارف محددة. في حين” يميز لورانس كورنو Laurence CORNU) )وألان فيرنيو (Alain VERGNIOUX) بين الديداكتيك والبيداغوجيا، حيث يعتبران أن الديداكتيكات هي فن تدريس لمفاهيم الخاصة بكل مادة دراسية ويردان الهم الديداكتيكي إلى هم الانشغال العلمي بتدريس معرفة معينة بكيفية صحيحة وأمينة.

  وإذا كان الديداكتيك هو فن تدريس معرفة محددة، فليس هناك ديداكتيك إلا حيث توجد معارف محددة يتعين تبليغها وبالتالي تفترض إمكانية ديداكتيك للفلسفة وجود معرفة فلسفية محددة، لذلك عرف (محمد الدريج )الديداكتيك بأنه ” الدراسة العلمية لمحتويات التدريس وطرقه وتقنياته، ولإشكال تنظيم مواقف التعلم التي يخضع لها التلميذ، دراسة تستهدف نماذج ونظريات تطبيقية معيارية تقصد بلوغ الأهداف المرجوة، سواء على المستوى العقلي أو الانفعالي أو الحس-حركي.

  لم تبدأ الدراسات المعمقة لديداكتيك الفلسفة إلا عندما بدا التفكير في إمكانيات وضرورة إعادة بناء الفلسفة كمادة دراسية قابلة للتدريس بمؤسسات التعليم الثانوي والجامعي وبذلك وجدت ديداكتيك الفلسفة نفسها في مواجهة مباشرة مع مجموعة من المشاكل النظرية والتطبيقية، لا من اجل أن تتموضع ضمن سياق مادة تخصصية مبرمجة في المناهج الدراسية بالثانوي والجامعي، وإنما بهدف اقتراح المحتويات في صيغة منهاج وبرنامج دراسي للعمل والتطبيق ينسجم مع الاختيارات السياسية والتربوية التكوينية ومع أهداف وكفاءات ورهانات تدريس الفلسفة داخل المجتمع، تتجسد هذه المشاكل في مجموعة من القضايا المرتبطة سواء بالأهداف المرجوة من وراء تدريس الفلســفة، أو فيما يتعلق بنوعية الموضوعات التي يجب أن يحتويها برنامجها الدراسي،، إلى جانب اقتراح طرائق تعليمها وتعلمها، وأشكال التقويم المعتمدة بداخلها.

   والإشكال المركزي المرتبط بالديداكتيك يقوم على التساؤل حول المعرفة الفلسفية التي يمكن ان يتعلمها المتعلم بحثا عن الشرعية المعرفية بعد الشرعية المؤسسية التي تعتبر المؤسسة التعليمية فضاء مؤسساتي لتمرير وتبليغ خطاب ورسالة الفلسفة وفقا لأهدافها ورهاناتها إنطلاقا من البرنامج والمنهاج كبقية المواد الدراسية الأخرى الأمر الذي أسس بدوره للشرعية البيداغوجية والديداكتيكية، حيث يعتبر الدرس الفلسفي متفتحا على جميع المقاربات البيداغوجية والديداكتيكية بما يضمن الحفاظ على هويته وأصالته وأهدافه، وأن الحديث عن الدرس الفلسفي داخل الإطار المؤسساتي طرح وما يزال يطرح الكثير الإشكاليات، كعلاقة الفلسفة بالمؤسسة، مفارقة الحوار بين الفلسفة والبيداغوجيا، وإمكانية بناء ديداكتيك مطابق وامتد التساؤل في سياق المفارقات حول ماذا نعلم ؟ وماذا يجب أن يتعلم المتعلمون في الدرس الفلسفي داخل المؤسسة ؟، هل نقدم درس الفلسفة على شكل أفكار وأنساق ومذاهب وتراث يمتد عبر تاريخ الفلسفة أم أن ما يجب أن يتعلمه هو طريق التفلسف والتفكير الذاتي ؟ وهل يمكن الحديث عن وفاق في المادة المعرفية التي ينبغي ان تدرس كما هو حاصل في المواد الدراسية الأخرى ؟ هل المسألة تتعلق بديداكتيك الفلسفة أم بديداكتيك تعليم التفلسف؟

 هذه الاشكالية تجسدت بشكل واضح مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (Emmanuel Kant (1724 – 1804) الذي لخص موقفه من خلال قولته الشهيرة كما سبق أن أشرنا «لا يمكننا تعلم الفلسفة، بل يمكننا فقط تعلم التفلسف»، كما تجسدت من جهة أخرى مع فيلسوف ألماني أخر هو فريدريك هيغل )Friedrich Hegel1770-1831) الذي ذهب إلى خلاف ما ذهب إليه كانط، حيث يقول «أن ما يمكن تعلم هو محتوى الفلسفة وليس التفلسف »، لعل هذين الموقفين على طرفي نقيض كما يبدو على الأقل ظاهريا، فما هي المبررات والحجج التي يقدمها كل منهما لإثبات موقفهما ؟

أ-الإستراتيجية الكانطية وتعلم التفلسف:ديداكتيك تعلم التفلسف

  تلك الإستراتيجية التي اعتبرت عند أغلب الباحثين في حقل التعليم الفلسفي، على أنها إشارة إلى ضرورة جعل التفلسف هدفا مركزيا لكل تعليم في مجال الفلسفة، حيث يتم التركيز على نشاط العقل وقدرته على التفكير الذاتي بدل تداول معرفة جاهزة ومغلقة لذلك ” لا يمكننا ان نتعلم سوى التفلسف كفعل للتفكير يفحص مبادئ الأنساق الفلسفية ومصادرها، ويعمل على تأييدها أو رفضها، وبالتالي يصدر حكما شخصيا قائما على خاصية النقد. وخاصية النقد والـتأييد والرفض خصائص جوهرية للتفلسف والتفكير الذاتي وتجاوز الوصاية والتبعية، إذ هي وحدها التي تؤسس لثقافة التنوير وخطوة أساسية للخروج من حالة القصور، فليس ثمة حسب (كانط ) من طريقة لتعلم التفكير سوى الإقدام على التفكير؛ وإن حصلت بعض الأخطاء في المحاولات الأولى ؛ فتلك مجازفة لابد منها، وإلا لن يتمكن المرء من التفكير بنفسه.

  يقوم موقف( كانط) على ضرورة تفعيل العمليات العقلية العليا في الدرس الفلسفي كتمرين مستمر على التفلسف، من مساءلة ونقد وتفكير ذاتي وتحليل وتركيب واستنتاج، وهذا التوجه ينسجم مع منهاج الفلسفة الجزائري،حيث ورد في وثيقة برامج الفلسفة “أن الموضوعات التقليدية بدأت تفقد قدسيتها، ولم يعد الاهتمام ينصب على جمع الحقائق والمعلومات وعلى حشوها في ذاكرة الطالب..بل في تنمية قدرات وكفاءات انطلاقا من تلك المعارف بإخضاعها للنقد والمساءلة والتحليل.

     والواضح أن التصور الكانطي للدرس الفلسفي ينسجم مع أحث الدراسات التي قام بها ميشال توزي ( (Michel Tozziومن معه حول ديداكتيك الفلسفة والذي حدد الأهداف النواتية لتعلم التفلسف في المفهمة والأشكلة والحجاج،” لذلك يهدف التكوين الفلسفي إلى تعلم التفلسف

وهذا ما يسميه (توزي) بالبراديغم المؤشكل في تعلم التفلسف (Paradigme problématisant)

  ان تعلم التفكير يقوم على مبدأ الحرية، حرية استخدام ملكة العقل، فالفلسفة هي بالأساس تأمل نقدي ولا تملك الولاء لسلطة خارجة عنها إلا للحقيقة، وإذا ما اختزلنا هذه الهوية ضمن مادة مدرسية تقدم معارف جاهزة فإننا سنجردها من طابعها التأملي الحر ومن خاصيتها النقدية وعليه، فإن تعليم الفلسفة يجب أن يرتكز على تعليم التفكير حيث نلاحظ وجود إجماع لدى المشتغلين بالتعليم الفلسفي على أن” طريقة إنجاز درس فلسفي تقتضي _مبدئيا_ توفر أساليب معينة، مثل: الأسلوب الإشكالي والبنائي، والحواري ، والتحليلي-التركيبي بالإضافة للأسلوب البرهاني الحجاجي، وهي أساليب تجسد طريقة تفكيرية في تعليم الفلسفة.

   تأسيسا على ماسبق، نستنتج أن هوية وحقيقة الفلسفة تنفي كل إمكانية لتدريسها، أما ماهية التفلسف فتستوجب ذلك، فما يوجد هو فعل التفلسف، أما الفلسفة فإنها موجودة كتراث..
  فوضعية الانطلاق بالنسبة لديداكتيكا التحاور البرجماتي والوظيفي في الدرس الفلسفي.شبيهة بالمشروع الفلسفي التعلمي لسقراط، ولأفلاطون وللفلسفة المعاصرة التي تقر بقيمة أسلوب الحوار كاختيار بيداغوجي وديداكتيكي. ولكن ما نستهدفه في أسلوب الحوار المراهن عليه، هو دفع بالمتعلم الى تملكه كخاصية منهجية وجدلية لا تدخل ضمن علاقة عمودية ضيقة الأفق من الناحية الإبداعية، وإنما في سياق الطرح والطرح المضاد، بحثا عن الحجج القابلة للتصريف في ممارساته اليومية وفي سياق التواصل والإقناع.

  ذلك” أن المذهب الكانطي في التعليم الفلسفي يقوم على الاستقلالية والحرية الأمر الذي يؤهل المتعلم للاستخدام الحر للعقل المبدع كشرط للخروج من حالة القصور والوصاية .

  ومن المكاسب التي حققها التوجه الكانطي، التأسيس لبيداغوجيا النقد كإستراتيجية للمواجهة والمقاومة للأنساق المغلقة والدعوة إلى الحداثة والتنوير في أوروبا، فالحاجة إلى النقد وتأسيس النقد الذي تحول إلى منهج للتفكير في كل مجالات الحياة، إن تساؤلات كانط حول التعليم الفلسفي وشروطه عجلت بإدخال الفلسفة إلى المؤسسات التعليمية وتحويلها إلى مادة تعليمية وموضوع للبحث. فالتساؤلات من قبيل: ما الذي يجعل تعليم الفلسفة اليوم ممكنا؟ وبأي معنى يمكن الحديث عن تعليم الفلسفة ؟ وكيف يمكن ان نتعلم التفلسف؟ ومتى يكون تعليم ما تعليما فلسفيا ؟ كلها تساؤلات ميزت تفكير (كانط) والتي ساهمت في” تحول تعليم الفلسفة من مسألة تناقش بيداغوجيا إلى مسألة تناقش فلسفيا، حيث سيصبح وجود الفلسفة مرتبطا بتدريسها، مما سيخلق من جهة توترا بين تعليم الفلسفة والتفكير فلسفيا…ومن جهة أخرى وضع التراث الفلسفي بكامله موضع تساؤل. وبعدها أصبح النقد إستراتيجية بيداغوجية وظفت لمواجهة فشل الميتافيزيقا أمام نجاح وتقدم العلم.

يمكن رد التجاهل الكانطي لتاريخ الفلسفة إلى عامل تربوي. لأنه إذا لم يكن ممكنا تعليم الفلسفة، ما دامت لا توجد – أو لم توجد بعد، هذه الفلسفة الواحدة؛ وما دامت مهددة دوما بالتناقض والإختلاف، فإن التعليم سيتحول إلى مجال للتكرار والتقليد والخضوع في غياب الوفاق والإجماع. لذلك سيقول كانط: “إن القدرة على التقليد هي غير القدرة على الاكتشاف وأن النقد وحده هو الذي يلهمنا بالروح الفلسفية الحقيقية”. فالمقلد لا يحصل على المعرفة انطلاقا من عقله الخاص، فهو مجرد شخص فهم جيدا وحفظ جيدا ما فهمه، وهنا إشارة إلى التفلسف والتعلم الذاتي وتجاوز بيداغوجيا الوصفات الجاهزة والتلقين والإملاء وحفظ المقالات واستخدام المعرفة من جل الامتحان كما يحدث في مؤسساتنا التعليمية.

   نستخلص من تلك الاعتبارات، بأن وظيفة التربية والتكوين لا ترمي إلى الاكتفاء بنقل المعارف التاريخية في الفلسفة اعتمادا على طرق تقليدية بنكية قائمة على الحشو والاستظهار كما هو منصوص عليه في وضعيات التقويم، وإنما بجعل المتعلمين على بينة تامة من تاريخ الفلسفة والسعي بهم نحو استيعاب مضامينها، وتمثلها كسلوك في حياتهم اليومية، على أساس أن الدرس الفلسفي يخاطب الأحياء وهو ما يجب على المدرسين انطلاقا من وظيفتهم الديداكتيكية، تأصيلها وترسيخها في البنيات المعرفية الذهنية والمنطقية للمتعلمين والمتعلمات، تحقيقا لما هو مراهن عليها في الدرس الفلسفي كاختيار استراتيجي في التوجيهات الرسمية، وذلك من خلال توعيتهم بخلفياتها والدفع بهم إلى استبصار قيمها النبيلة وأبعادها المنهجية في تفكيك الواقع ومحاولة الارتقاء به نحو الأفضل، وبهذا فإن تدريس الفلسفة يجب أن يرتكز على تعلم التفكير الذاتي “بهدف تعويد وتدريب العقل على الممارسة النقدية، كما يجب على الفلسفة أن تنفتح على المؤسسة المدرسية، شريطة ألا تحاصر هذه الأخيرة ممارسة العقل النقدي.

   وقد أشاد الكثير من العلماء والفلاسفة بالمهمة النقدية للفلسفة وبدورها الإصلاحي والتنويري وقد أشار جان بياجي (Jean Piaget) 1896-1980 إلى القيمة الإبستيمولوجية للنقد الفلسفي أو ما يسميه غاستور باشلار (Gaston Bachelard) 1884- 1962بالحركة الإصلاحية داخل العلم، حيث لا يعود النقد الإبستيمولوجي حسب بياجي ” تفكيرا تأمليا في العلم فحسب، بل يغدو أداة على ضوئها يحصل التقدم العلمي، بحكم كونه تنظيما داخليا للأسس، التي يقوم عليها العلم. وانطلاقا من منطق التوجه الكانطي ومن الناحية الإجرائية هل يمكن تعليم التفلسف خارج السياقات المرجعية لتاريخ الفلسفة ؟هل يمكن تنمية قدرات المتعلمين في الكتابة الفلسفية لإشكاليات تستجيب لتفكيرهم الذاتي دون الاستئناس بالنصوص وبحضور تاريخ الفلسفة ؟ أليست النصوص الفلسفية أرضية لتعليم التفلسف؟ وهل الطابع النقدي والتأملي الحر للتفكير الفلسفي يستبعد تاريخ الفلسفة ومذاهبها وأنساقها؟ ألا نجازف هنا بدفع المتعلمين إلى تجاوز التراث الفلسفي والسقوط في خطأ تمييع الفكر الفلسفي باختزال التفلسف في مجرد الجرأة في إبداء الرأي الشخصي ؟ وهل يمكن دراسة الفلسفة دون معرفتها؟ وهل ديداكتيك تعليم التفلسف ممكن في غياب تاريخ الفلسفة؟ وهل توجد معرفة فلسفية خارج تاريخ الفلسفة؟ هذه التساؤلات تقودنا إلى معرفة موقف هيجل من تاريخ الفلسفة.

ب/الإستراتيجية الهيغيلية أو تعلم الفلسفة

   يرى (هيغل) على خلاف ما ذهب إليه( كانط) أن ما يمكن تعلمه هو الفلسفة كمذاهب وأطروحات وانساق ومفاهيم وليس التفلسف وحجة هيغل أن تعليم محتوى الفلسفة يتضمن عملية التفلسف،وأن السعي إلي تعليم التفلسف دون تاريخ الفلسفة، وأن فكر المتعلمين ناقص ومتعثر ومليئ بالأوهام والمفاهيم الخاطئة، وتعلم محتوى الفلسفة تمكن المتعلم من الانتقال من الوهم إلى الحقيقة، إنني يقول كانط” أصاب بفزع عظيم كلما عاينت النقص الكبير في ثقافة ومعارف الطلبة الذين يدرسون بالجامعة..إننا نتحمل مسؤولية تكوينهم..غير أن غاية هذا التكوين لا تتعلق فقط بتكوينهم المهني، بل تهدف كذلك إلى تكوينهم المعرفي والفكري.

  فالفلسفة كمادة تعليمية، ينبغي أن تدرس كباقي العلوم لها محتوياتها الخاصة ومفاهيمها الخاصة ويشترط في مدرس الفلسفة المتانة الفكرية والثقافة الفلسفية التي ينبغي أن تقدم بعمق ووضوح، وأن المعارف التي تدرس بالتعليم الثانوي تحتاج إلى استعمال الذاكرة في هذا لإطار يقول هيغل” لن أشعر بالحرج البتة، إذا ما قمت بإقتراح شيئ من هذا القبيل في هذه المرحلة من التعليم الثانوي.فلإمتلاك معرفة ما، ومن ضمنها الأكثر سموا، يجب تركيزها أولا في الذاكرة. وبهذا فإن تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي مسألة عرضية تختزل في تقديم دروس تحضيرية، ولما أطلع( جاك دريدا (على رسائل (هيغل )حول صيغة تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي أعتبرها إقصاءا وتشويها للفلسفة وعبر عن ذلك قائلا: “يتم إقصاء الفلسفة بالمعنى الحقيقي مع قبول تدريس شكلها غير الفلسفي، وعبر دروس ذات صبغة معيارية أو إلزامية، مثل دروس الأخلاق والأخلاق السياسية…إلخ، تبدو وجهة نظر (هيغل) معارضة لروح التفلسف القائمة على المساءلة والنقد والحرية ولا يمكن بأي شكل ان تكون خادمة للسلطة وللإيديولوجيا.

 مهما يكن، فإن تاريخ الفلسفة أو البراديغم التاريخيparadigme historique) ) يشكل عنصرا أساسيا في التكوين الفلسفي للطالب والمتعلم، سواء من حيث تحصيل المعرفة الفلسفة أو التهيؤ لفعل التفلسف. إن تعلم الفلسفة عبر الإطلاع على مراحل تطورها وتعاقب مذاهبها يمكن أن يشكل أساسا لثقافة فلسفية تمكن صاحبها من تمثل النتاج الفلسفي ومن معرفة هذا النتاج في نسبيته وتاريخيته، كما قد تمكنه من القدرة على تبليغه إلى الغير.

وتبدو الحاجة ملحة إلى تاريخ الفلسفة، لأنه المصدر الأول لتكوين الثقافة الفلسفية وإثبات نسبية تلك المعرفة وتاريخيتها، وبالتالي فإنه لا غنى لكل تكوين فلسفي عن تاريخ الفلسفة، فهذا التاريخ وحده يقود الفكر نحو إدراك الأفكار الفلسفية في تعاقبها.

وهنا نتساءل: هل نقر مع كانط، بمسألة تعلم التفلسف ؟ بما يتضمنه من مساءلة ونقد ومحاججة وتحليل وتركيب وأشكلة ؟ أم نساير رأي هيغل، القائم على تدريس تاريخ الفلسفة ؟ ام نتجه إلى تهذيب هذا التعارض لنجمع بين الفلسفة والتفلسف في أفق الحفاظ على هوية الدرس الفلسفي ضمن وفاق ديداكتيكي ؟

هناك من يرى أن “المعرفة العقلية يمكن أن تنطبق كذلك على المادة التاريخية، وهي أبعد ما تكون عن إقصاء دراسة تاريخ الفلسفة، بل على العكس، إن مفهوم “التفلسف” إنما يتأسس على تلك الدراسة.

  فلا تعارض إذن بين استحضار تاريخ الفلسفة والتفكير اعتمادا على الذات، فإذا كان برنامج الفلسفة عندنا يتناول عددا من الوحدات التعليمية تطرح إشكاليات، في فلسفة العمل وفي فلسفة المعرفة، فإن معالجتها يقتضي استحضار السياق التاريخي والفلسفي الذي طرحت فيه، كما تعتبر النصوص الفلسفية تعبيرا عن حضور تاريخ الفلسفة ومذاهبها وأنساقها، وإذا كنا نعتمد على المقاربة المفاهيمية، فإن لكل مفهوم حمولة معرفية تمكن المتعلمين من تبيئة وتوطين تلك المفاهيم داخل أنساق الفلاسفة وذلك يقتضي وظيفيا حضور تاريخ الفلسفة.وعليه وفي أفق بناء ديداكتيك وظيفي للدرس الفلسفي لابد من الجمع بين الفلسفة والتفلسف. ومهما يكن، فإن فلسفة كانط تمثل لحظة تحول أساسية في إهتمام الفلاسفة بمسألة التدريس الفلسفي، هذا الفليلسوف الذي رصد الشروط الضرورية لنجاح التعليم الفلسفي، معتبرا هذا التعليم محورا من محاور النقد المتعالي للعقل الخالص وليس قضية بيداغوجية فحسب، وقد كانت لدى (كانط) ثقة كبرى في التفكير الفلسفي وفق نسق المعارف، بوصفه طريق التنوير والتحرر والتفكير بالاعتماد على الذات، في ضوء قناعته الراسخة بتجذر الفلسفة والتفلسف في الطبيعة البشرية.

   لذلك ينبغي تحديد ما هو أساسي في الفلسفة، وهنا تكمن الصعوبة، لأن ” التوافق الفلسفي بين الفلاسفة والأساتذة حول ما هي الفلسفة متعذر، إذا أخذنا بعين الاعتبار التعدد التاريخي للمذاهب التي تدعي كل واحدة منها المشروعية. ومن حسن الحظ كما يرى ميشال توزي” أن توافقا ديدكتيكيا سوف يحل محل التوافق الفلسفي المفتقد: إذا كان بالفعل التوافق صعبا حين يتعلق الأمر بالفلسفة باعتبارها نتاجا للفكر (…)، فإن هذا التوافق ممكن حين يتعلق الأمر بالفلسفة كسيرورات في التفكير.

  و”ما يزال الصراع محتدما حول البراديغم الديداكتيكي الذي يتعين تبنيه في مجال تعلم الفلسفة وتعليمها بالمرحلة الثانوية على وجه التحديد. صراع شطر المشتغلين بالفلسفة وتعلمها إلى فريقين بقي كل واحد منهما في خندقه، حيث رفض الأول كل تقييد للفلسفة بقيود الديداكتيك لأن في ذلك ضياعا لخصوصيتها وحطا من قيمتها وزهدا في ما يجب أن تتسم به من حرية، إن كان لزاما الحديث عن منهجية لتعليم الفلسفة وتعلمها فليكن مصدرها تاريخ الفلسفة ذاته، ونماذجها أنساق الفلاسفة أنفسهم وطرقهم في التفلسف. بينما رأى الفريق الثاني أن الفلسفة، وككل المواد، يتعين أن تلتزم بشروط المؤسسة التعليمية التي تحتضنها كمادة تعليمية، وعلى رأس هذه الشروط الاستفادة من علوم الإنسان، عامة، وعلوم التربية،خاصة، في صياغة ديداكتيك خاصة. ولا شك أن هذا السجال قد انعكس إيجابا على تطوير قدرات كلا الفريقين على التعبير والتحليل والنقد والنقد المضاد، وما إلى ذلك. غير أنه، أيضا، ومن غير أدنى شك، قد انعكس سلبا على صعيد الممارسة الديداكتيكية الفلسفية حيث توجهت الجهود إلى حيث لا ينبغي أن تتجه فكانت النتيجة أن الفلسفة، وكما تثبت ذلك جل الدراسات، هي أقل المواد المدرسة استفادة من الديداكتيك وعلوم التربية وأشد اضطرابا في النتائج وأكثرها عجزا عن ممارسة نقل ديداكتيكي يضع خطا فاصلا بين الفلسفة كمعرفة عالمة والفلسفة كمادة للتعليم.

وعليه , ووفقا لأهداف تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي ، بات من الضروري تأطير أنشطة التدريس بمقاربات ديداكتيكية تجعل الدرس الفلسفي مشروعا بيداغوجيا قادرا على المستوى الاجرائي من تجسيد الاهداف المرتقبه بمراعاة خصوصية وهوية الفلسفة ، تجاوزا للاختلاف المتوحش في تدريس المادة في ظل غياب إستراتيجية موحدة للتكوين المستمر على مستوى هيئة التفتيش، على أن تتميز تلك المقاربات بالمرونة والقابلية للتعديل ، وعلى حد تعبير ،(فيليب ميريو) ، أن كل مشروع بيداغوجي داخل المؤسسة التعليمية يقتضي البحث المستمر عن الطرائق الكفيله بإنجازة، …وعليه يجب إبتكار الطرائق بإستمرار وإلتقاطها من هنا وهناك، مع ضمان إنسجام ذلك مع مقاصدنا الحقيقية. ومن الخطأ السقوط في منظور ميكانيكي، والإعتقاد أن هناك طريقة جيدة واحدة ووحيدة تصلح لتحقيق تلك الأهداف وتلائم هذا المتعلم ، يجب إذن التوفر مسبقا على معطيات علمية مستوحاة من التجارب الناجحة والفعالة ،فتدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي ينطوي على إكراهات تفرضها المضامين وتمثلات المتعلمين وتكوين الاساتذة على المستوى الأكاديمي والديداكتيكي والمحيط السوسيوثقافي الأمر الذي أنعكس سلبا على وضعية الدرس الفلسفي.

 وكخلاصة ، لا ينبغي حصر الدرس الفلسفي في البراديغم التاريخي ، حتى لا يتحول المتعلمين والأساتذة إلى حراس للأنساق والمذاهب الكبرى ، ولا ينبغي حصره في البراديغم الإشكالي لان ذلك يعني اقتلاعه من جذوره التاريخية ومرجعياته وسياقاته ، نحن في حاجة إلى براديغم شامل لكل مكونات الدرس الفلسفي وإلى مقاربات ديداكتيكية وظيفية تستجيب لأهداف تدريس الفلسفة ولحاجات المتعلمين التكوينية وفقا لمبدأ التعلم الذاتي على أن يكون الدرس الفلسفي مفعما بالحياة

يخاطب الإنسانية في الإنسان ويؤسس للقيم الكونية ، كالتسامح والتواصل والحق في الاختلاف والتعايش والحق والحرية والمواطنة وأن تساهم في المد التنويري في مختلف المؤسسات بالنقد والمساءلة والحوار، ضد العنف وكل أشكال الوصاية والاستبداد .

المراجع:

 1- محمد بوبكري ، التربية والحرية، من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي.

2-ميشال توزي واخرون، بناء القدرات والكفايات في الفلسفة ، ترجمة حسن أحجيج.

3-محمد الدريج ، التدريس الهادف.

4-عز الدين الخطابي ، مسارات الدرس الفلسفي.

5-عبد المجيد الانتصار الاسلوب البرهاني الحجاجي في تدريس الفلسفة.

6-Emmanuel kant, critique de la raison pratique  traduit par François  Picavet             

-jacques Dérida, du droit a la philosophie ,7

-Michel minder, Didactique  fonctionnelle.8

9-حاجي فريد، بيداغوجيا التدريس بالكفاءات الأبعاد والمتطلبات.

10- مصطفى محسن، نحن والتنوير.

شاهد أيضاً

التفكير كفن للحياة أو شقاء له

     عبد الفتاح الحفوف      عبد الفتاح الحفوف إن الإنسان اعتاد طريقة العيش على المألوف،أقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *