الغرفة 101

اسماعيل مهنانة

اسماعيل مهنانة

أثار تيفو فريق الرجاء البيضاوي استفهامات كثيرة على الفايسبوك، تركّز معظمها حول التساؤل والتعجّب من جمهور كروي يفهم سرّ “الغرفة 101” الذي أودعه “جورج أورويل” في رائعة 1984، وهو أعمق مشهد في الرواية الشهيرة، وأكثر المشاهد إسالة لحبر النقّاد.

“الغرفة 101” في رواية أورويل هي غرفة التعذيب الأشدّ ألما التي يخاف منها جميع مواطني “أوقيانوسيا” ولا يعرف عنها البطل “وينستن” شيئا سوى الإشاعات، هي غرفة تقع عند آخر الدهاليز المظلمة للسّجن حيث يُثبّت السجين على مقعد ويوضع على رأسه قفص جرذان تلتهم وجهه ببطء.

لكنّ أورويل كان يريد القول أن لكلّ منا “غرفة سوداء” في أعماق اللاوعي، غرفة المخاوف التي لا نعرف أسبابها ونتجنّب التفكير فيها يوميا، وهي سبب التعاسة والأمراض العقلية. كان سيغموند فرويد قد خصص لها كتابا كبيرا بعنوان “الغرابة المقلقة” l’inquiétante étrangeté  . ذلك القلق الخفيّ والمولّد للعصاب، لكنه أيضا المولّد الأساسي للفن والأعمال الفنية، لهذا تدور فصول كتاب فرويد كلّها حول أعمال فنانين كبار مثل “تمثال موسى” لمايكل أنجلو، ومسرحية هاملت لشيكسبير، وتاجر البندقية، ورواية فاوست، لغوته، وغيرها من الأعمال التي تكشف أن الفنّان يكون قد سرّب إليها ” سرّ الغرفة 101″، أي مخاوفها وهواجسه الأوديبية والطفولية التي لم يعد يذكرها بدون وعي منه، ولفهم هذه الأعمال الفنية يجب الربط الواعي بين تلك الهواجس العصابية الموجودة فينا، جميعا، وسرّ خضوعنا للفن.

قد لا تكون جماهير الألتراس الرجاوي على وعي بكلّ هذه الأشياء، قد يكون التيفو رسالة إلى الخصم الكروي، أو رسالة تضامن مع المعتقلين السياسيين في السجون المغربية. لكن الحديث عن السجون في المغرب أيضا يخاطب مخيالا شعبيا لاشعوريا في المغرب من خلال سجن “تازممارت” الذي تحوّل إلى أسطورة شعبية في اللاوعي المغربي. السجن الذي تحوّل بدوره إلى عمل روائي كبير للطاهر جاووت حين كتب رائعة أخرى بعنوان “تلك العتمة الباهرة” cette aveuglante absence de lumière. الرواية بدورها تدور حول “الغرفة 101” بل هي عشرات الغرف المشابهة أعدّها السلطان لمعارضيه بعد محاولة الانقلاب عليه في صيف 1970، والرواية كلّها تدور حول العذابات الفظيعة التي عاشها السجناء طيلة ثمانية عشر سنة. فالزنازين في تازممارت صممت تحت الأرض حيث الليل يدوم لسنوات طويلة مشفوعا بلسعات العقارب والجوع والبرد والجنون الذي يسقط تحته المساجين واحد تلو الآخر فلا ينجو غير الراوي وبضعة آخرين.

للسجون وظيفة جوهرية هي إشاعة الخوف بين تدريجيا بين الأحرار وتطويعهم شيئا فشيئا وتحويلهم إلى عبيد طواعية، خاصة في الأنظمة الاستبدادية. فالسجون بقدر ما تشكّل وعي المساجين بقدر ما تتسرب إلى لاوعي من بقي خارج أسوارها مُحمّلة بخطاب السلطة، تشيعه بين المواطنين في دائرة لا تني تتسع مع الزّمن فتسمُ الذوات بميسم الخضوع والتملّق ونزعة المراقبة التي تصبح طبيعة ثانية، هذا ما يخبرنا به جورج أورويل حين يظهر لنا أن الأطفال في مملكة أوقيانوسيا تعلّموا فن الوشاية وصاروا يسلّمون آباءهم لدوريات الأمن بدافع الوطنية.

أمّا الملاعب فقد أصبحت سجونا مضادة، فهي أيضا هندسة معمارية تحمل خطاب السلطة في تصاميمها لكنها مُصممة كسجون مقلوبة حيث الجماهير تدخلها طواعية لتفريغ غضبها وتقيّء خطاب السلطة والردّ عليه بالفن، بالأغاني البذيئة والكلام النابي والتيفوهات شديدة اللهجة.

السجون كعبة اللاواعي والملاعب طوافه التوّاق للخلاص. 

شاهد أيضاً

ترجمة المصطلحات الفلسفية الجزء 2

نور الدين البودلالي   بقلم: Siobhan Brownlie ترجمة: نورالدين البودلالي تعقد التمييز: المصطلحات التقنية والقاموس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *