الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / ايفان ايليتش: الثورة على المؤسسة أو مجتمع بلا مدرسة

ايفان ايليتش: الثورة على المؤسسة أو مجتمع بلا مدرسة

بقلم :عبد الفتاح الحفوف

أمنية لم يكتب لها أن تتحقق في اللحظة التي دخلت فيها باب المؤسسة كأي طفل همه تحقيق ذاته في عمر اللهو واللعب، تلك المؤسسة التعليمية التي مافتئ يحلم كل طفل في سني آنذاك أن تزول وأن نعيش في مجتمع بلا مدرسة، بل مزال هذا الحلم قائما عند جل المتعلمين في الوقت الراهن، تكريس مبدأ اللا تعلم واللامساواة وغيرهما، إنه  الشيء الذي فقد الثقة والأمان داخل أسوار المؤسسات. هذه الأخيرة نكاد نقول عنها  لم يبقى منها سوى الاسم، فقد تبخر المعنى وبقى اللا معنى كطيف يجول داخل الأسوار.فما معنى قيام مجتمع بلا مدرسة ؟ وهل الثورة المؤسساتية كافية لتحقيق/ تجويف ما كان ومازال محققا في واقعنا الراهن ؟

كانت من أجمل الصدف عندما عرض علي الأستاذ والباحث محمد أوحدو* قراءة في كتاب ” مجتمع بلا مدرسة ” بالمدرسة العليا للأساتذة بمدينة الرباط ، فقد كان صراع هوس القراءة من جهة وصراع  أسئلة الطفولة من جهة أخرى. هل الكتاب يجيب على أمنية شاء لها الرب في عالم أخر أن تتحقق؟ أم أن الكتاب يدعوا الى  ثورة داخلية تعيد الاعتبار للمؤسسة التعليمية ؟

أكاد أفترض في البداية أن ايفان ايليتش يحقق أمنية طفل جعلت المدرسة زمنه شبه وحش كاسر ، بل إن ايفان قد يحقق اليوم أكبر هدية للمتعلم، فلا فرق بين اليوم والأمس ، فالمؤسسة على مستوى المخيلة ما تزال وحش ميتافيزيقي أمام كل متعلم يريد اللعب بأقلام وأوراق رسم سرعان تختفي وراء معانات أسوار المؤسسة.

 كتاب “مجتمع بلا مدرسة” هو كتاب قيم لصاحبه ايفان ايليتش (فيلسوف أمريكي من مواليد 1926 -2002) ترجمة الهادي الهيلوش ، نشر بدار الكلام عنوانه الأصلي Deshooling Society) يتكون من 200 صفحة بدءا من مقدمة للمؤلف وسبعة فصول وملحق.

 الكتاب ينتقد النظرة التشاؤمية التي جعلت المجتمع في الوقت الراهن ينفر منها، لأنها أصبحت رمزا للإحباط واليأس وتفريغ عدد لا يحصى من العاطلين، وهو الأمر الذي جعل أرقى الدول المطالبة بمجتمع بلا مدرسة. إن صاحب الكتاب ايفان ايليتش  يعتقد أن المدرسة في كل مجتمعات اليوم تمثل خطرا على هذه المجتمعات ، كونها تحولت من مؤسسة تربوية الى أداة تطويع تهدف الى سلب الإنسان كل أسلحته التي تمكنه من الحياة الحرة والكريمة لتجعل منه كائنا بلا إرادة وبلا اختيار، كائنا يقبل كل ما يعرض عليه في سلبية وعجز تام. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن المدرسة تحولت من هدفها الأصلي هو تنمية الأفراد من أجل تحمل المسؤولية في المجتمع الى أن تصبح إحدى العراقيل الوعرة في سبيل تحقيق أهداف المجتمع ، إن المؤسسة اليوم استنزفت قدراتها وطاقاتها، والنتيجة أدت الى عكس ما يهدف إليه المجتمع.

السؤال المطروح هو كيف يدلل ايليتش على هذه الادعاءات ؟ أكيد لن يحلق بنا ايفان في سماء الممكن بقدر ما يدعونا الى النظر للواقع، واقع يتعلم فيه الطلاب/ المتعلمين يوميا أشياء لا يستفيدون منها في واقعهم العملي.كما أن بقائهم الطويل في المؤسسات يعلمهم جملة من العادات السلبية أهمها الخضوع لأفكار وأراء وأهواء المعلمون.

لنتحمل المسؤولية ولو مرة في حياتنا ونواجه الواقع بالواقع ، إن التفكير النقدي كتفكير يسمح للمتعلم الخروج من هواجس الحياة الى التأمل في أفق الممكن هو تفكير صعب ، بل هو إن صح القول غائب وغير مطروح داخل أسوار المؤسسات. يلزمنا إذا أن نجد وسائل بديلة للتعليم والتعلم في الحياة، كما يجب أن تساهم المؤسسات في هذا المجهود، وذلك يجعل قيمتها التربوية تظهر من جديد. وهذا يجعلنا نفترض أن الناس تخلوا عن الاحتواء وراء شهادتهم واستطاعوا أن يرفعوا أصواتهم عاليا، وبذلك يضمنون لأنفسهم مراقبة المؤسسات التي يشتركون فيها. ولبلوغ ذلك يجب أن نتعلم فهم القيم الاجتماعية،وكما قال ايفان ايليتش “فالمشاركة في الحياة السياسية تظل بالتالي المعيار الوحيد للمقارنة الذي يُمكنُنَا من قياس قيمة مختلف المؤسسات على الصعيد التربوي “. فلماذا إذن نتخلص من المؤسسة التي هي العالم الذي يفتحنا على الآخرين، العالم الذي يجعلنا نكتشف ذواتنا في الآخرين وبالآخرين .

لماذا التخلص من المدرسة ؟

يعتقد ايفان ايليتش أنه من الأفضل التخلص من المدرسة، والسبب يعود الى أنها تعلمهم نوع من الخلط بين كيفية الحصول على المعرفة وبين المادة التعليمية 1 وذلك أن المدرسة تحاول أن تسمح من جهة أخرى مسح حسن التميز لديهم،وهذا يعني أن المتعلم أصبح تحت نفوذها لا يعرف كيف يميز بين التعلم( فن الحياة/العيش)  والتعليم، وأن التربية هي الانتقال من مستوى الى مستوى أخر، وأن الكفاءة أو ما يراد فها  تقاس بالشهادة المحصلة عليها من المدارس.

إننا لا نسعى بهذا المنطلق إلا الى تلوث البيئة، مثلما نسير نحو التميز الاجتماعي. وعلى هذا الأساس سيحاول ايفان ايليتش إظهار الخلط الحاصل بين المؤسسات والقيم الإنسانية. لابد في نظره أن نبين عندما لا تتضح الصحة، التربية، الحرية الفردية كطرق للاشتغال.إذ يتبين الهدف من تحديد اختيارات المستقبل، والذي يقتصر على المطالبة بإعادة الاعتبار بشكل أعمق للقیم داخل المؤسسات ،  وهذا الأمر لا يتأتى إلا بحركة وتجاه معاكس لما یحصل بالنسبة لمختلف الظروف. لقد آن الأوان لتوجیه البحث في الاتجاه المعاكس حول إمكانیة استعمال التكنولوجیا من أجل خلق مؤسسات تكون  في خدمة التفاعلات الشخصیة المتبادلة ، إنھا مؤسسات مبدعة ومستقلة 3.لیس لشيء إلا لظھور قيم لا يمكن بشكل من الأشكال أن تكون خاضعة لقوانين التكنوقراطين.

اكتشف ايفان أن الإنسان لم يعد يفرق بين طبيعته الانسانية وطبيعة المؤسسات العصرية، الشيء الذي دفعه الى طرح هذا السؤال الذي انطلقنا منه” لماذا التخلص من المؤسسة المدرسية ؟ يقول ” لقد اخترت أن أتخذ من المدرسة نموذجا… ويبدو لي أنه يكفي تحليل المحتوى الخفي لبرنامج المدرسة لإظهار الى أي حد يمكن أن يكون القضاء على مدرسة المجتمع مفيدا للتربية العمومية”4

إن المشكل بالأساس في اعتقاد ايفان لا يتوقف على المدرسة فقط ، بل الواقع الاجتماعي أيضا، وبالتالي ليست الحاجة الى القضاء على المدرسة وقفا على المؤسسة المدرسية بقدر أن المجتمع كله بحاجة الى ذلك5 يوضح هذا الأمر بأن الأغنياء والفقراء على السواء يسعون الى نفس الثقة في المؤسسات { المدارس، المستشفيات، السجون …} وأن علاجهم لا يكمن إلا في المؤسسات وحدها.كل هذا نابع من الدولة، لأن من يسيرها يطالبون بالاحتكار المهني والسياسي والاقتصادي، الشيء الذي يجعلهم يغيرون القيم ويحددون ما هو في نظرهم قابل للتحقق. فالفقير مثلا كان منذ سنوات في المكسيك يموت في بيته ثم يكفل أحد أصدقائه بدفنه، في حين الكلمة الأخيرة تبقى للكنيسة. أما الآن فتبدأ حياة الإنسان وتنتهي في بيته. لكن ألا يدل هذا على أن مجتمعنا أصبحت فيه حاجة الإنسان هي المطالبة بمواد استهلاكية لن يلبث أن يصبح مقياس الفقر فيه هو بعض معايير المقارنة ، يستطيع التكنوقراطين تغيرها متى أرادوا ذلك.

ماذا يعني هذا الأمر ؟ بكل بساطة أصبح الفقر هو ذلك الذي لا يستطيع الاستجابة لبعض معايير الاستهلاك الإجباري، وأصبح العالم يعاني من هذه الظاهرة ، إذ ليس هناك في مكان ما يخضع فيه الفقر لعلاج أعلى كلفة ، لهذا يرى ايفان ايليتش أنه لابد أن نلجأ الى علاج أكثر جدية ، ألا وهو الثورة على المؤسسات. وحتى يتم تفعيل هذا العلاج استطاع ايفان الانطلاق من الأسس التي تنبني عليها المدرسة معتمدا في ذلك على ملاحظات وليام دوكلاس-هو أحد القضاة بالمجلس الأعلى إذ يرى هذا الأخير أن طريقة إنشاء مؤسسة هو تمويلها، كان ايفان مع هذا الطرح شريطة أن تأخذ على عاتقها الصحة والتربية والمساعدة الاجتماعية. إلا أن ايفان يحذر من عدم الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه برنامج المساءلة الفدرالية أو ما يطلق عليها Title. one حيث خصصت له مبالغ طائلة لتدارك النقص المدرسي ومع ذلك لم يسجل أي تحسن. وهذا راجع الى ثلاث أسباب :

1 )  المبالغ غير كافية لتحسين النتائج ، وإن كان كافية فهو يصرف على أنشطة لا تَمٌتٌ بصلة الى التربية.

2 ) التخلفات المدرسية.

3)   عدم توزيع أفضل للإعتمادات مع التركيز على الأطفال الفقراء والمتضررين ، ايفان هنا يشرح أن المدرسة هي التي تقف وفي وجه كل امتياز يمنح لأولئك المتضررين.

إن الغاية التي يسعى ايفان توضيحها هي كيفية ضمان فرص تربوية متشابهة للجميع،ايفان يعتبر أن الخلط بين الهدف وبين مدة الدراسة الإلزامية كالخلط بين الخلاص والكنيسة8 .فالمدرسة أصبحت مقدسة لا تستطيع إلا أن تقدم أوهام بالخلاص لفقراء عصر التكنولوجيا، والدولة هي المسؤولة الوحيدة في ذلك، فهي تعتبر نفسها الرب الذي فوق الجميع دون تغير منها.وهذا يدل على أن المدرسة لا تضمن المساواة يقول ايفان هنا ” تضر المدرسة بالتربية ،لأنها تعتبر الوحيدة القادرة على التكفل بها”9 وهذا ما يجعل القائمين على التربية يرفعون الدعاء الى السماء بدعوى أن مهمة التربية مهمة معقدة ويصعب فهمها .

حجة دامغة أخرى تضاف الى سبب التخلص من المؤسسة التعليمية اليوم، إن الأغلبية من خريجي المدارس لا يجدون عملا في الخارج ( الحياة الاجتماعية) بعد التخرج، وإن تحصلوا على فرصة عمل فإنهم يحصلون على دورات تأهلهم / تعدهم من جديد لهذه الوظيفة، مما يعني فشل إعداد المدرسة، أو أن هذه الفرصة الوظيفية تؤهل الطالب ليكتسب بعض القدرات الذاتية التي لم تعمل المدرسة على تنميتها، بل قد تكون سببا في طمسها. إذن، فالمدرسة باختصار، تعلمه ما لا ينفعه ولا يفيده. يقول ايفان ايليتش هذا دليل على أنها لا تعمل في صالح الطالب/ المتعلم، بل هي مهمومة بتحقيق مصالح طبقية اديولوجية وهو ما يطرح الإشكال التالي : هل نظمت المدرسة من أجل الطالب أم من اجل أطراف أخرى ؟

هل يمكننا القول أن ايفان ومعه المطالبين ” بمجتمع بلا مدرسة ” يعتقدون بعدم جدوى التعليم؟. لا يمكن التأكيد على ذلك ، ولكن المشكلة الأساسية تكمن في المأسسة{أي التأسيس}، أي تحويل عملية التعليم الى مؤسسة ذات سياسة ونظم تطغى على التعليم. التعليم من وجهة النظر هذه يفترض أن تكون خبرة حرة يعبر فيها الفرد عن نفسه { التفكير النقدي، الإبداع، نقد النقد…} ويبدع ويستخدم قدراته ومواهبه الى حدا الأقصى وبصورة حرة بعيدا عن القوالب النمطية {المدرسة …} وأشكال التحكم والسيطرة والضوابط والقيود الخاصة بالزمكان وصور التواب والعقاب.

يطمح ايفان والمجتمع اليوم الى تكوين متعلم يعتمد على ذاته، له حرية التفكير في الاختيار، إنسان واع أن المعرفة توجد ليس فقط بين الأسوار ،بل في كل مكان، بهذا الوعي نكون حققنا الرهان الذي من أجله وجدت المؤسسة في مفهومها عام. وقد كانت حجة ايفان واضحة هنا عندما استنتج أن كل ما يتعلمه الإنسان يكون في الغالب عن طريق المغامرة أو القلق بالمفهوم الوجودي، فالطفل يكتشف الكلام منذ سن مبكرة دون أن يلقنه أحد، انطلاق من هذا المثال يحاول ايفان أن يوضح أن المدرسة ليس بالضرورة المكان الوحيد للتعلم ، ويعتقد انه حتى ولو كانت معارفنا ثمرة الصدفة أو عن طريق أنشطة أخرى ” وقت الفراغ” فهذا أو أذاك لا ينفي التعلم عن طريق التعليم المنظم. فكل المواد المخصصة ابتلعتها المدرسة ،أما في ما يخص التعليم التطبيقي وإن كان أقل تكلفة ،فإنه في الوقت الراهن يبدو نوعا من الامتياز ،لأنه مخصص فقط لأولئك الذين تسمح لهم ثرواتهم بالاستغناء عن المدرسة. 

قد نخلص في الأخير أن كتاب مجتمع بلا مدرسة اعتمد فيه  ايفان ايليتش أثناء تحليله  منهج تاريخي ، أي انه ينظر الى المدرسة في أفق ” المدرسة على المدى البعيد ” إلا أنه ربما هذا الأفق لن يتحقق في عصرنا الراهن إلا بقيام ثورة فكرية مؤسساتية . إن هذه الإشكالية ربما تبقى من القضايا المستبعدة تحقيقها في عصرنا اليوم، إلا أن ايفان أعطاها صبغة ذات تفاؤل مستقبلي، يتدخل فيها ما هو نظري بما هو تطبيقي. قد نتساءل معه عن البديل عن المدرسة يقول ” البديل هو التربية الحرة، ” هل تسمح نظمنا اليوم بشيء اسمه التربية الحرة؟ إنه من شبه المستحيل والدليل أننا لم نستطيع تعريف ما الإنسان اليوم. لكن في الدول المتقدمة ممكن بالنسبة لإيفان ايليتش يرى  أن التربية الحرة ستجعل الإنسان يتخلص من قهر البرامج الجامدة الموجودة في المؤسسات التعليمية ، هذه التربية الحرة في نظره قدم لها برامج لتحقيقها عمليا يمكن الوقف على أمرين : أولهما “ورش تبادل المهارات” والثاني “شبكات التعلم” وهي عبارة عن مجالس يجتمع فيه الأفراد ذو الاهتمامات المشتركة يختارون قضايا ويناقشونها على أساس التعلم الذاتي الإبداعي. إن هذا البرنامج يمكن أن يساهم في خلق مجتمع يستطيع الإنسان أن يكون فيه حرا ومحققا لذاته.

هوامش:

*محمد أوحدو أستاذ فلسفة وباحث ، مدرس بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط له عدد أعمال من بينها،المدرسة والتجاذبات القيمية، الريف الشرقي بالمغرب ، توجهات السياسة الحضرية الكولونيالية بالمغرب….

1 ايفان ايليتش – مجتمع بلا مدرسة، ترجمة الهادي الهيلوش، دار الكلام،بدون ط، ص 10

3 نفس المرجع ،ص 10

4 نفس المرجع ، ص 10

5 نفس المرجع ،ص11

5 نفس المرجع ،ص 11

8 نفس المرجع ، ص22

9 نفس المرجع ،ص 18 

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *