الرئيسية / منتخبات / تغطية / علاج الانفعالات من منظور سبينوزا

علاج الانفعالات من منظور سبينوزا

يونس امهاضر

“لا يمكن كبح انفعال أو القضاء عليه إلا بانفعال

مناقض له وأشد منه”. سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس

القضية 7 .

لم تظفر التصورات الأخلاقية بفهم سليم للطبيعة البشرية، ولم تنجح في بناء مخرج

للإنسان من العبودية التي يتخبط فيها. والسبب في ذلك أنها ظلت تتوهم حلولا متعالية عن الطبيعة الإنسانية وتصورات ميتافيزيقية توهم أنه بالإمكان قهر القوى الانفعالية بفعل الحرية أو الإرادة أو العقل، كما تعتقد الرواقية أو الديكارتية 3 .

يوجه سبينوزا، في تمهيد الباب الخامس من الإيتيقا، نقدا شديدا لمذاهب الفلسفية الأخلاقية، خاصة الرواقية والديكارتية، لإقرارها بسلطان النفس المطلق على الانفعالات، يقول سبينوزا:” فالرواقيون يرون أن الانفعالات تخضع تماما للإرادة وأنه بوسع المرء التحكم فيها. لكن التجربة، لا مبادئهم الخاصة، قد أرغمتهم على الاعتراف بأن قمعها والتحكم فيها يقتضي بالضرورة تدريبا ومراسا شديدين. وهذا الرأي هو الذي يأخذ به ديكارت أيضا، فهو يسلم بأن النفس تتحد خاصة بجزء معين يطلق عليه الغدة الصنوبرية، وبفضل هذه الغدة تشعر النفس بكل الحركات التي تحدث في الجسم وبالأجسام الخارجية4 .

في مقابل هذا التصور الأخلاقي، قدم سبينوزا تصورا إيتيقيا يرى بأن الانفعالات لا

يمكنها أن تتراجع أمام العقل ولا يمكنها أن تقهر بالإرادة أو حسن النية، فالانفعال لا يمكن منعه أو تحطيمه إلا بانفعال مقابل؛ لا يمكن كبح انفعال أو القضاء عليه إلا بانفعال مناقضة له وأشد منه5 . مثلا تزول الكراهية عندما تقابل بالحب6. وعندما ينتصر الحب على الكراهية انتصارا تاما فهي تتحول إلى حب، ويصير حبا أعظما كما لو لم تسبقه كراهية 7 .

إذن فعلاج الانفعالات والخروج من العبودية هو أمر يترتب عليها، بمعنى أن هذه الانفعالات التي تكبل قوى الإنسان، هي نفسها التي تعمل على تحريره من تلك القوى. فالمبدأ الذي ينطلق منه سبينوزا هو أن الخلاص لا يتم باستدعاء قوى جديدة في الإنسان، بل بالاعتماد على نفس قواه. فالانفعالات التي تكون سببا في تعاسة الانسان هي نفسها يمكن أن تكون علة لحريته 8 . وبالتالي فكل الأفعال التي يقوم بها بمقتضى انفعال سلبي، يستطيع القيام بها بدونه. وبمقتضى العقل: وهو الفعل الملازم للضرورة الطبيعية للإنسان منظورا إليها في ذاتها فحسب 9 .

ما الذي يأمر به العقل؟

إن العقل لا يطلب شيئا مناقضا لطبيعته، بل يدعو كل امرئ إلى أن يحب نفسه وأن يبحث عما ينفعه ويفيده، وأن يرغب في كل ما يزيد في قدرته على الفعل. وهذا السير وفقا لمبدأ الفضيلة يعني: السلوك وفقا للقوانين الطبيعية. كما أن مبدأ الفضيلة هو ذاته الجهد الذي يبذله الإنسان في سبيل حفظ كيانه الشخصي، بل إن سعادة الانسان تكمن في كيانه. إذن فالرغبة في الفضيلة يجب أن تكون لذات الفضيلة. وبالتالي كلما اهتدى الانسان بالعقل كان حرا. ومن وصايا أو أوامر العقل أيضا: أن يكون جميع البشر على اتفاق في كل الأمور، وأن يسعوا كلهم إلى ما يفيدهم جميعا. فالذين يقودهم العقل، لا يرغبون في شيء لأنفسهم إلا يرغبونه أيضا لغيرهم 10 .

إذن فأوامر العقل تتمثل بشكل عام في أي الانفعالات التي تلائمه، وأيها تناقضه؛ فالتي

تناقضه هي الانفعالات القبيحة، أما التي تلائمه فهي التي تزيد في قدرته على الفعل.

إذن فأساس مبدأ العقل هو الفهم لا غير، والفهم هو المصدر الوحيد للفضيلة 11 . فكلما

اهتدى الانسان بالعقل، اختار من بين خيرين أعظمهما، ومن بين شرين اثنين أهونهما. وقد يبحث عن شر أقل في مقابل خير أعظم. ويتنازل عن الخير الأقل الذي يتسبب في شر أعظم. فالشر الأقل هنا يكون خيرا، والخير الأقل يكون شرا 12 . بل يفضل الإنسان خيرا أعظم في المستقبل على خير أقل في الحاضر، وشرا أقل في الحاضر على شر أعظم في المستقبل 13 . إن فضيلة الانسان الذي يهتدي بالعقل تتمثل في توقيه للمخاطر بقدر ما تتمثل في تغلبه عليها 14 .

إذن إذا كان هذا ما يطلبه العقل، فما مدى تحكمه في الانفعالات؟

في علاج سبينوزا للانفعالات يستبعد كل حل سهل أو سحري، ويقوم بتحليل قدرة

العقل، لأن البشر يستطيعون مقاومة الانفعالات بطريقة جادة، وهذه المقاومة لا يكون لها معنى إلا إذا قبلت كمنطلق لها بالطابع الإيجابي للفكرة الباطلة، فلابد من توسط هذه المقاومة بوضع إيجابية الصورة. فالانفعال يظل عصيا بمجرد حضور الحق، وينبغي فضلا عن ذلك إنشاء صور تكون لها من الشدة ما يكفي كي تعوض الصورة الأولى 15 ، بمعنى أنه إذا ما نتج داخل النفس فعلان متضادان فلابد أن يطرأ بالضرورة تغيير على الفعلين، أو على أحدهما دون الآخر حتى يزول تضادهما 16 . فعلاج الانفعالات يأتي من الانفعالات نفسها. يقدم سبينوزا في القضايا من القضية 1 إلى القضية 10 علاجا للانفعالات، وهو يتحدث عما تستطيعه النفس من جهتها للتحكم فيها؛ أي قدرة النفس منظورا إليها في ذاتها ضد الانفعالات 17 . ففيما تتمثل هذه القدرة؟

تتمثل هذه القدرة في كون النفس قادرة على تحقيق معرفة بهذه الانفعالات، فما من

انفعال من انفعالات الجسم إلا ويستطيع الإنسان أن يكون عنه مفهوما واضحا متميزا. ويترتب على هذا أيضا أنه ما من انفعال من انفعالات النفس إلا ويستطيع الإنسان أن يكون عنه مفهوما واضحا، مادام أن انفعال النفس هو فكرة انفعال الجسم. فكل شخص قادر على معرفة انفعالاته، وإن لم يكن بشكل مطلق فعلى الأقل بصورة جزئية وبوضوح وتميز بحيث يكون أقل سلبية 18 . يتبين إذن أن القدر الذي يعيشه الإنسان ليس قدرا محتوما. فدور الإنسان في قلب وضعه التحرري هو أمر ممكن في كل الحالات شريطة تقديم المقابل، وهو العمل على إعمال الفهم وتفعيل العقل 19 .

كما أن النفس لها قدرة على فصل الانفعالات عن فكرة العلة الخارجية التي تتخيلها

بصورة مبهمة. وهذا هو المبدأ الثاني الذي يعطيه سبينوزا لعلاج الانفعالات؛ وهو الابتعاد عن الأسباب الخارجية المصاحبة للانفعالات حتى يتم تقليصها أو القضاء عليها. يقول سبينوزا: إذا تم فصل تأثرا أو انفعالا سلبيا عن فكرة علة خارجية وتم ربط هذه الانفعالات بأفكار أخرى، فإن حب العلة الخارجية أو كراهيتها ستزول، كما تزول أيضا كل تقلبات النفس الناجمة عن هذين الانفعالين20 . فما يكون  صورة الحب أو الكراهية هو الفرح أو الحزن المصحوب بفكرة علة خارجية. وبالتالي فبزوال هذه الفكرة تزول صورة الحب والكراهية، وتبعا لذلك سيزول هذان الانفعالان كما تزول أيضا الانفعالات المتولدة عنهما 21 .

إذن يتوجب على النفس أن تفكر فيما تدركه بوضوح وتميز، وبهذه الصورة سيتم فصل

الانفعال ذاته عن فكرة علة خارجية ويقترن بأفكار صحيحة * .

هكذا إذن فكل انفعال سلبي يمكنه أن يزول مادام أن الانسان يكون فاعلا ومنفعلا

بالنظر إلى نفس الرغبة * ؛ أي بمقدوره أن يحول التأثيرات من جهة السلب إلى جهة الإيجاب، وذلك بتكوين أفكار ملائمة عنها، مثلا، فالفرح انفعال ينمي من القدرة على الفعل، لكن إذا ما كان مصحوبا بعلة خارجية سيكون حينها تأثير سلبي، عكس إذا ما كنا علة داخلية لهذا الانفعال، إذ سيكون إداك تأثيرا إيجابيا؛ فرحا فعالا22 . وأيضا الرغبة في أن عيش الآخرون وفقا للطبع الشخصي للفرد. فهذا الانفعال عند الشخص الذي لا يهتدي بالعقل يسمى طموحا،

وهي لا تختلف عن الزهو، وتكون عند الشخص الذي يهتدي بالعقل ويسترشد به فعلا أي فضيلة وهي ما يطلق عليها الأخلاقية(Moralité)23 .

فعلاج الانفعالات لا يتطلب غير المعرفة الصحيحة، ولا يوجد عند الانسان أفضل من هذه القدرة، فقدرته الوحيدة هي القدرة على التفكير وعلى تكوين أفكار تامة لا غير 24 .

لكن هذا لا يعني أن القضاء على الانفعالات وعلاجها يكون فقط بمعرفتها. إنه فقط تكون النفس أقل تأثرا بقدر ما يكون الانفعال معلوما لدى الإنسان. وبالتالي فالانفعال لا يتم القضاء عليه، فقط يتم إزالة السلبية. لأن فهم انفعال ما يعني استيعاب الأسباب والقوانين التي تفسره، بعبارة أخرى فهم نظرية الباب الثالث من الإيتيقا25

يظهر  كيف أن الموقف السبينوزي القائم على المحايثة ينطلق من الضرورة

باعتبارها مصدرا للحرية. ويظهر أيضا أن الحرية والخلاص هي جزء من الطبيعة المطلقة. هكذا إذن نفهم أن علاج الانفعالات والتحرر من عبوديتها هو أمر يترتب على هذه العبودية نفسها، لأن الحرية لا تأتي من لا شيء بل تخرج من نقيضها. فلا وجود لحرية جاهزة أو حرية آنية من عالم مفارق. بل تتأسس من صميم الحياة المعيشية، وتخرج من صلب المعاناة التي يتخبط فيها الإنسان. والرغبة التي تزج بالإنسان في سجن العبودية هي التي تعمل على تحريره، فالاختلاف يأتي فقط من كون هذه الرغبة تحت العلل الخارجية، أو أنها تحت سلطة العقل. فالإنسان هو المسؤول عن نفسه، وهو المسؤول عن انعتاقه وتحرره. وبالتالي فكل الوساطات تتلاشى؛ تلك الوساطات التي أقامها الفكر الأخلاقي والخرافي. لو أمكن صياغة التصور السبينوزي صياغة سقراطية لوجب القول حرر نفسك بنفسك33 ، لأن كل فرد يستطيع أن ينظم ويرتب انفعالات الجسم، وأن يمنع الانفعالات السيئة من أن تؤثر فيه بسهولة.

ويظهر أنه كلما كانت الانفعالات منظمة ومرتبة وفق نظام ملائم للنفس، يكون ردها أصعب مما لو كانت مضطربة ومختلطة. إذن أفضل ما يمكن أن يقوم به الإنسان طالما لم يكتسب معرفة كاملة عن انفعالاته، هو أن يتصور قاعدة عامة للسلوك القويم في الحياة، أي سلوك يكون مبنيا على مبادئ ثابتة، وأن يحفظها في ذاكرته ليطبقها في الأمور الجزئية التي تعرضه في حياته اليومية، مثلا، أن يضع من بين قواعد الحياة، التغلب على الكراهية بالحب والأريحية، لا أن يقابلها بالكراهية. وأن يفكر في استخدام رباطة الجأش من أجل القضاء على الخوف. ولابد أيضا من أن يستعرض المرء مخاطر الحياة العامة وأن يتخيلها ويفكر في أفضل سبل لاستبعادها وذلك بحضور البديهة وشدة البأس. كما ينبغي الانتباه إلى ما يتضمنه كل شيء من خير، حتى يكون الشعور بالفرح هو المحدد للأفعال على الدوام 34 .ويقدم سبينوزا أمثلة لكيفية التحكم في الانفعالات وفقا لأوامر العقل *، لكن الحل الذي يقدمه هنا يتعلق بمستوى أولي. والنظام الذي اعتمده سبينوزا هنا-حسب جيل دولوز-هو كالتالي:

بقدر ما تعذبنا الانفعالات المضادة لطبيعتنا، تكون لدينا القدرة على تشكيل أفكار واضحة ومتميزة، وعلى نسج تأثيرات تترابط مع بعضها طبقا للعقل، وهي انفعالات فرحة. هذه الانفعالات الفرحة هي فرصة أولى لتشكيل مفهومات مشتركة. وبقدر ما يكتسب الانسان هذه المفهومات المشتركة تصبح له قوة لتجنب اللقاءات السيئة، والانفعالات المضادة له، بقدر ما يشعر الإنسان بالضرورة يكون قادرا على انتاج مفهومات مشتركة جديدة تجعله قادر على فهم التباينات والمضايقات نفسها35

المراجع والمصادر

3 أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص 248

4سبينوزا: علم الأخلاق، تمهيد الباب الخامس. ص 314 .

5سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 7 ، ص 239 .

6سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الثالث، القضية 43 ، ص 189 .

7نفسه القضية 44 .

8 د. أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص 229 .

9سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 59 وبرهانها. ص 208 .

10 سبينوزا: علم الأخلاق، حاشية القضية 18 ، الباب الرابع، ص 249

نفسه.

12 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 65 ولازمتها، ص 294 .

13 نفسه.

14 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 69 .

15 فاطمة حداد الشامخ: الفلسفة النسقية، ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا، ص 141 .

16 سبينوزا: علم الأخلاق، البديهية الأولى، الباب الخامس.

17 Une lecture contunier de L’Ethique de Spinoza.

18 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، القضية 4 ، برهانها وحاشيتها، ص 320 – 319 .

19 د. أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص 259 .

20 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، القضية 2 ص 313 .

21 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، برهان القضية 2 ص 313 .

* الفكرة الصحيحة: هي }الفكرة التي تكون تامة في الإله من حيث أنه يتجلى من خلال طبيعة النفس البشريةومن تكون لديه فكرة صحيحة

يعلم في نفس الوقت أن له فكرة صحيحة{. سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الثاني القضية 43 ، ص 128 .

*إذا كانت ماهية الإنسان هي الرغبة فالإنسان لن يحقق الفضيلة بنفيه للرغبة وإنما بدمجها تدريجيا في العقل:

Une lecture contunier de l’ L’éthique

22 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، برهان القضية 2 ص 313 .

23 سبينوزا: علم الأخلاق، حاشية القضية 4 ، 320 – 321 .

24 د. زيد عباس كريم: اسبينوزا الفلسفة الأخلاقية، ص 222 .

25 Une lecture contunier de L’éthique. Plan de la partie V.

26Une lecture contunier de L’éthique. Prop 4.

* تخيل الشيء ببساطة معناه تخيله على أنه حر.

27 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس القضية 5 – 6 .

28 Misrahi, Une lecture contunier de L’éthique. Prop 6.

29 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس القضية 6 ، ص 321 .

30 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس القضية 7 ، ص 322 .

31 نفسه.

32 جيل دولوز: سبينوزا ومشكلة التعبير، 247

33 د. أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص 250 .

34 سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، حاشية القضية 10 ، ص 327 .

*سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس حاشية القضية 10 ، ص 327

5 3جيل دولوز: سبينوزا ومشكلة التعبير، ص 240

شاهد أيضاً

التّجريب في المسرح الفلسطيني، رؤية وأبعاد: المونودراما نموذجا

مداخلة: رجاء بكريّة (في إطار مهرجان فلسطين الثّاني للمسرح) “.. .هذا يعني أنّ التّجريب بمفهوم اختلافهِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *