الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / البؤس سينتهي يا “فنسنت” ..

البؤس سينتهي يا “فنسنت” ..


هناء السعيد

بقلم / هناء السعيد.. مصر

جميعنا مر بحالات من اليأس جعلته لا يؤمن بعدها بأن هناك إمكانية أصلا للفرح ، جمعينا رأي جزء من الصورة التي يظهر هو فيها ، ولم ننظر للوحة الإنسانية الكبيرة..
جمعينا “فنسنت فان جوخ” ، والخلاص والنهاية يختلف من شخص لأخر.

البؤس سينتهي يا “فنسنت” ، لأن العقل ماكر وللتاريخ مكر بحسب ” هيجل ” ، نحن نسير نحو الحرية ،نحو التقدم ،نحو الحب ، لكن ليس بواسطة قارب يسير وسط نهر هاديء تحيطه الورود والاشجار ، إنما بواسطة تحول عبق التاريخ إلي غاز خانق، كان يجب أن يفسد كل شيء حتي نواجه أنفسنا ، الألم لا يمكن القفز فوقه يا “فنسنت ” ، الألم خلق لتحدق فيه وتتشبع بتفاصيله ، تضرب لجذوره مهما كلفك من وجع ، لعلها الجذور يا فنسنت ، لعله الماضي ، لعله ” التراث” الذي تصنعنا لنهرب من نباته ، اخترعنا الحيل لنستر الجذر ، فهتك الألم كل ستر.

البؤس سينتهي يا فنسنت ، أوروبا كان فيها ربيع في قرن من القرون ، شنقت اساطيرها وخرافتها، شنقت خوفها وخطوطها الحمراء ، شنقت ضحايا وأبرياء كذلك ، لتتنفس الحرية.. “ذهبوا نحو الربيع ” ، الذي يبدو كابوس ، يبدو شتاء عاصف ، نعم لابد أن تقوم العاصفة لتنتخب الإنسانية أفضل عناصرها وتبقيها ويذهب الباقي مع الريح ، ليذهب ما لم يكن مستحقاً للوجود أو دوره في رحلة الوجود أنتهي.

البؤس سينتهي يا فنسنت ، في العالم العربي جاء الربيع ، جاءت المواجهة المؤجلة، لا أحد يمكنه تأجيل المصير المحتوم، سندفع ثمن شعاراتنا، سندفع ثمن مطرقة أصنامنا ، الثمن لجوء ، الثمن جوع، الثمن فساد وجريمة ، الثمن كل شيء بشع ، التاريخ ليس مسالم ، التاريخ ليس أبا لطفل يصرخ تحت أنقاض القصف ، هو القاتل ليحيي لكن في سياقات أخري ، سيتوقف صراخ الطفل يا فنسنت ، لكن علي بعد عدة أزمان من الدموع التي يجففها الدرس ، يا فنسنت التاريخ تعيس لكنه يسير نحو سعادته ، التاريخ عاقل ، نحن حالمون رومانسيون.

سيأتي ربيعنا.. يوم يكون الدين في حدود مجرد العقل ، يوم نكتب كاڤولتير وروسو ، يوم ندرك أننا قدسنا ما لا يقدس ، يوم نلج للعمق ونترك صراع القشرة ، يوم دخول الجنة لا يمنعه “نقد” كائن بشري مثلنا ، يوم نؤمن بحق الشخص في الإختيار ولا نقيم له مشنقة لمجرد أنه اختار عكس الأغلبية ، يوم نفكر دون ذنب ، يوم تكون ثيابنا أقمشة ناعمة نلمسها بأمان لا أسلاك شائكة تفرقنا .

اخترق معي الصورة يا فنسنت ، لولا الألم لما كانت العظمة ، لما كان نيتشه ، لما كان المعري ، لما كان دستيوفسكي ، لما كنت أنت يا “فنسنت” ..
لكنك انسحبت من مصيرنا الكبير لمصير اخترته ، لا ألومك كثيراً ، لكني ألوم الطلقة اللعينة التي حرمتك من فرصة للفهم .

البؤس ينتهي يا فنسنت ، فنحن نتغير لنكون أكثر صلابة وجدية من بعد دروس الحياة ، لقد تحول أمامي البؤس لنصر مرات وانتظره مرات أكثر ، رأيت المظلوم ينتصر إذا أراد وعاند ، رأيت أن النصر ليس في هزيمة الألم ، لكن في تسخيره كجندي ذليل في معركتك ، رأيت الوحدة تزول عن أهلها بالمحبة الصادقة ، رأيت العزلة يبددها الحب الذي يريد أن يتخطي فشله بتوفيق خرافي .

كم تمنيت يا “فنسنت” أن أخذ مسدسك وأطلق رصاصه علي المستحيل ، علي البعيد ، على الضعيف، علي المحرم ، علي المتنمر الذي يقتل إحساسنا بالقدرة ، كل هذا أحق بالموت في معاركنا الصغيرة ، لكنه جزء من حركة تاريخنا نحو اكتماله ، إنه يعلم إلي أين ،وعلينا أن نستمتع بالوجع الذي لم يعدنا بسواه ، المتعة لا تنكشف إلا بعد أن ينهي الألم دوره ، للسعادة مقابل من الحسرات يا “فنسنت” العظيم الخالد بفعل ألمك .

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *