الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / الإبستيمولوجية

الإبستيمولوجية

بقلم : أسامة البحري

–1: الإبستيمولوجية و الإنفصال :

مما لا شك فيه و حسب المفكر المغربي الجابري أيضا ،  أن مفهوم الإبستيمولوجية هو ( مفهوم قديم جدا و حديث جدا 1)، و أن مفهوم الإنفصال بتعبير “فوكو” ، أي فصل المعرفة البشرية عن فروعها و أجزائها أمر لا منطقي ، لأن السيرورة و الصيرورة المعرفية لا يعقل فصلها و تجزيء تراكمها المتقدم إلى أجزاء كما نلاحظ اليوم و التيننعتها ، بالمعرفة البشرية،  لهذا يستحيل بتعبير الجابري” فصل سيرورتها بصفة نهائية “2، و إذا ما انتقلنا إلى فوكو سنجده بعمله ” حفريات المعرفة ” أيضا ناقش مفهوم الإنفصال هذا و شجع على تفجيره لأنه يحد بتعبيره من تراكمات معرفية ، تفجير القطيعات الإبستيمولوجية بتعبير باشلار ، و هنا يتبين لنا كيف أن الفلسفة سواء مع فوكو أو مع ما يصرح بها الفيلسوف الجابري أو ما صرحت به العديد من دوافع التراكم المعرفي -التوليدي لتاريخ الفكر ، أي غيرهم من المفكرين الذين ساهموا في تراكم و توليد المعرفة ، فهي تتأسس بعيدا كل البعد عن الزوايا التي تحد و تفصل علما عن الفلسفة  ، و ممالا شك فيه أن هذه الفلسفة تلاحق موضوعاتها المنفصلة ، و لهذا بالضبط نجدها أنها لازالت حاضرة و باستمرار ، لأنه بكل بساطة هذه العلوم المنفصلة هي فلسفة متحجبة بحجاب الحد المعنون بعنوان علمي معين ، و ما يتميز به الحقل الإبستيمولوجي من صفات  ، إن صح تعبيري هو عبارة عن ” ظل للفلسفة” ، فهو دراسات تهتم بنقد نتائج العلوم ، الطبيعية منها و الإنسانية ، و يختلف هذا المفهوم “الإبستيمولوجية ” من لغة إلى أخرى ، و لكنها تلتقي في نقطة أن الإبستيمولوجية موضوعها هو  المعرفة ، و يتكون من كلمتين : إبستيميه و يعني العلم و لوجي تعني” النظرية ، دراسة ، نقد .. “، فهي إذن من خلال اشتقاقها تعني لنا “علم العلوم” ، و ينعتها لالاند بموسوعته الفلسفية ب”فلسفة العلوم” ، و لكن المشكلة التي واجهها لالاند و العديد من أصحاب المنظرورات المختلفة باختلاف ثقافتهم العلمية في ضوء العلامية المحتكرة، فيرأيهم هناك تداخل بين “الميتودولوجيا : علم المناهج ” و المنطق و نظرية المعرفة و فلسفة العلوم مع مفهوم الإبستيمولوجية هذا ، و مما لا شك فيه أن العلم ببراديكمياته يكون لنا منهجا موحدا كما يتفق على ذلك تاريخ العلوم ، و لكي نعتبر الإبستيمولوجيا علما يجب أن يكون لها منهجا موحدا و محددا ، و لكن هذا يستحيل لأنه كما نلاحظ في التفسيرات الإبستيمولوجية ، نجد أن هناك تداخل بين فحص المناهج الذي تختص به الميتودولوجيا ، و نقد بقايا التحليل أو نتيجة التحليل الذي هو من عمل فلسفة العلوم ، و عندما ينظر أيضا الابستيمولوجي الى هذه النتائج في ضوء ما مدى تعبيرها أي هل النتجيجة كاملة أم غير كاملة  ، فهنا يدخل في تخصص نظرية المعرفة ، و لكن رغم التداخل في حقل الإبستيمولوجية فإنها بالعصر الحاضر أصبحت تظهر في الحقل العلمي ببداهة و أخذت تفرض حقلها هذا

1_2 : علاقة الإبستيمولوجية بنظرية المعرفة

ما هو متوارث بتقسيمات الفلسفة و هي أنها تنقسم إلى ثلاث أقسام : أولا : الأنطلوجية : و هي بكل بساطة كما يرى أرسطو ، تحليل الوجود بما هو موجود ، و لذلك نجد من جهة أن الطبيعيات التي كانت حاضرة بحدة في منبعها الأول بفلسفة ما قبل سقراط “الطبيعيون ، الإليون ، الأيونيون ، الطبيعيون المتأخرون ….” تدرس تغير أجسام الوجود ، أما الرياضيات مع “فيتاغوس ، آينشطاين الخ” فإنها تعتبر الوجود كأعداد و كم و مقدار ، و لكن هذه الأنطلوجية تدرس الوجود ككل  و تحاول الوصول إلى علله و دوافعه كأصل الوجود مثلا ، ثانيا : نظرية المعرفة : من المذاهب الأساسية بحقل نظرية المعرفة نجد المذهب العقلي ، الذي نجده مع إلى حد ما مع أرسطو و بحدة مع الرواقيون و هوبزو بيكون و ديكارت الخ ، فهم يؤمنون بأن العقل يولد بتقنيات فطرية للوعي داخل الدماغ أو ببساطة يوجد العقل فطريا بمبادئ قبلية تدفعه إلى الوصول إلى المعرفة اليقينية ، ثن نجد المذهب التجريبي مع جون لوك و دافيد هيوم الخ ، الذي يصرح بأن العقل كما يرى جون لوك في مقدمة كتابه مقال في الفهم البشري أن الطفل يولد صفحة بيضاء و يكتسب الأفكار البسيطة أو المكتسبات الأولى ، و هذه المكتسبات نكتسبها عبر الحواس أي بالتجربة  و في نقطة الحدس هذه تفرعت نزعات كالنزعة الدغمائية و الوثوقية التي تؤمن بأن العقل قادر على التوصل الى حقائق مطلقة ، ثم النزعة النقدية أو النسبية التي تقر بأن المعرفة محدودة في ما تمده إيانا الحواس ، لهذا فالمعرفة هي نسبية و نجد هذا  الطرح بتاريخ الفكر مع إيمانويل كانط بالخصوص  ، ثالثا : الأكسيولوجية التي تهتم بما ينبغي أن يكون كالخير ، الحق ، الجمال  ، و هي قضايا يهتم بها ، علم الجمال ، علم الأخلاق ، علم المنطق ، و من خلال هذا التقسيم يتبين لنا الإلتحام البديهي بين الإبستيمولوجية و الفلسفة و نظرية المعرفة بشكل عام ، و بينها و بين نظرية المعرفة بشكل خاص ،  و لهذا بموضوعية خالصة لا يمكننا أن نسقط في ما سقط به العديد من الباحثين الذين سلموا بأنه يجب التمييز بين الابستيمولوجية و نظرية المعرفة ، لأن الإبستيمولوجية في تمثلهم العلمي ، تهتم بالمعرفة العلمية وحدها ، أما نظرية المعرفة فهي التي تهتم بأنواع المعارف بأكملها ، و هذا التصور الذي يؤمن به العديد من الباحثين هو تصور لاموضوعي و مصطنع ، لأنه بكل بساطة المعرفة العلمية هي نتاج المعرفة العامية التي يفكر من خلالها العقل ، فمثلا نجد أن هذه المعرفة العلمية تعتمد القياس و الأدوات ، و لكن هذه الأدوات و التقنيات لا قيمة لها إن لم يتداخل النشاط الكلياني للعقل المفكر لأجل إحيائها معرفيا و واقعيا ، و هذا جدل طويل بتاريخ الفكر منذ الفلسفة اليونانية إلى الآن ، فهناك إذن علاقة إنفصال و اتصال بين الابستيمولجية بمعناها الميكرو – فيزيائي ، و بين نظرية المعرفة بمعناها الفلسفي العام ، خصوصا مع ظهور مفهوم ” القطيعة الإبستيمولوجية مع باشلار ” ، التي فرضت على الإبستيمولوجية الخضوع إلى  العلماء ، و اعادة النظرية المعرفية إلى تلك النظرة التقليدية التي كانت عليها و التي تنحصر في المشاغل الفلسفية ، و لكن هذا لا يعني أن هذا التقسيم هو اليقين المطلق ، فرغم الاحتقار الذي قام به بعض البحاثين لنظرية المعرفة ، إلا أنها كما يتفق العديد من المؤرخين هي نظرية أعم من الإبستيمولوجية

1-3 : علاقة الإبستيمولوجية بعلم المناهج أو الميتودولوجية

تعرف الميتودولوجية بعلم المناهج ، و مفهوم المنهج هذا الذي يعبر عن جدل لا متناهي بتاريخ الفكر من أرسطو إلى الآن ، قد نقول عنه أنه علاقة لا متناهية بين العقل و الطبيعة ، فمادامت الطبيعة بأشكالها الرياضية و الفيزيائية و أصواتها التي تندرج في حقل دوافع الأشكال الفيزايائية موجودة مع الوجود ” الصوت الفونيمي هو ذبذبة حينما تدخل إلى العقل تشبه الذبذبة الصورية الفيزيائية لمقطع إما بيولوجي أو مادي أو فلكي و تشبه أيضا الذبذبة النيورونية الفطرية للعقل ، و هذا الكل حينما يلتحم بخلية عصبية واحدة يتواصل مع باقي الخلايا ليعطينا منهجا إنسانيا ” ، أو بتعبير أرسطو( الهيولى ) التي تعني المبادئ أو الجواهر الأولى التي وجدت مع الوجود أو التي كون منها الوجود بصفتها جزء من أجزائه ، فمادام إذن هذا المساند الرسمي للعقل  الإيكولوجي موجود كما كان ، فإنه بكل بساطة المنهج العقلي – العلمي سيظل موجودا ، لأن المتفكر به هو بالضرورة نتيجة الطبيعة بأشكالها التي تتطور و أصواتها التي تتطور و تحركاتها المعقدة التي تتعقد ، هذه المبادئ هي المخاد الأساسي للمنهج  ، و بفعل تحليله و سبر أغواره يبني العقل هويته الإبستيميه علمية ، و يتدرج من هذا الأساس و هو الهوية الابستيميه علمية ، سنختصرهافي أربع نقط صرح بها بورديو و هي : “القطع المنهجي ، التنبه المنهجي ، التفكر المنهجي ، توليف النظريات أمام ظاهرة أو المقارنة الاتحادية للتراكم النظري أمام ظاهرة ” هذه القواعد إذن هي ليست نتاج دوافع من عالم آخر ، بل هي بكل بساطة نتاج إصطدام العقل مع الطبيعة التي وجد فيها ، و ذلك بفعل التأمل و التفكير و التحليل ، مما يدفعه  إلى توليد هوية ابستيميه علمية من خلال هذا الاصطدام مع مكونات الطبيعة الايكولوجية ، السوسيولوجية و الرياضية الفيزيائية الخ  ، بمعنى آخر العقل يفكر بما اكتسبه من  مكونات الطبيعة  و يستند إلى ما فسر حول الطبيعة كجزء صغير من منهجه ، و لكن منهج الباحث يتأسس بالأساس على الطريقةالخاصة التي ينظر بها إلى الأنطلوجية ، و ذلك بفعل اختلاف الطريقة التي تتواصل بها الخلايا العصبية داخل الدماغ من عقل إلى آخر و الأمر هنا يشبه بصمة الأصابع ، و لهذا فالمنهج ليس هو ذلك المنهج العلمي الذي يخص  العلوم فقط ، بل المنهج الحق هو طريقة كل عقل في ربطه للقوانين التي يتوصل إليها بتحليله للواقع الطبيعاتي و لهذا يعرف هذا المنهج العلمي بأنه (جملة العمليات العقلية و الخطوات العملية التي يقوم بها العالم من بداية بحثه إلى نهايته من أجل الكشف عن الحقيقة و البرهنة عليها 2)  ، و كإضافة أساسية في نقطة المنهج هذا ، المؤرخ أو الميتودولوجي مثلا حينما يقرأ لأرسطو عملا معينا ، كالكون و الفساد فإنه لا يتعامل مع الكتاب كإبداع فقط بل يعتبره منهج علمي في صورة منهجية ، و لهذا يجب علبنا أن نتخطى فكرة أن المنهج يرتبط بماكرو-فيزياء -معرفة -العلم فقط ، أي أن المنهج يخص العلوم فقط ، و منهج هذا ليس هو منهج الآخر ، هذا الحد أو الإنفصال كما سنرى مع فوكو يحد من ظهور  العديد من النظريات التوليفية أو الاتحادية ، و لكن ما نجده بالحقل العلمي الآن وهو الإنفصال ، فكل علم هو من يفرض على وعيه البحثي الموضوع و يحاول التشبت بمنهج واحد موحد ، و يعتبر الباحث بالميتادولوجيا أو المختص بعلم المناهج هو ذلك المتعقب و الناقد أيضا للمناهج ، فهو يلاحق الطريقة الشخصية للفيلسوف أو العالم في ربطه للقوانين الميكرو -فيزيائية ، أو الإبستيميه-ميكرو-فيزيائية ، و ذلك بوصفها و تحليلها و تصنيفها و نقدها ، لكي تصبح نظرية أشد منطقية ، و بالنسبة للنظرية هناك فرق شاسع بين الميكرو – فيزياء التي هي قابلة للتحقق التجريبي بمعبد برنار و هو المختبر ، ثم هناك ميكرو – فيزياء المعرفة التي هي السابقة على هذا الميكرو – فيزياء الذي للأسف نفى دور التفكير العقلي ، فمثلا في صدد ميكرو – فيزياء – المعرفة لنأخذ على سبيل المثال نظرية جيل دولوز حول المفاهيم المنطقية ، فهذه النقطة و ماشبهها بحق المعرفة المعقدة يستحيل أن نفهمها من خلال التجربة ، حتى و لو شرحنا الدماغ بحقل علم أعصاب الدماغ فيستحيل الوصول تجريبيا إلى ميكرو – فيزياء – المعرفة إلى علاقة المفهوم الفلسفي المنطقي بمكونانه و بالمسطح كما يرى دولوز ،  و لكن الإحساس الداخلي للعقل بمساندة من الخيال المنطقي و ليس الخيال العفوي يمكننا منطقيا بتحقيق نتيجة أساسية بحقل ميكرو – فيزياء – المعرفة ، و هو الإمتداد المنطقي من نقطة إبستيميه – ماكرو – فيزيائية ، إلى نقطة إبستميه – ميكرو – فيزيائية ، و هذه العلاقة للأسف لم يعترف بها حقل الميكرو – فيزياء رغم أن ميكرو – فيزياء – المعرفة  هو المهاد الأساسي الذي يتحرك من فوقه هذا الحقل الميكرو – فيزيائي ، و حقل ميكرو – فيزياء – المعرفة هذا هو الإبستيمولوجية ، أو كما نعتها آنفا ” ظل الفلسفة ” ، و الفرق بين الابستيمولوجية و الميتادولوحية و هي أن الأولى تهتم بالمعرفة بشكل كلياني سواء الماكرو-ميكرو فيزيائية ، أو الإبستيميه – ماكرو – ميكرو فيزيائية ، بمعنى مبسط تهتم بالمعرفة المنطقية و العقلية من الناحية الكليانية : ماكرو ، و من الناحية المعقدة أي الميكرو كمنهج أي كطريقة شخصية لعقل معين في ربط القوانين الميكرو على ضوء مسطح الماكرو أو الواقع الابستيميه ،  ثم العلم التجريبي من الناحية الكليانية و المعقدة ، هذا بالنسبة للابستيمولوجية ، إذا اتتقلنا إلى الميتودولوجية سنجدها تنحصر في الوصف التحليلي  للمناهج العلمية لا أكثر ، مثلا نجدها تقتصر في علاقة الفكر الموجود بمنهج نظرية معينة مع الواقع لا أكثر ، بمعنى آخر تهتم الميتادولوجية بالوصف التحليلي للمناهج العلمية و تتناول علما بعلم ، أما الابستيمولوجية تهتم بالكل و تطمح لأن تكون نظرية عامة في العلوم 

1-4 : علاقة الإبستيمولوجية بفلسفة العلوم

من البديهي بالحقل المعرفي ، أن كل تفكير في العلم  في دوافعه الجوهرية ، مكوناته ، نتائجه  ، قيمته المنطقية ، هو فلسفة للعلم ، و حسب تقسيم متعارف عليه بتاريخ الفكر ، أن التفكير و التفلسف في العلم ، يمكننا تقسيمه إلى أربعة ( أولا : دراسات علاقات العلم بكل من العالم و المجتمع ، أي العلم من حيث هو ظاهرة إجتماعية  ثانيا : محاولة وضع العلم في المكان الخاص به ضمن مجموع القيم الإنسانية . ثالثا : الرغبة في تشييد فلسفة للطبيعة انطلاقا من نتائج العلم . رابعا : التسجيل المنطقي للغة العلمية 3) ، و من خلال هذا التقسيم الرباعي سنفهم بأنه هناك تزاحم في وجهات النظر و من بينها ، وجهة النظر الوضعية مع أوغست كونت : قد عاصر كونت الثورة الفرنسية ، فتأثر بالتمزق و الفوضى التي أصابت المجتمع الفرنسي ، فتساءل عن كيفية خلق الإنسجام في الحقل الفكري ، و لهذا فقد أقر بأن الإختلاف في النظرة الفكرية هي نتاج إبتعاد الإنسان بتفكيره عن الواقع المعاش ، لأنه تناول أمورا كان من الصعب أن يصل إلى حقيقتها و لذلك فقد أعادها إلى الأوهام و اللاهوت “الحالة اللاهوتية ” ثم من بعها اكتسى فيما بعد طابعا ميتافيزيقيا ” الحالة الميتافيزيقية كنظرية المثل مثلا عند أفلاطون ” ، و لهذا حسب كونت حينما سيركز الإنسان على دراسة الظواهر مبتعدا أتم البعد عن التأملات الميتافيزيقية ، مهتما بالعلاقات بين الظواهر ، فإنه حسب كونت سيتوصل إلى الجواهر التي تحكم الظواهر و الوقائع ، لتصبح بذلك في متناول قبضة الإنسان ، لكي يستفيد منها فكرا و عملا و هذه الدرجة هي المرحلة الوضعية ، و قد إهتم كونت إلى جانب هذا بتصنيف العلوم على الشكل التالي : الرياضيات – الفلك – الفيزياء – الكيمياء – البيولوجيا – السوسيولوجيا ، و لم يعترف كونت بباقي المعارف لأنه يرى أنها مجرد تطبيق لهذه العلوم ، فمثلا السيكولوجيا هي تطبيق للسوسيولوجيا و الفيزيولوجيا ، و لهذا ( مع أوغست كونت ، أصبح من الممكن ، بفعل تقدم العلوم الوضعية إنشاء علم إجتماعي وضعي يكون للمجتمع كالفيزياء بالنسبة إلى الطبيعة ، و هذه هي المهمة الرئيسية للفسلفة الوضعية التي نادى بها أوغست كونت مؤسس علم الإجتماع 4 ) و لكن أوغست كونت يتقدم ابعد من ذلك متصورا بأن الوضعية لن تتحقق مادام كل علم غارق في تخصصه ، و بعيدا كل البعد عن الآخر ، و بهذا البعد فإن العلماء يتجاوزون بعض المواضيع ، لأنه لا يجدي العلم فيها شيئا و لهذا يرى كونت بأنه يجب إنشاء تخصص علمي جديد يضاف إلى جانب الاختصاصات الأخرى يدرس لنا التعميمات العلمية ، مما سيصبح لدينا فلسفة للعلوم ، و لهذا فإن الباحث حسب كونت يجب أن يهتم بالعلوم ، و ذلك بفهم جواهرها و مناهجها و غاياتها ، و فلسفة العلوم هذه حسب كونت هي من يجب أن تحتل مكان الفلسفة الميتافيزيقية ، لكي تصبح هي الفيزياء الإجتماعية أو السوسيولوحية التي أنشأها كونت خطان يلتقيان في نقطة الوضعية ، و بالنسبة لهذه الوضعية الفرنسية التي كانت لها قيمة علمية بفرنسا ” القرن 19 ” ، نجد أيضا بنفس هذا القرن بألمانية ظهور وضعية جديدة تزعمه الفيلسوف و الفيزيائي أرسنت ماخ ، و قد ظهر هذا الإتجاه الفينومينولوجي كرد فعل على فلسفة المطلق مع هيغل و كرد فعل على فكر فخته و شلينج  و النزعة الميكانيكية السائدة بالفلسفة الطبيعة منذ نيوتن ، و قد انتصر هذا الفكر بشكل كبير إلى لامادية بركلي ، و لهذا أقر ماخ بأن الإنسان لا يكتب معرفته من أي مكان آخر سوى الحواس ، و يقر بأن الكل الذي تكونه الأحاسيس هو الرمز و ليست الأحاسيس هي الرموز ، لأنه كما يرى الأحاسيس تتداخل لتعطينا مركبا  ، هذا المركب هو شيء قابل لأن يسمى بأي إسم ك”شجرة ” و هذا المركب أو الرمز الناتج عن تداخل الأحاسيس هو مستقر و نسبي أي قابل للثبات و قابل للتغير أيضا ، و لهذا يقر ماخ بأن جواهر الوجود لبست هي الموضوعات المادية و الأجسام ، بل الدافع الأساسي في نظره هو الأصوات و الألوان ، و يتقدم ماخ إلى فكرة أساسية و هي أن الاهتمام بالمادة و القابل للملاحظة هو دافع للا إهتمام الحق باللاظهراتي و المتخفي  ، و كان هذا الطرح الذي ينتصر إلى نقطة الإحساس تمخضت الوضعية الجديدة ، التي كانت معروفة باسم المدرسة الفلسفية ، لتصبح معروفة التجربية المنطقية و بالفلسفة الوضعية الجديدة و المنطقية ، و قد عرفت بالتجريبية لأنها أعلت من قيمة التجربة و أقرت بالفكرة المثفق عليها من طرف التجريبيين و هي أن التجربة مصدر المعرفة ، و لهذا فقد حاربت فكرة الأفكار القبلية التي جاء بها الرواقيون و ديكارت ، و قد جاءت أيضا هذه التجريبية المنطقية كرد على التجريبية التي نجدها مع حون لوك و دافيد هيوم التي تقر بأن الانسان يستحيل أن يصل إلى معارف فلسفية أو علمية يقينية ، لأن المعطيات التجريبية الحسية هي في نظرهم غير ثابتة و محكومة بالتغير و بالتدفق بتعبير أفلوطين ، و لهذا فإن هذه التجربة المنطقية ستغير النظرة إلى التجريبية بقلب المحتوى رأسا على عقب ، مركزة على أننا يمكننا التوصل إلى معرفة منطقية ، و لكن يجب أن نركز على القضايا التي تحمل محتويات منطقية كقضايا العلوم الطبيعية و الرياضية مثلا ، و أن نبتعد عن القضايا الفارغة من المعنى كالقضايا الميتافيزيقية و اللاهوتية ، و من منظور هذه المدرسة الوضعية الجديدة يوجد نوعان من المعارف : المعارف التي ترتبط بدافع اللغة و صور الفكر و المعارف التي ترتبط بفينومينولوجيا الواقع أو ما يتمظهر عن الواقع و ما يتمخض عن التجربة و هذه المعرفة الثانية هي معرفة علمية تتمخض عن لغتنا التي تحمل معلني و أفكار و بهذا يجب إخضاع لغتنا إلى تحليل منطقي صارم لكي نتوصل إلى الجوهر الأصلي الذي تنقله لنا التجربة ، و بهذا تصبح لنا فلسفة موضوعها هو تحليل الكيفية التي نتحدث بفعلها عنها ، و هذا ما يعطينا ” منطق للعلم ” ، و يرى كارناب في سياق هذا الموضوع أن ماهية هذا العلم لم تتحدد و لكننا سنميزه بنعته منطق العلم ، و العلم حسب كارناب لا يرتبط بثاثا بالعبارات التي يصوغها العلماء ، بل هي الموجودة و المكونة للحياة الجارية ، و لهذا يرى كارناب أن هذا المنطق العلمي يجب أن يدرس كيفية تكون المفاهيم مثلا و كيفية تكون الفروض و كيفية تكون النظريات البيولوجية الخ ، أي البحث في كيفية البحث ، و لهذا يمكننا القول أن ما تلح عليه الوضعية المنطقية هو توجيه نظرة نقدية إلى المكونات المعنوية – اللغوية التي تعبر بها العلوم ، لأجل الحد من المعرفة العفوية التي تدخل إلى الحق العلمي ، زد على ذلك نجد وجهة نظر أخرى ، و هي وجهة النظر التطورية مع هربرت سبنسر و تتفق هذه النزعة التطورية على فكرة أساسية و هي أن عالم الفكر و المؤسسات الإنسانية في تطور و لهذا فحسب سبنسر هناك تأثر للأشكال العليا من الواقع أي الماكرو – سوسيولوجية ، بالميكرو – سوسيولزجي اي بالأشكال الدنيا من الواقع ، و مما لا شك فيه أن مفهوم التطور ليس بمفهوم جديد ، بل نجده في حقل البيولوجية ظهر مع تشارلز داروين بكتابه أصل الأنواع بالقرن 18 ، و أقام بمفهومه هذا ضجة إبستيميه إكتسحت جل ميادين المعرفة لتصبح كما كانت و لازالت بعدما أقحمت بالحقل الفكري ، لتصبح علاقة فكرية ضرورية و شبه حتمية كعلاقة التطور من المادة إلى الفكر ، و من بين من تأثروا بنقطة التطور هذه نجد هربرت سبنسر 1820 – 1903 الذي كان من أولائك الذين أقحموا مفهوم التطور بالعلوم الإنسانية ، و لهذا فقد أقر بأن قانون التطور هو مبدأ ينطبق على جل مكونات الوجود و أبعاده ، و في كتابات سبنسر نجد أنه قد إجتهد في رثق أو توليف مختلف العلوم التي عاصرها ، ليعطينا فلسفة تركيبية ، مركزا على مبدأ التطور بكونه قانونا أساسيا في جمع شتات العلوم مكونة وجدة متناسقة ، مشكلة بذلك حقلا من العلوم ، مكون من العلوم المجردة “المنطق ، الرياضيات ” و العلوم المجردة – المشخصة ” الميكانيكا ، الكيمياء ، الفيزياء ” العلوم المشخصة ” الفلك ، الجيولوجيا ، البيولوجيا ، السيكولوجيا، السوسيولوجيا ” و من خلال ما صرح به سبنسر في كتاباته يتبين لنا أنه قسم المعرفة إلى ثلاثة : المعرفة العامية ثم المعرفة العلمية ثم المعرفة الفلسفية ، و هذه الأخيرة و هي المعرفة الفلسفية ، هي التي كما سلمنا تجمع شتات العلوم بمساندة من مبدأ التطور ، و هذه في حد ذاتها فلسفة للعلوم التي تقيم تحولات بين الماضي و المستقبل ، بفعل محاربة الثبات الحاضراتي ، زد على ذلك نجد وجهة نظر المادية الجدلية التي اعتمدت أيضا قانون التطور و لكنه تطور دياليكتيكي قائم على صراع الأضداد ، و يرى إنغلز في هذا الصدد بأن الفكرهو تاريخ تطوري ، و يقر أيضا بأن الدياليكتيك هو الذي يوضح ما يقع من تطور في جل أبعاده ، و ينتقد أيضا انغلز الذين يهمشون الفلسفة و في نفس الوقت يستعملونها و المشكل كما يقر انغلز بمحاولتهم الإبتعاد عن الفلسفة فهم يستعملون أسوأ فلسفة و لهذا فهو يرى بأن العلماء مهما فعلوا فهم تحت سيطرت الفلسفة و يختم إنغلز بتوجيه سؤال مفارقاتي وهو يبقى الإختيار بين فلسفة كموضة و الفلسفة كبناء عقلي نظري ، هو أمر نتاج إرادة المعرفة التي هي أبعاد لا متناهية بفعل التطور الابستيميه للعقل ، فهناك كما أشرنا مع انغلز من يعتمد الفلسفة كموضة و هناك من يعتمد على تاريخ الفكر و مكتسباته ، و هذا الثاني حسب انغلز هو المادية الجدلية بالذات و فلسفة العلوم تنبني على هذه المادية الجدلية التي كما قلنا هي جسد تاريخ الفكر و مكتسباته ، و يرى فاطاليف أيضا في سياق انغلز هذا ، أنه يجب اتحاد العلوم لتطبيق المنهج العام لنظرية المعرفة ، من أجل فهم تطور العالم و المنهج العام هنا هو الديالكتيك و تطور العالم هو المادية الجدلية

1-5 : علاقة الإبستيمولوجية بالفلسفة المفتوحة :

من بين أنصار الفلسفة المفتوحة نجد : كونزيت و اديونيته التي تعني إخضاع  العلل و المعلولات للتجربة ، لأجل تفقدها تجريبيا ، و لهذا فديالكتيك كونزيت الاديوني ينقسم إلى مبدأين : الأول و هو أن كل فكرة أو قضية يجب إعادة مراجعتها ، ثانيا : أن العلاقة بين الموضوعية و الديالكتيك يجب أن تتوسطها إستمرارية إعادة التنظيم بالتجربة ، و لهذا فيجب حسب كونزيت تحقيق المعرفة النظرية بتجارب  تجعلها مرئية و لها وزن علمي و منطقي مفهوم ، و الفكر حسبه يجب أن يكون دائما فلسفة مفتوحة ، تتقبل ما  يناقض ما هو قبلي و ما هو جديد ، و لهذا فالمبدأ الأساسي بهذه الفلسفة المفتوحة هو إعادة إستدارة الوعي حول مبادئه و أفكاره و مناهجه ، و عدم اعتبار ان هناك قانون مطلق ، و لهذا يكون كونزيت قد انتقد المادية الجدلية و الوضعية الجديدة أو المنطقية  ، لأن المعرفة حسبه لا تنحصر بقواعد مفروضة على العقل كما نجد مع الجدلية المادية أو ما هو لا مادي كما رأينا مع الوضعية الجديدة ، بل المعرفة حسبه  هي معرفة عقلية و تجريبية معا ، فعملية اركيولوجيا المعرفة ، أي التنقيب و البحث الإبستيميه هو انعكاس لخلفية نظرية ماضوية منها تتكون أدوات ابتنقيب الابستيميه و منها تتمخض المفاهيم ، فكل ما هو ابستيميه – عقلي مكونات تجريبية و ما هو إبستيميه- تجريبيه به مكونات عقلية افتراضية ، فهذه الثنائية هي التي يتمسك بها كونزيت ، و في نفس مسار هذه الفلسفة المفتوحة ظهر غاستون باشلار الذي اعتبر فلسفته هي فلسفة للنفي ، و هذا طبعا عنوان لأحد كتبه ، و هي فلسفة تنفي نفيا مطلقا المعرفة العفوية و الساذجة كما ينعتها بورديو أو المعرفة العامية و الساذجة أيضا كما يسميها باشلار ، و ينفي أيضا باشلار التجربة الإبتدائية و المعرفة المبنية على الوصف الذي يتأسس على الخبرة فقط ، و هي فلسفة أيضا لا تعترف بالأفكار البسيطة كما يسميها جون لوك ، اي المبادئ الأولى ، و لكن تعترف بها إن تعرضت إلى تمحيص نقدي خالص و محض ، لكي تصل إلى حقيقتها المنطقية التي لا يكسوها أي لبس أو غموض ، و لذلك يرى باشلار بأن فلسفة النفي هذه هي ليست فلسفة عدمية أو فلسفة سلبية بل على العكس من ذلك هي فلسفة بناءة ، و طبعا مما لا شك فيه أن تاريخ الفكر كله قبل باشلار تأسس على الخاصية ، لأنه لو على سبيل المثال لو لم تظهر كتابات ديكارت ، مثلا كعمله تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى ، نجده أنه عبارة عن تأملات عقلية ، تبتدأ بتأملات فكرية عقلية لتنتهي بتأملات غيبية ، و لو لم تظهر هذه التأملات الأولى العقلية التي ابتدأت بالشك المنهجي لتنتقل إلى إثبات وجود التفكير الذي يتأسس على مبادئ قبلية  أو مبادئ فطرية توجد مع العقل كما يرى ديكارت لما نهضت النزعة التجريبية مع جون لوك بكتابه : مقال في الفهم البشري ، رائد النزعة التجريبية الذي نفى فكرة الفطرنة  الدماغية و غيرها بفكرة أن العقل يوجد ” صفحة بيضاء ” و بفعل الحواس نكتسب ” أفكارا بسيطة ” ، و كان جون لوك الذي ظهر كرد فعل على الفلسفة العقلانية لديكارت دافعا لظهور الفلسفة التجريبية أيضا مع بركلي بعمله المشهور ” مبادئ التفكير البشري ” و دافيد هيوم بعمله ” رسالة في الطبيعة البشرية ” و هذه التراكمات التي انتصرت إلى التجربة و الحواس و التي حللت فعل الإكتساب تحليلا دقيقا كانت دافعا لظهور إيمانويل كانط لكي يوازن لنا بين العقلانية الفطرية او فكرة القبلية التي يثفق فيها مع دياكرت  بالتجريبية و خصوصا مع لوك و هيوم  ، بعمله الذي حقق الثورة الثانية من بعد الثورة الكوبرنيكية و الأمر يتعلق بكتابه ” نقد العقل الخالص ” فهذا الجدل التوليدي بين العقل و التجربة هو نفسه الذي نراه الآن مع باشلار ، و قد سبقه كانط بسنوات  و لكن مع باشلار سيتم التركيز أساسا على فكرة أن الصورة العلمية لا تتضح ببداهة إلا بقوة النقد الذي يوجه إليها ، ففلسفته إذن لا تعترف بالكمال المطلق للمعارف ، بل تتأسس على النفي أو مفهوم التكذيب التي ورته كارل بوبر من بعد باشلار ، ففلسفة النفي و التكذيب هذه ، لا تعترف بثاثا بالكمال الذي تعترف به بعض النظريات ، بل  تعتبر المعرفة فرظيات تبنى بنفي كمالها و نقدها  بإستمرار ، و لهذا فالعلم و تاريخ العلم لا ينفصلان ، و من خلال هذا العرض الذي قمنا به حول فلسفة النفي لباشلار نجد من جهة أخرى جان بياجيه بفلسفته التكوينية قد انتقد فكرة النظرة الكمالية للمعرفة و التي كما يرى كانت سائدة من أفلاطون إلى إيمانويل كانط ، و لكن بفعل تقدم العلوم أصبحنا قادرين على التسليم بأنه لا وجود للنهائي بالمعرفة ، و يرى بياجيه أيضا أنه جميع المبادئ قابلة للمراجعة و التصحيح و لهذا فالمعرفة حسبه أيضا تتطور باستمرار ، و من أهم التطورات التي وقعت بحقل المعرفة هو انفصال الفلسفة عن الإبستيمولوجية ، لأنه كما يقر بياجيه أصبح العلماء يهتمون بتطور فلسفة العلوم و الإبستيمولوجية ، و هذا ما عمل عليه بياجيه أيضا ، و ذلك بربط ما توصل إليه في دراسته للنمو السيكولوجي بالمعرفة ، مما أصبحت لدينا من خلال هذا التوليف بينما هو خاص إلى ما هو عام : إبستيمولوجية تكوينية ، و هي دراسة تكوينية تنتصر إلى ما هو داخلي بالإنسان ، و تتعلق أساسا بعملية “التوليد” الذي يقع بين الحالة الدنيا و الحالة العليا ، و كان منهج هذه الدراسة شاملا لدراسات حول علم نفس الطفل بشكل عام ، تنبني على منهج مزدوج : التحليل المنطقي الذي يصف و يحلل أساسا كيف يتم الإنتقال من درجة دنيا إلى درجة عليا ، ثم التحليل التاريخي النقدي ، أي كيف يتم مطابقة و ترجمة المعرفة الداخلية بالواقع ، و ترى هذه الإبستيمولوجية التكوينية أيضا بأنه ، لا يمكننا فهم واقع حي من مبادئه المرحلية الأولى أو الأخيرة ، بل يجب تسليط الضوء المهمش الوسيط ببن الأولى و الأخيرة و هو التحول و الديناميكية ، و من خلال تصور كونزيت و باشلار و بياجيه نخلص إلى أن الإبستيمولوجية في نظرهم هي فلسفة للعلوم مفتوحة 

1-5 : علاقة الإبستيمولوجية بتاريخ العلوم

إذا ما عدنا إلى بيير بوترو سنجده يرى بأن دراسة تاريخ العلوم هو الوحيد الكفيل بأن يفتح لنا باب الوصول إلى حقائق جديدة ، نساهم بفعلها في تأسيس أسس للتفكير العلمي ، و لهذا يميز بوترو بين أربع أنواع من تاريخ العلم ، أولا : البحث الوثائقي ، و يتعلق بجمع النصوص المتعلقة بمنهجية المفكرين و العلماء سواء القدامى أو المعاصرين ، ثانيا : هو تجميع النظريات و الفروض بشكل عام عبر العصور ، و الإهتمام بها من خلال تسليط الضوء عليها ، ثالثا :  و هو توطين النظريات ، و ذلك بإعطاء كل شعب خلفيته العلمية التي تتمثل في الإكتشافات ، و لكن ما يهم الإبستيمولوجية بالخصوص من خلال هذا التقسيم الذي قام به بوترو و باقي تقسيمات العلم الأخرى ، و هو أن التاريخ يجب أن يساهم في سماكة و عمق مهاد الفكر العلمي ، و ذلك بآلية أساسية و هي النقد و اختيار ما يهم الفكر العلمي لأجل التطور ، أي بتعبير الجابري ” ما يهم الإبستيميولوجية من تاريخ العلوم هو تطور المفاهيم و طرق التفكير العلمية ، و ما ينشأ عن ذلك من قيام نظريات معرفية جديدة 4 ” و لكن إن نظرنا من زاوية أخرى ، خصوصا إلى كيفية تكون هذه المفاهيم ، فهل هي نتاج الإتصال أي هل هي لبنة فوق لبنة ، أم هي كما يرى فوكو عبارة عن انفصالات و تعرجات ، و هذه الوجهة النظر الثانية هي السائدة الآن بحقل المعرفة ، و هي ترى بأن عمليات تكون المفاهيم أو الخطابات بتعبير فوكو ، تختلف من عصر لآخر ، فكل عصر و بناءه لمضامينه و مفاهيمه ، فهو إذن تطور يتأسس على إعادة بناء نسق النظريات مما يؤدي إلى تعرجات بتاريخ الفمكر و انفصالات أيضا ، فهو ليس تاريخا ستاتيكيا ، بل هو عملية ديناميكية تتمخض عن فكرة ” التاريخ اللامكتمل ” أو بتعبير آخر و طبعا حسب راسل فهو يرى بأن كل فيلسوف يرى بأن الفلسفة وقفت بيديه و أنه يجب أن يضع الجديد ، و هذه الديناميكية للعقل هي من جعلت من القطيعة الإبستيمولوجية ، دائما ما تتحقق ، لأن المفكر يرى بأنه لا يوجد اتصال بين القديم و الجديد ، فالأمر يشبه سلسلة تنبني الجديدة من أخطاء الأخرى و هكذا ، بمعنى آخر أن تاريخ العلم هو ليس تاريخ الآراء و النظريات العلمية ، و لكنه تاريخ النشاط العلمي ، أي أنه نشاط بين الخطأ و الحقيقة ، و هذا ما يضمن استمراريته ، فهو عبارة عن نشاط الوعي الإنساني الذي له علاقة لصيقة بالواقع أي هناك علاقة وطيدة بين الذات و الواقع  ، أي أمام علاقة مستمرة بين الذات و الموضوع  ، و هذا ما يؤدي إلى ديناميكية فكرية تغير اللامتغير و تساهم في تدرج الابستيميه – ميكرو فيزياء عن ماكرو فيزياء المعرفة ، و التي هي في صالح الجنس البشري ، مما يجعلنا نقول أن تاريخ العلم و تاريخ البشرية هو خط واحد ، و لهذا يمكننا أن نخلص إلى أن الإبستيمولوجية هي علم المعرفة ، و بما أن هذه المعرفة تتمخض عن الإحتكاك بين الذات العارفة و الموضوع ، فإن الإبستيمولوجية إذن هي التي تهتم بالعلاقة التي تجعل من هذه العلاقة ” علاقة تجاذب ” أي بطريقة مغايرة دراسة البعد الذي يدفع بالذات العارفة إلى الوصول إلى الموضوع ، و يجعل من الموضوع يتجاذب حول الذات العارفة ، و هذه العلاقة هي دافع تاريخ الأفكار التي تطورت بفعل تطور وعي الإنسان و تطور النشاط العلمي

شاهد أيضاً

في عداء السذاجة وتبني الفكر النقدي

يونس كلة   صارت تطفو على سطح الفضاء العمومي سلوكيات تفكيرية ساذجة نابعة من موت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *